من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
في الطعنة والشجة والضربة
قال أبو ذؤيب:
فتخالسا نفسيْهما بنوافذٍكنوافذِ العُبُطِ التي لا تُرقَعُ
وصف رجلين التقيا في قتال، والعبط جع عبيط وهو الثوب يشق عن صحة وكذلك الناقة العبيط والشاة التي تنحر من غير علة، لا ترقع يقول فهذا أصلب من خلق يرقع، ويقال طعنة عبيط أي
طعنت على صحة فنفذت إلى الجوف فهي لا يسدها سبار ولا يرقععها أيضا. وقال:
وطعنةُ خَلس قد طَعنَتْ مُرِشّةكعَطِّ الرداءِ لا يُشك طَوارُها
أي لا تُسبرَ ولا تعالج، طوارها ناحيتها، خلس على دهش، مرشة ترش الدم، والعرب تقول: طعن بتر أي يختلس، ورمي سعَر - مصدر سعّرت الحرب والنار إذا لهبتها، وضرب هبر - أي يلقي قطعة من اللحم.
مسحسحة تنفي الحصى عن طريقِهايطيّر أحشاءَ الرعيبِ اثِرارُها
مسحسحة أي تسح الدم سحا، تنفي الحصى يقول دمها الذي يسيل منها ينّحي الراب عن طريقه، يصف كثرة الدم، والرعيب المرعوب، أي إذا نظر المرعوب إلى هذه الطعنة هاله ذلك، والانثرار سيلان ويقال سعة الجرح. وقال طفيل في مثل ذلك:
برمّاحةٍ تنفي الترابُ كأنّهاهراقة عقّ من شَعيبي معجّلِ
عق شق، والشعيبان المزادتان، والمعجل الذي يحلب الإبل فيعجله إلى أهله قبل ورود الإبل. وقال أبو جندب الهذلي:
وطعن كَرمحِ الشَول أمسَتْ غَوارِزاجَواذِبُها تأبى على المتغّبِرِ
أي ينفح هذا الطعن بالدم كما يرمح الشول. والغوارز التي قد غرزت وذلك إذا ذهبت ألبانها فإذا طلب منها الدر رمحت، والمتغبر الذي يطلب الغُبر أي بقية اللبن، والجواذب والغوارز قريب من السوء. وقال ابن رِبع الهذلي واسمه عبد مناف:
والطعن شغشغة والضرب هيقعةضرب المعوّل تحت الديمة العضدا
شغشغة حكاية صوت الطعن، والهيقعة حكاية وقع السيوف، والمعوّل يتخذ عالة يبنيها وهي بيت من شجر يستظل من المطر، والعضد ما قطع من الشجر، والعضْد بالإسكان القطع يقال عضد يعِضد عضدا. وقال آخر:
وطعنةُ مستبسلٍ ثائرٍتردّ الكتيبة نصف النهار
يقول: إذا رأوا تلك الطعنة رجعوا يقولون قد طعنوا هذا الطعن - فينهزمون نصف يوم.
وقال المسيب بن علس:
كغماغمِ الثيرانِ بينهمُضربٌ يغمّض دونه الحدقُ
غماغم الثيران أصواتها، وعماعم الثيران بالعين جاعاتها، يقول هذا الضرب إذا رآه الإنسان غمض عينيه من هوله. وقال آخر يصف شجة وهو عذار بن ذرة الطائي:
يحجّ مأمومةً في قعرِها لجفٍفاست الطبيب قذاها كالمغاريد
يحج يصلح، مأمومة شجة بلغت أم الدماغ، ولجف أن يذهب في إحدى الناحيتين، فالطبيب مما يرى من هولها تقذى استه كالمغاريد وهم كمء صغار. ويقال له غماريد مقلوب، وهو مثل الجوز فعقد في كل شجرة ذات هدَب، والهدب ما كان يشبه ورق السرو مما ذهب طولا وما ذهب عرضا فهو ورق. وقال العجاج:
عن قُلب ضُجم تورّي من سَبَر
القلب جمع قليب، والضجم العوج، تورِّي تفسد جوفه من الخوف، من سبر هو الذي يسبرها والمسبار الذي يقدّر به الجراحة فينظر ما غورها. وقال الكميت يصف رجلا ضُرب رأسه:
كأن الأمَ أم صداه لماجلوا عنها غَطاطة حابلينا
الحابل الصائد بالحبالة، والغطاطة القطاة، شبه القحف حين ندر بقطاة، والصدى طائر كانت الأعراب تقول أنه يخرج من هامة الميت فلا يزال يصيح على قبره حتى يُدرَك بثأره. فأما قول ذي الإصبع:
إنك إلاّ تَدع شتمي ومنقصتيأضربكَ حيث تقولُ الهامة اسقوني
فانه إنما أراد أضربك على الهامة لأن العطش يكون في الهامة. وأنشدنا لأبي محمد الفقعسي:
قد علمتُ أني مروِّي هامهاومُذهب الغليلِ من أوامِها
وقال الكميت يذكر طعن الثور:
بطعن كوقعِ شراد النقالِيحاكي به اللبة الأبحلِ
السِراد المخصف وهو المِسرد، والنقال رقاع النعال واحدها نقيل، والأبجل العرق، يقول هذا يسيل واللبة تسيل فكأنهما يتباريان. وقال قيس بن الخطيم يصف طعنة:
ملكتُ بها كفِّي فأنهرت فتقهايرى قائم من دونها ما وراءها
ملكت شددت، ومنه قوله: أملكوا العجين فإنه أحد الريعين يريد شدوا عجنه، أراد أن البصر ينفذ فيها وهذا من إفراط الشعر وقبل هذا البيت.
طعنتُ ابن عبد القيسِ طعنةَ ثائرٍلها نَفَذ لولا الشعاع أضاءَها
نفَذ الجرح منجمه من حيث نفذ أي ظاهره.
وقال جرير:
وعاوٍ عوى من غير شيءٍ رميتهبقارعة أنفاذها تقطُر الدما
جع نَفذٍ، والشعاع ما تفرق من الدم وانتشر، يقول لولا ذلك
أضاءت حتى يستبين لك، أنهرت فتقها أي أجريت الدم وكأنه من النهر. وقال الأعشى يصف ضربا بالسيف:
كاذن الفَرَاء الأصحر بين الغيل والدَحل
يقيل النسر فيه كجلوسِ الشيخ ذي الكِفلِ
الفرأ الحمار، والأصحر في لونه وكذلك حمير الوحش صحر، والغيل الشجر، والدحل غار يكون في أصل الجبل يتسع من آخره ويضيق من أعلاه، شبه ما بقي من ذلك الضرب من الجلود المتعلقة بآذان الحمر، وشبه النسر بشيخ مكتفل. وقال مالك بن زغبة:
بضربٍ كآذانِ الفراءِ فضولهوطعنٌ كايزاغ المخاض تبورها
الفِراء جمع فَرإ، وإيزاغ المخاض دفعها بالبول - يقال أوزغت توزغ وذلك إذا قطّعته قطعا، تبورها تعرضها على الفحل تنظر ألواقح هي أم لا. وقال الأعشى:
بمشعلةٍ يغشى الفِراشَ رشاشتهايبيت لها ضو من النارِ جاحم
مشعلة متفرقة الدم، ومنه قيل قد اشتعلت الكتيبة إذا تفرقت يبيت لها ضوء أي يوقدون عند المطعون ليعرفوا حاله في كل ساعة،
جاحم جمر، الأصمعي: الجحمة حر النار ومنه الجحيم. وقال حسان بن ثابت:
ذَروا فلجات الشأم قد حالَ دونهاضراب كأفواهِ اللقاح الأوراكِ
ينشَد: فلحات وفلجات بالحاء والجيم، قالِ: والفلحة من الأرض ما اشتققت منها للزرع، والفلجة ما اشتققت من الديار وقال آخر:
وأحياناً نخالطهم بضربٍصموتٍ في الحديد وأرونانِ
يقول إذا ضربنا البَيض صوت وإذا ضربنا الدروع لم تصوت، أرونان صوت.
وقال الحارث بن حلزة:
وصتيت من العواتك ماتنهاه إلا مُبيضّة رَعلاء
صتيت جمع، والعواتك أمهات ملوك اليمن من كندة، ما تنهاه أي لا تكف هذا الجمع الاضربة توضح عن بياض العظم، رعلاء يتدلى اللحم من جانبيها جميعا. وقال:
وسمعت وقعَ سيوفنا برؤوسهموقعَ السحابِ على الطِرافِ المشَرجِ
شبه وقع السيوف برؤوسهم بوقع المطرعلى الطراف وهو بيت من أدَم، مُشَرج منصوب مبني. وقو له:
وضرّب غير تذبيب
يريد أنه ليس بضرب نردّهم به عنا ولكنه ضرب قتل.
وقال سلامة بن جندل:
كأن منا خا من قيون ومنزلاًبحيث التقيْنا من أكّفٍ وأسوق
أي قيون يقطعون الأيدي والأرجل. وقال عنترة:
وحليل غانيةٍ تركَتْ مجدّلاًتمكو فريصته كشدقِ الأعلم
تمكو تصغِر من قول الله جل وعز " وما كان صلاتهم عند البيت الامكاء وتصدية "، يريد صوت خروج الدم منها، والأعلم الجمل المشقوق المشفر، شبه مواضع الضربة بشدق الأعلم. وقال:
بكلِ مرهفةٍ لها نَفَتٌتحت الضلوعِ كطرة القدمِ
مرهفة سيوف رقاق، نفث تنفث بالدم، ويقال نفت بالتاء، يقال نفتت القدر تنفت نفتا إذا غلت، والرجل ينفت إذا غضب، القُدم برود يقال لها القُدمية، والطرة الحاشية.
وقال مالك بن زغبة الباهلي يصف رجلا طعن:
يجرِّر ثربه قد قضَّ فيهكأنّ بياضَه سِبّ صفيقُ
يريد أن بطنه شُق فخرج ثربه فقضّ في الراب أي حمل القضض، والسِب الخمارأ.
وقال القطامي يصف ضربا وطعنا:
ترى منه صدورَ الخيلِ زوراكأنّ بها نخازاً أو دُكاعا
نحاز مثل السعال، والدكاع الزكام، والنحاز للخيل والدكاع للابل.
فظلَّتْ تعبط الأيدي كلوماًتمّ عروفها علَقاً مُتاعا
تعبط تكلم كلْما على صحة لغير علة، والمتاع المسال يقال أتاع الرجل إتاعة إذا قاء قيئة.
وقال أيضا:
بضرب تهللك الأبطال منهوتمتكر اللحى منه امتكارا
المكرة المغرة، أي تخضب اللحى منه بالدم، شبه حمرة الدم بالمغرة. وقال عنترة أو غيره:
فنجا أمامَ رماحنا وكأنّهفوتَ الأسنة حافر الجَأبِ
الجأب المغرة، شبه ما عليه من لطخ الدم برجل يحفر في معدن مغرة. وقال خداش بن زهير:
وطعنة خَلس كفرغ الإزاء أفرغ في مثعبِ الحائرِ
الفرغ مصب الماء من الدلو، وإزاء الحوض الموضع الذي تفرغ عليه الدلو.
تهالُ العوائدَ من فرغِهاترد السبارَ على السابرِ
السِبار الذي يدخل في الجراحة ليعلم ما غورها، ترده علىِ السابر لكثرة ما يخرج منها من الدم. وقال الطرماح يصف الثور حين طعن الكلاب:
فنحا لأولاها بطعنةِ محفظٍتمكو جوانبها من الإنهارِ
نحا انحرف، والمحفظ المغضب، تمكو تصفِر وذلك عند سيلانها، والإنهار سعة الطعنة.
ومنه قول قيس بن الخطيم:
فأنهرت فتقها
وقال البعيث:
ونحن منعنا بالكلابِ نساءَنابضربٍ كأفواهِ المقّرحةِ الهدلِ
المقرحة التي بمشافرها قَرْح فتسترخي مشافرها وتسيل ماء، شبه الضرب بها.
وقال الفرردق يصف شجّة ويهوّلها:
ترى في نواحيها الفراخَ كأنماجثَمن حِوالَي أم أربعةٍ طُحْلِ
شرَنبثةَ شمطاءَ من يرَ مابهايُشْبِه ولوبين الخماسّي والطفلِ
إذا ما سقوها السمنَ أقبلَ وجهُهابعين عجوزٍ من عرينةٍ أو عُكلِ
جُنادفةً سجراء تأخذُ عينُهاإذا اكتحلَتْ نصفَ القفيزِ من الكحلِ
جنادقة يعني العجوز قصيرة غليظة، سجراء حمراء. وقال الفرزدق:
يحمي إذا اختلطَ السيوفُ نساءَناضرب تخِرّ له السواعدُ أرعلُ
تخر تسقط، أرعل مسترخ، المعنى أنه يميل ما قطع فيسترخي وفي مثل للعرب " زادك الله رَعالة: كلما ازددت مثالة " رعالة استرخاء ومثالة من قولك: هذا أمثل من هذا.
وقال الغرزدق أيضا:
ونحن ضربْنا هامةَ ابن خويلدٍيزيدَ على أم الفِراخِ الجواثمِ
ونحنُ ضربنا من شُتيرِ بن خالدٍعلى حيث تستسَقيه أم الجماجمِ
أم الفراخ الهامة، وكذلك أم الجماجم. وهذا مثل قول ذي الأصبع:
أضربْك حيث تقول الهامة اسقوني
ونحو منه قوله:
ونحن صدَّعنا هامةَ ابن خويلدعلى حيثِ تستسقيه أم الجواثمِ
الجواثم الفراخ يريد، الدماغ - وأمها الهامة. وقال العجاج يصف طعن الثور الكلاب:
وبجَّ كلَّ عاندٍ نَعورقضبَ الطبيبُ نائطَ المصغور
بج شق كل عرق عاند وهو الذي لا يرقأ، ويقال العاند العادل لا يجري دمه على جهته، والنعور الذي يرتفع دمه إذا جرى، قضب الطبيب أي قطعه، والنائط عرق يقال إنه في الظهر، والمصفور الذي به الصفار. وقال:
صقعاً إذا صابَ اليآ فيخ احتفَرفي الهامِ دُحلانا يفّرسْنَ النُعَر
الصقع الضرب، والدحلان جع دحل وهو هوّة تكون في الأرض، يقول مجفر الضربُ في الهام، والفَرْس أصله دقّ العنق ثم جُعل كل دق فرسا، والنُعرة ذبابة، يقال: في رأسه نعرة - أي كبرة، وأصله أن الحار النِعر - وهو الذي يكون هذا الذباب في رأسه - يرفع رأسه فَضُرب مثلا للرجل الذي به كبر كأن تلك الذبابة في رأسه فهو شامخ بأنفه، يقول: فهذا الضرب بالسيف يذهب الكبر.
بين الطِراقين وَيفلين الشعرَعن قُلُبٍ ضُجمٍ تورِّي من سَبرِ
أي بين طراقي عظام الرأس، والقلب الآبار: شمبه الشجاج بها ضجم مائلة يقال فم أضجم إذا كان مائلا، تورِّي من سبر أي من قاسها أورثت جوفه داء يسمى الوَرْي.
منها قعور عن قَعورٍ لم تذردون الصَدى وأمه سترا سَتر
الصدى الدماغ وأمه الجلدة تكون عليه، يقول السيوف لم تنر شيئا من الرأس دون الدماغ وأمه، ويسمى الدماغ بالصدى لقول الأعراب أنه يخرج من هامة الميت فلا يزال يصيح على قبره. ومنه قول الكميت:
كأن الأمَ أم صداه لماجلوا عنها غَطاطةً حابلينا
يعني هامته، وقد فُسّر ذلك. ويقال أنه سمي الدماغ بالصدى لأن العطش يكون منه.
ومنه قول ذي الإصبع:
أضربْك حيث تقول الهامة اسقوني
وقوله يصف ضربا أيعني قول العجاج:
تفضّ أمّ الهام والترائكاهشمَك حوليّ الهبيد الراتِكا
الترائك أصله بيض النعام الذي قد قمثر فترك، شبه البيض على الرؤوس به. وقال: لا أدري ما الهبيد الراتك غير أن الرتك مقاربة الخطو. وقال بعضهم: إن الحنظل يؤخذ فيلقي حبه في حوض ويصب عليه الماء مرارا ثم يوطأ بالأرجل ويدلك دلكا شديد فإذا طاب الماء أخرج وجفف ثم جش فطبخ به واتخذ منه السويق، يريد بالراتك المرتوك فيه، الأصمعي: ويروي حولى الهبيد آركا، أي مقيما
عليه وهذا مثل - يقال إبل آركة إذا لزمت الأراك تأكله. وقال:
وفي الحَراكيك بخُدبٍ خزّلٍلَخفٍ كأشداقِ القِلاص الهدَّلِ
الحراكيك الحراقِف وهي رؤوس الأوراك والخُدب الضربات التي لا تمالك، والخزل القطع، لخف هو أن يقطع قطعا رقيقا، ثم شبه هذه الخدب في سعتها بأشداق إبل هدل مسترخيات المشافر. وقال عبد الله بن الحويرث الحنفي:
هم أنشبوا زرقَ القنافي في نحورَهموبِيضاً تقيضن البَيض من حيث طائره
يعني الفرخ وهو الدماغ، وتقيض تكسر. آخر وهو ابن مقبل:
كأن نزَو فراخِ الهامِ بينهمنزو القلاتِ زَهاها قال قالينا
القلات جمع قلَة وهي الدوّامة، والقال الخشبة التي تضرب بها الدوامة، والقالون الضاربون بها - يقال: قلوت بها. وقال الراعي يصف سيفا:
يزيل بناتَ الهامِ عن سكناتهاوما يلقَه من ساعدٍ فهو طائح
بنات الهام الأدمغة، وسكناتها مواضعها. وقال آخر:
ألم ترمِ أوتضربْ وقد يضربُ الفتىويرمي إذا جاري وإن مال رَلكبُه
أي يقاتل وإن قُتل، وراكبه رأسه. وقال أبو النجم:
وكان نوْل العبدِ إذ تحرّفاأن يُضرَب البيضِاءُ أو أن يُرعفا
إذ تحرف إذ مال عن الطربق، يضرب البيضاء أي الوجه، يقال ضربتك البيضاء أي الوجه، أو أن يرعف أي يجدع أنفه فيسيل دمه. وقال ابن شلوة:
وكأنما أقدامُهمكرَب تساقط في خليجٍ مفعَمِ
مفعم مملوء أراد كثرة الدم أي تَقع فيه فكأنها تقع في خليج وهو النهر الصغير يشق من النهر الكبير. وقال قيس بن الخطيم:
ترى اللابةَ السوداءَ يحمّر لونُهاويسهل منها كل رِيع وفَدفَدِ
اللابة الحرة والجمع لاب ولوب، يحمر لونها من الدم، ويسهل فيها كل ريع أي ينزل منه الدم، والريع كل ما ارتفع من الأرض، والفدفد المستوى الصلب.
وقال ابن أحمر يذكر عينه ورماها رجل ففقأها:
أهوى لها مِشَقصاً حشراً فشبرقهاوكنت أدعو قذاها الاثمد القَرِدا
يقول كنت من إشفاقي عليها أسمي ما يصلحها قذى فكيف ما يؤذيها، وقوله: أدعو أي أسمي، تقول: ما تدعون هذا فيكم؟ أي ما تسمونه. وقال ساعدة بن جؤية:
يُدعون حُمساً ولم يرتعْ لهم فزعحتى رأوهم خِلالَ السبي والنَعم
يُدعَون يسمّون، يقال لهم حرمة الحمس والحمس قريشَ ومن ولدت وحلفاؤها، ولم يرتع من الروع، خلال السبي بينه، والنعم الإبل، والحشر السهم الخفيف الريش الذي قد قُصبه ورِصافه، والاثمد القرد هو الذي ينقطع في العين وقيل القرد الذي لصق بعضه ببعض، والمعنى كنت أسمي الإثمد قذى من حذري عليها. وقال أبو كبير:
عجِلت يداك لخيرهمِ بمِرشّةٍكالعّط وسط مزادةِ المستخلفِ
مرشة طعنة ترش الدم، والعط الشق، والمستخلف الذي يسقى، يقول يسيل دم هذه الطعنة كما تسيل المزادة المشقوقة.
مستّنة سننُ الفَلُوّ مرشّةتنفي التراب بقاحِز مُعرَورِفِ
أي يسن دمها يتبع بعضه بعضا كما يستن الفلو، تنفي التراب تبعده بدم يقحز أي ينزو، معرورف له عرف.
يهدى السباع لها مُرِشّ جديّةشعواء مشعلة كجّرِ القَرطفِ
أي تشم السباع الدم فتتبع أثره، والجدية الطريقة من الدم وشعواء
منتشرة، مشعلة متفرقة، وشبه طريقة الدم بمجرّ قطيفة على الأرض. وقال
وإذا الكماةُ تعاوروا طعَن الكلىندْر البِكارةِ في الجزاء المضعَفِ
أي يتعاورون طعنا يذهب هدرا كما تندر البكارة وهي الصغار أي تُلقى فلا تحسب في الجزاء أي في الدية، وَالمضف المضاعف. وقال:
وأخو الأباءةِ إذ رأى خُلّانهتلّى شفاعا حوله كالاِذخِرِ
الأباءة الغيضة، يريد قوما قُتلوا قريبا من غيضة، تلّى صرعى، من تَلّه للجبين، شفاعا اثنين اثنين، يقول امتلأت الأرض منهم حي قُتلوا، وذلك أن الاذخر يكثر إذا نبت ولا تكاد تجد اذخرة واحدة إنما تجد الأرض منه مستحلسة.
من يأتِه منهم يؤبْ بمرشّةٍنجلاءٍ تُزغل مثل عَطِ المِسترِ
تزغل تدفع، مثل شق المستر وهو ثوب يستتر به، نجلاء، واسعة.
وقال يصف رجلا والبيت لزهير:
يطعنهُم ما ارتموا حتى إذا اطّعنواضارب حتى إذا ماضاربوا اعتنقا
يقول: إذا رموا من مدى بعيد غشيهم بالرمح فإذا اطعنوا دخَل تحت الرماح وضارب فإذا ضاربوا دخل تحت السيوف فاعتنق، إنما أراد أن يخبر أنه أقربهم منهم وألزقهم بهم.
وقال مالك بن خالد الخناعي:
ترى القوم صَرعى جثوةٍ أصبحوا معاكأنّ بأيديهم حواشي شِبرق
شبرق شجر وحواشيه حمر، فشبه الدماء بها. وقال ابن مقبل:
ورجلة يضربون البَيضَ عن عُرُضٍضرباً تواصى به الأبطالُ سِجّينا
سجّين ضرب شديد، قال أبو عبيدة: ومنه قول الله ﷿ " بحجارة من سجيل "، أي شديد، قال: وليس قول من قال سنكك وكل بشيء، ويروي سِخينا أي سخن. وقال كعب بن زهير:
بضربٍ يُلقح الضِبعانُ منهطِروقته ويأتنف السفادا
قال الأصمعي: يقول أخصب الضبعان حتى كأنه في ربيع يخصب فيلقح فيه، يأتنف السفادا، آخر: إذا شبع ترك الطلب وألحّ على السفاد، غيره: يريد تركنا من ذلك الضرب قتلى فيها طعام يلقح الضبعان طروقته سنتة ويأكل منه فيكفيه حتى يأتنف سفاداً من العام المقبل، والضبعان ذكر الضباع وقال النابغة الجعدي:
تحمَّل حي من كلاب وعلّقوارؤوسً تُثفّى منزلاً ثم منزلا
وجئنا بإبدالء الرؤوس فلم ندعْلبنتِ كلابيّ من التبلِ مغزلا
تثفى تُتَّخد أثافي، أي لم ندع مغزلا أخذ منهم إلا استنقذناه فرددناه عليهم.
وقال عدي بن زيد يمدح رجلا في حرب:
يهيِّجُه الصوتُ الضئيلُ وقِرنهيعاندُ خرقاً ثائرأ دون سربالِ
يقول يهيجه صوت رجل قد طُعن فهو ضعيف الصوت يستغيث، يعاند يميل من طعنة، والثائر الدم، ويروي.
يجيْبُ إلى الصوتِ فقرنهيعالجُ وهياً فائرأ دون سربالِ
وقال يذكر طعنة:
تقحِّم الآنِيَ العبيط كماقحَّمَ غرب المحالةِ الجملِ
الآني الدم الذي قد بلغ ونزا في الجوف، والعبيط الطي، والغرب الدلو، والمحالة البكرة، يقول تدفع الطعنة الدم كما يجذب الجمل الغرب ويدفعه. وقال أبو ذؤيب:
وغادر في رئيسِ القومِ أخرىمشَلشلة كما نفَذَ الخسيف
مشلشلة طعنة تشلشل بالدم، والخسيف البئر تكون في جبل فيُكسَر جبلها عن الماء فلا تنزح أبدا.
وقال ساعدة بن جؤية:
كأنما يقعُ البُصري بينهممن الطوائفِ والأعناقِ بالوَذمِ
البصري سيف منسوب، والطوائف النواحي يريد الأيدي والأرجل، والوذم سيور في الدلو، يقول كأنما تقع السيوف على السيور من سرعة مّرها. وقال لبيد وقد ذكر الدهر وحوادثه:
ولقد رأى صُبح سوادَ خليلةِمن بينِ قائمِ سيفه والمِجملِ
صبح ملك من ملوك اليمن، وخليلة كندة وذلك أنه ضُرب ضربة فرأى كبد نفسه، ويقال: بل أراد بخليله صاحبه الذي ضربه وسواده شخصه وقد قرب منه، والمحمل حمائل السيف.
وقال أبو خراش:
فنهنه أولى القوم عني بضربةٍكأوشخةِ العذراءِ ذاتِ القلائدِ
يريد طرائق الدم كأوشحة العذراء. وقال المتنخل الهذلي وذكر سيفا:
ذلك بزّي وسليهم إذاما كنَّتِ الحَيش عن الأرجلِ
هل ألحق الهِدرة بالضربة الخدباء بالمطَّرد المقصَل. كفت شمر، والحيش الفزع أي شمر بهم الفزع، والهدرة
الضربة التي تهدر قطعة فترمى بها، والمطرد الذي يتتابع إذا هز. وقال كثير:
ويضربُ رَيعانَ الكتيبةِ صفّناإذا أقبلتْ حتى نطرّفها رَعلا
ريعان الكتيبة أولها، والرعل أن يقطع اللحمَ ويترك متعلقا لا يسقط، نطرفها نردّها. وقال آخر:
وضربُ الجماجمِ ضرب الأصم حنظل شابةَ يجني هَبيدا
ضرب الأصم أشد من ضرب السميع لأنه يبالغ ليسمع صوت الضربة.
وقال آخر وهو الفرزدق - ويروي لذي الرمة:
وكنا إذا القيسي نبّ عَتودُهضربناه دونَ الأنثيين على الكرَدِ
نبَّ عتوده - يصغرّ شأنه، والنيب صياح التيس عند السفاد، والعتود العريض حين يبلغ السفاد، والأنثيان الأذنان، والكرد أصل العنق. وقال زهير:
إذا لِقحَتْ حرب عَوان مضرةضروس تهرّ الناس أنيابُها عُصلِ
قضاعّيةٌ أو أختها مضريّةيحرَّق في حافاتها الحطبُ الجَزلُ
لقحت اشتدت، وعوان ليست بأول - قد قوتل فيها مرة بعد مرة، وضروس عضوض سيئة الخلق، تهر الناس أيمط تصيرهم يَهرون منها أي يكرهونها. وقال عننترة:
حلفنا لهم والخيلُ تردِى بنا معانقاتلُكم حتى تهروا العوالياِ
وعصل كالِحة معوجة وإنما يعصل ناب البعير إذا أسن، فأراد أنها حرب قديمة. قال وسمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: يقولون لزهير " حرب مضرة " ولو كان إلي لقلت " مصِرّة " أي تعتزم وتمضي، قضاعية أو أختها مضرية - أي حرب منكرة. يقال: قضاعة بن معد مضر بن نزار بن معد، والجزل ما غلظ من الحطب. يقول: توقد بالجزل لا بالدقيق، والمعنى أنها حرب شديدة. ومثله قول الأعشى:
أي نارِ الحربِ لا أوقدُهاحطَباً جزلاً فأورَى وقدَحَ
وقال ابن مقبل:
لا حرب بالحرب يشفيها الإله ويشفيها شفاعة بين الاِلّ والرحِم
حتى تشولُ لقاحاً بعد قارحِهاتحرّبوها كحربِ الذئب للغنمِ
يقول: إذا شفى الله الحرب وشفتها الرحم فليست بحرب شديدة، والالّ الحِلف والقرابة، وأول ما تلقح الناقة فهي قارح، جعل الناقة مثلا للحرب، تحربوها أي تجعلوها حربا، يقال: حرب وأحرب
أي حرش الحرب. وقال كعب بن زهير:
صبحناهم بجمعٍ فيه ألفرواياهم يخضخضنَ المزادا
الروايا الإبل التي تحمل الماء، تخضخض المزاد والضأن القهادا أربت يعني الحرب لزمتهم، والأركاع السفلة، والقهاد الصغار الأذناب القباح الوجوه، يهجوهم أي أنهم كذلك.
وقال النابغة الجعدي:
ويوم شديد غير ذي متنفسٍأصمٍ على من كان يُحسب راقيا
كأن زفير القوم من خوفِ شرهِوقد بلغت منه النفوسُ التراقيا
زفير متمّ بالمشيّا طرّقتْبكاهله فلا يَريمُ الملاقيا
المتم المرأة الحامل أتمت حملها، والمشيأ المختلف الجسم، طرقت بكاهله أي حان خروج كاهله فنشب، فلا يريم ملاقي الفرج. وقال أبو ذؤيب:
وقائلة ما كان حذوةً بعلهاغداة إذٍ مِنها شاءِ قِرد وكاهلِ
ردّدنا إلى مولى بنيها فأصبحتْيُعَدُّ بها وسط النساءِ الأراملِ
أي رب قائلة تقول ما أصاب زوجي من حذوة الجيش؟ أي ما أعطى، وقرد وكاهل قبيلتان من هذيل، وإنما يهزأ بالمرأة يقول: قتلنا زوجها فصار يلي بنيها مواليهم أي بنو العم وأصبحت تعد في الأرامل.
وأشعت بوشّي شفينا اُحاحَهغداة إذ ذي جَردة متماحلِ
أهمَّ بنيه صيفهم وشتاؤهُمفقالوا: تعدّوا غْز وسط الأراجل
بوشي ذو بوش وعيال، أحاحه غيظه، والجردة الشملة، المتماحل الطويل الطرفين، أهم بنيه نفقة صيفهم وشتائهم فقالوا لأبيهم تعدّ أِي - انصرف، واغز وسط الأراجل رجّالة جماعة.
تأبّط نعليْه وشيقّ فريرةوقال أليس القوم دون حُفائل
يقول تزود نصف خروف، قال أبو عمرو: نصف فروة. وقال أليس القوم - العدو - قريباً؟، فقال يكفيني هذا الزاد وأنا إليكم بالغنائم. وقال ساعدة بن جؤية:
بيناهُم يوما كذلك راعَهُمضبر لباسهم الحديد مؤلّبُ
ضبر جماعة من الناس، ومنه ضبرت الكتب أي جمعتها، مؤلب مجّمع.
تحميهُم شهبا ذاتُ قوانسرمّازة تأبى لهم أن يُحربوا
قوانس أعالي حديد، رمازة تموج وتتحرك وأصل الرمز تحريك الشفتين.
لا يُكتَبون ولا يُكَتّ عديدُهمحفلَت بجيشهم كتائب أو عبوا
لا يكتبون أي يجمعهم العدد، ولا يكت لا يكسر، أو عبوا جاءوا بجماعتهم. وقال:
يُدعُون حُمساً ولم يرتعْ لهم فزعحتى رأوهم خلالَ السبي والنعمِ
الحمس بنو عامر وكنانة وخزاعة ومن ولدته قريش - سمّوا بذلك لأنهم كانوا يحرمون أشياء لم تكن العربَ تحرمها. وقال الشاعر وهو ابن أحمر:
لو بي تحمّست الركاب إذّاما خانني حَسبي ولا وفري
أي تحرمتْ، ولم يرتع - يفتعل من الروع كأنه قال: ولم يفزع لهم فزع أي لم يكونوا فزعوا قبل ذلك وكانوا عند أنفسهم أعزّ من الأحماس فلم يشعروا حتى رأوا الذين أغاروا عليهم بين السبي والنعم يأخذون.
فاستدّبروا كل ضَحضاحٍ مدفّئِةوالمحَصنات وأوزاعاً من الصِرَمِ
استدبروا ساقوها من ورائها، كل ضحضاح يعني إبلا والضحضاح الرقيق أصله من الماء الرقيق وإنما قال لها ضحضاح يعني لانتشارها على الأرض، مدفئة كثيرة، وأوزاعا يعني فرقا. وقال عمرو ذو الكلب وكان جارا لهذيل:
ومالَبثَ القتالُ إذا التقيناسوى لَفْتِ اليمينِ على الشمالِ
يقول إنما لبث كقدر اشتمال إنسان في السرعة.
وقال عياض بن خويلد:
من المدَّعينَ إذا نوكِرواترْيع إلى صوته الغَيلَم
المدعين هو أن يقول: خذها وأنا فلان، ونوكروا كرهوا، تريع ترجع، والغيلم المرأة الحسناء، أي هو يمنع ويقاتل عن الفتاة. وقال عياض بن خويلد:
بشهباءٍ تغلب من ذادَهالدى متنٍ وازعِها الأورمِ
تغلب من طردها، يقول معظم الجيش وأشده انتفاجا خَلف وازعها ليزعها فخلفه معظمها. وقال أبو جندب:
وقلت لهم قد ادركتُكم كتيبةًمفسِّدةً الأدبارِ مالم تخفّز
من قال: تخفر بفتح الفاء أراد ما لم تُنفَذ لها خفارتها، ومن قال تخفر بكسر الفاء أراد ما لم تعب عَهدا فإن أعطت وفت به، مفسّدة يريد إذا أدركت دبر كتيبة أفسدتها.
وقال ساعدة يذكر امرأة تسأل عن أبيها صاحبين له:
فقالا عهدنا القومَ قد حضَروا بهفلا ريب أن أن قد كانَ ثم لَحيم
حضروا به أي حضروه، فلا ريب فلا شك، لحيم قتيل - لحِم فلان قتل، ويروى " شحيم " أيضا أي قتيل. وقال يذكر جيشا:
صابوا بستةِ أبياتٍ وأربعةٍحتى كأنّ عليهم جابئاً لبدا
أي وقعوا بهم، والجابيء الجراد يريد من كثرة ماَ وقع عليهم الناس كأن عليهم جرادا ملتبدا. وقال أبو خراش حين أسر فافتداه خويلد:
فداني فلم يضننَّ عليّ ببكرِهوردّ غداة القاعِ رَدّة ماجدِ
بكره ولده الأول، رد ردة ماجد أي كرّ كرة ماجد. وقال أبو ذؤيب:
مردّ قد نرى ما كان فيهولكن إنما يدَعي النجيب
أي مكرّ. وقال كثيّر:
وسارَتْ إلى شهباءٍ ثابِتة الرحىمقنّعة أخرى تزود نجومها
مقنعة بالحديد يعني كتيبة، ونجومها توقدها من الحديد والبَيض كأن فيها نجوما، تزول تحرك كقول زهير:
تبصّر خليلي هلى ترى من ظعائنكما زالَ في الصبحِ الأشياءِ الحواملِ
عبد الرحمن عن عمه.
والحرب لا تقهر لاستعلائِهاتطمح لم يقدَر على إلهائِها
يقول الحرب لا تقهر بأمر يسير حتى يحتوش من نواحيها، فشبه الناقة بالحرب لأنها لا تضبط حتى يكون مستعلٍ وبائن، والمستعلي الذي يحلب والبائن الذي يمسك العلبة.
عبد الرحمن عن عمه لعامر بن الطفيل:
ونعم أخو الصعلوكِ أمسِ تركتُهبتّضرعٍ يمري باليديْنِ ويعسِفُ
يمري يمسح الأرض، والعسف أن يتنفس نفسا شديداً. والعرب إذا رأوا البعير قد عسف نحروه، والعسف نزو الحنجرة وهذا مجروح، وأنشد.
حتى يرى يعسف قد أحبّا
والمحِب الذي قد كاد يموت. وأنشد:
ما كان ذنبي في محبٍ باركْأتاه أمرُ الله فهو هالْكُ
وقال أوس بن حجر:
وفارَتْ بهم يوماً إلى الليلِ قِدْرناتصّكُ حرابيَّ الظهور وتدسَعُ
هذا مثل، أي كأنهم في قدر لنا تغلي بهم، وحَرابيّ الظهور عضلُها الذي يشخص من لحمها، أراد إنا نطعنهم في ظهورهم لأنهم منهزمون وأنشد لعبد الله بن عنمة الضبي.
حرابيّ متنيه تديص كأنهاخُصي أكلب ينزون فَي رأسِ أبرقا
تديص تموج، وتدسع تدفع وترمي بالزبد يعني القدر كأنها تقىء عليهم.
فما جبنوا إني أسِدّ عليهم ولكن لقوا ناراً تحشّ وتسفع
إني بالكسر أسِدّ عليهم أقول بالسداد وهو القصد. قال الأصمعي هكذا أنشدنيه شعبة عن سماك بن حرب، وأنشدنيه أبو عمرو بن العلاء " فما جبنوا أنا نَشد عليهم " يقول لم يجبنوا لشَدنا عليهم ولكن لقوا حربا مثل النار. وقال يذكر خيلا عليها فرسان:
عليها شِحاحٌ لا ذخيرة فيهمفيلحق منهم لاحق وتقطّعوا
شحاح شداد حراص على الغنيمة، لا ذخيرة فيهم لا معروف لأحد عندهم فيحتاجوا إلى أن يكافئوه به، فيلحق لاحق أي من
الخيل، وتقطعوا قبل أن تبلغ. وقال:
لدي كلِ أخدودِ يغادرن دارعاًيجَرّكما جر الفصيلِ المقرَّعُ
القرع بثر الفصال وجدريّها فتبلّ ثم تجرّ في سبخة أو ملح فيذهب.
لدن غدوةٍ حتى أغاثَ شريدّهمطويل البناتِ فالعيونُ فضَلفَع
طويل البنات جبل حوله جبال صغار، يقول صاروا فيه فأفاقوا وشربوا الماء. وقال:
نبئت أنّ دماَ حراماً نلتَهوهريق في ثوبِ عليكَ محبّرِ
إن كان ظني يا ابن هند صادقيلا تحقنوها فيَ السقاءِ الأوفرِ
يقول صار الدم في ثيابكم ليس عند آخرين، لا تحقنوها أي لا تذهبوا بها، وهذا مثَل للعرب أي أنتم قتلتموه. وقال رؤبة:
قلت وجدَّ الورد بالفُرّاطِلابدّ من جبيهةِ الخِلاطِ
إذا تلاقى الوهط بالأوهاطِأروِي بثَرثارَين في الغِطماطِ
الوهط المكان المطمئن من الأرض، يريد إذا اجتمعت جماعات القتال في هذه المواضع: وإنما يريد ورد القتال، والجبيهة المصادمة، والخلاط المخالطة، والثرثار الذي له صوت، والغطماط الموج، وإنما
هذا مثل. وقوله:
أغرفُ من ذي حدب وأوزيإلى تميم وتميم حرزي
قال بعضهم: أوزي أسند وقال آخرون أصبّ في الإزاء وهو موضع مصب الماء، وهو أيضا مثل قوله:
بأيّ دلو إن سقينا تستنيَ
وهذه أمثال. الأصمعي في قول الشاعر:
وخيل بني شَيبان أحنطها الدم
: أي كان الدم لها حنوطا. وقال رؤبة:
وأنا إن حافل يوم الحّفِلوغَشّ ذو الضّبِ وداء الحقلِ
والحرب تَشرَي بالكِشافِ المغلِ
الضب داء يكون في الصدر، والحقل هاهنا مثَل وهو داء يصيب الإبل في بطونها من أكل التراب والاسم الحَقْلة، والكشاف اللقاح، والمغل أن تلقح في السنة مرتين يقال أمغلت الشاة، قال الأصمعي: وضعه في غير موضعه لأن الكشاف إنما هو في الإبل والمغل في الشاء.
أنشد ابن الأعرابي لشداد بن معاوية:
قتلت سراتكم وحَسلت منكمحسيلأ مثل ما حسل الوِبار
الحسيل والخسيل الرُذال، يقول قتلت سراتكم وتركت رذالكم الذين يُنفون كما ينفيَ الوبار. وأنشد:
تخبط بالأخفافِ والمناسمِعن دِرّة تخضب كف الهاشمِ
هذه حرب شبهها بناقة ودرتها دم، ويقال هشم ما في الضرع إذا حلبه كله. وأنشد لبعض الأنصار:
وأفلتنا أحَيَة غَير غَفرٍيواري شخصه منا السواد
الغفر أصله النكس، يقول أفلتنا مرةَ وليس بمفلت بعد. وقال في قول ضمرة:
ماويّ بل ربّتَ ما غارةشعوا كاللَذعة بالمِيسمِ
يريد كأنها في سرعتها لذعة بميسم في وبر. وقال آخر:
وآخر شاص ترى جلدهكقشرِ القتادةِ غِبّ المطرِ
الشاصي الرافع رجله، وإذا أصاب المطر القتاد انتفخت قشوره وارتفعت، أراد قتيلا قد انتفخ.
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع