تجاوز إلى المحتوى

من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)

البيض والدروع

قال لبيد:

فخمة ذفراء تُرَتى بالعُرىقُردما نياً وتَركا كالبصل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

فخمة كتيبة عظيمة، ذفراء منتنة الريح من الحديد، ترتي بالعري أي تشد الدروع بالعري فيها حتى تقصر وذلك أنها طوال، والقر - دماني الدروع وهو فارسي " أصله كردمانذ " أي عمل فبقى، والتَرك البيض، كالبصل في بياضه، وكانوا يجعلون في الدرع عروة ثم تقلص بها حتى تخف على الراكب.

أحكم الجنثّي من عوراتهاكلَّ حرباء إذا أكره صَلَّ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

أحكم - على هذا الأعراب - من الإحكام للصنعة، والجنثي هو الزراد، والعورات الفتوق واحدها عورة، والحرباء المسمار في حلق الدرع، إذا أكره ليدخل في الحلق سمعت له صليلاً وقال الأصمعي:

أحكم الجنثّي من عوراتهاكلّ حرباء إذا أكره صل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وقال: الجنثي السيف هاهنا، وأحكم منع السيفَ كلّ حرباء فلم يصل السيف إليه - وأنشد:

ولكنها سوق يكون بياعهابِجنثية قد احكمتها الصياقل

يعني سيوفا وأحكم على مذهب الأصمعي منع وردَّ، ومنه سميت

حكَمة الدابة لأنها تمنعها من كثير من الطماح، ويقال أحكم فلانا عن كذا. وقال لبيد أيضا:

إذا ما اجتلاها مأزِق وتزايَلتْوأحكم أضغانَ القَتير الغلائلُ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»

مأزق مضيق في الحرب، تزايلت تفرقت مساميرها، والقتير رؤوس مسامير الدروع، والأضغان ما تزايل من المسامير ولم يلتئم، والغلائل ما غل أي دخل في المسامير من الحلق - الواحد غليل ومغلول، فهذه أحكمت المسامير. وقال الكميت:

علينا كالنهاءِ مضاعفاتمن الماذيّ لم تؤذِ المتونا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «علينا كالنِهاء مضاعفات»

النهاء الغدران واحدها نهي، لم تؤذ لم تثقل متون الأفراس، وصفها بالرقة والخفة.

وقال عمرو بن كلثوم:

علينا كل سابغةٍ دلاصٍترى فوقَ النِطاقِ لها غضونا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

دلاص لينة، سابغة واسعة، غضون تشنّج وإنما تشنجت فوق النطاق لطولها.

علينا البَيض واليلب اليمانيوأسياف يقمن وينحنينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

اليلب بَيض يعملونها من أنساع تعرض النسعة ويخرز بعضها إلى بعض.

وقال النابغة يذكر كتيبة:

فصَّبحهم بها صهباءً صرفاكأنّ رؤوسَهم بيض النعامِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاركة تدللها قطام»

صهباء في لونها: صرفا خالصة، وشبه البيض على رؤوسهم ببيض النعام.

وقال سلامة بن جندل في مثله:

كأن النعامَ باضَ فوقَ رؤوسِهمبروض القِذافِ أو بروضٍ مخفّقِ

وقال أيضا:

كأن نعام الدوباض عليهم

وقال النابغة:

وكل صموتٍ نثَلة تُبّعيةٍونسج سُليم كل قضّاءِ ذائل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أهاجك من أسماء رسم المنازل»

صموت درع لينة إذا صبّت لم يكن لها صوت. ونثلة واسعة، وقّضاء حديثة العهد بالعمل خشنة المس ومنه أقض على مضجعي أي أخشن والقِضة حصى صغار، والذائل الواسعة، وسليم يريد سليمان ﵇. وقال آخر وهو الحطيئة:

فيه الرماح وفيه كل سابغةٍجدلا محكمة من نسجِ سلامِ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «هل تعرف الدار مذ عامين أو عاما»

أراد سليمان.

علين بكدَيون وأبطّن كرّةًفهن إضا صافيات الغلائل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أهاجك من أسماء رسم المنازل»

الكديون درديِّ الزيت، والكرّ البعر تجلى به الدروع، فهن إضاء أي مثل الغدران، يقول مسحن بعكر الزيت ثم ألقيت الكرة في الأوعية. وجعلت فيها الدروع لئلا تصدأ ولا تختلّ فيضرَ ذلك بمساميرها، والغلائل الواحدة غلالة وهو الثوب يكون تحت الدرع وتكون مسامير الدروع الواحد غليل فعيل بمعنى مفعول، وإنما قيل غليل لأن المسمار غل في الحلَق ثم أدخل ثم جمع. وقال عمرو بن معدي كرب:

قلتُ لعيرٍ جَرمٍ لا تراعيإذا وطَنَتْ بالبدنِ الصديعا

البَدن الدرع، والصديع ثوب يصدع أي يشق نصفين يكون تحت الدرع وهو غلالته.

وقال أبو قيس بن الأسلت

أحفِزها عني بذي رونقٍمهندٍ كالملحِ قَطّاعُ
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة

أبو عبيدة: هو أن تجعل في حمائل السيف كلابا وتكون في أسفل الدرع عروة فتعلق بالكلّاب فتِخف على صاحبها، وكذلك قول زهير:

ومفاضة كالنهي تنسِجُه الصّبابيضا كفَّتْ فضَلها بمهنّدِ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «لمن الديار غشيتها بالفدفد»

أبو عبيد قال سمعت أبا عبيدة يقول: أحفزها بالسيف أي

أعينها به وأجعله معها في لباسي. وكذلك قول كعب من زهير:

خدبا يحفّزها نِجاد مهندٌصافي الحديدةِ صارِم ذي رونقِ

الخدباء الواسعة بالخاء معجمة. وقال المنخل يصف فوارس:

شدَّوا قوانسَ بيضِهمفي كلِ محكمةٍَ القتيرِ

دوابر البيض مآخيرها. وكان الفارس إذا ركض فخاف أن تسقط بيضته شدها في درعه، والقتير رؤوس المسامير. وقال الحارث بن حلزة:

يحبوكَ بالزَعْفِ الفَيوضِ علىهميانِها والأدم كالغرسِ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «لمن الديار عفون بالحبس»

الزغف الدرع اللينة المس، الفيوض السابغة، والهميان هاهنا المنطقة، والأدم البيض من الإبل، والغرس البستان المغروس. وقال سلامة بن جندل يصف درعا:

فألقوا لنا أرسانَ كل نجيبةٍوسابغة كأنها مسّ خرنقُ
للشاعر سَلامَة بن جَندَل، اقرأ القصيدة

أي من لينها، ومنه قول المرأة في زوجها: المس مس أرنب.

مداخلة من نسج داود سكْهامَحبِ الجني من أبلمٍ متفلِّقُ

السك المسمار، الأبلم نبت، شبّه مساميرها بحب الأبلم، وأما قولهم " المال بيني وبينه شق أبلمة " فإنها الخوضة. وقال جرير للأخطل:

أبا مالكٍ مالَتْ برأسكَ نشوةٌوعرّدَت إذ كبشُ الكتيبةِ أملح
للشاعر جرير، من قصيدة «أجد رواح القوم أم لا تروح»

عردتَ جُبنت وتأخرت، والأملح من الكباش الذي يشبهَ لونه لون الرماد وإنما يريد أن رئيس القوم في الحديد وهكذا لونه. وقال لبيد:

الضاربون الهام تحت الخيَضَعة

الخيضة البيضة. وقال الحطيئة:

فيه الرماحُ وفيه كل سابغةٍجَدلاء مبهمة من نسجِ سلاّم
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «هل تعرف الدار مذ عامين أو عاما»

سابغة درع، جدلاء مدورة الحلق، مبهمة مستوية الحلق، وأراد بسلام سسليمان صلى الله عليه ولم يعمل الدروع سليمان وإنما عملها داود ﵇: وقال ابن مقبل:

سم الصباح بِخرصانٍ مسوّمةٍوالمشرفيّة نُهديها بأيدينا

أبو عبيدة: الخرصان الدروع الواحد خرص، ونظنهم سموا الدرع

خرصا لأنه حلَق كما سموا الحلقة التي في الأذن خرصا مسومة أي سومت بالحَلق الصفر التي فيها، والمشرفية من صنعة مشرف ومشرف جاهلي وهم يدعون إلى ثقيف. الأصمعي: الخِرصان الرماح واحدها خُرص وخرص وكل قضيب خرص، وروى - بخرصان مقوّمة، وقال: المشرفية السيوف نسبت إلى المشارف قرى للعربَ تدنو من الريف، نهديها نقيمها، سم الصباح أي. سم الغارة يقال فرسان الصباح أي فرسان الغارة. وقال النابغة:

وكل صموتٍ نثلة تبّعيةونسج سليم كل قضّاءَ ذائل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أهاجك من أسماء رسم المنازل»

القضة الحصى الصغار وأنشد لأبي زبيد الطائي: يقيها قضة الأرض الدخيس أبو عبيدة: النثلة من أسمائها، يقال نثلت عني الدرع ألقيتها ويقال نثرة ولا يقال نثرت عني الدلاع فنراهم حوّلوا اللام إلى الراء كما قالوا سملت عينه وسمرت ونرى أن النثلة هي الأصل لأن لها فعلا وليس للنثرة فعل لأنها مستبدلة، والقضاء المسرودة المسمورة ونراها من قولهم قض الجوهرة إذا ثقبها ومنه قضة العذراء إذا فرغ منها، ومن قوله يعني النابغة

علينَ بكديون وأبطنّ كرةًفهنّ إضا صافيات الغلائل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أهاجك من أسماء رسم المنازل»

ويروى: فهن وِضاء، أي نقاء نظاف وهو جمع وضيئة، والغلالة المسمار الذي يجمع رأسي الحلقة، وإنما خص الغلائل بالصفاء لأنها أول ما يصدأ من الدرع، وروى أبو عبيدة: فهن إضاء، أي نقية من الصدأ كإضاء الغدران، والغلائل التي تحتها وهي ما تلبس تحت الدروع. وقال آخر:

وجاء سِعر عارضا رمحهولابسا حصداء مثل البِجاد

حَصداء درع، والبجاد كساء من أكسية العرب. وقال قيس بن عَيزارة أسرته فَهم فأخذ سلاحه تأبط شرا:

سرا ثابت بزّي ذميما ولم أكنسلكت عليه شلّ مني الأصابع
للشاعر قيس بن عيزارة، اقرأ القصيدة
فويل ام بن جرّ شَعل على الحصىووقر بزّ ما هنالك ضائع

سرا عني أخذه مني وسلبنيه، ويقال سروت عن الفرس جله. وقال أبو دواد:

فسَرونا عنه الجلال كما سسُلّ لبيع اللطيمة الدخدار

اللطيمة سوق المسك، والدخدار بالفارسية إنما هو تخت دار أي يمسكه التخت، ذميما أي مذموما، وثابت اسم تأبط شرا، سلكت عليه أي لم أقاتله، شل مني الأصابع دعا على نفسه، فويل ام بز يتعجب منه وبزه سلاحه، وشعل لقب تأبط شرا، ووقر بزّ أي أكرم بزّكنت

أوقره وأكرمه - دعاء، قيل: وقر - صارت فيه وقرات وآثار: وروى أبو عمرو: فضُيع بز. وقال آخر عبد قيس بن خفافُ البرجمي:

وسابغة من جياد الدروع تسمع للسيف فيها صَليلا
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «صحوتُ وزايلني باطلي»
كمتن الغدير زفته الدبوريجر المدجّ منهاَ فضولا

الدرع تشبه بالغدير والنهي وبذور الشمس وبالبجاد والمِجول قال الشاعر:

وعلي سابغة كأن قتيرهاحدق الأساود لونها كالمجول

القتير رؤوس مسامير الدروع شبهها بحدق الجنادب، والمجول دُريع صغير تلبسه الصبية. وقال امرؤ القيس:

إلى مثلها يرنو الحليم صبابةإذا ما اسبكّرت بين دِرع ومجول
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وقال زهير يمدح رجلا:

حامي القتير على محافظة الجليّ أمين مغيّب الصدر

القتير رؤوس مسامير الدرع، يقول يلبس الدرع في الحوب فتحمي عليه، والجلي الأمر العظيم وجمعه جلل على غير قياس. وقال كعب بن زهير:

بيض سوابغ قد شدت لها حلقكأنه حلَق القَفعاء مَجدول

القفعاء ضرب من الحسك وهو أشبه شيء بحلق الدروع، مجدول من الجدل وهو العصب والشد. وقال أبو ذؤيب وذكر متبارزين:

وتعاورا مسرودتين قضاهماداود أو صَنعُ السوأبغ تُبع

مسرودتان درعان، قضاهما أي فرغ منهما، ومنه تول الله ﷿ " فقضاهن سبع سموات في يومين " والصنع الحاذق بالعمل يريد تعاورا درعين بالطعن.

النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من كتاب الحرب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.