من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
باب في العداوة والبغضاء والحقد والظلم
قال أبو خراش:
رأيتُ بني العلات لما تضافروايحوزونَ سهمي دونهم في الشمائل
بنو العلات الذين ليسوا لأم واحدة تضافروا تعاونوا، يحوزون أي يجعلون، وهذا مثل، يقول ينزلونني بالمنزلة الخسيسة كقولك:
فلان عندي باليمين، أي بالمنزلة العليا. وقال الأعشى:
أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنمايضّم إلى كشحْيه كفاً مخضبا
أسيف غضبان كأن هذا الرجل من شدة غضبه قطعت يده فغضب لذلك، وعادة كل إنسان إذا أرسل يديه لم يشغلها بعمل إن تقعا على كشحيه، أما قوله كفا - واحدة وهما كشحان فذلك لضمه يديه جميعا وإن كانت المقطوعة أحدهما ولم يخَفِ اللبس لقرب المعنى من الفهم وإحاطة العلم بأن كفا واحدة لا تُضم إلى الكشحين، ومثل هذا كثير في كلامهم. وقال آخر:
وفِينا وإن قيلْ اصطلحنا تضاغنكما طَرّ أوبارُ الجِرابِ على النَشرِ
الكلأ، إذا جف ثم أصابه المطر فاخضر فهو النشر وهو داء كله إذا أكلته الماشية. يقول نحن وإن أظهرنا الصلح ففي قلوبنا غير ذلك كما أن هذه الجراب أكلت النشر فطرّت أوبارها وحسن ظاهرها وفيها من الداء ما فيها. ومثله لزفر بن الحارث الكلابي:
وقد ينبتُ المرعَى على دِمَن الثَريوتَبقى حزازاتُ النفوسِ كما هيا
المرعى إذا نبت على الدِمن أخبث المرعى فكما ظاهر هذا المرعى حسن وداخله رديء كذلك نحن. ومثله:
ولا يغرَّنْكَ أضغانُ مزملةقد يضربُ الدَبرُ الدامي بأحلاسِ
الأضغان الأحقاد أي تُستركما تستر هذه الأحلاس وتحتها الداء فكذلك هذه الأضغان تستر وفي داخلها ما فيها. ومنه قول الكميت:
ولم أحلس على جلَب.
وقال آخر:
فلا توعدونا بالجيادِ فإننالكم مضعة قد لجِلجت فأمرَّتْ
ويروي نُجِنجت، والمعنى أنها ردَّدت في الفم، والجياد الخيل، أمرّتْ صارت مرا، والمعنى أنكم لا تسيغوننا ولا تقدرون علينا. وقال معقل بن خويلد:
أبا معقلٍ إن كنت أشّحت حلةًأبا معقل فانظر بنبلك من ترمي
أي إن كنت أعطيت جاها وقدرا فانظر لمن تَعرَض، أشحت ووُشّحت سواء:
أبا معقلٍ لا توطيئنكم بغاضتيرؤوس الأفاعي في مراصِدها العُرْم
أبو عمرو يرويه: بغاضتي بكسر الباء، يقول لا يحملنك بغضى
على أن تقتل نفسك وتهلكها، والعُرم الرقط، يقال شاة عَرماء، مراصدها حيث ترصُد. وقال العجاج:
وقد وعظناها اتّقاءَ المأثمفجعلوا العتاب حَرقَ الأرَّمِ
أي جعلوا عتابنا أن أو عدوْنا،، يقال هو يعلك عليّ الأرم أقصى الأنياب. وقال:
لولا تكَميكَ ذُرَي من جاراوالذّبُ عنّا لم نكنْ أحرارا
التكمي القمع. يقال كَمَى شهادته إذا قمعها وكتمها، وذرى أعال - يعني رؤوسهم، قمعت رؤوسهم، والتكمي التعمد. وقال:
بل لو شهدتَ القوم إذ تُكمَّوابقدَر حُمّ لهم وحُموا
تكُموا تفُعّلوا من الكمّة أي لبسوا غُمة كُمّوا بها كما تكم النخلة جُللوا، والكمي قمْع الشيء وستره. وقال آخر:
وإن امرءً أيدعو ليَهلكَ مالِكويبغي علينا للمنية قارعُ
أي يقرع بابها يطلبها. وهذا مثَل. وقال آخر.
أجبّارُ إن المرء يدركُ حقَهببعض الحِقاق أو يسيَّب باطله
وما يبتغي من بعدِ إعطاءٍحقه من الأَمرِ إلاَ أن تئيم حلائله
الحِقاق المحاقة، أن يكون له في الأمر حق، أو يسيَّب أي يخلى باطله فلا يعطى شيئا، وما يبتغي بعد ما يعطي حقه إلا أن يُقتل فتئيم حلائله. وقال العجاج.
وشانيء أرضوه بالأخسِّمن أمره بالهَجْسِ بعد الهجْسٍ
الشانيء المبغض، الأخس الأقل من أمره، الهجس أي يهجس في نفسه منه بلاء وشر - أي حملوا عليه الشر حتى أرضوه بغير الحق. وقال آخر:
ومولًى كأن الشمسَ بيني وبينهإذا ما التقيْنا ليس ممن أعاتبه
يقول لا أقدر أن أنظر إليه من بغضه فكأن الشمس بيني وبينه. وقال آخر:
يتقارضونَ إذا التقوا في موطنٍنظرأ يزيلُ مواطيء الأقدامِ
قال الله ﷿ " يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ". وقال العجاج: فوجدوا الحَجّاج يأبىالنَهضا النهض الظلم. وقال:
وإن أجاروا معشَرا لم ينَهضوا
سألت عنه الأصمعي فقال: يأبى الهضّا، أي الكسر وكذلك يُنشد هذا البيت. وقال آخر:
ومولًى كداء البطن لا خير عندهولا شرّ إلا أن يعيب الأدانيا
جعله كداء البطن لأنه لا يدري ما هو وما هاجسه. وقال خوات بن جُبير:
وأهل خباء صالح ذات بينهمقد احتربوا في عاجل أنا آجله
أبو عمرو: يعني أنا جالبه أجَلت فأنا اجِلُ أجْلا، وقال أبو زيد أجلت جررت عليهم جريرة - اجِل أجْلا. قال الأحمر في بيت عروة بن الورد:
ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهمهُم الناسَ لما أخصبوا وتمولّوا
وفي الناس الرفع أيضا، يقول وجدتهم مثل سائر الناس في الغدر، وكانوا عاهدوه حين كانوا معه أن لا يفارقوه. وقال النابغة للنعمان:
لا تقذ فَني بركن لاكفاء لهولو تأثّفك الأعداء بالرِفَد
يقول لا ترميني بناحية لا مثل لها في الشر ولو تأثفك الأعداء أي احتشوك وكانوا من جوانبك بمنزلة الأثافي من القدر،
بالرفد أي بالتعاون يرفد بعضهم بعضا عليَّ عندك ويسعون بي وقال:
فمن عصاكَ فعاقِبْه معاقبةًتنهى الظَلومَ ولاتقعدْ على ضَمدِ
إلا لمثلكَ أزمن أنتَ سابقُهالجوادِ إذا استولى على الأمدِ
الأصمعي: لا تقعد على غيظ وغضب إلا لمثلك في حالك أو لمنَ فضلك عليه كفضل السابق على المصلِّي فأما من دون ذلك فأمض فيهم إرادتك. وقال:
فان أكُ مظلوماً فعبدٌ ظلمتَهوأن تك غضبانا فمثلك يعتَب
يريد إني غير ممتنع من ظلمك إن كنت ظلمتني كما لا يمتنع العبد من فعل سيده وإن تك غضبانا فلك العتبى أي لك الرجوع إلى ما تحب. وقال:
ولكنني كنت امرءً إلى جانبمن الأرضِ فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهمأحكمَّ في أموالهِم وأقرّب
كفعلكَ في قومٍ أراكَ اصطنعتَهمفلم ترهم في مثلِ ذلك أذنبوا
يقول اجعلني كهؤلاء القوم الذين صاروا إليك وكانوا مع غيرك فاصطنعتهم وأحسنت إليهم ولم ترهم مذنبين إذ فارقوا من كانوا معه، يقول فأنا مثلهم صرت عنك إلى عنك إلى غيرك فاصطنَع إليَّ وأحسنَ بي فلا ترني مذنبا إذ لم تر أولئك مذنِبين.
وقال الأعشى:
ألستَ منتهياً عن نَحت أثلتناولستَ ضائرها ما أطَت الإبلُ
كناطحِ صخرةٍ يوماً ليفلقهافلم يضرها وأهي قرنَه الوِعلُ
أثلتنا شجرتنا وإنما يريد عزنا وقيل أثلتنا أصلنا، يقال مجد مؤثّل - أي ذو أصل، والوعل إذا اشتد قرنه أتى صخرة فنطحها يريد بذلك تجريب قرنه، يقول: أنت في الذي ترمونه منا كالوعل ونحن صخرة. ومثله للمرار يصف ناقة:
هذي الوَآة كصخرة الوَعْل
وقال الأعشى:
صرمتُ ولم أصرمكم وكصارمأخ قد طوى كشحاً وأبَّ ليذهبا
ومثلُ الذي تولونني في بيوتِكمً يقنِّي سناناً كالقُدامَى وثعلبا أبَّ تهيأ وتشمر للذهاب، والقدامى ريش الجناح شبه به السنان في مضيه، والثعلب ما دخل في السنان من الرمح. وقال:
وزعمتَ أنكَ مانعحقّا فلا تعطي اصطبارِه
حتى تكونَ عَرارةمنا فقد كانتْ عَرارِه
ولقد علمت لتشربنّ ببعضِ ظلمكَ في مَحارِه
اصطباره أي لا تعطيه صبرا عليه وأصل الصبر الحبس للنفس على الحق، والعَرارة الشدة، والمحارة الصدقة أي نوجرك كرها كما يوجر الصبي. وقال:
لا أعرفنّك إن جدّت عداوتناوالتُمس النصر منكم عوضُ تحتَمل
تحتمل تغضب، يقال جاء فلان محتملا من الغضب أيَ مستخَفّا. ومنه قول الجعدي:
كلِبا من حِس ما قلد مسّهوأفانين فؤاد محتَمَل
وقال آخر:
فودَع خليلا لا يزال كأنهعلى الود والبغضاء ريشة غارب
إذا دَبِر البعير جعل في دبرته ريشة فتحركها الريح فإذا رآها الغراب لم يقع على الدبرة، يقول هو يتلّون لي. وقال أبو زبيد:
إليك إليك عِذرة بعد عِذرةفقد يبلغ الشرّ السديل المشهَّر
يريد يبلغ الشر المشهر السديل - يعني ستر الملك، يريد أن الشر إذا جاءكم لم يمتنع من سرادق الملوك لا يَهابها فكيف بمن دونهم. وقال ابن أحمر:
أرادنا لا يزال لنا حميمكداء البطن سلِّا أو صفارا
داء البطن لا يدري من أين يهيج ولا كيف يتأتى له وكذلك هذا القريب.
يعالج عاقرا أعيت عليهليلقحها فينتجها حُوارا
أعيت عليه وعاصت عليه أي التوت، يقول يطلب من الشر ما لايكون ولا يقدر عليه.
ويزعم أنه نازٍ علينابشرّته فتاركُنا تَبارا
كحجة أم شَعل حين حجتبَكلبتها فلم ترم الجِمارا
أي حلف أن ينالنا بشرته فيهلكنا كما حجت أم شعل في الجاهلية بكلبتها وهي مِدلّة بنفسَها تظن أن ترجع فماتت ولم تدرك الحج.
تدارئه كما أنقاء وهبتساعدها وتنهمِر انهمارا
الأنقاء جمع نقيِّ، تداريء هذا الرجل كما تدارىء الرمل أن يتناثَر.
وقال الكميت يذكر أعداءه من اليمن:
أضحت عداوتهم إياي إذ ركبوابحرَي نزار بهم منفشّة القرب
بحري نزار يريد ربيعة ومضر، يقول ركبوا بحري نزار على قِرب قد نفخت فانفشّت الريح من القرب فغرقوا. وقال:
لما رآه الكاشِحُون من العيون على الحَنادِر
الكاشحون الأعداء سممّوا بذلك لأنهم يخبأون العداوة في كشوحهم، والحنادر نواطر العيون واحدها حندورة. أي إذا رأوه كأنه على أبصارهم من بغضه. وقال:
على حين أن دَنت لكل قرارةمذانب لا تُجدي على من أسالها
مذانب لا تستنبِت العودَ في الثرىولا يتحاذَى الحائمون فِضَالها
المذانب مسايل الماء، والقَرارة مستقره، يقول ليست هذه المذانب تنبت إنما هي مذانب شحناء، يتحاذى من الحُذيا أي يعطي بعض بعضا، والفضال ما فضل منها. وقال زيد الخيل:
وأسلَم عِرسه لما التقيناوأيقن أننا صهْب السِبال
يقال للأعداء صهب السبال ويقال أصل هذا أن العجم صهب السبال وكانوا لهم أعداء فكثر حتى قيل للأعداء ممن كانوا: صهب السبال. وقال آخر من ضبة:
لا تجعلونا إلى مولى يحلُ بناعقدَ الحِزام إذا ما لِدنا مالا
أي إذا رآنا في شر أعان علينا. وقال جرير:
ونُبئت غسان ابن واهصةِ الخُصىيلجلج مني مضغة لا يحيِرها
واهصة شادخة تشدخ الخصى لتلين فتشويها أو تطبخها، يلجلجها
يديرها في فيه، لا يحيرها لا يسيغها فيردها إلى جوفه. وقال الفرزدق:
أبا معقل لولا حواجر بنناوقربي ذكرناها لآل المجبّر
إذا لركبنا العام حد ظهوركمعلى وقَر أندابُه لم تغفّر
أندابه جروحه، لم تغفر أي لم تيبس وتجلب. وقال طرفة:
وآنا امرؤ أكوِي من القصَر البادي وأغشى الدهم بالدَهم
القصر داء يأخذ قصَرة العنق فلا يقدر صاحبه أن يلتفت، يقول من كان معرضا عني كأن به قصرا داويت ضغنه. وقال الحارث بن حلزة:
إن إخواننا الأراقم يَغلون علينا في قولهم إحفاء
يغلون يرتفعون في القول وكذلك الغلو في كل شيء الارتفاع ومجاوزة القدر، إحفاء إلحاح واستقصاء في مساءتنا كما يحفي الشيء ينتقص منه ومنه قولك: أحفيت شاربي أي استأصلته وقيل أصل هذه الكلمة الحفي.
زعموا أن كل من ضرب العيد مَوال لنا وأنّا الوَلاء
أنا الولاء أي أهل الولاء، أبو عبيدة: سألت أبا عمرو بن العلاء عن هذا البيت فقال: ذهب والله الذين كانوا يعرفون تفسيره ولكنا نرى معناه: إن إخواننا يضيفون إلينا ذنب كل من أذنب إليهم ممن نزل الصحراء وضرب عَيرا ويجعلونهم موالي لنا والموالي بنو العم. وفيه قول ثان يقال إنه عني بالعير كليب وائل سماه عيرا لأنه كَان سيدا والعير سيد القوم، يقول كل من قتل كليبا أو أعان على قتله جعلوه مولى لنا وألزمونا ذنبه. وقال أبو مالك فيه قولا ثالثا: العَير الوتد سماه عيراَ لنتوه من الأرض مثل عير نصل السهم وهو الناتيء في وسطه، يقول كل من ضرب وتدا في الصحراء فأذنب إلى الأراقم ألزمونا ذنبه. وقال أبو مالك فيه قولا ثالثا: العَير الوتد سماه عيراَ لنتوه من الأرض مثل عير نصل السهم وهو الناتىء في وسطه، يقول كل من ضرب وتدا في الصحراء فأذنب إلى الأراقم ألزمونا ذنبه. وقال أبو عبيد فيه قولا رابعا: العير جبل بالمدينة ومنه أن رسول اللَه ﷺ حرم ما بين عير إلى ثور، أي كل من ضرب إلى ذلك الموضع وبلغه، ولم يقل الأصمعي فيه شيئا.
أجمعوا أمرهم عشاء فلماأصبحوا أصبحت لهم ضَوضاء
يريد أجمعوا أمرهم ليلا على أن يصبحونا بالذي اتفقوا عليه من تهمتنا فلما أصبحوا جلبوا، ويروى: أجمعوا أمرهم بليل، وهذا كقول القائل: هذا أمر ذبر بليل. وقال لعمرو بن كلثوم:
أيها الناطق المرقِّش عناعند عمرو وهل لذلك بقاء
وروى أبو عمرو: المقرش - وهو المهرِّش، وهل لذاك بقاء أي أنه كذب فإذا نظر فيه بطل.
لا تَخلنا على غَراتك إناقبلُ ما قد وشى بنا الِأعداء
لا تخلنا لا تحسبنا جازعين لإغرائك الملك بنا لأنا قد مرّ بنا من سعاية الأعداء ما لا نجزع معه من وشايتك.
وعلَونا على الشناءة تنمينا حصون وعِزَّة قَعساء
قعساء دائمة ثابتة، أي ارتفعنا على بغض الناس إيانا وغيظنا لهم بما يرون من ثبات عزنا ومكاننا عند الملك.
قبل ما اليوم بيَّضت بعيون الناس فيها تغيّظ وإباء
بيضت هذه العزة عيون الناس - فقحّم الباء. كما قال الراعي:
هن الحرائر لا ربّات أحمرةسود المحاجِر لا يقرأن بالسُوَر
تغيظ امتناع وإباء من قولهم تغيّظت الناقة واغتاظت إذا امتنعت من الفحل فلم تحمل. الأصمعي: تعيط - ارتفاع من قوله.
في رأس عَيطاء من خَلقاء مشرقة
وكأن المنون تردِي بنا أرعَن جَونا يَنجاب عنه العماء
مكفهّرا على الحوادث لا ترتوهَ للدهر مؤيِد صَمّاء
تردي بنا ترمي بنا يقال ردي يرِدي رديا، يقول كأنها برميها إيانا ترمي جبلا فلا تضرنا ولا تؤثر كما لا تؤثر في الجبل، ينجاب عنه ينشق عنه، والعَماء سحاب رقيق، يقول هذا الجبل من طوله لا ترى الغيم يعلوه إنما تراه أبدا دونه، ويروي، أصحم صُمّ، يريد جبل جبال، أصحم في لونه، ويروي: أصحم عصم أي جبل وعِول، مكفهر متراكب بعضه على بعض، ممتنع على الحوادث، لا ترتوه - الرتو النقصان من قولك رتوت الدِرع إذا قصّرت من طولها عند القتال فرفعتها بالعرَى. قال لبيد:
فخمة ذفرا تُرتى بالعُرىقُردُمانيا وتُركا كالبصلِ
ورتوت القوس - إذا شددت وترها وقصرت منه، ومؤيد داهية قوية وهو من الوأد وهو الثقل، صمَّاء لا جهة لها، ويقالَ أصابته مصيبة فما رتَت في ذرعه أي ما كسرته، ويكون رَتا في غير هذا يقال أكلت أكلة فرتت قلبي أي أمسكته. وقال العجاج:
يا عُمر بن معَمرٍ لا منتظَربعد الذي عدا القُروص فَحزَرَ
أي لا انتظار بعد هذا الذي مرق فجاوز القَدْر، يقال للرجل إذا أفرط في تعدَي قدره عدا القارص فحزر، مثَل - وأصله في اللبن، والقارص الذي يحذي اللسان، والحازر الحامض.
واشتغروا في دينِهم حتى أشتغَرَفقد تكبّدتَ المناخَ المشتهرَ
اشتغروا انتشروا، حتى اشتغر الدين أي انتشر، تكبدت نزلت وسطه وأصله من الكبد، أي نزلت منزلا مشهورا فانظر ما تفعل. وقال رؤبة:
وجامعُ القطرينِ مطرِخمّبيض عينيْه العَمى المعمّي
أي رب جامع القطرين - وهو مثَل وذلك أن الناقة إذا لقحت زمّت برأسها وشالت بذنبها واستكبرت، فقال: ربّ مستكبر كاستكبار هذه الناقة قد أصابه كذا، مطرخم مستكبر ومثله مصلخِمّ ومطَلِخمّ. وقال طفيل:
فذوقوا كما ذقنا غداةَ محجّرٍمن الغيظِ في أكبادِنا والتحوّب
يعني التوجع، ويقال بات بحِيبة سَوء من هذا ولا يقال حِيبة صدق، وقال سلامة بن جندل:
أما الخَلى والمسحُ إن كان منةًعليّ فإني غيرِ خالٍ وما سح
ومستهرِع خالا ولؤم خليقةٍصقَعت بشرّ والأكف لواقح
رجلٍ يُلقيِ الخلى، والماسح الذي يمسح الضروع، ومستهرع
ويروى ومستهزع - وهو الذي يسرع في اللوم، والخال الكِبر، واللواقح المرتفعة، وإذا رفع يده بالضرب فيده لاقحة، وأصل هذا أن الناقة إذا حملت شالت بذنبها. وقال زهير:
يُلجلجٍ مضغةٍ فيها أنيض أصلَتْفهي تحت الكَشحِ داءُ
بسأَت بنيئها وجوِيت عنهاوعندي لو أردتَ لها دوَاه
ورواها الأصمعي: غصِصت بنيئها - أي بشمت عنها، وعندك لها دواء، يقول أخذت هذا المال فأنت لا تأخذه ولا تردّه كما يلجلج الرجل المضغة فلا يبتلعها ولا يلقيها، والأنيض اللحم الذي لم ينضج والأناضة النُهوءة خلاف النضج فإذا لم ينضج فهو أثقل لا يستمرأ، فيريد: أنت تريد أن تسيغ شيئا ليس يدخل حلقك أي تظلم ولا تترك والظلم، أصلّت أنتنت وهي مثل هذا الذي أخذت فإن حبسته فقد انطويت على داء. يقال صلّ اللحم وفيه صلول وإصلال: وأنشد الأصمعي للحطيئة:
ذاك فتًى يبذلُ ذا قِدرهلا يفسد اللحم لديه الصلولُ
غصصت بنيئها، يقول المال الذي أخذته كمضغة نيئة غصصت بها وبشمت منها وعندك لها دواء لو شئت في رد المال إلى أهله. قال النابغة:
أتاكَ امرؤُ مستعلن لَي بِغضةله من عدوٍّ مثل ذلك شافعِ
مستعلن مظهر، والبغضة والبغض واحد مثل الذِلة والذل والقِلة والقل، يريد مثله شافع أَي يشفعه يصير معه اثنين، يقال شفعت الرجل إذا صرت معه ثانيا، يقول: أتاك رجل معه ممن اُعادي رجل آخر مثله.
وذلكَ ذنبٌ لم أكنْ لأقولهولو كبّلتْ في ساعديّ الجوامعِ
الجوامع الأغلال والواحدة جامعة، يقول: لم أكن لأقوله ولو حبست. وقال عدي بن زيد:
وعِداتي شُمّت أعجبهمأنني غُيّبت عنهُم في قَرَن
فسبيل اُسوة جَمّ بهاعَنوة للملكِ في بعضِ الظننِ
يريد غيبت عنهم في قرن عنوة للملك، ثم قال: فلي بهذه السبيل أسوة جم بها - يريد قوما أصابهم مثل ما أصابني في بعض الظنن. وقال المعطل:
وفهم بن عمرو يعلُكون ضريسَهمكما صرفتْ فوقَ الجذاذِ المساحِنُ
الجذاذَ حجارة فيها ذهب، والمساحن واحدتها مِسحّنة وهو حجر يدق به حجارة الذهب.
وقال آخر:
يارُبَّ مولى حاسد مباغِضعليَّ ذي ضِغنٍ وضَبٍ فارضٍ
له قُروء كقُروءِ الجائض
فارض ضخم يقال كساء فارض، قروء أي أوقات تهيج فيها عداوته، يقال رجع فلان لقُرئه أي لوقته. وقال المرار بن سعيد العدوى:
وحَشَوتُ الغيظ في أضلاعهفهو يمشي حَظَلانا كالنًقِر
النقر من النقرة وهو داء يأخذ الغنم في بطون أفخاذها وفي جنوبها فإن أخذها في أفخاذها ظلعت وإن أخذها في جنوبها انتفخت بطونها، وحظلَت المشي أي كفت بعض المشي. وهذا آخر ما وجد من المعاني في كتاب الحرب.
والحمد لله رب العالمين وكان على ظهر كتاب الحرب بخط أبي محمد بن قتيبة. قال الفرزدق:
وما قمت حتى همَّ من كانَ مسلماًليلبس مسودَي ثيابَ الأعاجمِ
وضاق ذراعا بالحياة وقطعتحواملَه عض العذارَي الأوازِم
يقول همّ مَن كان مسلما بالارتداد عن الإسلام والتمجّس مما يلقون في الخَراج ويعني بالمسودّة الطيالسة والبَرنَكانات، حوامل يديه عصبهما الذي يحملان، والعَذارى الجوامع، أي يعذبون في الخَراج بالجوامع والدهق. وقال الراجز:
إذا تمطين على القياقيلا قين منه أذنَى عَناق
يعني داهية. وقال أوس:
أم من لحّى أضاعوا بعضَ أمرهُمبين القُسوط وبين الدِين دَلدال
خافوا الأصيلة واعتلت ملوكهموحمِّلوا من أذى غرم بأثقالَ
القُسوط الجور، يقال قسط السلطان إذا جار، والدين الطاعة يقول هم بين الطاعة والمعصية، دلدال متذبذبون، خافوا الأصيلة أن يستأصَلوا. وقال:
هل سّركم في جمادَي أن نصالحكمإذ الشَقاشق معدول بها الحنَك
قال كان هذا في جمادي، يقول سرَّكم أنا لكم سلم في هذا الوقت. وذلك أن بني عامر لما قتلوا بني تميم يوم جبلة قالوا: لم يبق من تميم الأبقية فنغزوهم فنستأصلهم، فغزوهم يوم ذي نجب فقتلتهم تميم. قوله الشقاشق معدول بها الحنك - يريد إذ تهدرون والشِقشقة أبدا تكون من جانب.
أو سَرَّكم إذ لحِقنا غيرَ فخركمبأنكم بين ظَهَري دجلة السَمَك
يقول لحقنا ملحقا ليس كما تفخرون، أي سركم أنكم سمك فتقتلوا. وقال رؤبة.
إذا الأمور أولعت بالشَخزوالحرب عسراء اللقاح المغزى
الشخز الطعن، يريد أن الأمور تطعن هاهنا وهاهنا فتفسد، والمغزى التي لا تنتَج الأبعد بطء، يقال شاة مغزِية وأتان مغزية. وأنشد لذي الرمة:
رَباع أقبّ البطن جأب مطرّدبلجييه صَكّ المغزِيات الرَّواكل
عسراء اللقاح يقول تلقح لقاحا عسِرا، وإنما يريد أن الحرب لا تكاد تنقطع. وقوله:
أترفْن يَشدَخنَ العدى بالخَبزِ
أترفن أعطينَ ما أردنَ، الخَبز الوَطءِ.
تم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد سيدنا النبي الأمي وسلم ورضي الله عن الصحابة أجمعين
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع