من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
باب في الرمح
حدثت عن ابراهيم بن أبي حبيب أبي اسحاق الزيادي، قال سمعت زيد ابن كثوة يقول في قول امرىء القيس:
نطعنهم سُلكي ومخلوجةكرّ كلامين على نابلِ
قال وهو بمعنى قول القائل للرامي: ارم ارم، يريد أنه يطعن طعنتين يتابع بينهما كما يتابع القائل هاتين الكلمتين. قال وكان الزيادي يستحسن هذا التفسير. وقال رؤبة:
والدَين يُحي هاجساً مهجوساًمَغس الطبيبِ الطعنة المغوسا
شدّ بعَشر حبله المخموسا
المغس الطعن يقال: أجد في بطني مغسا، يقول كما يمغس، الطبيب أي كما يطعن الطبيب في الجرح، يقول ما أجد من ألم الدين مثل هذا، فضربه مثلا للدين. وقوله: شدّ بعشر، هذا مثَل يقول أحكم أمره فجعل حبله على خمس قوى وشد بعشر أصابعه. قال الأصمعي: العرب تقول: بيدين ما أوردها، وما زائدة إذا أحكم الأمر فإذا عمل عملا لم يجد فيه قالوا:
أوردها سعد وسعد مشتمل
وعنى بقوله: شد بعشر، صاحب القتب الذي يشده، يقول أحقبه إحقابا شديدا فأثر في صلب البعير. وقال الجعدي:
ولا يشعر الرمح الأمم كُعوبهبثروة رهط الأبلج المتغِشّم
يقول إذا حَمل لم يرهب كثرة أهلك وعشيرتك. وقال أبو ذؤيب وذكر متبارزين:
وتشاجرا بمذلّقيْنِ كلاهمافيه سنانٌ كالمنارةِ أصلعُ
تشاجرا تطاعنا، بمذلقين بسنانين حادين وإنما أراد رمحين، سنان كالمنارة - أراد كالسراج فأوقع اللفظ على المنارة ضرورة، وأصلع له بريق قد انكشف من الصدإ والوسخ، يقال انصلعت الشمس إذا بدا
ضوءها. وقال ساعدة يذكر رجلا:
وعميَّ عليه الموتَ يأتي طريقَهسِنان كعَسراءِ العقابِ ومِنهَبِ
أي عميَّ على هذا الرجل الموت أي لبس عليه الموت فلم يدر أين يأخذ وقد أتى طريقةَ سنان، وعسراء العقاب ريشة بيضاء في باطن الذنب، ومنهب فرس شديد العدو وكأنه ينتهب الأرض انتهَابا. وقال كثيّر يمدح رجلا في حرب:
وقد شخَصْتُ بالسابريةِ فوقَهمعلّبة الأنبوبِ ماضٍ أليلها
السابرية شُقة من سابري جُعلت راية، ويروي: مقومة الأنبوب، وهو أجود، ومعلبة مشدودة بالعلباء، والأليل الحربة سميت أليلا لأنها محددة. وقوله:
ولكن بصمّ السمهري المعَّرِن
المعرن المسمور والعِران المسمار الذي يضم بين القناة والسنان، أصله من عران الناقة وهو العود الذي يُجعل في أنف البختية. وقوله يصف قومه:
وأثبتَه داراً على الخوفِ ثَملهافُروع عوالي الغاب أكرمْ بها ثَملا
ثملها من قولك، أنت ثمال المساكين أي غياثهم وعصمتهم، يقال
بحر ثمال. وقال الراجز: ثفّفها بسَكَن وأدهان السكن النار، أي أقام أودها بالنار والدهن، الأصمعي: أنشدني مُعتُم بن سليمان قال: أنشدنيه بكر بن حبيب السهمي:
وإني لا أزال أقول: أقرِنْلذي رمحين ان حدِرْتْ حَدور
قاله رجل غاز يصف شدة ما هو فيه، يقول إذا انحدر وقدامه إنسان معه رمح أو رمحان قال له الغازي: أقرنْ، أي ارفع رمحك انصبه نصبا - لئلا يعقره، قال: وقولهم: أقرِنْ أي ارفع فرنةَ رمحك. وأنشد الزيادي لخداش بن زهير:
بين الأراك وبين النخلِ تسدَحُهمزرقُ الأسنة في أطرافها شم
يريد أنها مسمومة والسم بارد، تسدحهم تصرعهم. وقال أوس:
معي مارن لدْن يخليّ طريقَهسنان كنِبراسِ النِهامِيّ مِنجلُ
مارن يعني رمحا لينا، طريقَه، يقول السنان يقدمه فلا يقدر أحد
أن يدنو منه، والنبراس السراج، والنهامي النجار، فكأن السراج على منارة عملها النجار، مِنجل واسع الجراح، وقوله:
وذاك سلاحي قد رضيتُ كمالهفيصدِفُ عني ذو الجَناحِ المعّبل
من قال الجُناح بالضم أراد الميل ومن قال الجَناح بالفتح أراد العضد، والمعبّل الذي معه معابل. وقال بشر بن أبي خازم:
وفي صدرِه أظمَى كأن كُعوبَهنوى القَسبِ عرّاص المهزة أزير
أظمى أسمر يعني رمحا، يقال رجل أظمى أي أسمر، ويقال أظمى قليل اللحم، كأنه نوى القسب في صلابته لا في خلقته، وعرّاص شديد الاضطراب، وأزبر شديد الزُبرة - الكاهل، وإنما هذا مثَل. الأصمعي: الأسمر أصلب الرماح لأنه يؤخذ من غابته وقد نضج - وإذا أخذ ولم ينضج كان أبيض لا بقاء له. وقال آخر:
الرمحُ لا أملأ كفّي بهواللِبدُ لا أتبع تَزوالَه
لا أملأ كفي به يريد أنه لا يشغله حمل الرمح حتى يملأ كفه فلا يكون فيها فضل لغيره من السلاح ولكن أراد أنه يقاتل بالرمح والسيف، وإذا زال اللبد لم أزل معه.
وقال عمرو بن معدي كرب:
فلو أن قومي أنطقْتني رماحُهمنطقْتُ ولكنَّ الرماحَ أجرّتْ
يقول لو كان لهم فعال تنطق - يعني الطعان بالرماح - لتكلمت ولكن رماحهم لما لم تستعمل أجرّتْ أي مَنعتْ من الكلام كما يجَرّ الفصيل يخلّ لسانه ليمنع من الرضاع. وقال آخر:
نِلقي خصاصةَ بيننا أرماحَناشالتْ نعامةً أيّنا لم يفعل
أي نلقي في فرجة ما بيننا من الفضاء رماحنا ونصير إلى السيوف فمن لم يفعل ذلك فشالت نعامته أي أهلكه الله وفرق أمره. وقال زهير:
ومن يعصِ أطرافَ الزجاجِ فإنهيطيعُ العوالي ركّبتْ كل لَهذمِ
هذا مثل، يقول إن الزُج ليس يُطعن به إنما الطعن بالسنان فمن أبى الصلح - وهو الزج - أعطى العوالي وفيها الطعن. وقا ل آخر: إذا وردتُ ماءً علَتْها زِجاجُها وتعلو أعاليها إذا الرَوعُ أنجما يقول إذا لقوا قوما على مائهم طعنوا فيهم فانخفضت الأسنة وارتفعت الأزجّة - فإذا أنجم الروع - أي ذهب - رُكزِت الأزجة فارتفعت الأسنة وقال الكميت:
وما أنكحتْ منا الأسنة خاطباًولا أذِنت عزّابنا حين تخطبُ
يقول لم تُسب نساؤنا، أذنت يقول يأخذونها مكابرة. ونحوه للقحيف:
أخذن اغتصاباً خِطبةً عجرفيةَوأمهِرن أرماحاً من الخطِ ذُبّلا
تقول: مهرتُ المرأة وأمهرتها. وقال امرؤ القيس:
وظل لثيرانِ الصرمِ غَماغميدعِّسها بالسمهري المعلَّبُ
غماغم أصوات، والصريم الرمل، والمعلب الذي يشد بالعباء الرطبة وذلك إذا خُشي على الرمح أن ينكسر شد عليه العلباء الرطبة فجف عليه. وقال الأعشى: فمثل الذي تولوني في بيوتِكم يقيني سناناً كالقدامى وثَعلبا القدامى ريش الجناح المتقدم، شبه به السنان في مضيه، والثعلب ما دخل في السنان من الرمح. وقال زيد الخيل:
سلكْتْ مجامع الأوصالِ منهبمطردِ الوقيعةِ كالخلالِ
ويروي: مجامع الأمطاء منه، جمع مَطا وهو الظهر،
والخلال المدري، يريد رمحا، والوقعية السنان الذي وقعته بالميقعة وهي المطرقة يقال: شفرة وقيع أي مضروبة. قال عنترة:
وآخر منهم أجررتً رمحيوفي البجَلي مِعبلة وقيع
وقال سلامة بن جندل:
فمن يكُ ذا ثوبٍ تنَله رماحناومن يك عرياناً يوائل فيسِبقُ
يقول من كان عليه سلاح طعناه ومن طرح إلينا سلاحه وأكمش نجا. وقال عنترة:
كأنَّ رماحَهم أشطان بئرٍلها في كلِ مَدلَجتن خُدود
أشطان حبال، مدلجة ممر الساقي بين البئر والحوض وهو مثل مدرجة، خدود جمع خدّ يريد آثار الأشطان. وقال:
قد أطعُن الطعنةَ النجلاءَ عن عُرُضتصفرّ كف أخيها وهو منزوفُ
عن عرض أي يعرض الناس لا يبالي من طعن، وإذا نزِف الدم اصفّرت الكف. وقال:
ونحن منعنا بالفروقِ نساءنانطرّف عنها مُسبَلات غَواشيا
نطّرف نرد عنها يقال: طَرّفّ عنا هذه الخيل - أي ردّها، ومسبلات رماح قد أسبلت للطعن. ويقال خيل مسبِلة أي صابّة، غواشي تغشى القوم.
ألم تعلموا أن الأسِنّةَ أحرزَتْبقيتنا لو أن للدهرِ باقيا
يقول حصوننا الأسنة فهي التي أحرزت لنا كرما - ألا أنه لا يبقى على الدهر أحد.
وقال المفضل بن عامر من عبد القيس:
يهزهِزُ صعدةً جرداءَ فيهانقيع السم أو قَرّن مَحيق
كانوا يجعلون قرون الثيران مكان الأسنة. محيق قد دلكَ حتى امّحق.
وجاوَزْنا المنونَ بكلِ نكسٍوخاظِي الجَلز ثعلبه دَميقُ
النِكس الضعيف يعني سهما قد انكسر فاصلح وعقّب ولذلك قيل للرجال الضعفاء أنكاس، والجَلز أصل السنان، ودميق أدخل إلى آخره. والخاظي المنتفخ، والثعلب ما دخل في السنان من الرمح. وقال أبو الطمحان يذكر هاربا.
على صَلَويه مُرهَفات كأنهاقوادِم دلّتها نُسورٌ نواشِرُ
الصَلوان ما عن يمين الذنب وشماله. يقول قد أدرك فالرماح شارعة إليه كأنها قوادمِ نسر. وقال عمرو بن قميئة:
وأرماحنا ينهزنهم نهز جَمّةٍيعود عليهم وِردنا ونميحها
ينهزنهم نَهز جمة - أي ينزعن عن دمائهم كما ينزع من الجمة الماء، يعود عليهم وردنا - يقول: نعود عليهم بالطعن مرة بعد مرة، نميحها نستخرج ماءها.
وقال آخر وهو قيس بن زير:
لا تعجَل بأمركَ واستدمْهِفما صلَى عصاكَ كمستديمِ
صلى أدناها من النار، يريد بالعصا القناة، يقول لم يُصلح أمرك شيء كالأناة - كالذي يدخل قناته النار كي تلين فإن عجل في إخراجها فلم يلينها انقصفت. وقال القطامي:
قوارش بالرماحِ كأنّ فيهاشواطَن ينتزِعنَ بها انتِزاعا
إذا التقت الرماح سمعت لها صوتا فهي قوارش، يقال: تناولت الشيء وتقرشته سواء - ومنه سميت قريش قريشا لتناولها التجارة. وأنشد:
أحد كيحي في الطعان إذا قتَرش القنا وتَقعقَع الحَجَف
شواطن حبال، يشبه الرماح بالحبال. وقال أبو زبيد يرثي غلامه:
إما تقرم بكَ الرماح فلاأبكيكَ إلا للدلوِ والمرسِ
تقرم من القَرم وهو الشهوة للحم، ويروى: تَقارَنْ بك الرماح، يقول قُرِنت بك الرماح فطُعنت بها فلست أبكي عليك إلا للعمل والاستقاء بالحبل والدلو. وهذا مثل قول الآخر في عبده:
عبد العشاء وإرشَاء والعمل
حمدت أمري ولمت أمرك إذأَمسكَ جَلز السنانِ بالنَفسِ
الجلز ما شد به السنان على الرمح من عقَب أو غيره، يقول غُيب السنان حتى بلغ الجَلز فلم يتنفس حتى مات. وقال أبو زبيد:
في ثيابِ عمادهُنَ رماحُعند عوجٍ تسمّو سمو الصِيدِ
يعني الرايات، والصَيد داء يصيب الإبل تَرفع منه رؤوسها. وقال الطرماح يذكر قتيلا:
توَهّزُ فيه المضرحية بعدمامضَت فيه أذنا بلقَعِي وعامل
توهز تأكل حتى لا تستطيع أن تقوم، والمضرحية النسور، والبلقعي السنان، وأذناه جانباه، والعامل أسفل من السنان.
سحاليطَ حمراء القراحين أكرِهتْبه والعو إلى مضجَعاتُ الأسفلِ
سحا قَشر، والليط القشر، حين أكرهت أي حمل عليها في.
وقال عمرو بن كلثوم وذكر قناة ضربها مثلا:
فإن قناتَنا يا عمرو أعيَتْعلى الأعداءِ قبلكَ أن تلينا
إذا عضَ الثقاف بها اشمأزّتْووّلته عشَوزنة زبونا
اشمأزت انقبضت وولته صلابة وهي العشَوزنة، والثقاف ما يقّوم به الرماح، وزبون دفوع تزبنهم عما يريدون أي تدفعهم وهذا مثل
لمنعتهم ممن يريد اهتضامهم وغيرهم. ومثله لعَبيد:
إنا إذا عضَ اثقاف برأسٍ صعدتنا لوينا
وقال الأخطل:
ومسّوِم خِرَقُ الحتوفِ تقودُهللطعنِ يوم كريهة وَنزالِ
المسوم المعلم بعلامة في الحرب بعِهن أو ريشة يعقدها في صدره أو ناصية فرسه، وخِرق الحتوق الرايات. وقال العجاج:
إنا لعطافون خلف الملَحمِإذا العوالى أخرجَتْ أصى الأضراس
وقال الأعشى:
ولسوف تكلحُ للأسنةِ كلحةً غيرَ افترارَه
وقال العجاج:
وخطَرتْ أيدي الكماة وخطَرراي إذا أورده الطعُن صدَر
خطرت بالسيوف أيديهم ارتفعت كما يخطر البعير بذنبه إذا رفعه
وضرب به، راي جمع راية مثل آية وآي، يقول إذا طعن بالراية ردها فصدرت.
والسَلبات السحم يشفين الزَورَ
السلبات الرماح الطوال، الزور العوج، يقول من اعوج عن القصد رده الطعن إلى القصد. وقال الأخطل يصف خيلا:
إذا سَطَع الغبار خرجْنَ منهبأسحمٍ مثل خافيةِ العقابِ
أسحم راية سوداء. وقال لبيد: رابطُ الجأشِ ثابت القلب يربط نفسه عن الفرار، والفرج موضع المخافة، والجون فرسه، مربوع رمح ليس بالطويل ولا بالقصير، أي أعطف الجون ومعي رمح مربوع، والمتلّ الشديد. وقال قيس بن الخطيم:
ترى قصَد المرّان تُلقي كأنهتذرّعُ خِرصان بأيدي الشواطبِ
التذرع قدر ذراع ينكسر فيسقط، قال: والتذرع والقِصدَ واحد، وواحد القصد قِصْدة، والملران والوشيج عروق القنا فنسبوا القنا إليه. وأنشد لزهير:
وهل ينبتُ الخطى إلا وشيجُهوتغَرس إلا في منابتها النخلُ
مثل ما جعل الخرص الرمح وإنما هو نصف السنان الأعلى إلى
موضع الّجبة وكذلك الأسل إنما هي أطراف الأسنة، يقال خِرص الرمح وُرص الرمح وخَرص - ثلاث لغات - وخِرصان للجميع، والشاطبة التي تعمل الحُصر من الشطْب شَطبت تشطِب شطوبا وهو أن تأخذ قشرة الأعلى، وتشطب وتلحَى واحد، وواحد الشَطْب شَطبة وهي السعفة، وتشطِب وتلحي واحد، وواحد الشَطْب شَطبةِ وهي السعفة، وكل قضيب من شجرة خرص ومن ثم قيل للرمح خرص. وقال العجاج:
حنّى قناتي الكِبَر المحنيأطَر الثقافِ خُرص المقني
وقول الحارث بن حلزة:
وثمانون من تميم بأيديهم رماح صدورهن القضاء
أي الموت. وقال ابن مقبل:
نصَبْنا رماحاً فوقها جَدّ عامركظلِ السماءِ كل أرض تعمدا
جد عامر أي حظ عامر أي معها جد عامر، وهذا مثل، كظل السماء في الكثرة وهو مثَل يقول: ظل السماء يلبس كل شيء وكذلك هم.
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع