تجاوز إلى المحتوى

من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)

المنصف للسارق والمسروق منه (٨)

هذا البيت جيد الصنعة لأنه ما خرج عن ذكر الإبل وسوقها وحدائها فلم يخرج عما يتبع بعضه بعضاً ويلتقي بمعناه لفظه وهو ينظر إلى قول البحتري:

فدعوتهم بظُبا الصَّفيح إلى الرَّدىفأتوكَ طُرّأ مُهطعين خُشُوعَاً
للشاعر البحتري، من قصيدة «فيم ابتداركم الملام ولوعا»

ولغيره:

لما التووا بمقاده عَنْ سُبلهِأخذ المقادةِ عن ظباه حِدادِ

وقال المتنبي:

فَما تَركوا الإمارةَ لاختيارٍولا انتحلوا ودادكَ مِنْ وِدَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

ثم قال:

ولكنْ هبَّ خوفكَ في حشاهُمْهُبوبَ الريحِ في رجل الجرادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

هذا البيت تفسير لِما تقدم وهو موجود المعنى في بيت شريف وذلك قوله:

ذلها أظهرَ التودد منهاوبها مِنكمْ كزء المَواسي

فمن بلغ مراده في بيت وأتى في عجز بيته بتشبيه صحيح كان أحق بما قال ممن عمل بيتين تفسيرهما في الثالث بعدهما واستعار استعارة غير صحيحة لأن الخوف عرض والهبوب لا يصح إلا من جسم والمعنى موجود في قول القائل:

تَولوا حزاناً مُدبرين كأنّهمجَراد شمال كية وابلِ القَطَرِ

فهذا شبه جواهر بجواهر وقال الحطيئة:

ونحنُ إذا ما الخيل وافت كأنّهاجراد زفت أعجازه الرّيح منتشر

ومثله قول مسلم:

ما كان جَمعهم لمّا لقيتهُمُإلا كمثل جراد ريعُ مُنجفَلِ

وكل ذلك أصح معنى من معنى بيت أبي الطيب وأرجح لفظاً وهم أحق بما قالوا.

وقال المتنبي:

وماتوا قَبْلَ مَوتهم فَلمَّامننتَ أعدتُهمْ قبل المَعادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

ينظر إلى قول أبي تمام:

مَعادُ البعث معروفٌ ولكنْندى كفَّيك في الدُّنيا معادي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»

وقد أتبع أبو تمام هذا بمثله فقال:

مَعادُ الورى بَعد الممات وجودهمَعادُ لنا قبل الممات ومَرجعُ

وهذه معان تدخل في قسم التساوي.

وقال المتنبي:

غَمدْتَ صوارماً لو لم يتوبوامَحوتهُمْ بها مَحو المِدَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

وقد أتى بهذا اللفظ أبو تمام فقال:

محوٌ من البيض الرّقاق أصابَهُفَعفاهُ لا محوٌ من الأحوالِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «آلت أمور الشرك شر مآل»

ومحو المداد أصل الكلام ومحو الأحوال استعارة والمعنى مساو.

وقال المتنبي:

وما الغضبُ الطّريفُ وإن تَقَّوىبمنتصف من الكَرمِ التِّلادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

ليس الغضب ضد الكرم، وإنما ضده اللؤم ولو قال:) من الحلم التلاد (كان في الصنعة أجود ويقوى لفظه هجيته ضاق عطته عن أملح منها.

وقال المتنبي:

فلا تغررك ألسنةُ مَوالتُقبلهُنّ أفئدة أعادي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فهذا يشبه قول القائل:

وأبلغ مُصعباً عني رسولاًوهل يجد النصيح بكل وادِ؟
تعلم أن أكثر من بكا فيّ وإنضحِكوا إليك هُمْ الأعادي

وقال ابن المعتز:

عرفت أخلاء هذا الزمانفأكثرت بالهجر منهم نصيبي

فكلهم إن تأملته صديق العتاب عدوّ المعيب.

وهذه الأبيات تتساوى والسابق بها أولى.

وقال المتنبي:

وكُنْ كالموتِ لا يرثى لباكٍبكى منه ويروى وهو صَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

ينظر إلى قول لقيط:

لا حرثَ يشغلهم بلْ لا يرون لكمْمِنْ دون نَبضتكم رياً ولا شبعا

وقال المتنبي:

فإِنَّ الجُرحَ ينفر بعد حينٍإذا كانَ البِناءُ على فسادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

هذا من قول البحتري:

إذا ما الجُرح ذم على فسادٍتبيّن فيه تفريطُ الطبيب

هما متساويان والأول أحق بقوله.

وقال المتنبي:

فإِنّ الماءَ يجري من جَمادٍوإنَّ النَّار تخرجُ مِنْ زنادِ

أما صدره فيشبه قول ابن الرومي:

يا شبيه البدر في الحسن وفي بعد المنالِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا شبيه البدرِ في الحسن»
جد فقد تتفجر الصخرة بالماءِ الزلالِ

وأما عجزه فمن قول ابن الجهم:

والنارُ في أحجارِها مخبوءةٌلا تُصطلى إنْ لم تُثرها الأزندُ
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وتمثل المأمون:

أنا النار في أحجارها مسكنةمتى ما يهجها قادح تتصرمُ

ويدخل في معنى هذا قول أبي تمام:

أخرجتموه بكره من سجيتهوالنارُ قد تتنضى من ناضر السَلمِ

وقد جمع أبو الطيب في بيته معنيين وأختصر وجاء باللفظ الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما أخذ.

وقال المتنبي:

وكيفَ يبيت مضطجعاً جبانفرشت لجنبهِ شوكَ القْتَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

ما كان يجب أن يطلق أسم الجبن على أعدائه فيوثق تأثيره منهم وليس شوك القتاد في المراقد مما يخص الجبان الشهر به دون الشجاع، فأما التشبيه فمستعمل فمنه قول ابن مناذر:

كأنّ عوائدي مِنْ بعد هذءالعيون فَرشنني شوك القتادِ

ومثله قول أبي تمام:

إني بعلتك أعتللتفمفرشتي شوكُ القتادِ

وهذا المعنى كثير الاستبدال متواتر الاستعمال لا يعبأ بسرقته ولكن أبا الطيب لا يحقر شيئاً من المعاني فيلزمنا أن نعبأ بما عني به لئلا يتوهم متوهم أن الغامض أوردناه والمكشوف جهلناه.

وقال المتنبي:

ترى في النّوم برمحك في كُلاهُويخشى أن تراه في السُهادِ

أحسن من هذا قول أشجع:

وعلى عدُوّك يا ابن عمِّ مُحمّدٍرَصدان: ضوءُ الصًّبحِ والإِظلامُ
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
فإذا تنبهَ رعَتهُ وإذا غَفاسَلَّتْ عليه سيوفك الأحلامُ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «فإذا تنبه رعته وإذا»

وقد ألمَّ بهذا أبو تمام في قوله:

إنْ يَنتبه ترتعدْ فَرائصهويهتجدْ بعجلة عن حِلمه

وقال المتنبي:

أشرتَ أبا الحُسينِ بمدح قَومٍنزلتُ بهم فَسرتُ بِغير زادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقرب من قول ابن عيينه:

نَزلتُ عليهم ورحلتُ عَنْهمفكان صُدودهم نُزلي وزادي

وقول ابن أبي عيينه أهجا لأنه ذكر أنه راح منهم بغير زاد وهذا ذكر أنهم

زودوه الصدود فخبر بمنع البشر والزاد فصار كلامه أرجح في الهجاء فهو أولى بقوله.

وقال المتنبي:

وَظنُّوني مدحتهُمُ قَديماًوأنت بما مَدحتهُمُ مُرادي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

قال كثير:

متى ما أقلُ في آخر الدَّهر مدحةٍفَما هي إلا لابن لَيلى المكرَّمِ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أفي رسم أطلال بشطب فمرجم»

قال أبو نواس:

إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍفأنت كما نثني وفوق الذي نثني
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ملكت على طير السعادة واليمن»
وإنْ جَرت الألفاظ يوماً بمدحةٍلغيرك إنساناً فأنت الذي نعني

فقوله:) إنساناً (حشو لأن المدح لغيره مفهوم أنه إنسان.

وقال الديك:

ونَمدحُ أقواماً ما سِواكَ وإنماإليك نُسدِّيه وفيك نزخرفه

فلكثير فضل السبق والديك يساوي أبا الطيب بغير زيادة فالسابق أولى من السارق.

وقال ابن الرومي:

ومَا قِيلَ فِيه من مديحٍ فإِنَّهمَديحك، والنياتُ نَحوك عُمَّدُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»

وقال المتنبي:

وإني عنك بعد غدٍ لغادٍوقلبي عن فنائِكَ غير غادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يشبه قول الخبزأرزي:

أنا غائبٌ والقلبُ عندكَ حاضِرُسافرتُ عنكَ وما الفؤاد مُسافرُ
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أنا غائب والقلب عندك حاضر»

وقال المتنبي:

مُحبّك حيثما اتجهتْ ركابيوضيفُكَ حيثُ كنتُ مِنَ البِلادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

هذا من قول أبي تمام:

وما سافرت في الآفاق إلاومن جَدواكَ راحِلتي وزادي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»

ومنه قول أبي تمام أيضاً:

مُقِيمُ الظنِّ عِندكَ والأمانيوإن قَلقتْ ركابي في البلادِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»

يليها قصيدة أوّلها:

مُلِثَّ القَطرِ أعطشها رُبُوعاًوإلا فأسقِها السَّمّ النقيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

من شأن منازل الأحباب أن يدعى لها بالترويض والبهجة كقول أبي تمام:

يا دارُ درَّ عليكِ أرهامُ النّدىواهترَّ روضك في الثرى فَتزادا

وقال مخلد الموصلي:

يا منزلاً ضنّ بالسَّلامِسُقيتَ صوباً من الغَمامِ
لمْ يترك المُزن منك إلاما تركَ السقمِ من عظامي

وما سبق أحد أبا الطيب إلى الدعاء على منازل الأحباب بالعطش ولا من عادة السحاب سقيا السم ولا السم مما يدعى به على الجمادات ولو قال: أمطرها حجارة تهدمها وأرسل عليها صواعقاً تحرقها مما يجوز مثله أن يقع من السحاب لكان أحسن في الدعاء عليها ولما أغرب في الدعاء عليها جاء بعذرٍ أشبه شيء باستئناف ذم وقال:

أسائلها عن المتدَيّريهافَلا تَدري ولا تُذري دُموعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

فجعل ذنبها أنها لا تذري الدموع وقد دعا البحتري على نفسه باللوم في سؤال ما لا يستجيب فقال:

وسألتُ ما لا يستجيبُ فكنتُفي استخباره كمجيب من لَمْ يَسلْ

فعذر المنازل ولا نفسه والعاقل أولى باللوم مما لا يعقل، وألزمها أبو الطيب الجواب وأذرى الدموع وذلك تكليف غير ممكن فلما امتنع عليه منها ما لا يمكنها دعا عليها بما قد سمعت وإنما وقف الناس بالمعاني وبكوا رسوم الديار، وتغير الآثار إما لإظهار وفاء لمن كان بها أو أعثار بخرابها وانقلاب الدهور وتغير العصور فإما أن يسألوها لتجيب وإلا اغتاظوا فدعوا عليها، فهذا تخيل فاسد ومعنى بارد.

وقال المتنبي:

لحاها الله إلا ماضيَيْهازمان اللهو والخود الشموعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

ماضيها كان يوجبان الدعاء عليها بالسقيا والنضرة والالتفاف بالخضرة والزهرة أما سمع قول البحتري:

وإذا ما السحاب كان ركاماًفسقى بالرباب دار) الرباب
وكمثل الأحبابلو يعلم العا ذل عندي منازل الأحباب
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما على الركب من وقوف الركاب»

فإن كان كما قال البحتري فقد دعا أبو الطيب على أحبابه بالعطش والسم النقيع فهذه معان أقل تأملها ونقدها.

وقال المتنبي:

منعّمةٌ، ممنعّةٌ، رداحٌيكلفُّ لفظها الطَّيرَ الوُقوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

هذا يشبه قول ابن رومي:

مَديحٌ إذا ما الطير مَرْت مَرت رعالهابمنشده ظلت هُناكَ تكفكِفُ

والمبنى والمعنى متساويان لأن لفظ المحبوبة التي ذكر أنها تكلف لفظها الطير الوقوع يشبه لفظ المنشد لهذا الشعر الذي ذكره ابن الرومي وهما يدخلان في قسم المساواة، والذي على هذا المعنى قول كثير:

وأدنيتني حتى إذا ما سبتنيبقولٍ يُحلّ العُصَم سَهْل الأباطح
توليت عني حين لا لي حيلةوخلفتَ ما خلفت بين الجوانح

وقد أخذ هذا المعنى ابن دريد فقال:

لو ناجَتْ الأعصمَ لأنحطَّ لهاطَوع القيادِ من شَماريخ الذُّرى
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «يا ظبية أشبه شيء بالمها»

وقوله:) طوع القتاد (أحسم من قول: أبي الطيب:) يكلف لفظها الطّير الوُقُوعا (لأن من كلف ليس كمن فعل أفعاله طوعاً ولا يتوهم الضعيف النقد باختلاف الجنسين) العصم، والطير (أن هذا ليس من هذا فإنه منه وهو من توليد كلام من كلام لفظهما مفترق ومعناهما متفق فكلام من أخذ المتنبي أرجح من كلامه فهو أولى بقوله.

وقال المتنبي:

يُرفّع ثَوبها الأرداف عنهافَيبقى مِنْ وشاحيها شسوعا

) شسوع (بعيد وهو لفظ غير عذب وأحسن من هذا قول رجل من كلب:

أبتِ الغلائل والثدي لِقميصهامَس البطونِ وأنْ تَمسّ ظُهوُرا
وإذا الرياح برتجهن تعطرتنبهن حاسدة وهَجْن غُيورا

وقال المتنبي:

إذا ماست رأيتَ لها أرتجاجاًلهُ لَولا سواعدُها نَزُوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

الهاء تعود على الثوب في) له (وتقدير الكلام رأيت لها ارتجاجاً نزوعاً له لولا سواعدها وما أدري كيف ينزع ارتجاجها قميصها عنها أما لهذا القميص طوق أم ليس لها عنق يمنعها من خروجها من قميصها وقد وافى الناس بلولا في هذا الموضع فكان أحسن وأدنى إلى الإمكان، فقال ابن المعتز:

يكاد يجري من القميص من النعمة لولا القميص يمسكه
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة

فذكر نعمة يكاد يجري من أجلها فيمسكه القميص وقال في صفة فرس:

يكاد يخرج من أهابهإذا بدا السوط له لولا اللبيب

فجعل اللبيب يمسكه من أن يطير ويخرج من أهابه كما جعل القميص يمسك الإنسان، من أن يخرج من قميصه فأما أن ينزع قميصها ارتجاجها لولا سواعدها فبعيد وأما ما قيل في هذه المعاني قول أبي الشيص:

لولا التمنطقُ والسّوار معاًوالحجلُ والدملوج في العضدِ
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة
لتزايلت من كلّ ناحيةٍلكن جعلن لها على عمدِ
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

وقال المتنبي:

تألّم دَرزهُ والدّرز لينٌكما يتألَّمُ الغَضْبَ الصَّنيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

فخبر بتألمها في الدّرز، وهو لين يريد رقتها ونعمتها وأول من فتح هذا المعنى امرئ القيس فقال:

من القاصرات الطّرف لو دبّ مُحولٌمن الدَّر فوق الأتبِ مِنها لأثرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»

والذر أخف وزناً على الجسم من درز القميص فإذا أثر في الجسم كان أبلغ وصفاً من أبي الطيب وله فضل السبق وقد أخذه القائل فقال:

لو يَدبُّ الحَوليُّ مِنْ ولد الذَّرّ عليها لأندبتها الكُلومُ
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «لو يدب الحولي من ولد»

والخارج أبلغ من المؤثر في حسنها فذلك أبلغ من قول أبي الطيب وأرجح لفظاً.

وقال المتنبي:

ذراعاها عَدُوَّا دُملجيْهايَظنُّ ضَجِيعُها الزَّندَ الضجيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

لو ضاجع الفيل ما كان يجب أن يتخيل أن زنده ضجيع له وهذه مبالغة مع استحالتها غثة.

وقال المتنبي:

كأنَّ نِقَابها غيْمٌ رقيقٌيُضيء بمنعه البَدْرَ الطُّلوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

سرقه من قول بشار:

بَدا لكَ ضَوءُ ما انتقبت عليهِبَدُوّ الشَّمس من خَلل الغَمامِ

فقال أبو الطيب يضيء لمنعه البدر الطلوع، والغمام لا يمنع البدر الطلوع بل يمنعه الظهور وهو طالع تحت الغمام وهي عبارة غير طائلة وفيها تسامح وكلام بشار أحسن كلاماً لأنه خبر بضوء نقابها من نور وجهها، وشبه وجهها بالشمس والنقاب بالغمام وقد وفى كلامه أقسامه، فكلام بشار أرجح وهو أولى بشعره.

وقال المتنبي:

أقُولُ لها اكشفي ضُرّيَ وقُوليبأكثر من تدَللها خُضُوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

خاطبها يقول) أكثر من تدللها خضوعاً (يريد أن خضوعي أكثر من تدللها ولو كان لتدللها خضوع لكان قد أوقع الكلام موقعه ووضعه بموضعه، فإذا لم يكن ذلك وإنما شبه كثرة خضوعه بكثرة تدللها وكان يجب أن يقول تمثيلاً: وخضوع قولي أكثر من تدللها، فيكون الاعتماد على كثرة الخضوع المشبه بكثرة تدللها.

وقال المتنبي:

أخفتِ الله في إحياءِ نفسٍمتى عُصي الإِلهُ بأن أطيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

يشبه قول الخبزأرزي:

ما حَرامُ إحياءُ نفسٍ ولكنقَتلُ نفسٍ بغير نفسٍ حَرَامُ

هذا يناسب قول أبي الطيب وقول الخبزأرزي أسهل كلاماً وأعذب نظاماً فهو أحق بمعناه.

وقال المتنبي:

غَدا بِك كلُّ خِلْوٍ مُستهاماًوأصبحَ كلُّ مَستُورٍ خَليعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

ليس هذا مما يلتمس له استخراج سرقة ولكن ذكرته لفساد صنعته لأن ضده المملوء لا المستهام والخليع ضد الناسك المستور ولو قال:

غَدا بك كلّ خلوٍ في اشتغالوأصبح كلُّ ذي نَسك خليعا

كان أجود لصنعته وكان طباقاً حسناً.

وقال المتنبي:

بَعيدُ الصَيتِ مُنبثُّ السّرايايشيب ذكرهُ الطفل الرَّضِيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

هذا كثير ولا يحقر أخذ شيء من المعاني فلا نحقر نحن إيرادها فمن ذلك قول بعض الأعراب:

وما شيبتني كبرة غير أنّنيلدهرٍ لهُ رأس الوليدِ يَشيبُ

وقال إبراهيم بن المهدي:

إلا شغلتنا عنك يا أرو نكبةيَشيبُ لها قَبل الفطام وليدها

وقد يفارق الوليد الفطام والرضاع ويسمى وليداً فإبراهيم بن المهدي قد ضيق القول بقوله: قبل الفطام وليدها.

والرضيع أشد مبالغة والمعنيان متساويان فأبن المهدي أحق بشعره.

وقال المتنبي:

يَغضُّ الطّرف مِنْ مكرٍ ودهيكأنَّ به وليس به خشُوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

من قول ابن الرومي:

ساهٍ وما تتقى سقطتهُداهٍ وما يُنْطوي منهُ على ريبِ
فَدَهْيُهُ للدواهي الرُّبد يدرؤهاوسهوه عن عُيوبِ الناسِ والغَيبِ

وقد قسم تقسيماً رجح به كلامه.

وقال المتنبي:

قُبولك مِنَّهُ مَنٌّ عليهوإلا يبتدئ يَرهُ فظَيِعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

صدره من قول أبي تمام:

يعطي ويشكُرُ مِنْ يأتيه يسألُهُفَشكُرهُ عِوَضٌ، ومالُهُ هَدرُ

فصدر بيت أبي تمام كصدره، وباقيه عبارة غثة يسقط دون ما سرقت منه

ونصف بيت أبي تمام الثاني مفيد من تمام الأول فهو أرجح بذلك.

وقال المتنبي:

لهونِ المال أفرشَهُ أديماًوللتَّفْريقِ يكرهُ أن يضيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

أي لهوانه عليه يبسط تخته أنطاعاً ليهينه على عفاته وطالبي عرفه، وقوله:) للتّفريق يكره أن يضيعا (أي لأنه يكره ضياع المال ليس لادخاره لنفسه ولكنه يجمعه ليفرقه كما قال ابن الجهم:

ولا يَجمعُ الأموال إلا لبذلَهاكما لا يساقُ الهَدْيُ إلا إلى النحرِ
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

فخبر بنظير خبر أبي الطيب بكلام سهل ولفظ جزل ثم مثل المال بالهدي الذي يعنى بسوقه إلى النحر فزاد في كلامه ما هو من تمامه واستحق ابن الجهم شعره على من أخذ عنه.

وقال المتنبي:

إذا مدّ الأميرُ رقابَ قَومٍفما لكرامةٍ مدّ النُّطُوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

أنه لا يمد رقاب من يقتله لكرامة بل لهون كما أفترش المال أديماً فالمال ليفرقه والرقاب ليقطعها وهذه معان كان اطراحها أصلح له.

وقال المتنبي:

فليس بواهب إلا جزيلاًوليس بقاتلٍ إلا قريعا

يشبه معنى قول مسلم:

حَذار من أسدٍ ضرغامةٍ بطلٍلا يولغُ السيف إلا هامةَ البطَلِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

فقد خبر أبو الطيب بخبرين من المدح عن الممدوح فخبر بالسخاء والشجاعة فزاد على مسلم ورجح كلامه فصار أولى بما أخذ.

وقد حكى أنّه كان في عسكر الأمين حبشي بأبيات ويرمي بمقلاع معه يخاطب بالأبيات طاهر بن الحسين ويقول:

دُونك الرمية يا طاهرمِنْ كفِ ابن حبيش
حَبشي يَقتِل الناسعلى قطعة خيش
مرتد بالشمس راضبالمنى من كلّ عيش
للشاعر عمرو الوَرّاق، اقرأ القصيدة
يَحمِلُ الحملة لا يقتل إلاّ رأس جيش
للشاعر عمرو الوَرّاق، اقرأ القصيدة

فلم يخبر إلا بقتله رأس الجيش ولأبي الطيب ورود معنيين من المدح يستحق على الشاعرين ما قالا لأنه أختصر معناهما في بيت واحد.

وقال المتنبي:

وليس مُودِّبا إلا بنصلٍكَفى الصّمصامةُ التَّعبَ القطيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

نبهه على هذا المعنى شريف بقوله:

فضع السيف وأرفع السوط حتّىلا ترى فَوق ظَهرِها أمويا

وقال المتنبي:

عليٌّ ليس يمنع مِنْ مجيءٍمبارزَهُ ويمنعُهُ الرُّجُوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

هذا من قول الفضل بن العباس الخزاعي:

لا يمنعُ الواردين الورد ما نَهلواإلى اللقاء ولكنْ يمنع الصَدرا

وهذا يدخل في المساواة.

وقال المتنبي:

على قاتل البطل المُفدىومُبدلُهُ من الزرد النجيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

قوله) المفدى (ضيق عطن عن كلمة أجود منها ولو كانت المفدى في معشوق كان أولى منها في شجاع.

وقال المتنبي:

إذا أعوج القنا في حامِليهِوجازَ إلى ضُلوعهم الضُّلُوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

معنى) حامليه (: المطعونين وقال أبو الطيب بقول: كنت قلبه وأشبه في ضلوعهم الضلوعا والمحدث الذي ذكره البحتري والبيت الذي قيل له قوله:

في مأزقٍ ضنك تخالُ به القنابين الضلوع إذا انحنين ضُلوعا

وأما تقبل حكاية أبي الطيب إذا لم يسرق من البحتري إلا هذا البيت وأما سرقته منه أكبر من العذر وأشد تواتراً من ذنوب الدهر ولكن أخذ منه كما عود الله وظن ذلك قد خفي فما خوطب عليه علم أنه بيت منكشف وما يأمن أن بيته على استشفاف شعره فيؤخذ فيه كثير فرجع عنه وغيره بما لا فائدة فيه إذ ليس غريباً من فعل القنا أن يجوز من جنب إلى جنب آخر، وكلام البحتري أرجح وهو أولى بما قال.

وقال المتنبي:

ونالت ثأرها الأكباد منهُفأولتهُ اندقاقاً أو صُدُوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

هذا كلام ينقض بعضه بعضاً بينا هو يخبرنا بجوازه من الضلوع إلى الضلوع وما كان بهذه الصنعة فهو سالم غير مندق ولا متصدع إذ أخبرنا أن الأكباد نالت ثأرها منه باندقاقه وانصداعه فإذا اندق وانصدع لم ينفذ إلى الضلوع التي بعدها والعجب أن هذا القنا صادم عظام الأضلاع فلم يصدعه ولم يدقه وجازها فلما صار إلى الأكباد الرطبة التي تلين ملاقاتها عليه اندق وأنصدع ولو تأتى له أن يقول:) ونالت ثأرها الأيدي) من (الأكباد (لجاز أن يلحقه ذلك من مصادمة الأيدي إياها وهذا من قوله للتخريف وقلة التأمل.

وقال المتنبي:

وإن ماريتني فأركب حِصاناًوَمَثِّلْهُ تخرّ لهُ صَريعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

فقوله:) أركب حصاناً (من أغث عبارة كأنه لا يخر له صريعاً إلا فارس على فرس ولو رآه راجل ما خَرَّ له إلا أن يحتج محتج فيقول: إذا كانت هذه حال الفارس غنينا عن ذكر حال الراجل، وقد يكون الراجل أشجع من الفارس وأقتل للفرسان وهذه معان غير مستعملات وكلام ناقص ألما ولو قال فمثله يخر له صريعاً من غير ذكر ركوب الحصان كان أحسن وأعم للفارس والراجل وأحسن

من كلامه قول أبي تمام:

وإلا فأعلمهُ بأنك ساخطٌودعهُ فإنَّ الخوفَ لا شكَّ قاتلُه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»

فإن قلت ببيت أبي تمام في الخوف وهذا في الهيبة قلنا كلاهما غرضان يفعلان فعلاً واحداً، وكلام أبي تمام بغير حشو وهذا من استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.

وقال المتنبي:

فَصَيَّرَ سَيْلُهُ بلدي غديراًوصَيَّر خيرُهُ سنتي ربيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

نحا نحو الخبزأرزي:

فضيفُهُ في ربيعٍ طولُ مدّتهُوجارهُ كلّ حين منهُ في رَجَبِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما أنس لا أنس هندا آخر الحقب»

فجعل ضيفه في ربيع من جوده طول زمانه وجعل جاره كل حين منه في رجب أراد في حمى من طالب الثأر لأن العرب في الجاهلية كانت لا تقاتل في الأشهر الحرم ولا تسقك دماً فكلام الخبزأرزي أرجح لأنه جمع بين الجودة والأمن في الخبر عن ممدوحه، وأبو الطيب ما خبر إلا عن سخاء الممدوح فقط.

وقال البحتري:

وكمْ لبستُ الخفض في ظلّهِعُمري شبابٌ، وزماني ربيعُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «كلفني فوق الذي أستطيع»

وهذا تقسيم مليح جاء فيه بمعنيين مفيدين كما جاء الخبزأرزي بهما، فهو أولى بالمعنى منه، وقال أبو هفان في ذكر الربيع:

لربيعِ الزّمانِ في الجَوْل وَقْتٌوابن يَحْيى في كُلّ وقتٍ رَبيعُ

وقال المتنبي:

أمنسيَّ السكون وَحَضْرموتاوَوالدتي وكِنْدَةَ والسَّبيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

حصول والدته بين هذه القبائل غير مستحسن وكان ينبغي أن لا يخرج عن ذكر قبيلة مكان والدته والمعنى الذي قصده غير مفصح عن إرادته لأنه لم يذكر السبب في نسيانه من نسي.

وقال البحتري:

جَفُوتُ الشَّأمَ مُرتبعي وأنسيوعلْوةَ جَنتي وهوى فُؤادي
للشاعر البحتري، من قصيدة «أما وهواك حلفة ذي اجتهاد»
ومِثلُ نَداكَ أذْهلني حبيبِيوأكسبني سُلّواً عنْ بِلاَدي
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمَا، وَهَوَاكِ، حِلفةَ ذي اجتهادِ»

فبيّن سبب نسيانه وخبرنا عن سلوانه فأوضح وأرجح فهو أولى بقوله.

وقال المتنبي:

إِذا ما لمْ تُسِرْ جيشاً إِليهمْأسبرْتَ إلى قُلوبِهم الهُلُوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

هذا يقرب من قول أبي تمام:

لمْ يسر يوماً ولمْ ينهدْ إلى بلدٍإلاّ تقدّمهُ جيشٌ من الرُّعبِ

وهذا يدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

رَضُوا بك كالرضى بالشَّيبِ قسراًوقد وخَطَ النَّواصي والفُرُوعا

أما صدر هذا البيت فجيّد المعنى، وهو ينظر إلى قول مخلد الموصلي:

أراكمْ تنظرونَ إِليَّ شُرزاًكما نظرتْ إلى الشيبِ الملاحِ
تَحدون العيونَ إليَّ شُزراًكأنّي في عيونكمْ السماحِ

وعجزه حشو لأن المعنى: رضوا بك كالرضى بالشيب فلو ظهرت منه شيبة واحدة لمقتها من يلحظها وقد قال بشار:

يَحبوني ودّي كأنّيشيبةٌ بين فروقه

ولا فرق بين شيبة وشيب، وإنما كانت الشيبة بحدوثها بعد أن لم تكن أشد ترويعاً.

وقال المتنبي:

فَلا عزلٌ وأنتَ بلا سلاحٍلِحاظك ما يكونُ به مَنيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

أي فلا عزل بك وأنت بغير سلاح لأنك بلحاظك منيع، وهذا لفظ قصير عن إرادة قائلة وهو مأخوذ من قول بعض الموسوسين وهو مجنون ديرزكى:

لحظاتُ طرفك في الوغَىتُغْنِيكَ عَنْ سل السيُوف
وعَزيمُ رأيك في النُّهىيَكْفيكَ عاقبة الصُّرُوفِ
وسُيولُ كفّك في الوَرىبَحْرٌ يفيضُ على الضَّعيف

ذكر عن أبي نواس أنه قال: مدحت الرشيد بقصيدة فقصدته لأنشده إياها فوجدته راكباً فاعترضته فإذا بمجنون ديرزكا قد أخذ بلجامه ثم أنشده الأبيات المقدم ذكرها ثم قال له أعطني ألف درهم فقال له الرشيد: ما تصنع بها فقال: أكل بها زبداً وتمراً فأمر بدفعها إليه فرجعت والله عن إنشاده لأنه لم يكن في شعري ما يفي بأبيات المجنون.

وقال المتنبي:

لو استبدغْتَ ذهْنكَ من حُسامٍقَددْتَ به المغافِر والدُّرُوعا

هذا ينظر إلى قول القائل: -

نظرتُ إليها نظرة لو حشوتهاسَرابيلَ أبدانِ الحديد المُسَرّدِ
لقضتْ حَواشِيها وذابتْ بحرِّهاولانتْ كما لانتْ لَداود في اليدِ

قال أبو محمد: هذا مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.

وقال المتنبي:

وَهَبْكَ سَمحْتَ حتى لا جَوادٌفكيفَ علوْتَ حتّى لا رَفيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

قوله: وهبك سمحت حتى لا جواد لم أستغرب ألا يكون جواد يقاس به ولم يجوز أن يكون رفيع أرفع منه وسبب رفعته ما خبرنا به بأنه لا جواد يشاركه في جوده. ويليها قصيدة أولها:

أحقُ عافٍ بدمعِكَ الهممُأحْدثُ شَيء عَهداً بها القِدَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

ينظر إلى قول البحتري:

بكى آماله لمَّا رآهاعِياناً وهي دراسةُ الرُّسُومِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «رأيت البحبحاني استقلت»

يقول فيها:

إِني وإنْ لمتُ حاسديَّ فماأنكُرُ أني عُقوبةٌ لهُمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

هذا يشبه قول أبي زرعة:

ومالتْ حسادُ الأميرِ وقَدْ رأوا لهفوق أعناقِ المكارمِ معرْسا

وقال المتنبي:

وكيفَ لا يحسدُ إمرؤ عَلَمٌلَهُ على كُل هامةٍ قَدَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

معناه موجود في قول ابن دريد:

والناسُ فوق رؤوسهم أقدامنالا ينطبقُ الأقوام ما لمْ تَنْطِقُ

فجاء في صدر البيت بالمعنى وجاء في عجزه بخبر يدل على الهيبة فقد رجح كلامه بزيادة على المتنبي فهو أحق بشعره.

وقال ابن دريد:

وعامر أوطأ هَاماتِهمأخمص مِلك فرعه الأطول

قال ابن المعتز:

أسلم وعشْ أبداً وغِظْحسداً وَبِهَامِ مَنْ عاديت فأنتَعِل

وهذه معان يتساوى في المبنى والمعنى فالسابق أحق بها.

وقال المتنبي: كفاني الذّمَّ أنّني رجُلٌ أكرمُ مالٍ ملكتُهُ الكَرمُ هو مأخوذ ممن قال:

ليس لي مالٌ سوى كَرميفيهِ ليأمن مِنْ العدمِ
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، اقرأ القصيدة

وهذا البيت من أبيات أذكرها بجملتها لجودتها تلي البيت الأول:

لا أقولُ اللهُ يظلمنيكيف أشْكو غير مُتهمِ
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، اقرأ القصيدة
قنعتُ روحي بما رزقتوتمطتْ في العُلا هِمَمي
ولبستُ الصبرَ سابغةفَهي من قُرني إلى قدمي
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، اقرأ القصيدة

هذا كلام مليح لو لم يكن في الأحسن الاستعارة في) تمطت في العلا هممي (وقد أتى ببيت أبي الطيب في مصراع وزاد في كلامه ما هو من تمامه فهو أحق بما قال.

وقال المتنبي:

يَجْني الغنى للئام لو عَقَلُواما ليْس يَجْني عليهم العَدمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

لو أمكنه على في أول البيت لكان أحسن ليعتدل الكلام في النصفين

والمعنى من قول الحصيني:

وما الفقرُ بالإِقلالِ إنْ كنت قانعاًولكنْ شحَّ النفس عندي هو الفقرُ

فمعنى بيت أبي الطيب أن جناية الغنى عليهم أكثر من جناية الفقر وفسّر العلّة في ذلك فقال:

همُ لأموالهم وليس لَهموالعارُ يبقى والجرحُ يَلْتئمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

معناه أنهم يخدمون أموالهم ولا ينتفعون منها لبخلهم فكأنها ليست لهم ويبقى عليهم العار وهو الجرح الذي لا التئام له، وقد جاء مراده في بيتين فأما قوله:) والعار يبقى والجرح يلتئم (فمأخوذ من قول امرئ القيس:

ولوْ عن نثا غيره جَاءنيوجرحُ اللّسانِ كجرح اليَدِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «تطاول ليلك بالأثمد»

فتبعه الحطيئة فقال:

وجرحُ السيفِ ينمى ثُمَّ يعفووجرح الدهرِ ما جرح اللسانِ

وقال صالح بن جناح:

فإِنك ما يخرج لسانك لا تعدْ سليماً وما يجرجُ بكفّك يَسلَمُ

ولصالح أيضاً:

إِنَّ جرح القول لا يبرأ وقَدْيَبرأ الكلمُ إِذْ السيفُ جرح

وجميع هذه الأبيات أحسن صنعة من بيته لأن جميعها سمي القول فيه جرحاً ثم شبه جرحاً بجرح أحدهما حقيقة والآخر استعارة، وأبو الطيب ذكر العار ولم يذكر جرحاً فصنيعتهم أجود.

وقال المتنبي:

ويعرف الأمر قَبْلَ موقعهفما لهُ بعَدَ فعله نَدَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

هذا من قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي:

بصيرُ بعورات العواقبِ لا يرىعلى سقطةٍ من رأيه متندّما

أسكن عورات ضرورة، وقال أبو تمام:

وكمْ من يدٍ أسديتها وملمةٍفرجتَ فلم يقرع بها سنُّ نادمِ

وال ابن الرومي:

لك الرأي إِنْ تُورده لا تلفْ نادماًيعض على إصداره باباهِم

بيت إسحاق هو بيت أبي الطيب مبنى ومعنى من غير زيادة وأبو تمام يخبر عن كرم وشجاعة وجزالة رأي وليس في بيت أبي الطيب غير جزالة رأيه فيما يفعل فهو يعرف الشيء قبل ركوبه فلا يندم فهو أحق بالزيادة، وابن الرومي يساوي

أبا الطيب وله من ذكر الإيراد والإصدار طباق له به فضل وقد شرك البحتري ابن الرومي في الطباق والمعنى فقال:

مُدبرُ رأيٍ ليس يوردُ عَزْمَهُفيقرعَ في إِيرادهِ سنَّ نادِمِ

وقال المتنبي:

يُرعيكَ سمعاً فيه استماعٌ إلى الدَّاعي وفيه عَنْ الخنا صَمَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

هذا من قول القائل:

غائبُ السمعِ إذا قِيلَ خَناوإِذا ناداهُ عافٍ سَمِعا

ولإسحاق بن إبراهيم:

إِنْ ذكر الخير عِنْدهم إِذْنواله وفيهمُ عن الخَنا صَممُ

وقال ابن الحاجب:

أصمُّ عَنْ عذل عاذليه فأمّاعَنْ سؤالِ العافيّ فغير أصمّ

فهذه معان متساوية لا زيادة في شعره عليها والسابق أحق بها.

وقال المتنبي:

ملتُ إِلى منْ يكادُ بينكماإِنْ كنتما السائلين يَنقسمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

هذا كلام قليل الإفادة ناقص عن الإرادة ابتدأ بيته لم يجد لصاحبيه قبل ذلك ذكر وذكر أنه ينقسم إن كنتما السائلين ولو نكر السائلين كان أطبع في الشعر وكان يجب أن يقول إن كنتما سائلين في انقسامه فهو ينقسم وليس هذا

من المبالغة الحلوة، وقول مسلم:

يجودُ بالنفسِ إن ظنّ الجوادُ بهاوالجودُ بالنّفسِ أقْصى غاية الجودِ

ومعناه أنه لو سأله أن يهب له نفسه لدفع ما يخافه عليها لبذل ذلك له، وهذا من صفات الكرام الشجعان ومن هذا قول القائل:

ولو لمْ يكنْ في كفّه غير نَفْسهلجادَ بها فَلْيتّقِ اللهَ سائِلُهْ
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

هذا مذهب حسن يقول: لو كانت نفسه مما يجوز أن تكون في كفه لتعوده بذل ما في كفه وسبيل لإجرائها مجرى الموهوبات ولم يخرج عن عادته إلى المنع فهي مبالغة مليحة، فأما سؤاله أن ينقسم بين السائلين فقد دخل عليه ضرر، ألا ينتفعان به وإطلاق اللفظ في قول مسلم أنه يجود بنفسه في المكارم والمعالي واكتساب الشكر وبقاء الذكر أحسن من قول أبي الطيب) يكاد (.

وقال المتنبي:

مِنْ بعد ما صِيغَ مِنْ مواهبهلمنْ أحبَ الشّنوف والخَدمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

فتخصصه من أحبَ بالشنوف والخدم ولم يجعل ذلك عاماً، فيه بعض النحل ولعله قصد أن يهب من يحبه أبو الطيب ما يصاغ منه الشنوف والخدم حتى افتقر الممدوح، فلو سألتماه عطاء كان ينقسم بينهما وجملة هذا المعنى لا خير فيه.

وقال المتنبي:

بنو العفرني محطة الأسَد الأُسد ولكن رِماحُها الأجَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

قال العكوك:

كأنّها والرّماحُ شابكةُأسْدٌ عليها أظلَّتِ الأجَمُ

فالمعنى والمبنى متساويان، وقال أبو تمام:

آسادُ موتٍ مخدراتٌ مالهاإِلاّ الصّوارِمَ والقَنا آجامُ

وقال المتنبي:

قومٌ بُلوغ الغُلامِ عندهَمُطعْنُ نُحور الكُماةِ لا الحُلُمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

قال أبو دلف:

علامةُ القومِ في بُلوغهِمُأنْ يرضعوا السيفَ هامةَ البطلِ

وقال يحيى بن زيد بن علي:

خَرجْنا نقيمُ الدّين بَعْد أعْوجاجهِسوياً ولمْ نخرُجْ لكسب المالِ
إِذا أحكم التَّنزيلُ والحِلْمُ طفلنافإِن بلوغَ الطّفلِ ضرُب الجَماجمِ

وهذا يدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

كأنّما يولدُ النّدى مَعَهمْلا صِغر عاذر ولا هَرمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

هذا ينظر إلى قول أبي تمام:

أنا ابن الذينَ أستُرضعَ المجد فيهمُوربّى فيهمْ فهو ناشٍ ويَافعُ

قال يزيد بن محمد المهلبيّ:

قومٌ يسرون ما يولونَ من حُسنحتى كأنّهمْ إِنْ أحسنوا احْترموا
للشاعر يزيد المهلبي، اقرأ القصيدة

فبيت أبي الطيب فيه صفتان وتطبيق إن كان أراده فقد قصد فيه لأن ضد الكشف التغطية والكتمان للإعلان وبيت المهلبي وإن كانت فيه صفة واحدة فقد زاد في كلامه ما هو من تمامه فزيادة الصفة بالزيادة في المعنى، فهو أحق بما قال.

وقال المتنبي:

تظن من فَقْدِكَ اعْتدادهُمُأنّهمُ أنْعموا وما عَلِمُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

هذا إن شاء مدخل أن يدخله في الهجاء أدخله لو كان قال إنهم قد نسبوا الذي فعلوا في غير هذه القافية لأصاب فأما توهمه أنّهم أحسنوا وما علموا فقد جوّز عليهم فساد الحسن وبلادة الذّهن في قلة علمهم بما صنعوا، ويدخل ذلك في

قول أبي القاسم الأعمى في الحسن بن وهب يهجوه:

إِنّ ابن وهب مُحيل في تناهيهما كانَ يدري أأعطى المال أم حَرما
لكنّها خطرات مِنْ وساوسهيُعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرما
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لا تحمدن حسنا في الجود إن مطرت»

والجيد الذي قد يحترز منه قول منقذ بن عبد الرحمن الهلالي:

لا تنكرن في صنيعةٍ سَلَفَتْمِنكَ وإنْ كُنت لَست تُنكرها
عند امرئ أنْ تَقول إنْ ذكرتيوماً من الدهر لست أذكرها
فإِن أحياها أماتها وإن منّ بها يكدّرها

ويقرب من قول الخريمي:

زادَ معروفك عِنْدي عظماًأنّهُ عِندكَ مَستورٌ حقيرُ
تَتناساهُ كأنْ لمْ تأتهِوهو عند الناسِ مَشْهورٌ خَطيرُ
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

أمر الهلالي بأن لا يظهر تلك الصنيعة وإن كنت ذاكراً لها من طريق الكرم والأدب، ولم يطلق عليهم أنّهم قلة يحسنون ولا يعلمون. وقال الخريمي: أنت تتناسى المعروف كأنك لم تأته تناسياً لأنه يأتي الجميل ولا يعلم وإذا كان معنى المتقدم أصح وأرجح فهو أولى بما قال وسبق إليه.

وقال المتنبي:

أو حلفوا بالغُموس واجْتهَدوافقولهم:) خابَ سَائلي (القَسمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

المليح من هذا البيت أن الغموس من الإيمان وهي التي تغمس صاحبها في الإثم أن يقول:) خاب سائلي (وهذا المعنى موجود في قول الأشتر:

وفَرتُ وفري وانحرْفتُ عن العُلافلقيتُ أضْيافي بوجْهٍ عَبُوسِ
إِنْ لمْ أشُنَّ على ابن هندٍ غارةًلم تخلُ يوماً من ذهاب نفوسِ
للشاعر مالك الأشتر، من قصيدة «بقيت وفري وانحرفت عن العلى»
خيلاً كأمثالِ السعالي شُزباًتعدو ببيضِ في الكريهةِ شُوسِ
للشاعر مالك الأشتر، من قصيدة «بقيت وفري وانحرفت عن العلى»
حمى الحديدُ عليهمْ فكأنَّهمْلمعانُ برقٍ أو ضياءُ شُموسِ

فقسمه في هذا الضروب من المكارم أرجح من قسم من مدحه أبو الطيب في الكرم.

وقال المتنبي:

أو شَهِدوا الحرب لاقحاً أخَذوامن مُهجِ الدارعِينَ ما احْتَلموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

وهذا يقرب من قول ابن المعتز في كلاب الصيد:

إِنْ أطلقت من قدِّها لم ترهاإِلاّ وما شاءت من الصيدِ لَها

وقال المتنبي:

تُشْرق أعراضُهُمْ وأوجههُمْكأنّها في نُفوسِهمْ شِيَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يشبه قول الحسين بن دعبل:

أما تَرى غرة النيروز مشرقةًكأنَها بعض ما تُسديه مِنْ كَرمِك

وقال المتنبي يصف البحيرة:

فهي كماويَّةٍ مطوّقةٍجُرّد عنها غَشاؤها الأدمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

هذا مولد من قول بعض الأعراب:

كأنّ هُلاله مرآة قَين لَهاشطرُ يلوحُ مِن الغلافِ

وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه، وإن فارق ما قصد به إليه، شبه أبو الطيب البحيرة بالمرآة، والروض بغشاء الأديم، وشبه هذا الهلال الذي هو دون كمال ببعض امرأة تبدت من غلافها، وكلاهما تشبيه حسن.

وقال المتنبي:

أبا الحسين أستمعْ، فمَدحكمُفي الفعلِ قَبْل الكلامِ مُنْتظِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

هذا من قول ابن الرومي:

لو سكتَ المادحونَ لأجتلبالمدحُ له نفسه ولا انْتظما
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لم يبكني رسم منزل طسما»

وهذا يدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

أعِيذكُم من صُروفِ دَهْركُمفإِنَّه في الكِرامِ مُتَّهَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

قال ابن أبي فنن:

أودى الزمان بإِخواني ومزّقهمإِنَّ الزمانَ على الإِخوانِ مُتّهمُ
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

وقال الحصني:

ما زلتُ قيه لريب الدهر متهماًإِنَّ الزمانَ على الأحرارِ مُتهَمُ

وبيت الحصني أملح الأبيات لأنه قد ردّ أعجاز الكلام على صدوره

والأحرار أرجح من الإخوان) والكرام أرجح منهما (فهو أرجح كلام منهما وأولى بما سبق إليه.

يليها قصيدة أوّلها:

دمع جرى فقضى في الرّبع ما وجبالأهله وشفى أنّاً ولا كربا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

سرق هذا البيت من الوائلي وكانت معاملته متصلة في أخذ معانيه وذلك قوله:

سأشكر الدمع إنّ الربع كان لهحقٌّ فقام له عند نَواجيه

وقال المتنبي:

عجباً فأذهبَ ما أبقى الفراقُ لنامن العُقُول وما ردَّ الَّذي ذَهَبا

ما طلب الباقي لم يردّ الماضي، وفي هذا الشعر شبيه بما أنشد فيه أبي ﵀ قال: أنشدنا أبو الحسن جحطة وهو:

يا كبدُ أفنى الهوى جَلهاًمِنهُ بالذاعِ وإحراقِ
حتّى إِذا أنفسها ساعةكَرتْ يدُ البينِ على الباقيِ

وكأن البين أخذ ما بقي فيها يقارب المعنى والكلام أعذب من الكلام وإن كان أبو الطيب قد اختصر وجاء ببيتين في بيت واحد فنحن نجعل عذوبة اللفظ بازاء الاختصار والسابق أولى به وقال المتنبي:

سَقيتُه عبراتٍ ظَنّها مطراًسَوائلاً من جُفُونٍ ظَنَّها سُحُبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

الربع لا ظن له ولا يقين استعارة والمعنى من قول أبي تمام:

مطرٌ من العبرات خَدِّي أَرضُهُحتَّى الصَّباحِ ومقلتاي سَماؤُه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نفسي فداء محمد ووقاؤه»

فذكر الدموع وموقعها، وأين تقع، فَوَفّى الكلام أقسامه، ولم يذكر أبو الطيب إلا العبرات والجفون الذي يدل على المورد ولم يذكر المصدر وهذا ذكر المورد والمصدر فرجح وزاد في المعنى ما هو من تمامه.

وقال المتنبي:

ناءيتُه فَدنى، أدْنيتُه فَنأىجَمَّشتُهُ فَنبا، قَبلته فأبَى

قوله:) قبلته فأبى (إنما كان يجب أن يقول أردت تقبيله فأبى فيشتق وقوع الفعل للإباء، ولو قال قائل وقع يريد الضرب فأمتنع لم يكن كلام له حقيقة إنما الكلام أريد ضربه فأمتنع ولكنه على المجاز والتسامح يجوز وقد قال ابن بسام:

فأشربُ على الوردِ مِنْ وَرديةٍ عَبقتْ كأنّها خَدُ ريمٍ ريْمَ فأمتنعا
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة

فقد أجتمع في هذا البيت مجانسة مليحة وألفاظ صحيحة فهو أرجح كلاماً من كلامه.

وقال المتنبي:

هامَ الفؤادُ بأعرابيةٍ سكنتْبيتاً من القلبِ لمْ تحدد لهُ طُنُبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

أما معنى: سكنت بيتاً من القلب فكثير، من ذلك قول أبي تمام:

متى أنتَ عن ذُهْلِيّةِ الحَيِّ ذاهِلُوصَدْركَ مِنْها مُدَّة الدَّهْرِ آهِلُ

فخبر عن سناها صدره وقال الآخر:

شطَتْ منازلُ مَنْ في القلبِ منازلهوحلّ في كبدي ما لشيب أحْمِلهْ
ظَبيٌ تسبّب لي هجراً بلا سببٍقَدْ حرم الله ما مني يحلَلهْ

هذا هو المستعمل فأما بيت من) في (القلب بلا طنب فغير مفيد.

وقال المتنبي:

مظلومةُ القدّ في تَشبيهه غُصناًمظلومةُ الرّيق في تَشبيههِ ضَرَبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

مظلومة لفظة مليحة، وقد قلت أنا في معناها:

تجاوزَ الإِسرافَ في ظْلمهِحتى لقدْ هَمَّ بإِسْرافهِ
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
فثغرهُ مظلومٌ مِسواكهِوَخصره مظلومٌ أردافهِ
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
مِنْ ظْلمه جار على نَفْسِهكيف أرجِّي حُسْنَ إِنصافهِ
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

وقد قال ابن الجهم:

إِذا نَحْنُ شبَّهناك بالبدر طالعاًبَخسناكَ حظّاً أنت أبهى وأجْملُ
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
ونظلمُ إنْ قسناك بالليثِ مرّةًفإِنّكَ أحمى للحريمِ وأبْسَلُ

وقال آخلا:

قالت ظلوم وما جارتْ ولا ظلمتإنّ الذي قاسني بالبدر قد ظلما

وهذا البيت فيه من أسمها وفعلها مجانسة مليحة أو قد حشا البيت حشواً حسناً من قوله:) ما جارت ولا ظلمت (وهذا من الحشو السديد في المعنى المفيد وشاعره أحق به.

وقال المتنبي:

بيضاءَ تُطمعُ فيما تحت حُلَّتِهاوعزَّ ذلك مطلوباً إِذا طَلبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

هذا يشبه قول القائل:

سألتكَ حاجة فَأَجَبْتَ عنهابأسرع ما يكون من الجوابِ
فلما رمتها رمت الثرياوأبعدُ ما يكون من السحابِ

وهذا المعنى غير أن المتنبي قد جاء باللفظ الطويل في الموجز القليل

فهو أحق به ويشبه هذا أيضاً.

تحسبن من لين الحديث ذوائباًويصدهن عن الخنا الإِسلام

وهذا البيت يدخل في قسم التساوي.

وقال المتنبي:

كأنّها الشّمسُ يُعيي كفَّ قابضِهِشُعاعُها، ويراه الطَّرف مُقْتربا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

هذا مأخوذ من جماعة منهم ابن أبي عيينة قال:

فقلتُ لأصحابي هي الشمس ضَوؤهاقريبٌ ولكن في تناولها بُعْدُ

وقال آخر:

فأضحت مكان الشمس يقرب ضوؤهاويا بعدها عن ملمس المتناول

وقال المتنبي:

هي الشُمس يغشاني سُناها وَضوؤهاويعجز لمسي حين يطلبُها لمسي

وقال البحتري:

دانٍ على أيدي العُفاةِ وشاسعٌعن كل ندٍّ في الورى وضريب
كالبدر أفرط في العلوّ وضوؤُهللعُصبة السارينِ جدُّ قريبُ

وأعاد المعنى فقال:

دنوت تواضعاً، وبعدت قَدْراًفشأناك: أنحدار وأرتفاعُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «فدتك أكف قوم ما استطاعوا»
فذاك الشمس تُبعدُ أن تُسامىويدنو الضوء مِنْها والشُّعاعُ

وجميع هؤلاء في المعنى أشعر منه لأن جميعهم جعل القرب للضوء والشعاع والبعد للجرم يقرب ضوؤها ويبعد لمسها والضوء عرض والشمس جرم لا يقع إلا على الأجسام، وأبو الطيب تعجب من عجز القابض شعاعها، ومن توهم أن الشعاع مما يمكن قبضه فهو مختل وهذا من رجحان كلام المسروق منه على كلام من أخذ عنه.

وقال المتنبي:

مَرّتْ بنا بين تربيها فقلت لهامن أين جَانَسَ هذا الشَّادِنُ العَربَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

سؤاله لها: من أين جانس هذا الغزال العرب يشبه قول الحسين العرجي:

بالله يا ظبيات القاع قلن لناليلاي مِنْكنَّ؟ أمْ ليلى من البَشرِ
للشاعر العرجي، من قصيدة «إنسانة الحي أم أدمانة السمر»

ثم أتبع أبو الطيب بقوله:

فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرىليث الشَّرى وهو من عجلٍ إِذا انتسبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

هذا من الخروج المليح إلى ما أراد من المديح ولا تعرفه الأعراب إنما قولها دع ذا وامدح فلاناً وقد تقدم أمثلته من أشعار المحدثين يساوي هذا.

وقال المتنبي:

لو حلَّ خاطرهُ في مقعدٍ لمشىأو جاهلٍ لصحا أو أخْرسٍ خطبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

أما صدره فينظر إلى قول القائل:

ومقعدُ قومٍ قد مشى من شرابناوأعمى سقيناه مليّاً فأبصرا
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة

فقوله:) أو جاهل لصحا (كان ينبغي أن يقول أو سكران لصحا أو جاهل لعقل فأما قوله:) أو أخرس خطبا (فكلام بليغ لأنه لو قال: أو أخرس نطق كان جيداً فأما خطب فنهاية لأنه ليس كل ناطق خطيباً وهذا المعنى موجود في قول ابن الرومي:

دعا الناس حتى أسمع الصمَّ لفظهوأنْطق حتى قال فيه الأَخارسُ

وهذا البيت قد شتت شمله من فرق جمعه على بيتين أحدهما المتقدم، وهو:) لو حل خاطره في مقعد لمشى (

والثاني بيت له آخر آخره) وأسمعت كلماتي من به صمم (فصار مقسم الجملة وإن كان لأبي الطيب بالخطابة زيادة يستحق بها المعنى.

النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المنصف للسارق والمسروق منه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.