من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)
المنصف للسارق والمسروق منه (٣)
من قول ابن الرومي:
وَقَدْ أملتكَ النفسُ بعد تخوموأبردُ مِنْ هذا على كبدي الخَمر
قال أبو محمد: وهذا من باب مساواة الآخذ) من أخذ (منه.
وقال المتنبي:
شَابَ من الهجْرِ فَرقُ لِمَّتهفَصارَ مِثْلَ الدمقْس أسْودُها
تخصيصه بالشيب في اللمة ضيق عطن بلفظ يعم جملة اللحة وكان ينبغي إذا خصص فرق اللمة بالشيب أن) يقول (فصار مثل الدمقس أسوده لعودة) الهاء (على المذكر، ولو قال:
شَابتْ لهجر الحبيبِ لِمّتهفَصار مثْل الدمقس أسودُها
كان في الصنعة أمدح، وهو مأخوذ من القائل:
يبني عَنه أبانَ في شِعْري أبيضهُ بَعد حُسن أسْوده
في هذا البيت مجانسة من ذكر) البين (و) الإبانة (وفيه مطابقة وفيه ضرب من استخراج معنى من) معنى (احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه من ذلك قول امرئ القيس:
فظلّ العذَارى يَرتمين بِلحْمهاوشحمَ كهُدّاب الدِّمقْسِ المفتَّل
فشبه الأبيض بالأبيض، فنقل أبو الطيب هذا التشبيه من الشحم إلى الشيب وشبه الأبيض بالأبيض، ففي هذا البيت رجحان على ما قاله أبو الطيب، والسابق أولى به. وقال المتنبي:
بانوا بخرعوبةٍ لها كَفَلٌيكادُ عندَ القيامِ يُقْعِدُها
أخذه من ابن الرومي:
إذا تَمشى يَكادُ يُقْعدهرَدفٌ كَمثل الكُثيبِ رجْرَاحُ
ولأبي المعتصم:
إنْ نهضت أقعدهامنْ رَدْفُها دَعص نقى
وهذه الأبيات تدخل في باب مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام.
وقال المتنبي:
كيف يَحيكُ الملامُ في هَمَمٍأقْرَبُها مِنْكَ عنك أبْعَدُها
قال أبو محمد: ظاهر هذا الكلام متناقض ولا يجوز أن يكون أقرب شيء أبعد شيء إنما كان يصح لو قال:) أقربها مِنْكَ بَعيد (والذي يمكن أن يوجه لكلامه من المعنى أنه أراد: أقربها منك عندك أبعدها في الحقيقة عنك.
وقال المتنبي:
بِئْسَ اللّيالي سَهِرتُ مِنْ طَربيشَوقاً إلى من يَبيتُ يَرْقُدُها
الطرب خفة يعتري عند الفرح وعند الحزن جميعاً والمراد بها هاهنا الحزن، والمعنى للبحتري في قوله:
يكْفيك أنّكَ لمْ تَذُقْسَهراً وأنّي لمْ أنمْ
وهذا أعذب لفظاً وهو من نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي والسابق إلى اللفظ الرطب والمعنى العذب أولى بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
لا ناقتي تَقْبلُ الرَّديفَ ولابالسَّوْطِ يَوْمَ الرّهانِ أجْهِدُها
شِراكُها كُورُها وَمِشْفرُهازمامُها والشُّسوع مِقْودُها
أراد أنه ركب نعلة فقصد الإغراب، وقد سبقه إلى هذا أبو نواس فقال:
إليْكَ أبا العَبَّاس مِنْ خَير منْ مَشَىعَليها إمْتطْينا الحضْرِميّ المُلسَّنا
قلائِص لمْ تَعْرفْ حنيناً إلى طلاولمْ تَدْرِ ما قرْعُ الفنيق ولا الهَنا
فأعرب بمخالفتها حال القلائص في عدم الحنين على الطلاء والجهل يقرع الفنيق وجاء به في أحسن كلام وأوضح نظام فهو أرجح لفظاً من أبي الطيب وأولى بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
إلى فَتىً يُصْدِرُ الرّماحَ وَقَدْأنْهلها في القُلُوبِ مَوْدِدُها
قال أبو الشيص في هذا المعنى:
فَأوردها بيضاً ظماء صدورهاوأصْدرها بالمرِّ ألوانها حُمْرا
فاجتمع لأبي الشيص من التطبيق من الورد والصدر والبياض والحمرة والظمأ والريّ ما رجح به على عمرو بن كلثوم في قوله:
بأنّا نُورد الراياتِ بيضاًونُصدرُهنّ حُمْراً قَدْ رَوينا
فزاد أبو الشيص بالظمأ والريّ عليه فاستوفى أقسامه وجوّد نظامه فهو أولى بما قال ممن لم يتفق له فصار أبو الشيص أولى بما قال: وقال المتنبي:
لَهُ أيادٍ إليَّ قَدْ سَلَفَتْأعَدُّ مِنْها وَلا أُعدّدُها
ملح في قوله أعد منها ولا أعددها، وقد جاء بهذا في قصيدة أخرى فشرح وأوضح:
فاغفرْ فدىً لك وأحْبُني من بَعْدِهالتخُصني بعطّيةٍ مِنْها أنا
والمعنيان المأخوذان من قول الحمار:
لا تَنتفني بَعْدَ أنْ رَشَتْنِيفَإِنّني بَعْضُ أياديكا
وكلام أبي الطيب أجزل فهو يستحق ما قال بالجزالة.
وقال المتنبي:
أفْرُسها فارساً وأطولُهاباعاً ومِغْوارُها وسَيِّدُها
قال بعض النحويين إن فارساً منصوب على الحال لا على التمييز وهو
بيت فارغ.
وقال المتنبي:
شَمْسُ ضُحاها، هِلالُ لَيلتهادُرُّ تقاصيرها، زَبرْجَدُها
هذا البيت في فساد الأقسام وضعف النظام أشبه بيت ببيت أبي تمام في قوله:
خَلقُ كالمَدامِ أو كَرُضابِ المسك أو كالعَبِير أو كالملاَب
والناس يرتفعون من الدون إلى الأعلى وهذا يرتفع من الأعلى إلى الدون جعل خلقه كالمدام أو كالمسك، والمسك أطيب من المدام والعنبر والملاب. وقد ذكر أبو بكر الصولي أن بيت أبي تمام له مخرج من ذلك، قال المعنى كالمدام فإن قال قائل قد أفرطت قال: كالعنبر أو كالملاب.
قال أبو محمد: وهذا تفسير لا يدل عليه ظاهر الكلام ومفسره يدخل في جملة مخرجي الضمير: قال أبو بكر أنه أراد تقديم المسك في النية وإن أخره في اللفظ لاستواء القافية. ومنها أن يحمل ذلك على قول الله تعالى:) من بعد وصية يوصي بها أو دين (فالدين قبل الوصية، وعلى جميع ذلك كلام العرب.
فالجواب الأول قد عرفتك أنه بقول المنجمين المخرجي الضمير أشبه منه بقول المفسرين، وأما قوله، أراد استواء القافية ونوى التقديم والتأخير فإن إرادة القافية باستواء المعنى أن يساغ وصار قياساً وقع في الشعر من التخليط ما تفسر به معانيه ويستولي على كثير من قوافيه. وأمّا قوله إن هذا محمول على قول الله ﷿:) من بعد وصية يوصي بها أو دين (فليس بحجة وإن كان الدين قبل الوصية لأن الدّين والوصية ليسا ممّا كنّا فيه من الأعلى إلى الدون، إذ ليس بين الدين والوصية تفاضل من العلوّ إلى الدّنوّ، ولولا أن الشريعة دلت على تقديم الوصيّة لما عرفنا الأعلى منهما من الأدنى وأنواع الطيب متفاضلة، فإذا شبه أبو تمام بالأفضل غني عن الأرذل وقول أبي الطيب:) شمس ضحاها (.
لا يوجب قوله:) هلال ليلتها (وكان أشبه أن يقول) بدر ليلتها (وكذلك قوله:) درّ تقاصيرها، زبرجدها (التقصار: القلادة القصيرة، ولم يعتمد في هذا البيت على الطول والقصر فيها وإنما مراده أنك في قومك كالدّر نفاسة، وقوله:) درّها يغنيه عن زبرجدها (لأنه أنتقل من الأفضل إلى الأرذل، وقد قال إبراهيم بن العباس للصولي:
ما كنت فِيهنّ إلاّ كُنْتَ واسطةًوَكُنّ دُونكَ أولاها وأخراها
فالواسطة من القلادة أنفس ما يليها من جملتها فقد اكتفى بهذا الوصف
ودل على الأنفس، فلفظه أجزل وأرجح وهو بما قال أحق من أبي الطيب.
وقال المتنبي:
يا ليْتَ بي ضَربَةً أُتيحَ لَهاكما أُتيحتْ لَهُ مُحمَّدُها
أثَّرَ فيها وفي الحديد وَمَاأثّرَ في وَجْههِ مُهَنَّدُها
فاغتبطت إذْ رأتْ تَزَيّنَهابِمثْلِهِ والجِراحُ تَحْسُدُها
قال أبو محمد: هذا كلام عجيب ومعنى غريب وذلك أنه تمنى ضربة تقع منه مثل ضربة الممدوح ولا أعلم هذا مما يتمنى، فإن أحتج محتج فقال: أراد بهذا مذهب من إذا رأى مكروهاً بإنسان، قال: يا ليت لي ذلك دونك كما قال القائل: أنا مُذْ خَبرت بالعلةِ والله عَليل
لَيْتَ حَماك بِجِسميولك العُمر الطويل
ومثله قول القائل:
لا بِكَ السقْم ولكِنْ كَانَ بيوبِنَفْسي وبأمي وأبي
قِيلَ لي إنّكَ صَدعْتَ فَمَاخَالَطتْ عَيناي حَتّى دِير بي
قلنا له هذا مستعمل لولا ما يليه من قوله إنه أثّر في الحديد والضربة ولم يؤثر فيه وذكر أنها مغتبطة بتزينها به وما لم يكسب ألماً ولا شيئاً فليس للمفدّا منه فائدة في الفدية ولا في تمني حمل مكروه عنه إلا أن يكون قوله:) يا ليتَ لي ضربة على وجه الحسد له (على ما لم تؤثر فيه أثراً ولا أكسبته ألماً وللضربة فيه زينة فما أختار له أن يحسد الممدوح على ما زين الضربة وهو محار لتزينها فما نحسن أن ينفس عليه بما أختاره وما أعلم أن بشراً يوصف بأن السيوف لا تستعمل
ولا تؤثر في جلده وتبوء عنه ولو استعمل هذا مستعمل في وصف رجل وقح على المبالغة كان أحسن من دخوله في المديح كما قال الشاعر:
اللّؤْمُ أكرمُ من وَبْرٍ ووالدهواللّؤْمَ أكرم مِنْ وبرٍ وَما ولَدا
لو أنّ حافر برذوني كأوجههمبني الزوابي لَما أنْعلته أبَدَا
قال أبو محمد: وقد قلت أنا في هذا المعنى:
يا جامعاً زهْوَ الملوك ولَؤم أخلاق التجار
أرجعْ إلى الفقر القَديم فَقدْ فسدت على اليسار
وخطرتَ في سُكر الغِنىوأمنْتَ عاقِبه الخُمار
أبديتَ وجهاً للعُفَاة مُقنّعا بِقناع عار
لو أنّه لقي الحجارالصُّمّ أثر في الحجار
أو كانَ ترس محاربٍلارْتدّ عنهُ ذو الفقار
هذا وما أشبهه في الهجاء أبلغ وأسوغ منه في المديح وقوله: أثر فيها وفي الحديد أخاله نذكرها وهو أن التأثير لا يقع إلا في الصور وإنما التأثير يقع في الضربة في صورته أو صورة الحديد فأما أن يؤثر في الضربة فلا يجوز لأن الضربة عرض فلا يصح فيها التأثير وهذا من القسم الذي يصير على التفتيش والانتقاد
إلى تقصير أو فساد.
وقال المتنبي:
وأيقَنَ النَّاسُ أنَّ زَارعِهابالمكْرِ في قَلْبِهِ سَيحصُدُها
يعني الضربة.
وقال أبو العتاهية:
غداً تُفي النّفوسُ ما كَسبتوَيحصدُ الزَارعون ما زرعوا
وهذا من قسم ما أخذ عليه وإنْ فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
تَبكي على الأْنصُلِ الغُمود إذاأنْذَرها أنّهُ يُجَرّدُها
لعِلْمها أنها تَصِيرُ دَماًوأنَّهُ في الرقابِ يُغْمِدُها
جعل العلة في بكاء الغمود عليها أنها تعمد في الرقاب ولا بد من مسح النصل من الدم فيعود إلى حاله وإلاّ نبا إن ترك وأمّا إغمادها في الرقاب فذلك بمقدار زمان يقع اللقاء فيه
فما تبكي الغمود من ذلك إلاّ أن يكون إذا سل سيوفه يصير من رقاب إلى رقاب فلا تعود أبداً إلى غمودها وهل فيها حسن يوجب لها إلفاً فتبكي لفقد ما ألفت؟ وأظن أنّ أبا الطيب أستضعف نسج هذه القصيدة فجعلها مما قاله في الصبي ليقوم عذره في ضعفها وفائدة هذا الشعر أنّه في الرقاب يغمدها وهو مأخوذ من بيت أنشده ابن قتيبة:
وما انتضينا السيوف يَوْم وغىًإِلا وفي الرأس نَحْنُ نُغْمْدها
وقال أبو دلف:
سادوا وقادوا وذادوا عَنْ حَريمهموأغمدوا البيض في هامٍ وأعناق
وقال الحماني العلوي:
وإنا لتصبح أسْيافُناإذا ما انتضين ليوم سًفُوك
منابرهُنّ بطونُ الأكّفِّوأغمادهنّ رؤوس الملوكِ
البيت الأول الذي أنشده ابن قتيبة هو بيت أبي الطيب بلا زيادة في مبناه ومعناه وهو من قسم مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام وقد أتى أبو دلف ببيت شغل صدره بعدّة أوصاف وأتى بمعنى أبي الطيب في عجزه، فرجح كلامه وأستحق معناه. والحماني قسم حال السيوف فعبر عن حال حملها وعن حال أغمادها في رؤوس الملوك وخصص كلامه بهم دون غيرهم فقد رجح كلامه على كلام الجميع وأستحق المعنى عليهم.
وقال المتنبي:
إذا أضلَّ الهُمام مُهُجتَهُيَوْماً فأطرافُهُنَّ تُنْشِدُها
أي إذا أضل الهمامُ مهجته فقدها فإنما يسل أطراف هذه السيوف عنها. أخذه من قول مسلم:
فأتوا الرَّدى وظباه البيض تَنْشُدُهمْوأنت نصب المنايا غَيْر مَنْشود
فخبر أن ظباه البيض تنشدهم وأن الممدوح هو نصب المنايا وهو غير منشود لا تطلبه السيوف هيبة من حاملها له وقد صحح أبو الطيب من ذكر الضلال والنشدان فرجح كلامه.
وقال المتنبي:
وأنكَ بالأمسِ كُنت مُحْتلماًشَيخَ مَعدّ وأنتَ أمردها
يريد بانك بانك، وأنشد سيبويه:
ويوماً تُوافِينا بوجْهٍ مُقسّمٍكأنْ ظبيه تعطو إلى وَارق السلمْ
في قول من نصب ظبيه وفيه قبح لأنّ الإضمار يرّد الأشياء إلى أصولها والأصل الثقيلة، ولو قال وأنت بالأمس استراح من تعسف الإعراب ولكنه يؤثره في إخباره أنه كان محتلماً شيخ معد ما يغني عن قوله: وأنت أمردها، ويكفي بقوله:
وأنتَ أمردها عنْ ذكر مُحْتلمٍ
وليس هذا من الحشو الحسن بل كقول أبي العيال الهذلي.
ذَكْرتُ أخي فَعاودنيصِداعُ الرأس والوصَب
فذكر الرأس بعد الصداع حشو يستغني عنه.
وكذلك قول ديك الجن:
فَتنفستْ في البيت إذْ مُزجَتْبالماء واستلَّتْ سنا اللهبِ
كتنفسِ الريحانِ خَالطَهُمِنْ وردِ جُوْرٍ ناضر الشُّعبِ
فذكر الماء بعد المزاج فضل مستغنى عنه والبيتان يكفي منهما بيت أبي نواس بلا حشو.
فتنفستْ في البيت إذْ مُزجتْكتنفسِ الريحان في الأَنفِ
فإن ظنّ ظانٍ أن قول أبي نواس مثل قول ديك الجن في) مزجت بالماء (فما أصاب لأنه معلوم أنه لا يكون مزاج الخمر إلا بالماء وقد يتنفس الريحان في حيث لا يحضره شامّ وإنما يلذه صاحب الشم كما يلذ شم الخمر والمسك وما أشبههما فبينهما فرق واضح، وبيت أبي الطيب مأخوذ من قول ابن بيض:
بَلْغتَ لِعشر مَضَتْ من سَنيككما يَبلغُ السيّدُ الأشيب
وقال البحتري:
قَدْ أكملَ الحِلْمَ وأشتدّت شكيمتُهُعَلى الأعادي ولمْ يبلغ مَدى الحُلُمِ
فأملح ما ذكرناه من هذا المعنى قول ابن بيض لأنه مخلّص من الحشو وقد أتبعه بما يليق به ونشرحه وهو:
بَلغْتَ لِعشرٍ مَضَتْ مِن سَنيكما يبلغُ السيدُ الأشيبُ
فَهمّك فيها جسامُ الأمورِوَهَمُّ لِداتك أنْ يلعَبُوا
فهو أحق بما قال من أبي الطيب، فأما البحتري فبلغ مراده وفسرّه وليس في بيته فضل عن معناه، وابن بيض بلغ مراده في بيتين فكأنه قد استوفى الطويل، في الموجز القليل، وصار البحتري أولى به منه وفي معنى قول ابن بيض قول الفرزدق:
غُلامانَ شبا في الحُروبِ وأدْركاكنارِ المساعي قَتل وَصْل لِجاهما
وقال المتنبي:
أقَرَّ جلْدي بها عَليَّ فَماأقْدِرُ حتى الممات أجْحدُها
هذا معنى رديء لأن في طبيعة جحود النعمة فما أقربها عليه جلده صار لا يقدر على الجحود الذي في طبعه كمن يريد جحد واجب فإذا علم أن عليه شهوداً به أقر به وهذا تشبيه قول ابن بسام.
وَقَدْ ظَهرت لأمرِ آتامهعلى نفرٍ وإنْ لَمْ أقر
وأحسن من هذا المذهب مذهب الحارث بن خالد المخزومي في قوله:
وَلها علينا نِعْمةٌ سَلفتْلسنا مدى الأيام نجحدُها
فجعل الإقرار بنعمتها وجهاً يحسن وقائه لا ضرورة وقد قال البحتري: لشاكر مِنْك فضل نُعْمى وكفْرُ نُعمْى الكريمِ كُفْرُ ثم ختم القصيدة بقوله:
فَعُد بها لا عدْمتُها أبداًخَيْرُ صلات الكريمِ أعوَدُها
فبينما يخبر عن الممدوح لترديده صلاته إذ سأله أن يعود إليها والعائد يكون بادئاً فكأنّه قد نسي قوله:
وَمكرماتٍ مَشَتْ على قَدم الر إلى مَنْزلي تُردِّدُها
فقوله فعدّ بها) الهاء (راجعة إلى المكرمات، والمردد لا يسأل عودته فأما المعنى في البيت فمن قول لبيد:
فَعد أنّ الكريمَ لَهُ مُعادوظني بابن أروى أنْ تَعودا
وقال غيره:
بَدأتمْ فأحسنتمْ فأثنيت جاهداًفإِن عدتم أثنيتَ والعودُ أحمدُ
وقال أبو تمام:
بدأ النّدى وأعادَهُ فِيهمْ وكَمْمن مُبدئ لِلعرف غَيرُ مُعيدِ
وقال:
إنّ ابتداءَ العُرْفِ مَجدُ باسِقوالمجدُ كلُّ المجْدِ في استتمامِه
ومعنى بيت أبي تمام أن ذكر ابتداء وطلب عوده ولم يخبرنا بترديد ذلك
وتكرره، وأبو الطيب طلب المعاودة كأنه مبتدئ فما طلب بعد تكرير الممدوح وتردده وفي لفظ بيت أبي تمام جزالة وفي لفظ أبي الطيب عذوبة واختصار يستحق المعنى به هذا إن سلم أبو الطيب معرفة لأبي تمام فقد عرفني من أثق به من أهل الأدب أنه قيل له أنت تأخذ من شعر أبي تمام فقال: قلت الشعر وما أعرف أبا تمام، وهذا الكلام يحتمل الصدق لأنه ذكر أن قال الشعر في الكبر وهو صبي ذو وفرة وذلك قوله:
لا تَحسنُ الوفْرَةُ حتّى تُرَىمَنْشُورةَ الضَّفْريْنِ يَوْم القِتالْ
على فَتىً مُعْتقلٍ صَعْدَةًيُعلُّها مِنْ كل وَافي السِّبّالِ
فغير منكر أن يحركه طبعه على قول شيء من الشعر وهو لا يعرف الشعراء ثم يعرفهم ويأخذ من معانيهم فما في كلامه براءة مما أتهم به إذا تؤول على هذا التأويل فإن جوز متعصب أن يكون معنى كلامه) قلت الشعر وما أعرف أبا تمام مذ قلته إلى وقتي هذا، قلنا له: إذا تأولته على هذا المعنى كان أول كلام غث العبارة لأنه يخبرنا أنه قال الشعر وهذا ما لا يجهل من أمره ولا يتعلق بقوله: وما أعرف أبا تمام وكان يكفي منه أن يقول: وما أعرف أبا تمام وإنما ينبغي أن يكون هذا جواباً لسائل لا يعرفه، تقول: أنت تقول الشعر وإذا قلته: أتسرق من أبي تمام، فتقول عندها: قلت الشعر وما أعرف أبا تمام فيصح الكلام لا الدعوى في إنكاره معرفة أبي تمام لأن إفكه في إنكار مثله واضح ودليل بهته لائح لأمرين أحدهما: ما أورده من المعاني الكثيرة التي أخذها من شعره لا يجوز مع تواترها وتوافرها أن يدعى بها اتفاق الخواطر ولا تساوي الضمائر لأن ذلك كما قلناه ينساغ في اليسر ويمتنع في الكثير والآخر أن أبا تمام قد أعطي من اشتهار الاسم في الخاصة مثل ما أعطي من اشتهاره في العامة وهو اشتهار لا يجوز أن
يظن بمتأدب جهله افترى أبا الطيب ما جالس المتأدبين ولا دخل سوق الوراقين فيسمع خبره على الألسن مشهوراً وفي الكتب مذكوراً. هذا خارج عن الحق مباين) للصدق (ولو كان قال: ما عرفت ما قرأت شعر أبي تمام لكان) قرأت (أمكن من) عرفت (لأنه يمكن أن يقرأ أولاً ولا يمكن أن يعرف، وأن أبا تمام معه مظلوم الإحسان مجحود الامتنان محتقرة منفعته مكفورة نعمته وسيمضي من أخذه عنه ما يدّل أنه بهذه الصفة، ولو علم الراغب به عن سرقة شعر أبي تمام أني سأورد من سرقاته ممن لا يعارض أبا تمام به ولا يوازن مقداره ولا يسبق غباره من الشعراء المحدثين الذين لهم صيت أبي تمام ولا صنعته ولا علمه ولا رفعته وهو نصر الخبزأرزي لاشتغل عن الانتصار له
في أبي تمام وأنا أعلم أن الإنكار يقع لي في سرقته من نصر لأنهم إذا كانوا يرغبون به عن السرقة ممن خدم عصره وعظم في النفوس قدره كانوا ممن قارب عصره ولم يتناقل الأدباء شعره أرغب به وهذه الطائفة السامية بقدره المفرطة في تعظيم أمره عرفته بعد خطوته وارتفاع صيته ورتبته ولم تعرفه وهو دقيق الخمول وهو بمنزلة المجهول وقد كان زمانه في هذه الحال أطول مسافة من زمانه في ارتفاع الحال ووجود المال الذي شهر اسمه وأبان لهم فضله وعلمه وأنا أورد عليك من خبره ما خبرني به أبو القاسم علي بن حمزة البصري وكان من المجردين في صحبته والمغرقين في صفته، ذكر أنه حضر عند أبي الطيب وقت وصوله من مصر إلى الكوفة وشيخ بحضرته فيه دعاية لا تقتضيها منزلة أبي الطيب في ذلك قال فرأيت أبا الطيب محتملاً لِما سمعه، فقال له: فيما قال: يا أبا الطيب خرجت من عندنا ولك ثلاثمائة قصيدة وعدت بعد ثلاثين سنة ولك مائة قصيدة ونيف من القصائد، أفكنت تفرقها على المنقطعين من أبناء السبيل، فقال له: ألا تدع هزلك، قال: فأخبرني عن قصيدتك الشاطيرية التي خرجت من أجلها إلى البصرة حتى أظهرت فيها معارضتك للخبزأرزي، لِمْ أسقطتها فقال: تلك هفوات الصبا فقال: فسألت الشيخ أتحفظ منها شيئاً قال: فأنشدني أبياتاً عدة قال أبو القاسم: فأمهلت أبا الطيب مدّة حسن معها السؤال وخفي المقصد، فقلت له: أدخلت البصرة قط؟ قال: نعم، قلت: فأين كنت تسكن، فخبرني عن منزل أعرفه كان الخبزأرزي منه على أذرع يسيرة أربع أو خمس فعلمت أن الشيخ قد صدق
وخبرني أبو القاسم علي ابن حمزة لأنه سأل عن خبرة الشيخ عليه فذكر مخبره أن أبا الطيب كان ممن يألفه الشيخ قديماً في حال صباه والذي أنكره المتعصبون من هذا الأمر هو الذي أطمع أبا الطيب فيه وظنّ أن الخبزأرزي يقرب زمانه منه ودنأة صنعته وأن العلماء لا يشتغلون برواية شعره لأنه لا يجوز عليه الأخذ منه ولا يتنبه على مواضع سرقته منه وسيرد عليك من المأخوذ منه ما يعرفك من ذلك برهاناً ويوضح لك منه بياناً ثم يعود إلى موضع التأليف. وتتلو ما تقدم أبيات قليلة الفائدة وهي:
مُحبّي قيامي ما لِذالكمُ النَّصْلبَريّاً مِنْ الجرْحَى سليماً من القَتلِ
قال فيها:
أرَى في فِرنْدِي قِطْعةً في فِرْنِدِهِوَجَوْدَةَ ضَرْب الهامِ منْ جَوْدةِ الصّقْلِ
أمّا قوله: أرى في فرندي قطعة من فردنه: فينظر إلى قول أبي تمام:
في كُلَّ جَوْهَرةٍ فرْنِدٌ مُشْرِقٌوَهُمُ الفِرْندُ لهؤلاء النَّاسِ
فعمّ كل جوهرة بفرند ولم يخص السيف وجده وجعلهم فرنداً للناس، فهو أملح وأمدح، وقال المتنبي:
وَخُضرَةُ ثَوْبِ العَيْشِ في الخُضرَةِ التيأرتْك احْمِرارَ الموْتِ في مَدْرج النَّمْلِ
أخذه من القائل في سيف:
وصَقيل كأنَّما درج النملعلى مِتنه لرأى العيون
أحضر فيه لامعات المنايالايحات ما بين حُمْد وجون
والمعاني هي المعاني غير أنّه قد أنتظم معنى البيتين في بيت فصار مستوفياً للفظ الطويل في الموجز القليل فأستحقه، وختم الشعر بقوله:
وَذرْني وإيّاهُ وطرْفي وَذَابِلينكُنْ واحداً نَلْقى الوَرى وانظرا فِعْلي
احتذى قول مسلم:
كَليني إلى النصلينِ عزمي ومقوليوكرّي وأسد الغابِ يَخْطر دُوني
واستخراج هذه السرقة لِما قدمناه من الشرط فيما يأخذه من المعنى المتوسط المتداول المتناقل خوفاً من أن يظن بنا الضعيف العلم أنّه سبق إلى معرفته ما جهلناه أو لسهو مناعته فأغفلناه، ونورده احتراساً من ذلك لا نحقره كما لا يحقره من سرقة فهذا عذرنا في هذا. ويتلو ما تقدم قصيدة أولها:
كَفى فَقدْ أراني لومك أولى باللومِهمّ أقامَ على فؤادي أنجما
وترتيب معنى هذا البيت:
كَفى فَقدْ أراني لومك أولى باللومِهمّ أقامَ على فؤادي أنجما
وهذا صعود وجذور محصولة محقورة المعروف في هذا أن يقال اللائم ألوم فأما اللوم فلا يلام لأنه غير الملوم والملوم الغافل واللّوم كلام فالواجب أن يلام الغافل دون الكلام كما قال المسلمي:
فَلو كانَ في أثْر المشيبِ بكاؤهُلكان الذي ناداهُ باللوم ألْوما
وقال العتبي:
يَلومني الناسُ على حُبكمْوالناسُ أولى مِنْك باللومِ
فهذا الكلام موضوع في حقه وصاحبه أولى به ممن أخذه، ووضع الكلام في غير حقه. وقال المتنبي:
وَخيالُ جِسْم لم يُخلّ بِه الهوىلحماً فينحِلَهُ السّقام وَلا دَما
فذكر من فعل السقام به ما ذكره أبو العتاهية في قوله:
واللهِ ما أبقيْتِ من جَسَديلحماً ولا أبقيْتِ لي عَظْما
وهذا من مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام.
وقال المتنبي:
وخُفوقُ قلبٍ لوْ رأيت لهيبَهُيا جَنّتي لظننتِ فيه جَهنما
أخذه من قول بعض المحدثين:
في النّارِ قَلْبي، وَعيْنِيفي الروضِ من وَجْنته
وهو من نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير، فصاحبه أحق، لأن أبا الطيب أجمل المعنى في الجنة والنار ولم يشرح، وهذا قد أبان موضع النار من قلبه والجنة في عينه فهو أولى من أبي الطيب، وقال المتنبي:
وإذا سَحابةُ صَدّ حبٍ أبْرقَتْتَركتْ حَلاوة كُلّ حُبّ عَلْقما
ليس هذا البيت من ألفاظ حذاق الشعر لأن ذكر السحابة والإبراق لا يليق بذكر الحلاوة والمرارة، ولو كان) كما (قال:
وإذا سَحابةُ صَدّ حبٍ أبْرقَتْمَطرت عيون العاشقين بها دَما
أو ما شاكل ذلك مما يليق بذكر السحابة والإبراق أو كان يقول:
وإذا مرارة صدّ حبٍ أبرقتْتَركتْ حَلاوة كلَّ وصلٍ عَلْقمَا
فجمع بين الصدّ والوصل، والحلاوة والمرارة في العلقم لتصح الأقسام ويعتدل الكلام، كان أليق بصنعة الشعر، ألا ترى أن الخبزأرزي أصح أقساماً منه لقوله:
ومن طاعتي إياهُ يُمطر نَاظريإذا هو أبْدى من ثناياه لي بَرَقا
فجاء بما يشاكل بعضه بعضاً ويتعلق اللفظ به.
قال أبو محمد: وهذا مما يصير على الانتقاد إلى تقصير وفساد.
وقال المتنبي:
يا وَجْهَ داهيةِ الّتي لوْلاكِ ماأكلَ الضَّنى جسدي وَرضَّ الأعظما
ليس هذا مما يشتغل باستخراج سرقته وهو يشبه قول الخبزأرزي:
وحَق الهوى إنّي أحس مِن الهوىعلى كَبدي حمراً وفي أعظمي رضّا
وقال المتنبي:
إنْ كانَ أغناها السُّلُوُّ فإِنَّنيأمْسيتُ مِنْ كبدي وَمِنْها مُعدما
قال منصور النمري:
وأن يعلى صبري لكل ملمةٍعَنْ الصبرِ من أم الوليدِ مُعْدمِ
وذكر العدم ولم يذكر المعنى وبيت أبي الطيب فيه مطابقة مليحة يرجح بها فأما قول الديك:
هي نكبةٌ فؤادي منْ أسىًإذْ غادرتْهُ من العزاءِ عَديما
فهذا يتساوى فيه الآخذ والمأخوذ منه. فإن كان أبو الطيب قد جعل الغنى عند محبوبه والعدم عنده لأن اجتماع الحالين المضرين في فؤاد واحد توفيه الأقسام وصنعة في الكلام ووقوع علة بارتفاع أخرى رجحان في اللفظ يحكم لديك الجن به، وقال ابن المعتز:
يا ابن بشر أنت مشغول بغيري لا هَنَاكا
يا غنياً بأناس هبْ افقري من غناكا
وهذا البيت من نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكبير.
وقال المتنبي:
غُصن على نَقويْ فلاةٍ نابِتٌشَمْسُ النهارِ تُقلُّ ليلاً مُظلِما
فأخذ بيت ديك الجن بكماله وهذا هو اللفظ المدعى هو ومعناه معاً ومع ذلك فتقسيم السابق أصح لأنه ذكر من آخره إلى أوله على ترتيب صحيح فبدأ بردفه وقده ووجهه وشعره، وهذا بدأ بقده ثم بردفه ثم رجع إلى وجهه وشعره فترتيبه مخلط وإن كانت شجاعته التي يذكرها عن نفسه في اللقاء كشجاعته على سرقة هذا البيت أنه لشجاع وقال المتنبي:
كَصفاتِ أوْحدنا أبي الفَضْل التيبَهرتْ فَأَنْطَقَ واصفيه وأَفحما
فهذا سرقة من ابن الرومي:
يعطي فينطق ذا الأفمام نائلهويفحمُ الفحل شعراً أي أفمام
فهما وإن أجمعا في المطابقة فقد رجح ابن الرومي بالشرح والإيضاح في البيتين وعرف أن تواتر عطائه يلزم المفحم الشكر، فينطق وبلاغته يفحم الفحل من الشعراء فيصير مفحماً، وكلام ابن الرومي أوضح وأرجح وهو أولى بما قال: وقال المتنبي:
يُعْطيكَ مُبْتدئاً فإِنْ أعْجلتَهُأعْطاكَ مُعْتذراً كَمنْ قَدْ أجرَما
أخذه من قول ابن المعذل:
يُعطيكَ فَوْقَ المنى من فَضل نائلهِوَليس يُعطيك إلاّ وهو مُعْتذرُ
وقال أبو تمام:
أحو أزماتٍ بَذْلهُ بَذْلُ مُحْسنٍإِلينا. ولكنْ عُذْرهُ عذْرُ مُذِنبِ
وقول ابن المعذل أجودها لأنه شرط أن عطاءه فوق المنى ولأنه لا يعطي مبتدئاً ولا معاوداً إلا وهو معتذر، وأبو تمام يشترط هذا الشرط إنما ذكر فقال) بذل محسن أو عذر مذنب (ولم يقل إن عطيته فوق المنى وقد يستحق المعطي اسم المحسن بأقل إعطاء ويجوز أن يعتذر لعلمه بقلة العطية وبيت ابن المعذل أرجح لفظاً وإن كان في بيت أبي تمام مطابقة مليحة ولم يحصل لأبي الطيب غير أنه يعطيك ولم يجد العطية بقلة ولا كثرة فإن أعجلته أعطاك واعتذر وما يقع اعتذاره بعد الإعجال إلا لأمرين أحدهما أنه أحوجك إلى المسلة أو قلة ما حضره من العطاء كما حكي أن شاعراً أعجل بعض الأمراء وهو عبد الله بن طاهر فدفع إليه ما أمكنه أن يجود به وكتب إليه:
أعجلتنا فأتاكَ عاجلُ برّناقلاًّ، وإنْ أمهلتَنا لمْ يَقلْلِ
فَخُذ القليلَ وكنْ كأنَّك لمْ تَسلْوَنكون نَحْن كأنَّنا لمْ نَفْعَلِ
ومن أعتذر بعد الإكثار أولى ممن اعتذر بالكرم من إعجال أو تقصير، فعبد الصمد أولى بشعره ممن أخذ منه.
وقال المتنبي:
ويَرى التَّعظُّم أنْ يُرَى مُتَواضِعاًوَيَرى التَّواضُعَ أنْ يُرى مُتَعظِّما
أخذه من قول أبي تمام:
تَعَظَّمْتَ عَنْ ذاكَ التَّعظُّم مِنْهُمُوأَوْصاكَ نُبْلُ القَدْرِ إلا تَنبَّلا
فنفى أبو تمام عن الممدوح التعظم لعظم قدره عنه ورفعة نبل القدر عنه التنبل والعظيم غير المتعظم والنبيل عند المتنبل وبيت أبي الطيب رديء الصنعة لأنه كان ينبغي أن يقول: يرى التعظم أن يتواضع والضعة أن تعظم فأمّا أن يوقع التعظم المذموم موقع التعظم المحمود والتواضع المحمود مكان الضعة المذمومة فقد أساء الصنعة وترك مراعاة النقد في شعره وأبو تمام أولى بما قال.
وقال المتنبي:
نَصر المطال على الفْعَالِ كأنَّماخالَ السؤالِ على النَّوالِ مُحَرَّما
فكأنه يخبر عن الفعال عنده مقصور على المطال بإسراعه إليه ولم يخبرنا بأن فعاله قبل السؤال أو بعده فإذا أعطى قبل السؤال فلا سلطان للمطال على فعاله، ولو قال سبق السؤال إلى الفعال كان أمدح كما قال سلم الخاسر:
يحْيى بنْ خالد الذييُعْطي الجزيلَ ولا يُبالي
أعْطاكَ قَبْل سُؤالهِفكفاكَ مَكْروه السُّؤَالِ
والمطال لا يكون إلا بعد وعد فقد جمع هذا الكلام الإخبار بما أخبر عنه أبا الطيب من كرم الممدوح، وخبر بكرم آخر من أنه لا يحوج السؤال، وقد قال أشجع:
يَسْبقُ الرْعْدَ بالنَّوالِ كما يَسْبقُ بَرْقَ الغيُوثِ صَوْبُ الغَمامِ
وهذا مدح متجاوز رائق وتشبيه واقع وبيت سلم عذب موجز فهما أحق بينهما ممن سرق منهما.
وقال المتنبي:
يا أيُّها الملك المُصَفَّى جَوْهراًمِنْ ذَات ذي الملكوت أسْمَى مِنْ سَما
نُورٌ تَظاهرَ فيك لاهُوتيَّةًفَتكادُ تَعْلمُ ما لنْ يُعْلَما
هذا مدح متجاوز فيه قلة ورع وترك للتحفظ لأنه جعله من ذات الباري وذكر أنه قد حل فيه نور لاهوتي ثم قال بعد هذا كله فيكاد يعلم فأتى بلفظ المقاربة ولم يطلق عليه علم الغيب وقد رأينا من الشعراء من لم يعط من مدحه هذه الصفات ويطلق على الممدوحين أنهم بالحسن اللطيف يدركون ذلك كقول أبي علي البصير:
وكيف يجوز أن علىأديب لطيف الحسن تطلع العيوبا
ومثله قول ابن الرومي:
حُماكَ وأقصاك وظرف ونجدةورأي يريه العيب لا رجم راجم
فهذا مذهبهم في المبالغة على أنهم لم يعطوا الممدوحين الدرجة التي أعطاها أبو الطيب هذا الممدوح فكيف قنع له بأن يمنعه ما قد دفعه غيره إن كان تورع فورعه عما قاله فيه أولى به.
وقال المتنبي:
وَيهُمُّ فِيكَ إذا نَطَقْتَ فَصاحةًمِنْ كُلِّ عِضْوٍ منْكَ أن يَتكلّما
النور لا يوصف بالفصاحة ولكنها استعارة تشبه قول ماني:
دَعِيني إلى وَصْلها جَهْرةًوَلَمْ تَدْر لأنّي لَها أَعْشَقْ
فَقمْتُ وللسَّقمِ منْ مَفْرقَيإِلى قَدمي ألسنٌ يَنْطقُ
وقال المتنبي:
حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ ماذَا عَاقِلاًويقُولَ بَيْتُ المالِ مَاذا مُسْلِما
ليس من التوفيق أن يسرق السارق ما قد عيب على السابق فيحمل عيب السرق ويسرق معيباً، ألم يعلم أنه فيما عيب على أبي نواس قوله:
جَدتْ بالأموالِ حَتَّىقِيلَ ما هذا صَحِيحُ
وقال أبو نواس أيضاً:
جَدَتْ بالأموالِ حَتَّىجَعَلوه النَّاس حُمْقا
وذلك أن في ظاهر هذا القول استخفافاً بالممدوح وإخباراً له باستحماق الناس إياه وليس السخاء حمقاً بل التبذير، وذلك وضع الشيء في غير موضعه كالجود في موضع الإمساك والإمساك في موضع الجود فهذا هو الحمق فلا يسامح
الناس أبا نواس وهو مطبوع لا يطيل في شعره تكرير نظره ولا كد فكره فكيف يسامحه من لا يظهر له قصيدة إلا في الزمان الطويل في اللفظ المقصر أو المعنى القليل مبتدئاً فكيف مقتدياً وسابقاً فكيف سارقاً والحسن قول أبي تمام:
عَطاءُ لَوْ اسْطَاعَ الَّذي يَسْتَمِيحُهُلأصْبحَ مِنْ بَيْنَ الورى وهو عَاذِلُهُ
وكان الطالب برفده يعلم أنه يجحف بنفسه فيقول له دون هذا كاف فحسبك وقد قيد أبو نواس بأن قال لو اسطاع فأما إطلاق الحمق على الممدوح فقبيح.
وقال المتنبي:
إِذكارُ مِثْلك تَرْكُ إِذْكاري لَهُإِذْ لا نريد لِما أُريد مُتَرْجِما
هذا من قول أبي تمام:
وإِذا الجود كان عَوْني عَلى المرء تَقَاضَيْتُهُ بِتَركِ التَّقَاضِي
شرح أبو تمام العلة في ترك تقاضيه بما يدل على كرم الممدوح ولم يشرح أبو الطيب علة لذلك فأبو تمام أرجح كلاماً وفيه ضرب من الترديد ليس لغيره.
يليها أبيات أولها:
إِلى كم وحتى أنْتَ في زي مُحْرِم؟وحَتَّى مَتى في شِقْوةٍ وإِلى كم؟
قوله في زي محرم إشارة إلى عدم الثياب وهو من قول أبي تمام:
مُتَساقطي وَرقِ الثِّياب كأنَّهُمْدَانُوا وأحدثَ فِيهم الإِحرَامُ
وقال أبو تمام:
وَلَقدْ أراكَ مِنْ الكَواعبِ كَاسِياًفالآن أنْتَ من الكَواعبِ مُحْرِمُ
وهذا مما احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه وفيه تطبيق، وكلام أبي الطيب إشارة، وفي كلام أبي تمام شرح، فاختصار أبي الطيب بازاء شرحه فهو أولى بما قال من أبي الطيب.
وقال المتنبي:
وإلا تَمتْ تَحْتَ السُّيُوف مُكرَّماتُمت وتقاسِي الذلَّ غَيْر مكْرمِ
يشبه قول الأول:
من عاد بالسيف لاقى فرصة عجباموتاً على عجل أوْ عاش مُنْتصِفَا
وأنشد ابن قتيبة:
والحرب أولى إذا ما خفت ثائرهمن المقام على ذل وإصغار
وهذا من باب مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام وأخذ لفظ البيت الثالث وهو:
فَثِبْ واثقاً بالله وثْبةَ ماجدٍيَرى الموْتَ في الهيجا جَنْي النّحل في الفَم
من قول صالح:
صَبرتُ ومنْ يصبر يجد غِبَّ صَبرهألذَّ وأحْلى من جَنى النَّحلِ في الفمِ
وهذا من قسم المساواة.
يليها قصيدة أولها:
أحْيا وأيسَر ما لاقيتْ ما قَتَلاوالبينُ جارَ على حكمي وما عَدلا
قال فيها:
لولا مُفارقةُ الأحبابِ ما وَجدتْلَها المَنايا إلى أروَاحِنا سُبلا
هذا من قول أبي تمام:
لَوْ حارَ مُرْتادُ المَّنيّةِ لِمْ يَجِدْإِلاّ الفَراق على النَّفُوسِ دَلِيلاً
بيت أبي تمام أحسن صنعة وقوله: حار ولم يرد دليلاً غير الفراق كلام مليح، ومثله للحماني:
وَلقدْ نظَرت إلى الفراقِ فلمْ أَجِدْلِلموتِ لَوْ فَقد الفِراقُ سَبِيلا
وهذه الأبيات تدخل في مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام. ويليه قول المتنبي:
بِما بجَفْنيك مِن سحرٍ صلى دَنِفاًيَهْوى الحياةَ، وأمَّا إِنْ صَدَدت فلا
قال إسحاق بن إبراهيم:
تَهْوى الحياة إذا ما كنتَ راعيناوإنْ بَقينا ليومٍ غَير ذَاكَ فَلا
وهذا يدخل في باب ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
إِلاَّ يَشِب فَلَقَدْ شَابَتْ لهُ كَبدٌشيباً إِذا خَضَّبتْهُ سَلْوةٌ نَصَلا
زعم أبو العباس المصيصي أنه سرق هذا من أبي تمام في قوله:
شَابَ رأْسي وَما رأيتُ مَشيب الرَّأسِ إِلا من فَضْلِ شَيْبِ الفُؤَادِ
هذا يذكر قد شاب رأسه من شيب بهمومه، والمتنبي يذكر أنه) أن (لم يشب فلقد شابت كبده من الهموم وشيب الرأس معنى ويمكن أن يكون غريزة أو لسن وشيب الكبد استعارة وزاد أبو الطيب في الكلام من ذكر خضاب السلوة ونصول، شيب فؤاده. وهذا يدخل في مماثلة السارق المسروق منه في كلامه، بزيادته في المعنى ما هو من تمامه ولولا أنّ أبا العباس النامي ذكر أنّ هذا مأخوذ من هذا لكان بعيداً منه.
وقال المتنبي:
علّ الأمير يرى ذُلي فَيشفع لِيإِلى التي تَركتني في الهَوى مَثَلا
هذا من أقبح معنى لأنه يريد من الأمير أن يكون قواده عليه معها فإن عارضنا معارض، فقال ما أخذ هذا إلاّ من أبي نواس في قوله:
سَأشكو إلى الفَضلِ بن يحيى بن خالدهَواك لعِلّ الفضْلَ يَجْمعُ بَيننا
وقال الجمع بينهما قيادة، قيل له التأويل في الجمع أسوغ منه في الشفاعة لأن الجمع بينهما يكون بصلاته التي تعنيه وترغبها فيه فيصل إليها نكاحاً لا سفاحاً والدليل على صحة هذا المقصد منه قوله:
فيا فَضْلُ دارِكْ صَبْوتي بغُبارِهافلا خير في حُبِّ المُحبّ إِذا دَنا
والشفاعة تضيق عليه وجه الخروج من قبح المقصد، وأبو نواس أصح معنى وإن اتفقا باستغاثهما بمن مدحاه على هواهما ومن انساغ له التأويل أرجح كلاماً ممن ضاق عليه وجه الخروج مما عيب عليه وقد كان لأم جعفر جارية اسمها)
نعم (عشقها عبد الغفار بن عمر الأنصاري فقال:
أميرُ المؤمنين إِليْك أشكو هوىفي القلبِ يَشعر بالصُدود
أميرُ المؤمنين فجد بها بي جزاكالله جنات الخلود
وكتب بها إلى الرشيد، فقال الرشيد ما أصبت معيناً لك على جهلك غيري فحبسه دهراً ثم كلم فيه فأطلقه فإذا سئل الرشيد أن يجود بجارية يمكنه أخذها ممن هي له تبد) ... (فسمى الاستغاثة في ذلك جهلاً وأمتعض من ذلك فما ظنك بمن يسأل الشفاعة.
وقال المتنبي:
أيقنت أنّ سعيداً طالبٌ بِدَميلَمَّا بصُرتُ به بالرُّمْحِ مُعْتِقلا
قال أبو محمد: بيناه يرجو شفاعته إذا أيقن أنه طالب بدمه وأظنه سأل الشفاعة استضعافاً له عن الطلب فلما صار بالرمح معتقلاً أنف من الشفاعة واعتصم بعز الشجاعة. فطلبه بدمه من محبوبته مذهب مذموم عند العشاق وليس ينبغي أن يتجشم حمل اسم السرقة فيما عيب على السابق إليه فممن عبّر به العباس بن الأحنف في قوله:
فإِنْ تَقتلوني لا تَفوتوا بِمهْجتيمَصالِيت قَوْمي مِن) حنيفة (أو عَجْل
فتبعه ابن المعتز فقال:
تَحسِبُ قَومي يُضيِّعون دَمِيما ضاعَ قَبلِي لهاشمٍ ثَارُ
وهذه المعاني تصلح لتهدد الأعداء ويبعد عن الرقة إلى الجفاء فأما المحبوبون فيقال لهم كما قال القائل:
لَوْ جُزّ بالسيف رأسي في مَودَّتِكمْلمرّ يهوي سريعاً نَحْوكم رأسي
وكما قال الآخر:
والله والله لَوْ تقطع يَديأمرتني طائعاً قَطَعْت يدي
فيك من الناسِ كُلهم عَوضحتّى من الوالدينِ والولدِ
وفي نحوها للرشيد:
أما يُكفيك أنْ تَملكينيوأنَّ الناس كُلهم عَبيدِي
وأنَّك لَوْ قطعت يَدي وَرِجْليلقلت مِن الهوى أحْسَنت زيدي
فهذا ما أشبه عادة العشاق المتيمين مع الأحباب المعشوقين فأما طلب الدماء والثارات فيصلح في الحروب والغارات وما أدري لم أيقن بطلب دمه لاعتقاله بالرمح فلو كان شاهراً سيفه لم يوقن بذلك منه وقد ساوى هؤلاء القائلين الجفاء في شعره فهو سارق منهم ورجح كلام أضدادهم وصاروا أولى بما قالوه.
وقال المتنبي:
وأنّني غَيرُ محصٍ فَضْلَ والدِهِوَنائل دون نَيْلي وَصْفَه زُحَلا
إن كسر) إنّ (وجعلها مبتدأة كان أشعر وأحسن وإن فتحها وعطفها على ما قبلها من قوله: أيقَنْتُ أنَّ سعيداً طالِبٌ بدمي لأن المعنى يصير أنّه:) لمَّا رآه بالرمح معتقلاً (أيقن أنه) غير محصٍ فضل والده (.
وليس اعتقال الرمح دلالة على فضل الآباء ولا على أن نيل زحل دون نيل وصفه وما أراه إلا بالكسر، فأما معنى البيت فقوله: ونائل دون نيلي وصفه زحلا مثل قول ابن الرومي:
أرى من تعاطي ما بلغتمْ كرائموهناك الثريا وهَو أكمه مقعد
ففي بيت ابن الرومي زيادة يستحق بها ما قال على من أخذ منه لأن مثال النجم على أكمه مقعد أصعب منه على صحيح الجوارح، فقد رجح عليه وهذا يدخل في قسم رجحان كلام المأخوذ منه على كلام الآخذ عنه.
وقال المتنبي:
قَيلُ بِمنبج مَثْواهُ ونائلهفي الأُفْقِ يَسألُ عمَّن غَيرهُ سألا
وقال ابن الرومي:
لهُ نائلٌ ما زالَ طالب طالبومَرتاد مرتاد، وخاطب خاطب
فهذا تقسيم مليح أخذه ابن الرومي من أبي تمام فقال:
فأضحَت عَطاياهُ نَوازعَ شُدّداتسائِلُ في الآفاقِ عَنْ كل سَائلِ
وهذا بيت لا يفضل لفظه على معناه، وصاحبه السابق أرجح على كلام من أخذ عنه فهو أحق بمعناه.
وقال المتنبي:
تُرابهُ في كِلابٍ كُحْلٌ أعْينُهاوَسَيفُهُ في جنابٍ يَسْبقُ العَذلا
ولو قال:
إحسانه في كلاب غيث مجديهاوسَيفُهُ في جناب يَسبقُ العَذَلا
لصح التقسيم إذ ليس التراب ضد السيف، وقد أستعمل هذا ابن الحاجب فقال:
حَاولت بالعذلِ أنْ ترشدنيقلتُ مهلاً سَبق السيفِ العذلِ
وقال المتنبي:
وضَاقتِ الأرض حتّى كان هارِبُهمإِذا رأى غضير شَيء ظَنَّهُ رَجُلا
النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع