من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
الأبيات في الحرب
قال زهير بن أبي سلمى:
فَتعركْكم عرك الرحا بثفالهاوتلقح كشافا ثم تحمل فتت
فتنتج لكم غلمان أشأمَ كلهمكأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
هذا كله أمثال. إراد أحمر ثمود الذي عقر الناقة فصار مثلا في الشؤم. ومثله قول الراجز: مثل النصارى قتلوا المسيحا سمع بالنصارى والمسيح ولم يدر كيف كان الأمر فقال علي ما توهم. غلمان أشأم أي غلمان شؤم، يقال: كانت لهم أشأم، ثم ابتدأ فقال كلهم كأحمر عاد ثم ترضع فتئم أي يتطاول أمرها حتى تكون بمنزلة من تلد وترضع وتفطم.
فتُغلل لكم ما لا تغلّ لأهلهاقُرى بالعراق من قفير ودرهم
يقول يأتيكم منها ما تكرهون لا كما يأتي أهل العراق من الطعام والدراهم. قال أبو عمرو: يصيبون غلة من هذه الحروب من عقل
وغيره، وقال ليزيد بن حارثة بن سنان والحارث بن عوف المصلحين بين عبس وذبيان.
سعى ساعيا غيظ بن مرّة بعدماتبزّل ما بين العشيرة بالدم
يقول أصلحا أمر العشيرة وقد كاد يتبزل بالدم أي يتشقق.
يمينا لنعم السيدان وجِدتماعلى كل حال من سَحَيل ومبرَم
السحيل خيط غير مفتول على طاق، والمبرم يفتل على طاقين، يقول على كل حال من شدة وسهولة، أي نعم السيدان وجدتما حين تُفاجآن لأمر محكم وأمر لم يحكم.
تداركآ عبسا وذبيان بعدماتفانوا ودقّوا بينهم عطر منَشم
الأصمعي: منشم امرأة كانت عطارة فتحالف قوم فأدخلوا أيديهم في عطرها على أن يقاتلوا حتى يموتوا فصاغوا هؤلاء بمنزلة أولئك في شدة الأمر، أبو عبيدة: منشم اسم وضع لشدة الأمر لا أن ثم امرأة، قال وهو مثل قولهم: جاؤا على بكرة أبيهم وليس ثم بكرة. أبو عمرو: هو من التنشيم في الشر وهو الابتداء به. غيره: منشم امرأة كانت تبيع الحنوط. وقال:
لعمري لنعم الحيّ جرّ عليهمبما لايؤاتيهم حصين بن ضَمضم
أي بما لا يوافقهم، وحصين من بني مرة وهو الذي لم يدخل في الصلح وكان حين اجتمعوا للصلح شد على رجل منهم فقتله.
وقال يذكر حصينا:
فشدّ ولم يُفزِع بيوتا كثيرةلدي حيث ألقت رحلَها أمّ قَشعمَ
قوله: ولم يفزع بيوتا كثيرة أي قتل رجلا واحدا ولو قتل أكثر من واحد لكان الفزع أكثر، وأم قشعم المنية - أي حيث أقامت لهذا الرجل فأهلكته وذلك إلقاؤها رحلها، وقيل أم قشعم الحرب الشديدة، أبو عبيدة: أم قشعم العنكبوت أي شد عليه بمضيعة فقتله، ويروى يَفزع بيوت كثيرة، يقول شد على ثأره وحده فقتله ولم تفزع العامة بطلب واحد، يريد بذلك تملقهم وأن لا يغضبوا وأنه إنما قصد لثأره ولم يردكم فاقبلوا الدية والصلح.
رعوا ما رعوا من ظِمئهم ثم أوردواغمار تفرَّى بالسلاح وبالدم
الظمء ما بين الشربتين، والغمار من الغمرة وهي أعظم شأنهم تفَرّي تشقق عليهم بالسلاح وبالدم وهذا مثَل ضربه لرمِّهم أمرهم ثم وقوعهم في الحرب. وقال:
ومن يعص أطراف الزجاج فإنهيطيع العوالي رُتهّبت كل لهذم
يريد من عصى الأمر الصغير صار إلى الأمر الكبير، وهذا مثَل، يقول: أن الزجّ ليس يُطعن به إنما الطعن بالسنان فمن أبي الصلح وهو الزج أطاع العوالي، ومثَل للعرب " الطعن يظأر " أي يعطف على الصلح، أبو عبيدة: يقول من لم يقبل السلم عفوا قبلها بعد أن يغلب ويقتل قومه وكانوا يرفعون الزجاج أولا فإذا أرادوا الحرب قلبوها،
واللهذم المحدد الماضي من الأسنة، أي ركبت في كل لهذم. وقال أوس:
تحيزَن انضاء ورُكبّن أنصلاكجر الغضافي يوم ريح تزيّلا
وقال عبيد:
قومي بنو دودان أهل النهىيوما إذا ألقَحت الحائل
يقول إذا هاجت الحرب التي لم يكن لها أصل. وقال الأخطل:
لقد حملت قيسَ بن عيلان حربُناعلى يابس السِيساء محدودب الظهر
السِيساء عظم الظهر. يقول حملناهم على مشقة. وقال:
واسأل بهم أسَدا إذا جعلتحرب العدو تشول عن عُقهم
عن بمعنى بعد. وهذا مثَل، وذلك إن الناقة إذا لقحت شالت بذنبها فضربه مثلا للحرب أي قد لقحت فهي تشول بذنبها بعد أن كانت عقيما لا تحمل، والمعنى أنها كانت ساكنة فهاجت. ومثل قول الأخطل بيت النابغة الجعدي:
نحن الفوارس يوم ديسقة المغشو الكُماة غوارب الأ كم
غارب كل شيء أعلاه، وديسقة موضع، يريد نحملهم على المشقة والغلظ. وقال الجعدي:
تفوزُ علينا قِدْرهم فنُديمهاونفثؤها عنا إذا حميها غلا
هذا مثل، قدرهم حربهم يريد نُسكنها إذا فارت. يقال أدْم قدرك فيسوطها حتى تسكن، ومنه الحديث: " لا يبولن أحدكم في العلماء الدائم " نفثؤها نكسرها. وقال أبو ذؤيب:
فجاءَ بها ما شئت من لطَميّةٍيدوم الفراتُ فوقُها ويموج
أي يموج مرة ويسكن أخرى. وقال الجعدي:
مُصابِينَ خِرصانَ الوشيجِ كأننالأعدائنا نُكبٌ إذا الطعن أفقرا
الخُرص القناة والخرص السنان وجمعه خِرصان، مصابين أي حادريها، والوشيج الرماح، نكب متحرفين متهيئين للطعن، أفقر أمكن يقال أفقرك الصيد أي أمكنك، ويقال رماه من فقرة - أي من قريب ورماه من كَثب. ويقال فلان يصابي الرمح أي يميله للطعن.
ومثله قول الأجدع الهمداني:
خَيلانٌ من قومي ومن أعدائهمخفضوا أسنتَهم وكلّ ناعِ
خفضوا للطعن، وكل ناع يقول: يا لثَارات فلان أو - يا فلاناه - ونحو ذلك. وقال الجعدى:
حتى لحِقناهم تعدِي فوارسُناكأننا رَعن قفٍّ يرفغ الآلا
تعدي أي تستحضر خيلها، يقال عدا الفرس وأعديته أنا، والرعن أنف الجبل، يعني أنها تنزو في السير كما ينزو الرعن في الآل.
وقال الأعشى:
إذ نظرتْ نظرةً ليست بكاذبةٍورفّعَ الآل رأس الكلبِ فارتفعا
رأس الكلب يريد القف وقوله يرفع الآلا وكلاهما يرفح صاحبه، ألا ترى أن الآل إذا رفع القف إرتفع معه ولولا مكانه لم يرتفع الآل.
فلم توقّفْ مشيلين الرماح ولمتوجَد عواوير يوم الرَوعِ غُزّالا
أي لم تقف رافعي الرماح حسب ولكن حدروها للطعن، والعزّال الذين لا سلاح معهم، يقال رجل أعزل، والعواوير الضفاء. وقال رؤبة وذكر جيشاً أتاهم:
عاينَ حيّاَ كالحِراج نِعَمهيكون أقصى شِلّه محر نجَمه
الحراج قطع الشجر أي هم ملتفّون مجتمعون كأنهم حراج الشجر، ونعمه إبله، وقوله: يكون أقصى شله محر نجمه، كان القوم إذا فوجئوا بالغارة طردوا نعمهم وأقاموا يقاتلون بعد طردهم النعم، فيقول: هؤلاء من عزهم وكثرتهم إذا أتتهم الغارة لم يطردوا نعمهم، وكان أقصى طردهم أن ينيخوها في مباركها ثم يقاتلون عنها، ومحر نجمها الموضع الذي تحر نجم فيه أن تجتمع ويدنو بعضها من بعض. ومثل هذا قول آخر:
قوم إذا رِيعوا كأنّ سَوامَهمعلى ربعٍ وسطَ الديارِ تعطّف
الربع الخوار الذي ينتج في النتاج الربعي، يريد أن أبلهم في وقت الروع لا تطرد ولا تبرح كأنها قد عطفت على ولد فهي لا تبرحه، والسوام المال الراعي. ومثله قول الأعشى:
نَعم يكون حجازه برماحناوإذا يُراع فإنه لن يُطردا
حجازه الذي يحجزه ويمنعه. ومثله قول زهير:
فإن شلَّ رَيعان الجميع مخافةًنقول جهازاً ويلكم لا تنفَروا
على رِسلكم إنّا سنعدي وراءكمفتمنّعكم أرماحنا وسنعذِر
ويروى: فإن شل رعيان الجميع،! ثهل طرد وريعان كل شيء أوله، سنعدي أي سنعدي خيلنا أي سنحضر، أو سنعذر أي نصنع ما نعذر فيه ومثله قول لبيد:
في جميعِ حافظي عوراتهملا يهمّون بأدعاقِ الشَللِ
الدعقة الدفعة، والعورة موضع المخافة. وقال ابن مقبل:
بحيّ إذا قيلَ اظْعنوا قد أتيتمأقاموا على أثقالِهم وتلَحلَحوا
تلحلحوا تحركوا فلم يبرحوا من أمكنتهم، يقال تحلحل وتلحلح إذا تحرك وثبت فلم يبرح.
وقال الأعشى:
رُب رفد هرقتَه ذلك اليوم وأسَرى من معشَرٍ أقتالِ
الأقتال الأعداء واحدهم قتل، ويقال الأقتال الأمثال، والرفد القدح الكبير، والمعنى أنك قتلت صاحبه فذهب وبطل. وقال امرؤ القيس:
وقاهُم جدهُم ببني أبيهمِوبالأشقَين ما كان العِقابُ
وأفلتَهن عِلباء جَريضاًولو أدركنَه صَفِر الوِطاب
أي قتل وأخذت. إبله فصفرت وطابه من اللبن أي خلت، والجريض الذي قد غص بريقه من الجهد. ومثله لأبي زبيد:
وجَفنةٍ كنضيحِ الحوضِ قد كُفِئتبِثنى صِفّينٍ يعلو فوقَها القتَرُ
أي ورب جفنة قد قتل صاحبها فقفئت. وقال آخر:
وهو عامر بن جوين الطائي ويروى لأبي قردودة الطائي:
ياجفنة كإزاءِ الحوضِ قد هدَمواومنطقاً مثل وشي اليمنة الحِبره
وقال آخر في مثله وهو لسلمة بن الخُرشُب الأنماري
هرَقنَ بساحوقٍ جفاناً كثيرةَوغادرنَ أخرى من حقينٍ وحازر
يقول قتلت أصحاب جفان كثيرة فتكتْ لا يحلب فيها فكأنهم هراقوها، وغادرن أخرى أي تركن جفانا على حالها لم يُهرَقن، من حقَين من حليب، وحازر، أي من شريف سيدودون ذلك - اللفظ للّبن والمعنى للقوم. وقال آخر وهو أبو بكر شداد بن الأسود الليثي:
وماذا بالقليب قليب بدرمن الشِيزَى تكلّل بالسَنام
وقال عنترة:
حالَث رماح ابني بغيض دونكموزَوتْ جواني الحربِ من لم يُجرم
ابني بغيض عبس وذبيان يعني قتالهم في حرب داحس، وذوت أي نحت وباعدت، جواني لحرب الذين جنوها، من لم يجرم من ليس له ذنب، أي لم يقدر أحد أن ينفرد عن عشيرته وأصله مخافة أن يقتل
وأن لم يكن له ذنب، ومثله قول مالك بن حَريم الهمذاني:
قرِّب رباطَ الجَون مني فإنهدنا الحِلُ واحتلّ الجميعَ الزَعانفُ
الزعانف الزوائد، أي صار إلى الجميع لم يطيقوا الانفراد، ومثله قول وعلة الجرمي:
سائلٌ مجاور جَرم هل جنيت لهمحرباً تزيّل بين الجَيرةِ الخلُطِ
أي يدع كل قوم جيرانهم ويلحقون بأصولهم. ومثله لرؤبة:
وأجمعْت بالشرِ أن تلفَّعاحربٌ تضمّ الخاذلين الشسّعا
وقال أبو ذؤيب يذكر حربا:
وزافَتْ كموجِ البحرِ يسمو أمامهاوقامَتْ على ساقٍ وآن التلاحُق
أي آن أن يلحق كل قوم بأصلهم. وقال أبو طالب:
أفيقوا أفيقوا قبل أن نحفِر الثرىويصبح من لم يجن ذنبا كذي ذنبِ
نحفر الثرى أي نتتبع أصول الأمور ونطلب عيوبكم ويصبح من كان له ذنب ومن لم يكن له ذنب سواء. وقال النابغة في مثل هذا ووصف جيشاً:
أو تزجروا مكفهرّا لا كِفاءَ لهكالليلِ يخلطُ أصراماً بأصرام
أي جماعات بجماعات تلحق كل قوم يأصولهم، مكفهر جيش كثير بعضه على بعض، لا كفاء له لا مثله له. وقال آخر:
وخمارُ غانيةٍ شُدِّدت برأسهاأصلا وكان منشّراً بشمالها
هذه امرأة فزعة فلما أدركها أمنت فاختمرت. وقال عنترة فَي مثله:
ومُرقِصة رددت الخيلَ عنهاوقد همّتْ بالقاءِ الزِمام
ومرقصة يعني امرأة ركبت بعيرا فهي ترقصه هاربة وقد همت أن تلفي زمام بعيرها وتعطي بيدها. وقال الكميت:
ومرقصة قد مال كور خمارِهامنعنا إذا ما أعجلتْ أن تخَمرّا
وقال طفيل:
وراكضة ما تستجِنّ بجُنةِبعَير حِلال غادرتْه مجعفَل
الحلال مركب من مراكب النساء، غادرته تركته، مجعفل مصروع يعني الحلال وقد كان البعير لحلال فغادرت الحلال ملقي ونصّت أي ركبت بعيرها عريا من المخافة.
فقلت لها لما رأيْنا الذي بهامن الشرِ لا تستوهِلي وتأمّلي
أي لا تفزعي، والوهل الفزع، وتأملي انظري ممن نحن، قال
أوس بن حجر:
ترى الأرضّ منا بالفضاءِ مريضةًمعضَّلةً منا بجمعٍ عَرمَرمِ
المعضلة التي نشب ولدها في بطنها أي فقد نشبت هذه الأرض بنا أي نشبنا كما ينشب ولد هذه في بطنها يريد من الكثرة. ومثله للنابغة يصف جيشاً:
لَجِب يظّل به الفضاءُ معضِّلاًيدع الإكام كأنهنَّ صَحارى
أي من كثرة ما يطأ عليها هذا الجيش يسويها بالأرض. ومثله لزيد الخيل:
بجمعٍ تضل البلق في حجَراتِهترى الأكم منه سجّدا للحوافر
يقول إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرَف فغيرها أحرى أن تضل، يصف كثرة الجيش ويريد أن الاكم قد خشعت من وقع الحوافر. وقال الحطيئة:
بجمهورٍ يحارُ الطرفُ فيهيظّل معضَلاً منه الفَضاء
جمهور كتيبة كثيرة. وقال أوس بن حجر يصف جيشاً:
بأرعنٍ مثل الطَودِ غير أشابةٍتناجزُ أولاه ولم يتصرمِ
آرعن جيش كثير مثل رعن الجبل، والرعن أنف يتقدم من الجبل فينسل في الأرض، والطَود الجبل، غير أشابة أي غير أخلاط، تناجز أولاه أي يمضي أوله وهو لا ينقطع من كثرته. ومثله قول الجعدي:
بأرعنٍ مثلِ الطودِ تحسب أنهموقوفت لأمرٍ والركابُ تُهملج
أي من كثرتهم تحسب أنهم وقوف وركابهم تسير، وفي كتاب الله جل وعز: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب ". وقال عمرو ابن قميئة:
وملمومة لا يخرق الطرف عرّضَهالها كوكب فخم شديدٌ وضوحها
تسيرُ وتزجي السمَ تحتَ لَبانِهاكريه إلى من فاجأته صبوحها
يصف كتيبة والملمومة المجتمعة لا ينفذ البصر في عرضها من كثرتها، وكوكب الشيء معظمه، فخم عظيم شديد، وضوحها أي بياضها، تزجي السم أي تقدم الموت بين يديها، والصبوح شرب الغداة، وهذا مثَل. وقال قيس بن الخطيمِ يصف جيشاً كثيراً:
لوَ أنّكَ تلقي حنظلاً فوق بيضناتدحَرجَ عن ذي سامِه المتقاربِ
السام عرق الذهب أي عن بيضه المذهب، يقول لو ألقيت حنظلا على بيضهم لتدحرج عليه، يريد جرى فوقه ولم يسقط إلى الأرض
لقرب بعضه من بعض ولالتصاق بعضه ببعض وعن بمعنى على، وواحد السام سامة وبه سمي سامة بن لؤي. وقال أبو خراش يصف حفيف جيشهم وكثرتهم:
وسائل سبرة الشجعي عناغداة تخالَنا نجواً جَنيبا
النجو السحاب، والجنيب الذي أصابته جنوب فَهو أغزر له. وقال آخر:
ولقد شهدَتْ الحي بعد رقادِهميعلي جما جِمهم بكل مقللِ
يعني أنهم بيّتوا بياتا، يعلي جماجهم بالسيوف، مقلل سيف عليه قلة والقلة القبيعة وقلة كل شيء أعلاه، أبو عمرو، بكل منحَّل أي سيف قد نحل لقدمه، ويروى " منخل " أي منتفي.
حتى رأيتهم كأن سحابةًصابَت عليهم ودقّها لم يشَمل
أي كأن حفيف هذا الجيش في القتال حفيف مطر، صابت قصدت، ودقها مطرها، لم يشمل لم تصبه شمال وذلك أنه إذا شُمل انقشع وإذا جنب كان أدرّ له، وهكذا يصفون السحاب، وإنما ضربه مثلا لكثرتهم وشمدة حفيفهم. ومثله قول الهذلي عبد بن حبيب:
كأن القوم إذ دارت رحاهمهدوءاً تحت أقمر ذي جنوب
وقال أوس:
صحّنا بني عوف وأفناءَ عامرٍبصادقةٍ جَودٍ من الماءِ والدمِ
يريد بغارة صادقة كأنها سحابة فيها جود من الماء، ثم أعلم أنها ليست بسحابة خالصة فقال: والدم، يعلمك أنها وقعة. وقال ابن مقبل:
وخطّارة لم ينضحْ السِلم فرجَهاتلّقح بالمرّانِ حتى تَشذّرا
لم ينضح من قولك انضح رحمك أي بلّها وصلها، ويروى ينصح أي يخيط والأول أجود، السلم المسالمة، المران القنا، تشذرا تشول إذا قحت، وهذا مثَل لبيد يصف كتيبة:
أوتْ للشِياحِ واهتدى بصليلِهاكتائب خضر ليس فيهن ناكِلُ
ناكل جبان، أوت هذه الكتيبة للشياح أي للجدّ والحملة، والصليل خضرمن الحديد. وقال بشر:
عطفنا لهم عطف الضَروسِ من الملابشَهباءٍ لا يمشي الضَراءَ رقيبها
الضَروس الناقة السيئة الخلق، شهباء كتيبة بيضاء، لا يمشي الضراء رقيبها لا يستتر وهو مصحِر، ورقيبها رئيسها. العجاج يصف جيشاً:
بلَجِبٍ ينفي الأسودَ هزَمهمردفٍ جُولٍ لا يُخاف هدَمه
لجب جيش كثير الأصوات، هزمه صوته، والجول ناحية البئر يقول هذا الجيش له ردف خلفه مثل جول البئر، لايخاف هدمه أي لا يخاف ان يؤتى من ضف. وقال الأعشى:
فأصبْن ذا كرم ومَن أخطأنَهجزأ المقيظة خَشية أمثالَها
جزأ أي أقام بالفلاة ولم يقرب الماء مخافة أن يغار عليه. ومثله لقيس بن مسعود:
فإياكُم والطفّ لا تقربُنّهولا الماءُ إن الماءَ للقَودِ واصلُ
أي من نزل الماء قيد إليه الخيل أي فلا تأتوا والزموا الفلاة وقال النابغة:
وكانتْ له رِبْعيةً يحذرونهاإذا خَضخَضتْ ماءَ السماءِ القبائلُ
ويروى لا القنابل لا والربعي أول شيء في النتاج. غيرهَ: أول كلِ شيء، ربعية أي غزوة في الربيع والغزو إنما يكون في الربيع إذا وجدوا المياه فإذا جاء الصيف انقطع الغزو، والقنابل الجماعات من الخيل واحدتها قنبلة. ومثله:
لو وصلَ الغيمث أبنَينَ امرءاًكانت له قبةً سَحق بجادْ
يقول لو وصل المطر ووجدنا المياه غزونا، وقوله: أبنين يعني الخيل
جعلن بناء هذا الرجل، يقول: يُغار عليه فيؤخذ ماله فلا يجد إلاّ سحق بجاد يتخذه بناء بعد أن كان ذاقبة، والسحق الخلق، والبجاد كساء أي بعد ما كانت له قبة صار له هذا البجاد. ومثله:
وفي البقل إن لم يدفع الله شرهشياطين ينزو بعضهن على بعض
ومثله:
يا ابن هشامٍ أهلَكَ الناسَ اللبنفكلّهم يغدو بقَوس وقَرنِ
يقول لما جاء الربيع وأصابوا اللبن قووا وغزوا، والقرن الجعبة. ومثله للحارث بن دوس الايادي يخاطب المنذر بن ماء السماء:
قوم إذا نَبَتَ الربيعُ لهمنَبتتْ عداوتهم مع البقلِ
ومثله:
قوم إذا اخضّرتْ نعالهميتناهقونَ تناهقَ الحُمرِ
تخضر نعالهم لوطئهم العشب. ومثله:
وقد جَعلَ الوسميّ ينبتُ بينناوبين بني رومان نبعاً وشوْحطا
النبع والشوحط ضربان من الشجر وهي هاهنا القسيّ نرميهم بها
ويرموننا.
ومثله لأوس بن حجر:
تَناهقونَ إذا اخضّرتْ نعالِكموفي الحفيظةِ أبرامٌ مَضاجيز
أي تأشَرون إذا أصبتم الغنى والخصب وإذا كان موضع المخافة ضجرتم، والأبرام جمع برَم وهو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. وقال آخر:
إذا اخضرّتْ نعال بني غرابٍبغَوا ووجدتهم أشري لئاما
وقال الأعشى:
وفي كل عام أنتَ جاسمُ وقعةٍتشد لأقصاها عزيم عَزائكا
مورّثة مالاً وًفي الأصلِ رِفعةلما ضاع فيها من قروءٍ نسائكا
أي لما ضاع فيها من طهر نسائك نم تغشهن لشغلك بالغزو فأبدلت من ذلك هذا المال وهذه الرفعة. ومثله للنابغة:
شعَب العِلافّيات بين فروجهموالمحصنات عوازبُ الأطهارِ
العلافيات رحال منسوبة إلى علاف رجل من قضاعة، هؤلاء قوم في غزو فأطهار نسائهم عازبة عنهم، وشعب الرحال بين أرجلهم. وقال الحطيئة في مثله:
إذا همّ بالأعداءِ لم يثْنِ هَمّهكَعاب عليها لؤلؤٌ وشنوف
وقال كثّير في مثله:
إذا همّ بالأعداءِ لم يثنِ همهكَعاب عليها نظمُ در يُزينها
وقال الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهمعن النساءِ ولو باتَتْ بأطهارِ
وقال ربيع بن زياد العبسي:
أفبعد مقتلِ مالكٍ بن زهيرِترجو النساءُ عواقبَ الأطهارِ
أي الغشيان بعد الطهر. وقال أبو كبير يصف قوماً لا يجعلهم الفزع:
يتعطّفون على البطىء تعطف العوذ المطافل في مناخ المعقل
أي يتعطفون على من أبطأ منهم كما تتعطف العوذ على أولادها
والعُوذ الحديثات النتاج واحدها عائذ، وهذا من مقلوب كلامهم العائذ الناقة ما دامت يعوذ بها ولدها وإنما يكون ذلك يومين أو ثلاثة، ومثل ذلك قولهم: غيث عازب - أي معزوب عنه، والمطافل التي معها أولادها، والمعقل الحرز، يقول هم يتعطفون عليه كما تعطف هذه حيث تأمن ولا يذعرها شيء ولذلك هم لا يربدون الفرار. أوس بن حجر:
لعمركَ إنّا والأحاليف هَؤلالفي حِقبةٍ أظفارُها لم تقلّم
أي نحن في حرب. ومثله للنابغة الذبياني:
وبنو قُعَينِ لا محالَة إنهمآتوكَ غير مقلّمي الأظفارِ
أي محاربين غير مسالمين، والأظفار هاهنا السلاح، يريد أن سلاحهم تام جديد. وقال آخر:
الضاربون غداةَ غارةٍ ثابتضرباً أضاع له المقاديم العرا
المقاديم الأبطال والعري الرؤوس، أي فضربوا ضربا أضاعت له الأبطال رؤوس الجيش وتركوهم. آخر وهو مقّاس العائذي:
أوْلَى وأوْلى يا امرأ القيس بعدماخصفنَ بآثارِ المطيّ الجوافرا
أي قُرنت الخيل بالابل في الغزو فوطئت الخيل على آثار الإبل. ومثله قول الآخر:
مستحقبات رواياها جَحافلهايأخذنَ بين سوادِ الخطِ فاللوبِ
البعير يكون عليه الماء والزاد ويرن به الفرس بمنزلة الحقيبة للبعير، والروايا الإبل يكون عليها الماء. ومثله قول الآخر وهو الأعشى:
وما خآتْ أبقى بيننا من مودةٍعِراض المذاكى المسنفاتِ القَلائصَا
المذاكي المسان، أي قُرنت بالإبل فهي تعارضها. آخر في وصف جبان:
أي تركض والعينانُ في نُقرة القفامن الذّعرِ لا تلوى على متخلِفِ
أي أنت منهزم فعيناك في نقرة قفاك. ومثله:
فولّيتَ عنه يرتمي بك سابحوقد قابَلَتْ أذنيه منك الأخادع
أي صارت أخادعك قبالة أذنيه وأنت متلفف منهزم، والأخدع عرق في القفا. ومثله:
ألقيَتا عيناكَ عند القفاأوْلى فأوْلى لكَ ذا واقيه
وقال الفرزدق:
بأيدي رجالٍ لم يَشيِموا سيوفَهمولم يكثرالقتلى بها حينَ سلّتْ
أراد لا يشيمون سيوفهم ولم يكثر القتلى بها ولكنهم يشيمونها إذا أكثروا بها القتلى.
الذلى وهو المتنخل يصف قوما لا عَناء عندهم:
عقوا بسهمٍ فلم يشعرْ به أحدثم استفاءوا وقالوا حبّذاَ الوضَح
عقوا مفتوحة القاف وهو رميك بالسهم في السماء يقال عقَّى بسهمه يريد أنهم لم يضروا برميهم ثم رجعوا إلى أكل اللبن وشربه، والوضح اللبن، ويحكى عن بعض الأعراب أنه كان يشكو ويسأل، ويقول: مالي وضح أنفخ فيه ولا لي كذا.
لكن كبير بن هند يوم ذَلكمفتخ الشمائل في أيمانهم رَوَحُ
كبير بن هند قبيلة، فتخ الشمائل يريد أنهم قد تترسوا بالتِراس
وقد نصبوا شمائلهم وفتخوها ليتقوا بها ضرب السيوف، وأصل الفتخ اللين ولذلك فيل للعقاب فتخاء، في أيمانهم روح أي سحة لأنهم قد بسطوها وفيها السيوف يضربون بها.
لا يسلمونَ قريحاً حلّ وَسطهميوم إلقاءِ ولا يشوونَ من قَرحوا
القريح الجريح والقرح الجرح، لا يشوون من قرحوا لا يخطئون مقتل من جرحوه ومن جرح منهم حاموا عليه حتى يستنقذوه. يقال رميت فأشويت إذا أصاب الأطراف وأخطأ المقاتل، ورميت فأصميت إذا أصاب المقتل. وقال الجعدي:
فلما أنْ تلاقيْنا ضُحياّوقد جعلوا المِصاع على الذراعِ
المصاع القتال، أي جعلوا أمر القتال إلينا فقالوا: إن شئم فقاتلوا، كما تقول للرجل في الشيء: هو على حبل ذراعك، أي الأمر فيِه إليك. وقال أبو ذؤيب:
وصرّح الموتُ عن غلْبٍ كأنهمجرب يدافعها الساقي منازيح
صرح انكشف، غلب غلاظ الرقاب، جرب يدافعها الساقي أي يدفعها عن الماء لأن الجراب لا يدعونها تختلط بالابل يخافون
الإعداء، منزيح قد طلبت الماء من مكان بعيد نازح فهو أحرص لها عليه، يقول فهؤلاء يغشون الحرب كما تغشى هذه الماء. بعض الهذليين وهو أبو خرلش.
تذكرتُ ما أينَ الفرارُ وأننيبَغرزِ الذي ينجى من اِلموتِ معصم
يقال للرجل: أشدد بغرز فلان أي تمسك به. فيقول أنا متعلق بعدو ينجيني من الموت.
فعديت شيئاً والدَريس كأنمايزعزعه وِرد من الممِ مُردمُ
عاديت صرفت، والدريس ثوبه الذي عليه وهو الثوب الخلَق، يزعزعه يحركه، وِرد أي حمّى، والموم البرسام، مردم ملازم، أي من شدة عدوي واضطرابه علي، وروى أَبو عمرو: فعرَرت شيئا، أي تلبثت، والمعارة التلبيث. وقال قبل هذا وذكر قوما هرب منهم:
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترعفقلت وأنكرت الوجوهْ هم هم
رفوني أي سكّنوني، وقالوا لا ترع أي لا تخف، هم هم أي هم الذين أخاف. أبو عمرو: يقال ارفه أي سكته. وقال أبو خراش:
وشَوط فصّح قد شهَدت مشايِحالأدرِكَ ذحَلا أو أشيف على غُنمِ
أي من سَبق فيه افتضح، شوط عدو، مشايحا جادّا، ويقال " مهاذبا " أي سريعا، أشرف وأشفى سواء وهو مقلوب - أشرف، يريد أصيب أو أدرك ذَحلا.
إذا ابتّلتِ الأقدام والتفَ تحتهاغُثاء كأجوازِ المقرّنةِ الدرهمِ
ابتلت الأقدام من العرق ويقال من ندى الليل، والتف تحتها غثاء أي يعدون فيكسرون الشجر فيتعلق بأرجلهم، والمقرّنة إبل صعاب تقرن، والأجواز الأوساط، وروى أبو عمرو: إذا كلّت الأقدام وابتل تحتها. وقال:
ولا بطلاَ إذا الكماة تزينّوالدى غَمراتِ الموتِ بالحالكِ الفَدْمِ
الحالك الأسود، والفدم الثقيل، أي كانت زينتهم في حربهم أن يتضمخوا بالدم، والفدم الثقيل الخاث، ومن هذا يقال صبغ مفدّم أي خاثر ثقيل. أبو عمرو: الفدم القانيء. وقال ابن كُراع:
ومُعدنا بالقتل يحسب أنهسيُخرج منا القتل ما القتل مانع
أي يحسب أنا سنذل إذا قتل منا والقتل يمنع أن نذل لا نزداد على القتل إلا عزة. وقال:
ألم ترَ أن الغزوَ يُعرِج أهلهمراراً وأحيانا يفيد ويُورقُ
يعرج أي لهم عرجا من الابل، ويفيد يهلك، يقال فاد الرجل وأفدته، ويقال أورم القوم إذا طلبوا صيدا ففاتهم بعد أن يرموه. وقال مقّاس في يوم الشيطَين:
نهَيت تميماً أن تربّ نحاءهاوتطوِيَ أجباءَ الرَكىّ المعموَّر
أي نهيتهم أن يربّوا نحاءهم للسمن واللبن وتهيئوا للمقام معشّرِ سنزعجهم عن هذا الموضع، والأجباء جمع جَبَى وهو ما حول البئر. وقال:
ليختلطّنَ العام راع مجنبٍإذا تلاقينا براعٍ معشَّ
المجنب الذي ليس في إبله لبن، والمعشر الذي قد عشّرت إبله، يقول ليس لنا لبن فنغير عليكم فنأخذ إبلكم فيختلط بعضها ببعض. وقال الكميت وذكر يوم حرب:
كالروقِ فيه الأقوامِ نلّهمُإذا الخرائدُ لم يثبتن في الحجُبِ
الأرَوق الطويل الأسنان والأيَلّ الذي قد لزقت أسنانه باللثة ولم يبق منه شيء، يقول فهؤلاء اليلّ من الفزع قد كلَحوا فبدت
أسنانهم فكأنهم روق. ومنه قول لبيد وذكر سهاما:
رَقمياتٌ عليها ناهضتُكِلح الأروقَ منهم وأ لايلّ
رقميات نبل منسوبة إلى الرَقم وهو موضع دون المدينة ويقال سهام مرقومة، عليها ناهض أي ريش فرخ نسر حين نهض وهِو أجود، يقول إذا أصابت هذه السهام هؤلاء كلَحوا وفتحوا أفواههم فالقصير الأسنان والطويل سواء. وقال النابغة:
فداءُ خالتي لبنى حيّخصوصاً يوم كِِّالقوم روق
الأعشى:
وإذا ما الأكس شبِّه بالأروقِ عند الهيجا وقَلَّ البُصاقُ
من شدة الفزع. وقال الراجز:
إني إذا لم يُندِ حلقا رِيقه
وقال القطامي:
قد حَقنَ اللَه بكفيْكَ دميمن بعد ما ذَبَّ لساني وفمي
أي يبس من الخوف. وقال عنترة:
لما رآني قد نَزَلت أريدهأبدَى نواجذه لغير تبسّم
النواجذ آخر الأضراس، يريد أنه كلح. ومثله له:
ولقد حفظت وصاة عمي بالضحىإذ تقلُص الشفتان عن وضَح الفم
وأستخرجَ الهولُ ما تخفن براقعهاتحتَ العجاجةِ والأوضاحَ في الِقصَبِ
الأوضاح الخلاخيل، والقصب أسواقُها. وقال أيضا:
ولم أرَ مثلَ الحي بكر بن وائلٍإذا نزلَ الخلخالُ منزلةَ القُلبِ
يقول إن الحرب إذا كانت حسرت المرأة عن ساقها فبدا خلخالها من الرعب وإنما يبدو في الأمن السوار وهو القلب. وقال أيضا:
إذا الإرون إرو الحربَ العوانِ لهمشُبّتْ وركبت الأرجاء والثُقل
إرون جمع إرة وهي حفرة توقد فيها النار، والثفل جع ثِفال وهو جلد يجعل تحت الرحى.
وأتثَّفر الكلب إنكاراً لمُولغِفي حلةٍ قصرَت عن نعتِها الحوَلُ
استثفر دخل ذنبه بين رجليه لم يعرف من يسقيه، والحولة الداهية، وإنما ينكر الكلب أبهله لأنهم قد لبسوا الحديد. ومثله:
أناس اذا ما أنكرت الكلب أهلهحموا جارهم من كل شنعاء مبِق
وقال يصف غارة والبيت للكميت:
وصارَتْ البِيض لاتخفي محاسنهاإذ كالوقوفِ لدى أبكارِها الخدم
الوقوف جع وقف وهي الأسورة من عاج شبه الدماليج، والقلب
خدمة شبه الخلخال، يقول اشتد الفزع فأبدت النساء خلاخيلها كما كانت في الأمن تبدي الاسورة. وقال يصف جيشا:
بأرعنٍ كالجبال تَضيفُ عنهلظاهرة إذا وَرَدَ البُحورَ
الظاهرة أن تشرب كل يوم مرة، يريد تضيق عنه البحورَ إذا وردها الظاهرة. وقال:
أرى أمراً سيكبر أصغراهلتم لقاحٍ مُبسِقة حفول
التم التمام، مبسقة دفعت باللبن في ضهروعها، وقيل هي التي ترى على حيائها شيئا أبيض ملتزقا حين يدنو نتاجها، حفول كثيرة اللبن. وقال:
وهل تخفينّ السِرَ دون وليهاصرام وقد أيلت عليه وآلهَا
صرام اسم الحرب، إيلت وليت عليه وآلها وليَها وساسها، ويقال في مثل " ألنا وإيل علينا ". وقال وذكر ظعائن قومه:
ظعائن من بني الجَلالّافِ تأوىإلى خُرس نواطق كالفَتِنا
خرس كتائب لا يسمع لمن فيها كلام، نواطق بالضرب وصوت الجِلاد، والفتين جع فتينة وهي الجرار.
وقال وذكر بني هاشم:
تجود لهم نفسي بما فوق وثبةٍتظّل لها الغِربان حولىَ تحجِلُ
أي تجود لهم نفسي بما فوق القتل أن كان فوقها شيء مثلا - وإذا قتل حَجلت الغربان حوله. وقال وذكر الحسين صلوات الله عليه حين قتل
وتُطيلُ الرزءاتُ المقاليتُ إليه القعود بعد القيامِ
المرزءات اللواتي أصِبن بالمصائب، والقِلات التي لا يبقى لها ولد، وكانوا يزعمون أن المقلات إذا تخطّت قتيلا كريما ووطئته أحيت أي عاش ولدها، وقيل المقاليت اللواتي لا يحملن فإذا وطئن القتيل حملن. وقال ابن مقبل:
فينا كَراكر إخواِ مضبّرةفيها دروء إذا شئنا من جوزَوَرِ
تقول: بنو فلان كركرة إذا كانوا كثيرا، وإخوان أوساط من الناس، فيها دروء أي اعتراض مثل اعتراض الجبل، والزوَر عوَج في الزور، أراد فيها عرضية.
وثورة من رجال لو رأيتهملقلتً إحدى حراجِ الجَرةِ من أقُرِ
ثورة أي عدد كثير يثورون، والحراج حرَجة وهي شجر كثير ملتف وكل مكان غليظ في سفح جبل فهو جرّ، وأقر جبل. وقال لبيد:
وإذا تواكلَت المقانب لم يَزلبالثَغرِ منا مِنسر وعظيم تواكلت اتّكل بعضها على بعض، عظيم يعني سيدا. وقال لبيد:
وأربد فارس الهيجا إذا ماتقعّرتْ المشاجر بالفِئامِ
تقعرت سقطت، والفئام أن يوسع الهودج يزاد فيه حتى يكون فيه تربيع، والمشاجر مراكب للنساء أكبر من الهودج، الواحد مشجر، يقول أربد فارس الهيجا إذا كان فزَع وسقطت المشاجر بما فيها من الفئام والنساء، وقال يصف النسا:
إذا بكر النساء مرَّدفاتٍحواسر لا يجين على الخدام
أي لا يرخين على خلاخليهن ثيابهن لأنهن قد سبين، أجْأتْ
أرخت وغطّت. وقال لبيد يصف جيشا:
نغير به طَوراً وطَوراً نضّمهإلى كلِ محبوكٍ من السَروِ أيهما
إلى كل جيش محبوك مدمج مجتمع، والسرو باليمن يعني جبلا شبه الجيش به - أملس، والأيهم الأعمى. وقال أبو دواد وذكر نساءً:
غير ما أن يَبنّ من سلفٍ أرعنٍ عَود لسربه قدام
يقول ما يفارقهن هذا السلف وهم فرسان حيها الذين يكونون قدّام الظعن يحمونهن أن يغار عليهن، والأرعن الكثيف الضخم كرعن الجبل، والعَود القديم أي قديم لهن ذلك، والسَرب والسرح هم الرعاء مع الابل.
وقال يذكر إبله:
مكفهرّعلى حواجبها يغرقُ في جمعِها الخميس اللُهامُ
فارس طارد وملتقط بيضاً وخيل تعدو وأخرى صيام
مكفهر جيش كالسحاب أي متراكب كثيف، على حواجبها على جوانبها، واللهام الجيش الذي يلتهم كل شيء أي يبلعه ويذهب به، وقوله: يغرق في جمعها الخميس اللهام من كثرتها، ثم أخبرك أن للجيش الذي يحميها واحدا يطرد الوحش وآخر يلتقط بيض النعام وخيلا تعدو وأخرى قيام لأنها طلائع. وقال امرؤ القيس:
وغارةٌ ذات قَيروانٍكأنّ أسرابها الرِعال
رعال أجبال هاهنا، قيروان جمع فارسي أصله كاروان وهي القافلة فعرب.
كأنهم حرشفٌ مبثوثٌبالجوّ إذ تبرق النعال
الحرشف الجراد، والنعال الأرض الصلبة واحدها نعل، يريد أنه غزا في الشتاء: وقد أصاب النعال المطر فبرقت وصفت. وقال:
نطعنهم سلكى ومخلوجةلفثكَ لأمين على نابلِ
عن أبي عبيدة: سألت أبا عمرو بن العلأ عن هذا البيت فقال: ذهب من كان يعرف هذا وهو مما درس معناه، غيره: السُلكى الطعنة المستقيمة، ومخلوجة يمنة يسرة: كرك - وهو مثله، ولأمين سهمين واحدهما لأم، أي ككرك سهمين على رام رمى بهما تعيدهما عليه فكذلك نطعنهم ثم نعود عليهم كما يعِاد السهمان على الرامي أي ينفذهم ثم يعودهما، وسألت ابن السجستاني فقال: ككرك سهمين على رام رمى بهما لأنك تردهما إلى ورائك. وقال:
ومجر كغلاّن الأنَيعِن بالغٌديارَ العدوّ ذي زهاءٍ وأركان
غزوتُ بهم حتى تكلّ غزاتهموحتى الجياد ما يَقدن بأرسانَ
مجر جيش، والغلان واحدها غالّ وهو الوادِي الكثير الشجر، زهاؤه كثرته وارتفاعه، وقوله: وحتى الجياد ما يقدن - أي قد أعيت فلا تحتاج إلى أرسان. وقال النابغة وذكر كتيبة:
وأضحى عاقلاَ بجبالِ حِسمىذقاق التربِ محتزِم القتامِ
يقال عقل يعقل إذا صار في حرز، يقول: أصبح التراب الذي تثيره الخيل عاقلا في الجبل كما تعقل الوعول فيه، أي دقاق التراب احتزم بذلك المكان فصار للجبل مثل الحزام.
فدوّختُ البلادَ بكل قصرِيجلل خندقاً منه وحامي
الحامي الذي يحمي مجعل حوله خندقا، وحام بمعنى حمي فاعل بمعنى مفعول، أي فكل قصر وحام يجلل خندقا منه والهاء راجعة إلى الذين غزاهم، يريد مجللان خندقا من خوفه.
وما تنفكُ محلولاً عُراهاعلى متناذَرِ الأكلاء طام
يريد الكتيبة أي لا يزال محمولاً عراها على موضع قد تناذره الناس من خوبه.
وقال يصف طيرا تتبع عسكرا.
يصانعهم حتى يغرنَ مُغارهممن الضارياتِ بالدماء الدواربِ
يقول هذه النسور تسير معهم فلا تؤذي دابة ولا تقع على دبرة صانعتها لهم، ثم قال من الضاريات بالدماء، والدوارب المعتادة والدربة الضراوة والنسور تكون على الجيش تنتظر القتلى لتقع عليهم فإذا لم تحم النسور على الجيش ظنوا أنه لا يكون قتال.
وقال يصف النسور:
تراهنّ خلفَ القَومِ زوراً عيونهاجلوس الشيوخ في مسوكِ الأرانبِ
الشيوخ ألزم للفراء لرقتهم على البرد، الأصمعي: " في ثياب لمرانب "، وزعم أنها ثياب سود يقال لها المرنبانية شبه ألوان النسور بها.
لهن عليهم عادة قد علمنهاإذا عرضَ الخَطىّ فوق الكواثبِ
يقول إذا عرضت الرماح على الكواثب علمت النسور أن ذلك
لرزق يساق إليها، والكاثب المنسج القربوس. وقال:
وقلتُ لهم لا أعرفنّ عقائلارَعابيب من جنبَى أريك وعاقل
أي حذرتهم أن تسبى نساؤهم، والرعبوبة الرخصة البيضاء.
ضوارب بالأيدي وراء بَراغزٍصغارٍ كآرامِ الصريمِ الخواذلِ
أي ضربن بالأيدي خلف أولادهن بها، والآرام الَظباء، والصريم ما انقطع من الرمل، خواذل تخذل صواحبها وتقيم على أولادها. وقال يصف رجلا:
إذا حلَّ بالأرضِ البريةِ أصبحتْكئيبةً وجه غبّها غير طائل
يقول إذا حل بأرض برية من القتل أصبحت غِب إتيانه لها كئيبة أي فيها الدماء والقتل.
يؤم برِبعى كان زهاءهإذا هبط الصحراء حرة راجلِ
ربعى جيش يبكر بالغزو، وزهاؤه قدرة، حرة راجل لقيس وهي خشنة غليظة، وحرة النار لبني سليم، وحرة واقم بالمدينة، وحرة ليلى في بلاد قيس. وقال:
مخافة عمرو أن تكون جيادهيقَدن إلينا بين حافٍ وناعلِ
إذا استعجلوها عن سجيةِ نفسهاتَبلّغُ في أعناقِها بالجَحافلِ
الأصمعي: الخيل مقطورة بالإبل فكلما استعجل القوم الإبل لم دركها الخيل تمد جحافلها فتبلغ أعجاز الإبل لأن الخيل إذا كانت مع الإبل تقاد كانت أبطأ، مثل الحُطيئة.
مستحقبات رواياها جحافِلهايسمونها أشعرى طرفة سامِ
وقد مر لهذا أمثال، وقال النابغة:
وغارة فات أطفال مُلملَمة شعواء تعتسف الصحراء والأكَما
أي تزلق الخيل فيه أولادها، ويروى: ذات أظفار - أي ذات سلاح. مُلملمة مجتمعة.
خيل صيام وخيل غير صائمةتحت العجاج وخيل تعلِك اللجما
صيام قيام ليست في قتال، وأخرى تعلك اللجما قد هيِّئت للقتال. وقال يصف جيشا:
مطَوتَ به حتى تصون جيادهويرفضّ من أعلاقه كل مِرفد
تصون جياده يتوجيّن، مطوت به أي مددت به، ويربض ينقطع ويتفرق، والأعلاق ما علق أي تبلى المعاليق فتقع الأقداح والمشارب. وقال يصف جيشا:
يقودهم النعمان منه بمحصفوكيد يغُم الخارجيَّ مناجِد
بمحصف برأي محصف وعقل محكم، والخارجي الذي يَشرُف ولم يكن لآبائه شرف ولا قديم، والكيد المكر، والمناجد شديد من النجدة. وقال يصف نساء سبين:
يخّططن بالعِيد أن في كل مقعدويخبأن رمان الثَّدِىّ النواهِد
يخططن بالعيدان في الأرض من الهم - والمهموم يولع بذلك وبلقط الحصى. وقد مر لهذا أشباه. وقال يصف جيشا
لا تزجروا مكفهرا لا كفاء لهكالليل يخلط أصراما بأصرام
لا كفاء له لا مثل له. والمكفهر المتراكب أي جيش كثير الأهل شبهه بالسحاب المكفهر. وقوله: لا تزجروا يريد أنكم لا تدفعونه بالزجر عن أنفسكم، يخلط أصراما بأصرام أي جماعات بجماعات الواحد صِرم، يقول: إذا فزع الناس وخشوا العدو اجتمع الأصرام وهم القطع من الناس إلى الحي الأعظم ليعتزّوا بهم كما قال مالك ابن حريم:
فأدن رباطَ الجَون مني فإنهدنا الحِل واحتل الجميع الزعانف
كانوا في الأشهر الحرم فقرب دخول الحل فقال أدن فرسي فقد صارت الزعانف وهي البيوت المتفرقة إلى البيت الأعظم وهو الجميع، والزعانف الزوائد واحدتها زِعِنفة. وقال النابغة:
تبدو وكواكبه والشمس طالعةلا النورُ نور ولا الإظلامُ إظلامُ
في هذا البيت إكفاء وكذا أنشد، يريد أن اليوم من ظلمته تبدو كواكبه، يقال للرجل لأرينّك الكواكب بالنهار. ومنه قول طرفة:
إن تنوّله فقد تمنعهوتريه النجمَ يجري بالظُهُير
يريد هذا اليوم ليس بشديد النور كالنهار ولا بشديد الظلمة كالليل، ويقال: بل أراد ولا كنوره نور أن ظَفر ولا كظلمته ظلمة إن ظُفِر به - يعني الرئيس. وقال النابغة، يصف جيشا كثيرا:
لم يُحرَموا حسنَ الغذاءِ وأمهمطفحَتْ عليكَ بناتقٍ مذكارِ
ويروى: دحقت، وطفحت اتسعت أي غُذُوا غذاء حسنا. فنموا وكثروا، الناتق الكثيرة الولد أخذ من نتق السقاء وهو نفضه
حتى يخرج ما فيه، مِذكار تلد الذكور، وقوله: دحقت عليك - أي هي نفسها ناتق، كما قال الأعشى:
مرِحت حرةً كقنطرةِ الرومي تفري الهجير بالإرقال
أي هي نفسها. وكما قال الأخطل:
بنزوةِ لصٍ بعد مامرّ مصعببأشعثٍ لا يفليَ ولا هو يقمَلُ
وقول آخر:
إذا قيلَ ماماءُ الفراتِ وبردهِتعرض لي منها أغنّ غَضوب
وقال النابغة يصف جيشا:
ما حاولتُما بجماعِ جيشٍيصون الوَردَ فيه والكميتَ
يصون يتوجى، وخَص الورد والكميت لأنهما فيما يقال أصلب الدوابّ حوافر. وقال النابغة:
فلتأتينك قصائد وليدفَعنَألف إليك قوادم الأكوارِ
أي ليدفعن جيش قدره ألف إليك أي يغزونك، والأكوار الرحال. وقال يصف نساء سبين:
خَرز الجزيز من الخدام خوارجمن فرج كل وصيلة وإزار
الجزيز تعمل من هنات من صوف تعلقهن الجواري، والوصيلة
ثوب أحمر وجمعه وصائل يجاء بها من اليمن. وقال عنترة يصف امرأة هاربة:
فقلتُ لها اقصُري منه وسيري، وقد قرعَ الجزائز بالخِدام
وفسر الجزيزة شيء يجعل من صوف أحمر موضع الخلخال أراه تصنع للعين.
شمس موانع كل ليلةٍ حرةيُخلفنَ ظن الفاحشِ المغيارِ
شمس عفيفات فيهن نفار وأزواجهن غيب، وقوله: ليلة حرة - إذا غَلبت المرأة ليلة هدائها قيل وأزواجهن غيب، وقوله: ليلة حرة - إذا غَلبت المرأة ليلة هدائها قيل باتت بليلة حرة وإذا غلبها الزوج، باتت بليلة شيباء، قال الأصمعي: موانع كل ليلة شيباء لأن ليلة الشيباء التي يَغلب فيها الزوج المرأة ولكنه عرف ما أراد أنهن يمنعن الليلة التي يقال فيها: باتت بليلة حرة، وقوله يخلفن ظن الفاحش المغيار، يقول إذا أساء بهن الظن أخلفن ظنه لعفتهن.
فنكحنَ أبكاراً وهن بآمةٍأعجلنهن مظنةَ الاعذار
الآمة العيب، أراد نكحن ولم يختتن بعد. أعجلنهن أي الخيلَ سبتهن قبل أن يبلغن وقت الختان وهو الإعذار. وقال:
لا أعرفنّك معرضاً لرما حِنافي جُفٍ تغلب واردي الأمرار
الجف الجماعة من الناس وهو في غير هذا شيء ينقر من جذوع النخل، معرضا أي ممكنا من عرضك يقال أعرض لك الشيء إذا أمكنك من عرضه، ويروي " في جف ثعلب " يريد ثعلبة بن سعد والأمراء ماء. وقال:
قرما قضاعة حلا حول قبتِهمدّا عليه بسُلاّفٍ وأنفارِ
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع