من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
الأبيات في الحرب (٢)
حلا حول حجرة النعمان، مدا عليه يعني مقدمة الخيل، أنفار قوم متقدمون من النفر.
لا يخفُضُ الرِزّ عن حي ألَّم بهمولا يضّلُ على مصباحِه الساري
يقول إذا أراد أن يأتي أرضا يغير عليها لم يسّر ذلك ولم يخفض الصوت ولكنه يعلنه وناره مضيئة فالساري لا يضل. الأعشى:
لاينتهونَ ولاينهي ذوي شططٍكالطعن يذهبُ فيه الزيت والفُتل
حتى يصيرُ عميدَ الحي متكئاًيدفع باالراحِ عنه نسوة عُجل
عميد الحي سيدهم، متكئا أي مصروعا، تدفع النساء عنه بالراح لأنه قد قتل الرجال فلم يبق أحد يدفع إلا النساء، عجل جع عجول وهي الثكلى. وقال أيضا:
واعددَت للحرب أوزارَهارماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا
إلا بدّ من غزوةَ في المصيف رهب تفلّ الوقاح الشكورا
الأوزار السلاج، والرهب من النوق التي لا تقوم هزالا فصير لغزوة رهبا، أي يصيب الناس فيها الضر، الوقاح الفرس الشديد، الشكور الذي يبس عليه العلف.
وقال يصف قوما في حرب:
لا يقيهم حدُ السلاح ولانألم جرحاً ولا نبالي السهاما
ساعة أكَبر النهار كما شلّ محيل لبونه إعتاما
يقول كان ذلك أكبر النهار أي ثبوتنا لهم، والمحيل الذي حالت إبله فلم تحمل تلك السنة.
وقال لقيس بن مسعود الشيباني:
أطورين في عامِ غزاةٍ ورحلةٍألا ليتَ قيساً غرّقته القوابلُ
أي تغزو الملك ثم ترتحل إليه في عام واحد؟ يعنفه بذلك ويضعف رأيه، أي غرفته في ماء السلي فلم تخرجه منه.
أمن جبل الأمرارِ صُرَّتْ خيامكمعلى نبإ أنّ الأشافيّ ساثلُ
فهان عليه أن تجفّ وطابها إذا حنيت فيما لديه الزواجلُ
كان قيس بن مسعود وفد على كسرى فأطعمه الأبلّة فلما حضر قتال العرب العجم سار قيس إلى بكر بن وائل سرا فأشار عليهم برأيه فلما هزمت الأعاجم وبلغ كسرى مسير إليهم ومشورته عليِهم فبعث إليه أن ائتني فتجهز ليأتيه، فاجتمعت رجال من بكر بن وائل فنهوه وقالوا: إنما بعث إليك لما بلغه عنك، فقال: كلاّما بلغه ذلك، فأتاه فحسبه في قصر له بالأنبار حتى هلك وفي ذلك القصر حبس النعمان بن المنذر حتى هلك. ويقال نجا قيس. فقال الأعشي احتملتَ من حبل الأمرار فصرّت خيامك وقبابك على علم منك بأن الأشافي وهو واد سائل بك. أي تهلك، ومنه يقال سال به السيل إذا هلك وقوله - فهان عليه - أي على كسرى، إن تجف أي تيبس من اللبن، ويروي: تجف وطابكم، أسقيتكم أسقية اللبن، والزواجل جع زاجل وهو العود الذي يكون في طرف الحبل الذي يشد به الحمْل وهو على هيئة الحلقة. يقول هان على كسرى أن يقتلكم ويأخذ إبلكم فتجف وطابكم إذا حطت أحمالكم إليه. وقال:
يشّد على الحربِ ليّ العصابويغشي المهجهجُ حتى ينيبا
هذا مثل، إذا منعت الناقة الدر عصبوا فخذيها عصبا شديدا فقرت ودرت. يقول: إذا امتنع علينا أصحاب الحرب فعلنا
بهم مثل ما يفعل، بهذه الناقة حتى يذعنوا كما تذعن هذه، والمهجهج الزاجر يقال هجهجت بالسبع إذا زجرته، حتى ينيبا - أي حتى يرجع. وقال:
أما التلاءُ فلا تِلاء ولا أودّ ولا خفَاره
إلا بُداهة أو علالةُ سابحٍ نهد الجزارَه
التلاء الأمان، والأود جع ود، ولا خفارة أي ولا جوار، والبداهة المفاجأة، والعلالة البقية، سابح فرس يسبح بيديه، نهد الجزارة أي ضخم القوائم، يريد ليس عندنا إلا الحرب. وقال:
ولكن شَببت الحرب أدنى صلاتهاإذا حركّوه حَشّها غير مُبردِ
أدنى صلاتها أي كنتَ أقربهم منها، وقوله:
ألى وألى كل فلست بظالمٍوطئتَهم وطءَ البعيرِ المقيدِ
المقيد أثقل وطأ لأنه يطأ بيديه جميعا. وقال:
ولمثل الذي جمعت لرَيب الدهر تأبى حكومة المقتال
يقول مثل الذي جمعت من العدة والسلاح تأبى أن يحتكم عليك متحكم، والمقتال المتحكم يقال " اقتَل عليّ ما شئت ".
كل عام يقود خيلا إلى خيل شيار غداة غب الصقالِ
تُذهل الشيخَ عن بنيه وتلويبلبونِ المِعزابةَ المِعزالِ
أبو عبيدة: أي يسلي الوالد عن ولده كما يقال: تركتهم في أمر لا يناديَ وليده - أي أمر يذهل الوالد عن ولده فلا يناديه، وهذا مثل في الخير والشر، يلوي يذهب، والمعزابة الذي يعزب في إبله لا يؤوب إلى أهله يقال معزاب ومعزابة كما يقال مجذام ومجذامة، والمعزال الذي لا يخالط الناس وهو فرد أبدا، واللبونة ما كان بها لبن وهن جمع وكذلك الواحد، يقال ليس لهم لبونة، ومثله الحلوبة والحمولة، الأصمعي: اللبون ما حلب، الفراء: تدخل الهاء في نعت المذكر على وجهين على المدح والمبالغة يذهبون به إلى الداهية وعلى الذم يذهبون به إلى البهيمة.
هو دان الرِباب اذكر هو الدينَدراكا بغزوةٍ فارتحالِ
الدين الطاعة ودان ملك والديّان منه ودان جزي ومنه مالك يوم الدين أي المجازاة، والدين في غير هذا الدأب كما قال المثقب العبدي.
تقولُ إذا رأت لها وضينيأهذا دينة أبداً وديني
ثم أسقاهم على نَفدِ العيشِ فأروى ذَنوبَ رِفد مُحالِ،
ذنوب رفد أي مثل ي قدح القرى، محال مصبوب، يقال أحلْت الدلو في البير أي صببتها، هذا مثل ضربه للموت.
دانَتْ بعد الرِبالب وكانتْكعذاب عقوبة الأقوالِ
دانت أطاعت، والأقوال الملوك وهم الأقيال واحدهم قَيل ومن ضعهم الأقوال ذهب إلى مِقوال.
ثم واصلتْ صِرة بربيعحينَ صرّفت حالة عن حالِ
صرة شتوة من الصِر وهو البرد، أي وصلتها بربيع من طول غزوك، وقوله حالة عن حال أي حالا بعد حال وعن بمعنى بَعد، روى أبو عمرو: ضّرة بربيع، أي كنت لقوم ربيعا ولآخرين عذابا، يقال معناه أسرتهم ثم أنعمت عليهم.
وشريكَن في كثير من المال وكانا محالفَي إقلال
قسما التالدَ الطريف من المالِ فآبا كلاهما دون مال
يعني رجلين من عنده غنما، كان هذا المال تالدا عند أربابه وهو طريف عندهما. ومثله قوله يصف إبلا أخذت في غنيمة
تدّرعلى غيرِ أسمائهامطرّفةً بعد إتلادِها
وقال زيد الخيل:
تلاقَينْا فما صبنا سواءًولكن خرّ عن حالٍ فحالِ
يقول ما وقعنا سواء لكن طعنته فسقط عن حال فحال، الأولى لقاؤها والثانية صرعه.
تذكر وطبه لما رآنيأقلّب الّةً مثلَ الهِلالِ
الألّة الحربة والوطب اللبن، يريد أثر اللبن، وتذكَر الخفض والدعة.
وقد بلغتْ سواءة كل مجدٍبأنفسها إذا سمنتْ فصالي
يقول يكثر البقل ويكثر اللبن فتسمن الفصال فيقول إذا نبت البقل فقد بلغوا الغاية في العداوة ولم يكن بعد ذلك إلا القتال، مثله للحارث بن دوس:
قوتم إذا نبتَ الربيع لهمنبتتْ عداوتُهم مع البقلِ
وقال زيد الخيل:
إذا أخفر وكم مرةَ كان ذاكمجياداَ على فُرسانهن العمائم
وصف قوما كانوا جيرانا لقوم فقال إن ترككم هؤلاء وأخفروا ذمتكم غزاكم الناس وأغاروا عليكم لأنكم إنما تعزون بهم، يقال أخفرت ذمة فلان أي غدرت به، وحفرته أي صرت له خفيرا. وقال أزيد الخيل:
وآل عروةٍ في قَتلاكمعَلما تنفى الثعالبَ عنهم رَكضَة الساق
يقول هم قتلى قد وقعت عليهم الثعالب تأكل منهم فإذا حركت على الخيل تنحت عنهم. وقال العوّام بن شوذب في بساط بن قيس يصفه بالجبن وفر يوم العظالي:
ولو أنهاعصفورةٌ لحسبتهامسوَّعةً تدعو عبيداً وأزنما
أي لو أن عصفورة طارت لحسبتُها من جبنك خيلا معلمة، تدعو عبيدا وأزنما أي شعارهم: يال عبيد أزنم، ونحو منه قول الله عز " يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم). وقال أبو خراش:
وأحسب عرفط الزوراءِ يؤديعلّى بوشكِ رجع واستِلال
عرفط شجر له شوك، أي كلما طلعت عرفطة خشيت من الفزع أن تعين علي، وشك رجع أي برد يد إلى كناية وسلّ سيف، يؤدي يعين، يقال أدى وأعدى على فلان سواء أي أعان وقوى عليه. وقال العباس بن مرداس:
فلو ماتَ منهم من قتلنالأصبحت ضباع بأكنافِ الأراكِ عرائسا
يقال إن الضبع إذا وجدت قتيلا استعملت ذكره، وأنشد لتأبط شراً:
تضحك الضبع لقتلى هذيلٍوترى الذئب لها يستهلُ
وقول عمرو بن معدي كرب:
أعباس لو كانت شياراً جيادنا بتثليتٍ ماناصيت بعدي الأحامسا
ولكنها قيِّدتْ بصعدةٍ مرة فأصبحن ما يمشينَ إلا تكاوسا
الشيار السمان الحسنة المنظر، يقول لو لقيناك وخيلنا جامّة لقتلت والأحامس الأشداء، ولكنا لقينا وهي كليلة قد أتعبت بصعدة وهي قرية بَخيوان، وتكاوس - أي على ثلاث، ومنه قيل للذي عُرقب هو يكوس - أي على ثلاث قال أنس بن مدرك الخثعمي وقتل سليكا.
إني وقتلى سليكا ثم أعقلَهكالثورِ يُضرب لما عافَتْ البقر
كان سليك مر ببيت من خثعم أهله خلوف فوطىء امرأة منهم فبادرت إلى الماء فأخبرت القوم فركب أنس الخثعمي في أثره فقتله فأخذ بعقله فقال ولله لا اديه ابن إفال - وقال شعرا فيه هذا البيت - يريد إن قتلى إياه كان باستحقاق منه لذلك فكيف أعقله؟ أي فمطالبتكم إياي بالعقل ظلم كما ظلم الثور فضرب إذ عافت البقر الماء، ومثله للأعشى:
فإني وما كلفتموني خهدتمليعلم من أمسى أعّق وأحوبا
لكاثور والجني يضربُ ظهرَهوما ذنبة أن عافتِ الماءُ مشربا
وما ذنبُه أن عافَتْ الماء باقروما إن تعالف الماء إلا لتضربا
الجنى الراعي وكانوا إذا أرادوا أن تورد البقر الماء فعافته قدموا فضربوه فورد، فإذا فعلوا ذلك وردت البقر، يقول فأنتم قد ألزمتموني ما لا ذنب لي فيه. أبو عبيدة: لم يكن هذا قط وإنما ضرب هذا مثلا لما ألزم ذنب غيره. ومثله بيت النابغة:
حملت علّى ذنبِه وتركتهُكذي العرّ كوى غيره وهو راتع
كانت العرب إذا وقع العر في إبلهم - وهو قرح يخرج في مشافِرها - اعترضوا بعيرا لم يقع ذلك فيه فيكوى مشفره ويرون أنهم إذا فعلوا ذلك العر من أبلهم، وقال أبو عبيدة: هذا مثل أيضا ولم يكن قط وإنما هذا كقولهم: كلفتني الأبلق العقوق. والذكر لا يكون حاملا أبدا.
وقال عمرو بن معدى كرب يصف جيشا:
جوافلٌ حتى ظلَّ جُند كأنهمن النقعِ شيخ عاصب بخماِ
جند جبل، شبّه هذا الجبل لما علاه الغبار الذي أثارته الخيل بشيخ معتّم.
وقال أبو النجم يصف جيشا:
وذو دخيسٍ أيد الصواهلمِن طبَقٍ طّمٍ ومن رَعابل
أدنى من المرسل والرسائل.
ذو دخيس يريد جيشا ذا عدد، طبق جمع كثير، طم كثير، رعابل كتائب متفرقون لأنهم لا يقدرون أن يسيروا في موضع، أراد حتى يكونوا أقرب منا من أن يبعث إليهم، وقوله:
بجَحفل يأتاب ثم يسرى
يأتاب يفتعل من الأوب، أي يسير ليلا ويطرق العدو ليلا ثم يسري أي يعود أيضا.
وقال الأعشى:
وفَيلقٌ شَهباء ملموسةتعصف بالدارعِ والحاسرِ
تعصف به تهلكه. وقال بشر بن أبي خازم خازم يصف مقتولا
تظلُ مقاليت النساء يطأنهيقلن ألا يُلقى على المرء مِئزر
يقولون إن المقلات - وهي التي لا يعيش لها ولد - إذا توطأت رجلا كريما قتل غدرا عاش ولدها. وهذا مثل قول الكميت في الحسين ﵇.
وتطيل المزرءاتُ المقاليت عليه القعود بعد القيامِ
وقال يذكر قوما:
وكانوا كذاتِ القدرِ لم تدراذغلتأتنزلها مذمومةَ أم تذيبها
أبو عبيدة: تذيبها تنهبها، يقال أذاب علينا بنو فلان إذابة شديدة إذا أغاروا عليهم فأخذوا أموالهم. غيره: أراد كانوا كسالئة ارتجنت عليها زبدتها فإن أذابتها لم تفلح وإن أنزلتها فكذلك، يريد اختلط أمرهم كهذه السالئة، والارتجان أن تعلو الزبدة حتى تصير في أعلى القدر وإذا علت فإنها تتقطع وتفسد فلا تدِري صاحبتها ما تصنع أتنزلها وهي يذم أمرها أم اديم الوقود عليها لتذوب فتحترق، يقول فهؤلاء لا يدرون إذ رأونا ما يصنعون أيرجعون فنتبعهم فنقتلهم أم يتقدمون فنستأصلهم. ابن الأعرايي: هذه أمرأة كانت تسلأ سمنا فرأت ركبا فكرهت أن تطعمه من القدر وكرهت أن تنزلها مذمومة لم تحكمها ولم تصلحها. وقال يذكر الخيل:
جعلن قشيراًغاية تقتدي بهاكما مدَّ أشطانَ الدلاءِ قليبها
يقول جعلت الخيل قشيرا غاية لها دون غيرها فهي تمد إليها السير كما تمد أنت الدلو لتخرجها وإنمآ كانت الدلو تمد في البئر صارت البئر تمد الدلو، ونحو من هذا قول أبي زبيدة.
ناط أمرالضعاف فاجتعل الليل كحبل العاديّة الممدود
يريد أنه سار الليل كله لم يعرّج ولم يعدل كحبل البئر الممدود. وقال بشر:
كنا إذا نعروا لحربٍ نعثرنشفى صداعهُم برأسٍ مِصدَمٍ
نعروا صاحوا وهو النعير والنعار، نشفى صداعهم أي إذا أتوا بوجع في روؤسهم نَذهَب بذلك الذي هاجوا له، وهذا مثل، والرأس الحي الذي لا يحتاج إلى أن يعينه أحد ولا يمده، يقال هذا الحي رأس من الأحياء ويقال الرأس الرئيس، والمصدم الذي يصدِم ما أصاب من شيء.
وقال:
ورأو أعقابهم المدِلّة أصبحْنُبذتْ بأغلب ذي مخالبٍ جهضم
أي رميت بحي مثل الأسد الأغلب وهو الغليظ العنق، والمدلة التي تدلّ بقوة، والعقاب الراية ويقال هي الحرب هاهنا ضرَبها مثلا لها، الجهضم المنتفج الجنبين، ويروي: بأفصح ذي مخالب، يريد بأصبح، والصُبحة بياض تعلوه حمرة.
وبني نميرٍ قد لقينا منهم جيلا ًتضب لثاتها للمغبمِ
تضب تدمى من الحرص وهذا مثل للعرب، يقال جاءنا يدمي فوه من الحرص، إذا اشتد حرصه، تضب تقطر وتبِضّ.
مثله لعنترة:
أبينا أن تضِب لثاتهمعلى مرشقاتٍ كالظباء عواطيا
مرشقات نساء ينظرن، والعواطي من الظباء التي تعطو الشجر أي تتناوله.
ولقد خبطْنَ بني كلابٍ خَبطةًألصقنهم بدعائمِ المتخيَّمِ
خبطن دُسن بقوائمهن، يريد الخيل هزمن هؤلاء حتى ألزمنهم بخشب البيوت، والمتخيَّم الموضع الذي خيموا به أي أقاموا وضربوا خيامهم.
وصقلن كعباً قبل ذلك صلقةًبقنا تعاوره إلا كفّ مُقوّم
يقول أوقعن بهم وقعة سمعت لها صوتا، والصلق الضرب أيضا الأول قول لبيد:
فصلْقنا في مرادٍ صَلقةوصداء ألحقتهم بالثَللِ
ومن الضرب قول ابن أحمر:
كأن وقعته في لوحٍ مرفقهاصلق الصفا بأديم وقعة تير
وقال أبعثر بن أبي خازم:
وشبّ لطيء الجبليْنِ حربتهرّ لشَجوِها منه صحار
تهرّ تكره، لشجوها ما يشجوها منه أي يحزنها، وصحار
مدينة عمان، المعنى إنا أوقعنا بطيىء وقعة كرهتها صحار لما دخل عليها من الفزع.
وصوّب قومِه عمرو بن عمروكجادعٍ أنفه وبه انتصار
ابن الأعرابي: صوب قومه أي انحدر بهم إلى بني تميم وكان ذلك عليه كجدع أنفه ولو شاء أن ينتصر لانتصر.
فحاطونا القَصاء وقد رأوناقريبا حيث يُستَمع السرار
حاطونا القصاء هربوا منا، يقال لتحوطنّي القصا أولأقتلنك قال ذلك ابن الأعرابي، وقال هذا مثل الأخفش: حطني القصا - تباعد عني وكن حيث أسمع كلامك. غيره: أحاطهم بقصاهم - وحاطهم قصاهم - معناه كان فيهم في قاصيتهم.
يسومونا الصيلاحَ بذاتِ كهفٍوما فيها لهمْ سلَع وقارُ
الصلاح مصدر صالحته أي يريدون الصلح، وما فيها - أي الذي لهم بهذا المكان سلع وقار وهما شجران مران، يقول والذي لهم في ذات كهف لثر، يقول تركوا موضع الكلأ من أجلنا وخوفنا وتنحوا عنا إلى أرض سوء مرتعها السلع والقار. وروى عن ألب عمر والشيباني: هذا أقير من هذا - أي أمر من هذا. وهو هذا النبت.
وأنزل يخوفنا سعداَ بأرضٍهنالك إذ تُجز ولا تُجاز
يقول أنزلهم خوفنا بأرض لا يخرجون منها، وقد كانت تجير ولا ر فصارت إلى هذه الحال.
وقد ضمزت بَحرتها سليمنحافتنا كما ضمزَ الحمارُ
يقال للبعير إذا أمسك عن جرته قد ضمز فضربه مثلا لهم لهم فضربه مثلا لهم أي أنهم قد أذعنوا وأمسكوا من مخافتنا.
ولم نهلكْ لمرّة إذ رأونافساروا سيرَ هاربة فغاروا
لم نهلك أي لم نستوحش، وهاربة بن ذبيان تحولوا إلى الشأم عن قومهم، الأخفش: كان بين هاربة وقومهم حرب فرحلوا من غطفان فنزلوا في بني ثعلبة بن سعد.
وقال لقوم يحذّرهم الحرب:
ويلتفُ جذماناً ولا حق بينناوبينُكم إلا الصريخ المهذَّب
الجذَم الأصل، يقول نلتقي وأنتم فلا يكون بيننا وبينكم من الحق الجلاد بالسيوف، والصريح الخالص من كل شيء، ومن روى: لا حي بيننا - فإنه يريد لا يدخل بيننا وبينكم أحد من غيرنا.
سينصُرهم قوم غضاب عليكممتى تدعهم يوماً إلى الروعِ يركبوا
أشارَ بهم لمعُ الأصم فأقبلواعرانببنَ لا يأتيه للنصر محلب
أي كما تلمع للأصم بإصبعك أي كما تشير بها، يقول: أكثر في ذلك وردده ليشد عليهم، والمحلب المعين من غير قبيلتك، يقول لا يأتيك أحد سوى قومه وبني عمه يكفونه، والعرانين الرؤساء يقول أثار إليهم فأقبلوا مسرعين، ثم ابتدأ فقال: لا يأتيه محلبَ أي معين من غير قبيلتك، يقول لا يأتيك أحد سوى قومه وبني عمه يكفونه، والعرانين الرؤساء يقول أشار إليهم فأقبلوا مسرعين، ثم ابتدأ فقال: لا يأتيه محلب - أي معين من غير قومه: وقوله:
وراكبٌحثيث بأسبابِ المنيةِ يضربُ
الراكب راكب البعير جاء بأسباب المنية يضرب بها أي يعول بها مثل قوله: دونكم السلاح، اخرجوا إلى عدوكم، يقال: هل وقعت إليكم ضربة خبر، وما ضُربت لي منه ضربة خبر، ابن الأعرابي: يضرب يحث بعيره وما ركبه، يقال جاء يضرب إذا كان مستعجلا.
وقال طفيل وذكر خيلاً:
ولكن يجابَ المستغيث وخيلهمعليها كماة بالمنيّةِ تضربُ
أي تسرع، وقال المسيب:
فإن الذي كنتم تحذرونَأتتنا عيون به تضربُ عيون قوم يبعث بهم يتجسسون
فلو صادموا الرأس المللففَّ حاجباًللاقى كما لاقى الحمارُ وجُندب
هذان رجلان، والرأس الرئيس، والملفف يريد أن القوم لفّوا
أمرهم وأسندوه إليه، والمعمم من الرجال كذلك، يقال عممه القوم أمرهم مثل العمامة يتعمم بها، وحاجب هو ابن زرارة التميمي. ابن الأعرابي: الملفف المتوج. وقال يصف قوماً:
وما يندوهم النادي ولكنَّبكلِ محلةٍ منهم فئامُ
أي ما يسعهم المجلس من كثرتهم فيتفرقون.
وما تسعى رجالهم ولكنفضولَ الخيلِ ملجمة صيامُ
أي لا يسعون في دية يطلبونها ولكن خيولهم تكفيهم ذلك يقول يركبون فيد ركون بالثأر، وفضول الخيل يريد أن لهم خيلا معدة سوى التي يركبونها، ابن الأعرابي: أراد لا يمشون على أرجلهم ولكن يركبون. وقال:
فأما تميم تميم بن مرفألفاهم القومُ رَوبيَ نياما
أبو عبيدة: روبى خثراء الأنفس مختلطين، وروى مثل ذلك عن الأخفش وقال غيره: هم سكاري من اللبن، وليس هذا بشيء، ابن الأعرابي: روبى لم يحكموا أمرهم.
وأما بنو عامرٍ بالنسارِفكانوا غداةً لقونا نَعاما
شبههم بالنعام حين هربوا مسرعين.
نعانا بخطمةٍ صرا لخدودٍ لاتطعم الماءَ إلا صياما
صياما قياما. وقال يصف جيشاً:
سمونا بالنسارِ بذي دروءٍعلى أركانِه شذَب مَنيغ
إذا ما قلتُ أقصر أو تناهيبه الأصواء لجّ به الطلوعُ
بذي دروء أي بجيش ذي فوائد والدرء الاعوجاج، أركانه جوانبه، شذب ما تفرق من النبت وهو هاهنا السلاح جعله شذبا لأنه متفرق فيهم وعليهم، إذا ما قلت أقصر أراد أنه كثير فكِلما ظننت أنه قد انقطع وتناهى به الأصواء وهي الأعلام ارتفع منه شيء آخر وطلع، يقال طلع طلوعا إذا ارتفع في الجبل. وقال بشر بن أبي خازم:
سائل نميرا غداة النعفِ من شطَبٍإذ فُضّت الخيلُ من ثهلانٍ ما ازدَهفوا
فضت الخيل فيهم أي فرقت للقتال، وما ازدهفوا ما غنموا واحتملوا.
لما رأيتُم رماحَ القومِ حِطَّ بكمإلى مرابطها المقورّة الخُنفِ
إلى مرابطها أي انهزمتم: والمقورة الضوامر، والخنف اللينة الأرساغ.
إذ تتّقي ببني بدرٍ وأردفَهمفوقَ العمايةِ منا عاند يكِف
المعنى إنك تتقي ببني بدر وجمعتهم جيشا فأردفناهم بجيش طمَّ عليهم، والعماية السحابة، شبه الجيش بها، والعاند الدم يعند عن مجراه يريد الطعنة.
تبكي لهم أعين من شجوٍ غيرهموإن يكنْ منهم باكٍ فقد لهفوا
تبكي لهم أعين رحمة وحزنا عليهم ويبكي لهم من ليس منهم ولا من حيهم. وقال زهر يصف حربا وقوما:
على ما خيّلتْ هم إزاءهاوإن أفسدَ المال الجماعاث وإلأزل
يقول تجد هؤلاء القوم إزاء الحرب أي مدبّروها - من قولك: هو إزاء مال أي يقوم به، على ما خيلت أي على ما شبهت، الأصمعي: إن حبس الناس أموالهم لا تسرح وجدتهم ينحرون وإن اشتد أمر حتى بلغ الضيق وجدتهم يسوسون. وإن كان بالمال عزة أفنته الجماعات الذين ينتابونها، والأزل الجدب. وقال يصف بلدة.
وهم ضربوا عن فرجها بكتيبةٍكبيضاءِ حرسٍ في طوائفها الرجْلُ
الفرج موضع المخافة مثل الثغر أي ذبوا عن ثغرها بكتيبة كبيضاء حرس وهي صفاة بيضاء في جبل يقال له حرس، أراد أنها تلوح الصفاة، ورجل جمع راجل. وقال:
كانوا فريقين ينضون الزِجاج علىقعس الكواهل في أكتافها شمم
ينضون الزجاج أي يسقطونها من كثرة ما يجرونها على الأرض.
ينزعن إمّة أقوام لذي كرممما تيسَّر أحيانا له الطعم
أي يسلبن أقواما نعمتهم لهذا الرئيس، مما تيسر أي ئهيأ، والطعم المأكل تيسر له من الغزو. وقال يصف خيلا:
فأتبعهم فَيلقا كالسراب جأواء تتبع شئخبا ثَعولا
الفيلق الكتيبة، كالسراب من بريق الحديد، جأواء في لونها والجؤوة لون الحديد، الأصمعي الجؤوة السواد تعلوه حمرة، والشخب ما خرج من الضرع من اللبن، والثعول الكثير، وإنما يريد الخيل يتبع بعضها بعضا من كثرتها مثل هذا اللبن الذي يدر بعضه على أثر بعض ويتتابع، وأصل الثعول في الشاء يقال: شاة ثعلاء إذا كان لها ظبي زائد، ورجل أثعل إذا كانت له سن زائدة.
وقال يصف رجلا:
فما مخدر ورد عليه مهابةيصيدْ الرجال كل يوم ينازل
وشهك منه أن ينازل قوزهإذا شال عن خفض العوالي السوافل
يريد غذا حدروا رماحهم، للطعن فارتفعت الأسافل من خلف وانخفضت العوالي من قدام. ومثله.
إذا وردت ماء علتها زِجاجهاوتعلو أعاليها إذا الروع أنجما
يقول إذا ما وردوا ماء قاتلوا فخفضوا أسنتهم للطعن فعلت زجاج من خلف فإذا أنجم الروع أي ذهب علت الأعالي وانخفضت الأسافل، وقال الحارث بن حلزة اليشكري:
هل علمتم أيام ينتهب الناس غوارا لكل حي عواء
كانت العرب من نزار يملكهم ملوك فارس، وغسان تملكهم الروم، فلما غلب كسرى على بعض ما في يديه وكان بنو حنيفة الذين غلبوه ضعف أمر كسرى فغزا بعض العرب بعضا.
إذا رفعنا الجمال من سعف البحرين سيرا حتى نهاها الحساء
يخبر عن مغارهم يقول أغرنا على من لقينا من الناس حتى
انتهينا إلى سعف البحرين ثم مضينا نغير حتى بلغنا حسى البحر فلم يكن وراءَه مغار.
ثم مْلنا على تميم فأحرننا وفينا بناتُ قومٍ إماءُ
ويروى: بنات مر، وهو أبو تميم، يقول لما صرنا في بلاد تميم دخلنا في الأشهر الحرم فكففنا وفينا بناتَ قوم إماء أي سبين.
لا يقيمُ العزيز بالبلدِ السهل ولا ينفغ الذليلَ النجاءُ
يقوم لم يكن العزيز يقيم بالسهل لخوف الغارات فكيف الذليل ولا ينفع الذليل الهرب لأنه يلحق. وقال وذكر عمرو بن هند حين أراد الغزو:
فتأوتْ له قراضبةٌ منكلِ حيٍ كأنها اللقاءُ
تأوت اجتمعت للغزو ومعه، قراضبة الواحد قرضاب وهو الصعلوك، الألقاء واحدهم لَقّى وهو الشيء المطروح، واللقي من الرجال الخامل الذكر الذي لا يعرف لأن ذكره مطروح.
فهداهم بالأسودْين وأمراد الله بلْغ يشقَى به الأشقياءُ
الأسودان التمر والَماء، وبلغ بالغ.
لم يغرّوكم غروراً ولكنرفع الآل حزهم والصحاءُ
يقول لم يأتوكم مستترين ولم يخاتلوكم ولكن القوم ظهروا لكم وأتوكم جهارا.
وقال يذكر ثلاثة خلال موجبة له الحظوة عند عمرو:
آية شارقٍ الشقيقةِ إذ حاجاؤا جميعا لكل حي لِواءُ
شارق الشقيقة أي من جاء منها من قبل المشرق والشقيقة من بني شيبان، آية واحد الآى. وهذه واحدة عدها.
حول قيسٍ مستلئمينَ بكبشٍقَرظىّ كأنّه عَبلاءُ
قيس بن معدى كرب وهو أبو الأشعث بن قيس وكانوا جاءوا يغيرون على إبل عمرو بن هند وعليهم قيس فردتهم يشكر وقتلواكم منهم، مستلثمين قد لبسوا الدروع، قرظى نسبة إلى البلاد التي تنبت القرظ وهي اليمن، وعبلاء هضبة بيضاء، أي جاءوا بكبش عظيم كأنه هضبة.
ثم حُجرا أعني ابن أم قطامٍوله فارسية خضراءُ
هذه اليد الأخرى، فارسية كتيبة عليها سلاح من عمل أهل فارس، خفراء من كثرة السلاح، وكان حجر غزا أبا المنذر بن ماء السماء يجمع من كندة فخرجت إليه بكر بن وائل فردته وفلّت جموعه.
ومع الجَونِ جون آل أبي الأوسِ عنود كأنها دَفواءُ
الجون ملك من ملوك كندة. عنود كتيبة محكمة، دفواء منعطفة على ملكها تمنعه، والأدفي القرن المنحني على عجز الوعل. وقال سلامة بن جندل:
كنا إذا ما أتانا صارح فزِعَكان الصراخَ له قرعُ الظَنابيبِ
أبو عمرو: كانوا إذا أرادوا أن ينيخوا البعير فعسر عليهم ضربوا ظنبوبه فبّرك. يقول إذا أتانا صارخ أنخنا الإبل ليحمل عليها أراد إنا نصرخه. قال الأصمعي: يقال ضرب لذلك الأمر جروته وقرع له ساقه وشد له حزيمه كل هذا إذا عزم عليه.
وشدّ كُر على وجناء ذِعلبةٍوشدَّ لِبد على جرداءٍ شرحوبِ
يقال محبِسُها أدنى لمرتعِهاولو تعادى بَبكءٍ كل محلوبِ
يقول إذا نزلنا الثغر فحبسنا به الإبل حتى صب ونسمن ونهاب قال الناس محبس هذه الإبل على دار الحِفاظ أدنى أن تنال المرعى وإن كن قد تعادينَ أي توالين ببكء وَالبكء، يقال بكؤت الناقة، يقول: إن حبسناها في الثغر قليلا على سوء من حالها فإن ذلك أدنى لها من المرتع لأنا نستبيحها فتكون لها ترعاها، أبو عمرو: يقول هم وإن ذهب لبنها احتملوا لأنهم في حفاظ، وقيل أيضا يحبسونها ترعى قريبا منهم لتُركب إن خافوا شيئا، ولو تعادى أي أعدت هذه من عدوَى الحرب وتوالت - من قوله والبيت لامريء القيس.
فعادى عداءً بين ثورٍ ونعجتةدراكاً ولم بنصحْ بماءٍ فيغسلُ
حتى تُرِكنا وما يُثنَى ظعائننايأخذن ب! ين سوادِ الخطِ فاللوبِ
يثنى يرد، يقول اتسع لها البلد بين الحرار والبحرين، يقول تحامانا الناس وقال عنترة:
وجئنا على عمياء ماجمعوا لنابأرعنٍ لاخَلٌ ولا متكشف
قول جئنا على أمر عمى وجهالة لما جمعوا لنا، أرعن جيش كثير برعن الجبل، ولا خل أي ضعيف ضئيل، ولا متكشف. وقال:
فإن يكُ عبد الله لاقي موارساًيردونَ خالَ العارضِ المتوقِدِ
العارض السحاب وأراد الجيش هاهنا شبهه به، المتوقد للمع الحديد فيه، والخال من المخيلة وقيل الخال الراية. قال المفضل بن عبد القيس:
وهم رفعوا المنيةَ فاستقلَتْدِراكاً بعدِ ما كانتْ تحيق
هذا مَثل، يريد أنهم رفعوا الراية وتحتها المنية، داركا متداركا، تحيق تنزل بهم - ومنه: " وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ".
فلما اسيقنوا بالصبرِ مناتَذُكرتْ العشائر والحديق
يقول: لما عرفوا الصبر منا انهزموا وولوا عند ذكرهم قومهم وحدائقهم.
وقال وعلة الجرمي:
ولما رأيتُ الخيلَ تتْرى أثايجاعلمتُ بأن اليومَ أحس فاجرُ
أثايج جاعات، أحمس شديد. فاجر يركب فيه الفجور ولا يبقى فيه محرم، أراد مفجور فيه. وقال عوف بن الخرع:
إذا ما اجتببنا جَبّاً مَنهلشببنا لحربٍ بعَلباَءٍ نارا
يقول إذا غلبنا على منهل فشربنا منه شخصنا إلى قوم آخرين. وقوله يصف خيلا:
وجللنَ دَمخا قناع العروسِ أدنت على حاجبْيها الخِمارا
دمخ جبل، يربد قناعا من الغبار الذي أثارته.
وكلّ قبائِلهم أتّبعتْكما أتبعَّ العرمِلحا وقارا
يقول كان في صدورهم بغي وحب للقتال فأتبعتهم وقعتنا بُرءا كما أبرأ الملح والقار الجرب. وقال سلة بن الخرشب الأنماري يوم الرقم:
إذا ما خرجتمُ عامدينَ لأرضنابني عامر فاستظهروا بالمرائر
يعني أن بعض بني عامر لما خاف الإسار حين هزمت بنو عامر بحل حتى مات.
يصف امرأة:
توقع أنباء الخميس فراعَهاتوادِر خيلٍ لم يذرِّعْ بشيرها
يقال ذَرّع البشير إذا جاء رافعا ذراعيه يولول أو يبشر، يقول لم يرفع يديه لأن الظفر لو كان لهم جاء البشير بذلك، يقول فلم يرعها إلا قد هجمت عليهم. عمرو بن قميئة:
فدارت رَحانا ساعةً ورحاهمُوردتْ طباقاً بَكءِ لَقحها
هذا مَثل، يقول درت الحرب كما درت اللقوح، طباقا أي بعد أن كانت لا تدر: والبكء قلة اللبن.
نبذنا إليهم دعوةً يال مالكلها إربة إن لم تجدْ من يريحها
مالك يربد قومه، أي هذه الدعوة حاجة إن لم تجد من يريحها أي يردها بفداء أو ما ترد بمثله. وقال ذو الرمة:
أبت إبلي أن تعرفَ الضيمنيبها إذا اجتيب للحربِ العوانِ السَنوّر
النيب المسانّ: يقول هذا التي كبرت وولت فلا يرغب فيها ولا تلقح أبت الضيم فكيف خيار إبلي، اجتيب لُبس، والسنور الدروع. وقال ذو الرمة:
صدَمناهم دونَ الأماني صدمةًعَماساً بأطوادِ طواَلِ الشواهقِ
يقول أمنوا بنا ما تمنوا فصدمناهم دون ذلك فلم يبلغوه، عماس مظلوة شديدة، بأطواد يقول بجبال من الجمع، شبه جمعهم بالجبال الطوال.
لنا ولهُم جَرسٌ كأن ؤغاتَهتقوِّض بالوادي رؤوس الأبارقِ
جرس صوت، وغاته ضوضاؤه: تقوِض تهدم بالوادي، رؤوس الأبارق جمع أبريق وهو جبل فيه حجارة وطين فشبه صوتهم في الحرب بصوت تقويض جبل. وقال آخر:
وأقبلَ القوُ نَعاميّةًفينا وفئنا بالنِهابِ الخميسِ
نعامية ضرب من المشي، وفئنا الثانية من الفيء، والخميسى المخموس أي مأخوذ منه الخمس، عن عدي بن حاتم أنه قال: ربعت في الجاهلية وخمست في الإسلام. وقول الآخر وهو عبد الله بن عنمة:
لكَ المرباعُ منها والصفاياوحكمكَ والنشيطةُ والفضولُ
المرباع ربع الغنيمة، والصفايا ما يصطفيه الرئيس لنفسه، والنشيطة ما أخذوه في قَفلهم، والفضول ما فضل عن القسم - هذه كانت تُجعل للرئيس في غزواتهم. قال آخر:
دعوا رحِماً فينا ولا يرقبونهاوصدّتْ بأيديها النساء عن الدمِ
أي كانوا يناشدونهم برحم بينهم وهم لا يرعونها حين حاربوهم فظفروا بهم واستقبلت النساء الطالبين فقلن بأيديهن: كفوا حسبهم، ونحو منه قول بشر:
إذا عُلُوا قالوا أبونا وأمناوليسَ لهم عالينَ أم ولا أبُ
أبو زبيد:
أصبحت حربُنا وحربُ بني الحارثِ مشبوبةً بأعلى الدماءِ
شامذاً تتقي المبِسَّ عن المريةِ كرهاً بالصرف ذى الطلاء
الشامذ الناقة التي ترفع ذنبها وإنما تفعل ذلك إذا لقحت، شبه الحرب بها، والمبس الحالب الذي يسَكّن الناقة إذا أراد أن يحتلبها، والمرية مسح الضرع حتى تدر، والصرف الدم الخالص، والطلاء اللبن والدم إذا اختلطا، أبو عمرو: الطلاء ما ارتفع فوق الدم واللبن إذا
جمدا مثل الماء، يقول: إذا امتراها الحالبون يعني الحرب حلبت لهم دما صرفا. وقال آخر:
لأجنينَّ لعامرٍ ولمنقذٍحرباً كناصيةِ الحصانِ الأشقرِ
وقال ابن أحمر:
على حالةٍ لا يعرفُ الورَدربّه من الأبلق المشهورِ وسط القنابلِ
يقول صار الأبلق والورد واحدا من الدم. وقال خداش بن زهير:
ومُرقصة ترى زفيان خيلٍوألهي بعلها عنها الشغولُ
وتؤنس ركض مشعلة رعالوقد جعلت رجازتها تميلُ
ترقص بعيرها هاربة لما رأت الخيل، والمشعلة الخيل المتفرقة في الغارة والرعال القطع، والرجازة ما عدلت به مما يلي الهودج، الطرماح يصف جيشا:
بقود سما باللوثٍ حتى أبادَهمن العيشِ واستلهى شهودُ العواهنِ
القود الخيل تقاد، واللوث الشحم، أباده ذهب به، يقول غزوا بها سمانا، واستلهى من قولك لهيث عنه أي تركته، يقول تركهم القود في منازلهم لم يطيقوه فلهوا، والشهود الحضور، والعاهن المقيم على ماله لا يبرح، ويقال القود الجيش. وقال:
ويفون إن عقدوا وإن أتلوا حَبوادون التلاء بفخمة مذكار
أتلوا أجاسوا، والفخمة الكتيبة الضخمة، والمذكار التي فيها ذكور الخيل.
وقال جرير لبني مجاشع:
فبتّم خزايا والخزيرُ قراكُموباتَ الصدى يدعو عقالاً وضمْضما
خزايا واحدهم خزيان والمرأة خزيا وهي المستحيية والخزير شيء يعمل من الدقيق يشبه العصيدة، وبات الصدى يعني صدى هامة مزاد بن الأقعس بن ضمضم قتله عوف بن القعفاع فلم يدركوا بدمه، كانت العرب تقول إذا قتل خرج من رأسه هامة تزقو على قبره: اسقوني فإني عطشى فإذا أدرك بدمه سكتت. وقال ربعية بن عرادة.
فإن تكُ هامةً بهراةٍ تزقوفقد أزقيتَ بالمروين ها ما
وقال البعيث:
نضاربُهم والخيل عابسة بناونكرِهُها ضربَ المخيض على الوحلِ
المخيض الذي يريد أن يخيض إبله وحلا وهي تتأَخر وهو يضربها لتخوض.
وقال الفرزدق يمدح قوماً:
المانعون إذا النساءُ ترادفَتْحذرَ السباء جمالها لا تُرحلُ
ترادفت أي ركب بعضهن خلف بعض للهرب، جمالها لا ترحل
أي تركب أعراء من العجلة. وقال آخر في مثله والبيت لأبي دواد الرؤاسي:
واعرورَتُ العلُطُ العُرصيّ تركضهأم الفوارسِ بالدئداءِ والرَبعه
اعرورت ركبت البعير عريا للعجلة، والعلط التي لا أداة عليها مثل العطل، والعرضي الصعب الذي فيه اعراض، فإذا فعلت أم الفوارس هذا فغيرها أشد مخافة، والدئداء والربعة ضربان من العدو شديدان. وقال الفرردق وذكر الخيل:
ترعى الزعانفُ حولنا بقيادِهاوغدوّهنَ مروّحُ التَشلالِ
الزعانف التباع والضعفاء من الناس الواحد زعنفة، يقول إذا قدنا الخيل إلى الأعداء رعت الزعانف حولنا آمنين، ويروى وعدوهن، أي عدو الخيل، مروح التشلال يقول يحمل الناس على أن يطردوا نعمهم فيهربوا منا، والشل الطرد.
في جحفلٍ لجبٍ كأنّ سعاعَهجبل الطراة مضعضع الأميالِ
يقول كان بريق السلاح فيه هذا الجبل إذا تضعضعت أمياله في السراب، والميل منتهى البصر.
تغشى مكثلةٌ عوابسُها بنايوم اللقاءِ أسنة الأبطالِ
يعني الخيل، مكللة حاملة لا تكذب، يقال كلّل الرجل إذا حمل، وهلّل إذا فر. وقال كعب بن زهير:
لا يقع الطعنُ إلا في نحورِهمما إن لهم عن حياضِ الموتِ تهليلُ
وقال الفرزد ق:
كيفَ التعذز بعد ذُمِّر تمصقباً لمعضلةِ النتاجِ نوار
ذمرتم مسستم المذَّمر والمذَّمر مكانان يمسهما المذمِّر أحدهما بين الأذنين فإذا وجده غليظا تحت يده علم أنه ذكر وإن وجده لينا علم أنها أنثى والآخر طرق اللحي إذا وجده لطيفا علم أنها أنثى وإذا وجده غليظا علم أنه ذكر، معضلة النتاج نتجت في مشقة وشدة، نوار نفور، وهذا مثل للحرب وجعل الجنين صقبا أي ذكرا لأن الإناث أحمد في النتاج. وقال جرير:
وخور مجاشع تركوا لقيطاًوقالوا حِنَو عينكَ والغرابا
لقيط ابن زرارة، تركوه أسلموه فقتل، حنو العين الحاجب ينحني على العين، والغراب أي قتل حين أسلموه فالغراب ينقر عينه. وقالت الهذلية تذكر قتيلا والبيت لجنوب:
تمشي النسورُ إليه وهي لا هيةمشى العذارى عليهنَ الجلابيبُ
تريد أنها آمنة لا يذعرها شيء فهي تمشي لاهية كمشي العذارى. وقال جرير:
ولم تأتِ عز أهلَها بالذي أتَتْبه جعفرا يوم الهضيباتِ عيرها
أتتّهم بِعير لم تكنْ هجريّةًولا حنطة الشأم المزِيت خميرها
يوم الهضيبات يوم طِخفه وكانت وقعة بين الضباب وبين بني جعفر فكانت للضباب على بني جعفر فقتلوا من بنيِ جعفر سبعة وعشرين رجلا فجاءت نساء بني جعفر فحملن قتلاهم على الإبل فدفنهم. يقول لم تكن العير هجرية تحمل التمر من هجر إلى البحرين ولا عيرا تحمل الحنطة من الشأم التي تخمَّر بالزيت إنما كانت قتلى حلوا على الإبل.
وقال أيضا في غير هذا المعنى:
لولا ارتدافكما الخصّي عشيةيا ابني حَميضة جئتما في العير
أي لولا أنكما ركبتما الخصي - وهو برذون - فانهزمتما لكنتما بمنزلة هذه العير والقتلى. وقال يذكر نساء القتلى:
وقد أنكَرَتْ أزواجَها إذ رأتْهمعراة نساء قد أحرّت صدورُها
رأتْ كمراً مثل الجلاميدِ فتحتْأحاليلها لما اتمأرَّتْ جذورُها
الإحليل مخرج البول. اتمأرت انتفخت وعظمت. جذورها أصولها.
منعنَ زيستحييْمَ بعد فرارهِمإلى حيثِ للأولاد يطوّى صغيرُها
أي النساء منعن أزواجهن أنفسهم وأرحامهن التي يطوَى صغير أولادهن فيها استحياء من فرارهم واستهانة منهن بهم، أيمط منعن إلى حيث يطوي للأولاد. وقال:
وأضيافُ ليلٍ قدّ نقلنا قِراهمإليهُم فأتَلفْنا المنايا وأتلفوا
نقلنا قراهم قتلناهم، فأتلفنا المنايا أي صادفناه بخيلا وجَبانا.
وقال عمرو بن كلثوم في مثل هذا المعنى:
قرينا كم فعبجّلْنا قِراكم قبيْل الصبحِ مِرداة طحونا
يقول جعلنا قراكم كتيبة كالصخرة وهي المرداة.
يكونُ ثِفالُها شرقي نجدٍولَهوتها قضاعة أجمعينا
الثفال جلدة تكون تحت الرحى يقع عليها الدقيق، واللهوة الكف من الحنطة، وسلمى أحد جبلي طيىء، يقول: كتيبتنا تأخذ من الأرض هذا المقدار، ولهوتها قضاعة أي تطحنهم.
وقال عمرو بن كلثوم:
إذا ما عيَّ بالإسنافِ حيٌمن الهولِ المشبَّه أن يكونا
الإسناف التقدم يقول إذا عي بالتقدم حي من الإحياء، من الهول المشبه يعني الذي قد شبه على الناس فلا يدرون أي جهة يأخذون ثم قال:
نصْبنا مثل رَهوةَ ذات حدٍمحافظة وكنا المسنِفينا
أي نصبنا لهم كتيبة مثل رهوة وهي جبل، وكنا المتقدمين.
ونحنُ الحاسبونَ بذي اُراطَيتسّف الجِلّةُ الخورُ الدَرينا
الجلة المشان من الإبل، والخور الغِزار، تأكل، الدرين، وهو الكلأ اليابس، أي نحبس الإبل في دار الحفاظ وهو أجدر أن تأمن في غد. ومثله لسلامة بن جندل:
يقالُ محبسها أدنى لمرتعهاوان تعادي ببَكءٍ كلِ محلوبِ
يقول محبسها في دار الحفاظ على الخسف والجدب أحرى أن تأمن معه في غدا إذا تنحى عنها الأعداء ورتعت حيث شاءت. ومثله للكميت:
يرونَ الجَدبَ ما نزلوه خِصباًمحافظة وكالأنُف الدَرينا
وقال الفرزدق:
منازيل عن ظهرِالقليلِ كثيرناإذا ما دعا في المجلسِ المتردَّف
الأصمعي: يريدَ إن لنَا نزلا وإن كان قليلا فهو خير من كثير غيرنا، أبو عبيدة: يريد نحن وإن كنا كثيرا لنا عزّو منعة فنزل لذي القلة عن حقه ولا تمنعنا كثرتنا من إنصافه، والمتردف الذي تردّفه
الشر شيء بعد شيء. والقول قول أبي عبيدة لأنه يقول في هذا الشعر.
ولا عّزٌ إلا عّزنا قاهرٌ لهويسألنا النِصفِ الدليلُ فيُنصَفُ
وبعد الأول:
فقلنا الحصى عنه الذي فوقَ ظهرهباحلامِ جهال إذا ما تغضَّفوا
ولو أن سعاً أقبلتْ من بلادِهالجاءتْ بيبرينََ الليالي تَزَحَّف
تغضفوا مالوا عليه بالتعطف، أي لجاءت الليالي من سعد بعدد مثل عدد الرمل.
وقال يصف الخيل:
علميهن منا الناقصون ذحولهمفهن بأعباء المنية كُتّف
أعباءُ المنّية فرسان الخيل، كّتف تكتف في مشيتها وذلك إذا رفعت كتفا وخفضت كتفا.
وقال الفرزدق يصف جيشاً:
لنا أمرُه لا تعرف البلق وسطهكثيرُ الوَغي من كل حيّ قنابِلُه
لنا أمره أي نحن أمراؤها، لا تعرف البلق وسطه، يقول أشهر الخيل البلق فإذا لم تعرف فغيرها أجدر أن لا تعرف لكثرة الجيش، والوغى اجتماع الأصوات.
إذا حانَ منه منزل الليلِ أو قدتْلأخراه في أعلى اليفاعِ أوائلة
يقول إذا ورد الجيش فنزلوا منزلا أوقدت على شرف الأرض
ليهتدى بالنار آخر القوم إلى المنزل الذي نزل به أولهم.
تظلُ به الأرضُ الفضاء معّضِلاوتَجهر أسدامَ المياه قبائلهُ
أي تضيق عنه الأرض لكثرته، والتعضيل أن ينشب الولد في بطن المرأة فلا يخرج، والأسدام المياه المندفنة لطول عهدها بالناس، يقول إذا جاء هؤلاء استقوا منها فأخرجوا مع الماء التراب فيظهر الماء، فذلك الجهر، يقال جهرت البئر، وإنما يريد أن هؤلاء يسلكون طريقا لم يسلكه الناس من مخافته فقد اندفنت مياهه. وقال جرير للفرزدق:
هّلا الزبيرَ مُنعت يومَ تشمستْحرب تَضرَّم نازها مِذكاز
تشمست امتنعت، وهذا مَثل، والناقة إذا حلت امتنعت عن الفحل، مذكار تلد الذكور وهو شر إنما تحمد الإناث. وقال الأخطل:
فإن تك حرب ابنى نزار تواضَعتْفقد عذرتنا في كلابٍ وفي كعبِ
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع