من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)
المنصف للسارق والمسروق منه (٩)
وقال المتنبي:
إِذا بدا حجبت عينيك هيبتهوليس يحجبه ستر إِذا احتجبا
ذكر أنه يحجب العيون عن رؤيته بالهيبة ولا يحجبه الحجاب لنور وجهه وقد قال مسلم:
حجبُ العيون فما يكادُ يبينهمِنْ وجههِ الإِهلال والتكبيرُ
فما زاد عن ذكر الهيبة، ولأبي الطيب رجحان يذكر معنى النور، وقد ولد هذا البحتري فقال: فأراني دونه الحجاب فما تستر عنهم آلاءه حجبه فالبحتري يقول: إنه محتجب غير محتجب الآلاء، وذكر أبو الطيب أنّه محجوب بالهيبة غير محجوب لنور وجهه فهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه وقال المتنبي:
بياضُ وجٍ يريكَ الشمس كالحةًودرُّ لفظٍ يريك الدُّرَّ مخْشَلبا
جعل أبو الطيب كلام العامة لغة وأصلاً يبني عليه ويستند إليه أي عربي عرف المخشلب قط وفي أي شعر ورد الفصيح أو مولد حتى يجيز له.
وقال المتنبي:
عُمْرُ العدوّ إِذا لاقاهُ في رهجٍأقلُّ من عُمْرِ ما يحوي إِذا وهَبَا
هذا بيت كثير الحشو لأنه إذا ذكر اللقاء فقد وجب أن يقل عمره إذا لاقى الممدوح وكان في رهج أو ضده، وجعل عمر ماله قليلاً بشرط وهو أن يهب وكان إمساكه عن أن يقول إذا وهب أعمّ وأتمّ لأنه يدل على بقاء ما يحويه كل زمان وعلى ضيّة في كل أوان إلا في الحين الذي يسخ له أن يهبه فهذا حشو غير مفيد ولا معنى سديد، والمعنى موجود في قول الوائلي:
إِنْ سمته كفر نعمى لا بقيتُ إِذاًإِلاّ بقاءَ لُهاهُ أو مُحَاربه
اللهم لا يكون إلا من مال فكأنّه قال: إلاّ بقاء ماله أو محاربه. فقد جمع المعنيين في عجز بيته فصار بالاختصار أولى بما قال.
وقال المتنبي:
تَوقَّه فمتى ما شئت تبلوَهُفكُنْ مُعَاديهُ أو كُنْ لَهُ نَشَبا
هذا تكرير لمعنى الوائلي وفيه إلمام بقول مسلم:
تَظّلمَ المالُ والأعداءُ من يدهِلا زالَ للمالِ والأعداءِ ظلاّما
وقال أبو نواس:
ليتَ من كان عَدُويكانَ لإِْبراهيمٍ مالا
هذا المعنى يقارب قول مسلم غير أن في بيت أبي نواس ضعفاً في نظامه وركاكة في كلامه، وبيت أبي الطيب أجزل وأفصح وأوفى وأرجح.
وقال المتنبي:
تَحْلو مذاقتُهُ حتى إِذا غَضَباحالتْ فلو قطرتْ في الماءِ ما شَرِبا
جعل المذاقة تقطر وهي من عذوبة ألفاظه وهذا من الاستعارات وهو يشبه القائل:
لو أنْ ما تبتلني الحادثاتُ بهيصبُّ في الماءِ لم يشرب من الكَدرِ
وقال ابن الرومي:
حلا لشفاه الذائقين وأنَّهُعلى لَهواتِ الآكلين لَعلْقَمُ
وقال المتنبي:
وتغبطُ الأرضَ منها حيثُ حلَّ بهوتحسدْ الخَيْلُ منها أيَّها رَكِبا
عجزه عن قول علي بن الجهم:
وتَطْربُ الخيلُ إِذا ما علامُتونَها، فالخيلُ تَسْتبشرُ
ونظر صدره إلى قول أبي تمام:
مَضى طاهرُ الأثوابِ لم تَبْق روضةٌغداة ثَوى إِلاّ اشْتَهت أنّها قَبْرُ
غير أن أبا الطيب اختصر في بيت ما ورد في بيتين فهو بالاختصار أولى، وقال ابن دريد:
ومَنْ له تَخْشع الملوك ومَنْتزهى به الخيلُ حين يركبُها
وقال المتنبي:
وكُلمّا لقي الدِّينارُ صاحِبُهفي مِلْكه افْترقا من قبل يَصْطحبا
هذا يدل على أن الممدوح لا يجتمع عنده مال يجود به حمله إنما يفرق ديناراً دينارا وإنما يفرق
ديناراً دينارا لأن الدينار يفارق صاحبه قبل الصحبة، والعجيب أنه خبر بلقاء الدينار للدينار وسماه صاحباً له، واعلم بافتراق بتقدم الصحبة، وكيف يسمى صاحباً من لم يصحب وكيف يجتمع اللقاء والفراق في حال واحدة، وأصح من هذا قول مسلم:
تأتي البُدور فتُقنيها ضائِعُهوما يُدنّسُ منها كَفُّ مُنْتقِد
لا يعرف المال إِلا عند ناقلهويوم يجمعه للنِّهْبِ والبرد
وواهب البدور المجتمعة أجود من واهب الدينار بعد الدينار وقد دلّ بقوله:) لا يدنس منها كف منتقد (، لأنه إنما يأمر بنقدها ليخبرها وهي عند مجيئها توهب فلا معنى لنقده وزاد) بأنه (بقوله: -) لا يعرف المال إِلا عند ناقله (.
وذكر أنه يجمعه ليبدده فذهب إلى معنى قول ابن الجهم:
ولا يجمعُ الأموالَ إِلاّ لبذْلِهاكما لا يُساق الهَدْيُ إِلاّ إلى النحر
وقال النضر بن جؤيه:
قالتْ طريفةُ ما تبقى دَرَاهِمُنَاوما بنا سَرفٌ فيها ولا خُرُقُ
إِنّا إِذا اجتمعتْ يوماً دَراهُمناظلّت إلى طُرقِ المعروفِ تَسْتَبِقُ
فذكر اجتماعاً يقع بعده تفريق وذكر أنها تستبق إلى طرق المعروف فاحتاط لأنها قد تنصرف في تبذير وشهرة محرمة ولم يحتط أبو الطيب فكلام ابن جؤية أرجح فإن قال قائل قد قال بعد هذا:
ما يسكنُ الدرهمُ المنقوش صُرَّتناإلا يمرُّ عليها ثُمّ ينطلقُ
قيل له قد خبر عن الدرهم أنه قد يسكن صرته فقد قارب معنى أبي الطيب لأنه يريد الجنس لقول العرب قل الدينار والدرهم في أيدي الناس فيكتفي بالواحد الدليل على جنسه من الجمع فهذا مراده، فإن قال قائل: كيف يكثر عندهم ما ليس في صرّتهم، قيل لهم جمع المال في الصرار يصلح للاقتناء وإنما يريد أن المال إذا جاءهم فرّقوه لوقته قبل ذلك.
وقال المتنبي:
مالٌ كأنَّ غُرابُ البينِ يَرقُبهُفكلّما قيلَ هذا مُجتدٍ تَعبا
قال بعض النحويين المحققين بتفسير كلام أبي الطيب: إن معنى هذا البيت أن غراب البين متصل الصياح كاتصال عطاء هذا الممدوح وليس النحو من صناعة الشعر، وإنما يقع على معاني الشعر فطن الذهناء وتستخرجه قرائح العقلاء كما قلت أنا في بعض النحويين:
عليك بالنحو لا تعْرضْ لصنْعِتنافإِنَّ شِعْركَ عِنْدي أشْهَرُ الشُّهرِ
لوْ كان بالنّحو قولُ الشَّعرُ مكتسباًكانَ الخليلُ به أحْظى من البشرِ
وإنما أراد أبو الطيب: أنّ غراب البين إنما ينعب لفراق، فإذا رأى الغراب
مجتدياً علم أنّ أبياته سبب لفراق المال فنعب لذلك، وليس ما ذهب إليه النحوي بشيء.
وقال المتنبي:
هَزّ اللّواءَ بَنُو عجلٍ به فَغَدارأساً لهمْ وغدا كلٌّ لهُمْ ذَنبا
هذا من قول الحطيئة:
قومٌ هم الأنفُ والأذنابُ غيرهُمُفَمِنْ يساوي بأنفِ الناقةِ الذَّنبَا
قال أبو دلف:
لا تحسبيني ذَنباً لِمَنْ غلبنَحنُ رؤوس الناسِ والناسُ ذَنْبُ
وقال ابن الرومي:
قومٌ هم الرأس إذ حسّادهم ذنبٌومن يُمثّلُ بين الرأْس والذنب
وكل هذه المعاني متساوية.
وقال المتنبي:
مُبرقعي خَيلهم بالبيضْ مُتّخذيهامِ الكُماةِ على أرماحِهم عَذَبا
يشبه قول أبي تمام:
مِنْ كلّ ذي لِمّةٍ غَطَّتْ ضفائرُهاصَدر القناةِ فقد كادت تُرى عَلما
فشبه الضفائر المنشدة بالعلم وأحتاط بأن قال: كادت وأما إلهام نفسها فلا تشبه العذب
وقال ابن الرومي:
تطيرُ عليه لحيةٌ منه أصبحتْلهُ رايةٌ يهدى بها الجيْش مطْردُ
فالضفائر واللحى أشبه بالأعلام والمطارد من إلهام.
وقال ابن المعتز:
ويجعلُ هامات أعدائِهِقلانس يُلبسهُنَّ الرِماحا
وما في تشبيهه بعد وجميع هذه التشبيهات أصح وأرجح من تشبيهه وهم بالمعنى أحقّ.
وقال المتنبي:
مراتبُ صعدتْ والفكرُ يتبعُهافجازَ وهو على آثارها الشُّهبا
يقرب منه ابن الرومي:
وسمت هِمّتي فجاوزت العُيوق بعداً، وجازت العيّوقا
ويقرب منه قول البصير:
سَما بالأمير الفتح بيت مُشيدله فَوق أفلاك النجوم مَراتِبُ
وقال المتنبي:
محامدٌ نزفت شعري ليملأهافآل ما امتلأت مِنهُ ولا نضبَا
هذا يقرب منه وينظر إليه قول أبي تمام:
فلو كان يفنى الشّعر أفناه ما قرتْحياضُكَ مِنهُ في العُصُور والذواهبِ
ولكنَّه صوب العُقول إذا انجلتسَحائبُ منهُ أعقبتْ بِسحائبِ
وقال ابن الرومي:
أصبحتَ بحر سماحٍ غير منتزفٍلاقاه بحرُ ثناءٍ غير منترفِ
وما عبر عنه بأن نزف فقد نضب أو قارب النضوب، فهي عبارة رديئة.
وقال المتنبي:
مكارمٌ لك فُتّ العالمين بهامَنْ يستطيعُ لأمرٍ فائتٍ طلبا
ينظر إلى قول البحتري:
أيها المُبتغي مساجلةَ) الفتح (تَبغيتَ نيلَ ما لا ينَال
وقال المتنبي:
بِكل أشعث يلقى الموتَ مُبْتَسماًحتّى كأنَّ لهُ في قتله أربا
هذا مثل قول أبي تمام:
يَستعذبونَ مناياهُم كأنَّهملا ييأسونَ من الدُّنيا إذا قُتِلوُا
وقال الوائلي:
تأتي الوغى عجلاً كأنَّك تبتغيطُولَ البقاءِ من الفناء الأَعجل
فبيت أبي تمام وبيت المتنبي يدخلان في قسم التساوي، فأما قول الوائلي فذكر أنه يأتي الوغى كأن له طيب بشيء وأعذبه عنده من البقاء الفناء الأعجل فكلامه أرجح فهو أولى بما أخذ منه.
يليها قصيدة أولها:
فُؤادٌ ما تسليّه المُدامُوعمرٌ مثلُ ما تهبُ اللئامُ
عجز هذا البيت من قول البحتري:
أرى غفلة الأيام إعطاءَ مانعٍيصيبك أحياناً، وحلْمَ سَفيه
) فإعطاء مانع، مثل قوله: ما تهب اللئام، وقد قال جحظة:
يا ذل عرسة لنا بطعامٍوشرابِ نزر كنيل البخيل
والبحتري أحق بالمعنى بزيادته تشبيهاً فقد زاد في كلامه ما هو من تمامه بقوله:) حلم سفيه (فصار أحق بقوله.
وقال المتنبي:
ودهرٌ ناسهُ ناسٌ صِغارٌوإن كانت لهم جُثثٌ ضِخَامُ
قال الحصني:
إذا اعترضوا فأجسامٌ ضِخاموإن عجموا فأخلاقٌ صِغارُ
ولا فرق بينهما في مبنى ولا معنى فالأول أحق بقوله.
وقال المتنبي:
وما أنا منهم بالعيش فيهمولكن مَعدنُ الذَّهبِ الرَّغامُ
أخذه من قول علي بن بسام:
إذا ما المرء كانَ له خصالٌتزينه وترقعُ منه عرضه
فَليس يصبر إن لم يعتقلهفيزرعُ من ذوي الأحساب عضه
فأصل المعدنِ المطلوب صَخرٌوفيه عروقه ذهبٌ وفضه
فالذهب معدنه الصخر لا التراب فقول علي بن محمد بن بسام أصح ولكن قول أبي الطيب أخصر.
وقال المتنبي:
ُأرانبُ غير أنهمُ ملوكٌمفتحةٌ عيونهُمُ نِيامُ
هذا معنى فتحه أبو تمام بقوله:
انقطعت هاجعهُمْ وهل يغنيهُمُسهرُ النواظِرِ والعيونُ نِيامُ
ويشبه قول القائل:
وخبرني البوابُ أنّك نائمٌولكن إذا استيقظت أيضاً فنائِمُ
وقال المتنبي:
خليلكَ أنتَ، لا من قلت خِلّيوإن كثر التجملُ والكلامُ
يقرب من قول القراطيسي:
وما أحد يكون أشد نُصحاًعلمت مكانه مني لنفسي
وكلام المتنبي فيه شرح واضح ولفظ راجح فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
ولو حِيز الحِفاظُ بغيرِ عقلتجنب عُنقَ صيقلِهِ الحُسامُ
يقول أبو الطيب: لو كان السيف بغير عقل له حفاظ لوجب أن يتوقى عنق صيقله لأنه هو الذي أرهفه وصيّره قاطعاً ولوجب أن يحفظ الصقل عنايته لجماله وتزينيه ولكنه لا يحفظ ذلك لكونه غير عاقل وإنما جعله تشبيهاً للإنسان الذي هو غير عاقل وقد أشار له إلى هذا المعنى ابن الرومي فقال:
قد يميط القذى عَنْه ويعضمنا وليس في السيفِ عفو من صياقله
وقال المتنبي:
وشبهُ الشيء منجذب إليهوأشبُهنا بدنيانا الطَّغامُ
هذا يقرب من قول القائل:
دنيا تحيدُ عن الكرام وتنثنينحو اللئيم الساقط الوغَد
إن ساعدته فإِنّها أهل لهُوالقردُ مسلوك مع القرد
فكلام المتنبي جزل وهذا الكلام رذل فهو أحق بالبيت.
وقال المتنبي:
ولو لمْ يَعل إلا ذو مَحلٍّتعالى الجَيشُ وانَحطّ القَتَامُ
هذا المعنى لم يبلغني من أين أخذه ولكن فتحه له ابن الرومي بقوله:
يا زماناً أحكامَهُفَسروج الخيلِ تَعلوُها اللُّبودُ
وقد أكثر ابن الرومي في ارتفاع الوضيع وانحطاط الرفيع فمنه قوله:
دهرٌ علا قدرُ الوضيع بِهوغَدا الشريفُ يحطه شرفُهْ
كالبحر يرسبُ فيه لؤلؤهسِفلاً، ويعلو فوقه جِيفُه
وقال أيضاً:
طارَ قومٌ بخفَّة الوزنِ حتّىلحقوا رفعةً بقاب العقابِ
ورسا الراجحونَ من جلّة الناسِ رُسُوّ الجبال ذات الهضابِ
لا وما ذاك للئام بفخرٍلا، ولا ذاك للكرامِ بعابِ
هكذا الصخر راجح الوزن راسٍوكذا الذُّر شائل الوزن هاب
جيف أنتنت فأضحت على اللجة والدر تحتها في حجاب
وغثاء علا عباباً من اليمّوغاص المرجانِ تحت العبابِ
وجميع هذا من قول بعض العربيات:
قل للذي بصروف الدّهر غيرناما عاند الدهر إلاّ من له خَطَرُ
إنْ كان قدْ نشبت أيدي الزمانبنا ومسنا من تناهي صَفوه كدرُ
فقد نرى البحر تعلو فوقه جيفٌويستقر بأقصى قعره الدررُ
وفي السماء نجوم ما لها عددٌوليس يكسفُ إلاّ الشمس والقمرُ
وبيت أبي الطيب من قسم ما احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
إذا كانَ الشّباب السكر والشَّيبُ هُمّاً، فالحياةُ هي الحِمامُ
هذا بيت بني على صيغة بيت البحتري:
أبْرحَ العيشُ فالمشيبُ قذى فيأعيُنِ البيض، والشَّبابُ جَمَالُ
وهو يساويه والبحتري بالتقدم أولى وأحق.
وقال المتنبي:
بأرض ما اشتهيتُ رأيتُ فيهافَليسَ يَفوتها للإّكِرَامُ
يقرب من قول فضيل الأعرج:
دُور تحاكي الجنان حُسناًلكن سُكانها خِساسُ
متى أرى الجيد ساكنيهاوفي دهاليزها التِراس
وكلام أبي الطيب أجزل.
وقال المتنبي:
بِها الجبلان من فخرٍ وصخرٍأنافا: ذا المغيث، وذا اللهام
هذا من الخروج المليح إلى ما أراد من المديح ولولا ما تبع هذا البيت كان قد هجا الممدوح لما قدم في البيت الأول الذي قبله من عوز الكرام بهذه الأرض ولكنه أحتاط في مدحه بقوله:
وليستْ من مواطنِهِ ولكنيَمُّر بها كما مَر الغمام
أخذه من أبي تمام في قوله:
إن حنَّ نجدٌ وأهلوه إليك فقدمررتَ فيه مرور العارضِ الهطل
فقد زاد أبو تمام في كلامه ما هو من تمامه لأن الغمام قد يمكن أن تزيد سرعته في المضي وهذا مرور العارض الهطل يريد أنه إحياء من مرّ به بجوده الكثير فهو أرجح وأحق به.
وقال المتنبي:
سَقى الله ابن مُنجيةٍ سَقانيبِدَرٍّ ما لراضعه فِطامُ
هذا من قول ابن الرومي:
وقالوا ما فَواصِلهُ فقلناعطاء ما لراضعه فِطَامُ
فهذا يقارب اللفظ المدعى هو معناه معاً، فهو أقبح أقسام السرقات.
وقال المتنبي:
تَلَذُّ لهُ المروءةُ وهي تُؤذيومَنْ يعشقُ يَلذّ لَهُ الغَرامُ
وأتبعه:
تعلّقها هَوى قَيسٍ لليلىوواصلها فليس به سقامُ
وهذا كلام مستوفي الأقسام مليح النظام أخبرنا بالتذاذه بالمروءة التي يثقل حملها على الناس وشبه ذلك بالتذاذ العاشق الغرام وذكر أن تعلقه لها قيس لليلى وهي في نهاية التعلق بها وذكر أنّ مواصلته لها تؤمنه السقام الذي يقع من المقاطعة. وقد قال ابن الرومي:
عشق العلا وعشقتهُ فكأنَّماوافى هوى لبنى هوى ابن ذَريح
وقال ابن الرومي أيضاً:
أتحجبُ عنّي عشرة قد ومقتهافشوقي إليها شَوق قيس إلى ليلى
فالتشبيه كالتشبيه ولكنه زاد بقوله وواصلها فليس له سقام زيادة استحق بها المعنى.
وقال الخليع الحراني.
ما زال يوعدك التعشق لِلعُلىوالمجد منية عروة بن حزام
هَب ذاك أغرمهُ الفراق فأنت لمأو المجد خدنك كنت خدن غرام
معنى هذا الكلام أن العشق إذا كان غراماً كان سقاماً إنما يحدث عن مقاطعة ويقول له فأنت مواصل فمن أين أتاك الغرام، وبالجملة فكلام المتنبي أرجح من جميع هذا كله وهو أحق بما) أخذ (.
وقال المتنبي:
يَروعُ ركانة، ويذوبُ ظرفاًفما تَدري: أشيخٌ أن غُلامُ؟
هذا يحسن أن يقال: لو كان كل شيخ ركيناً وكل غلام ظريفاً وإلا احتاج إلى أن يستظهر نبغت فيقول ما يدري أشيخ ركين أم غلام ظريف وقد أتى بهذا المعنى أبو تمام فقال:
غلامٌ حوى في أريحه دَهرهذكاءُ الفتى الزاكي وأبهةُ الكهل
فاحتاط على الفتى الزاكي ولم يحتط في الكهل، وقال ابن الرومي:
هو كهل الكهول حزماً وعزماًوهو ظرفاً يدعي فتى الفتيان
فاحتاط في الأمرين جميعاً بأن جعله كهل الكهول وفتى الفتيان وشرح
ولم يدع بقية قوله:
فتى ... إذا شِئت لا جهلاً ولا سفهاً كهلاً إذا شئت لا شيباً ولا جلحا
فتاهُ شرخ شبابي وكهلهحلم، إذا شالَ حلم ناقص رجحا
وقال آخر:
وفتيانيهُ الظرفاءِ فيهوأبَّهة الكبير بغيرِ كبر
وجميع معانيهم أو في من معنى المتنبي، وفي البيت الأخير من لفظ الكبير والكبر مجانسة وزيادة من قول قائله هي من تمامه، وقد قال ابن الرومي:
نهتُ جَهلي نها وشيبتنيلهاه فها أنا الشيخ الغلامُ
وقال المتنبي:
وقبضُ نوالِهِ شرفٌ وعزٌّوقبضُ نوالِ بعض القومِ ذَامُ
أخذه من قول أبي خالد المهلبي:
شرفٌ للشريف مِنكَ نوالٌرُبّ نيلٍ تعافهُ الأحرارُ
المعنى متساو ولأبي خالد زيادة في قوله:) للشريف (لأنه أبلغ في المدح لأنه قد يأخذ نواله وضيع فلا ينقصه أخذ ما أخذ، وقد أتى بهذا المعنى أبو تمام فقال:
تُدعى عطاياهُ وفراً وهي إن شُهرتْكانت فخاراً لمن يعفوُهُ مؤتنقا
ما زلتُ منتظراً أعجوبةً عنفاًحتى رأيتُ نوالاً يقتضي شرفاً
فالبيتان مشتملان على معنى واحد من أنّ نواله شرف ولم يخبرنا عن نوال غيره واستوفى أبو الطيب في بيته معنى البيتين فهو أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
أقامت في الرّقاب لهُ أيادٍهي الأطواقُ والناسُ الحمام
قال أبو تمام:
مِنَنٌ منكَ في رقابِ أُناسٍهي فيها أبقى من الأطواقِ
معنى أبي تمام: أنّ بقاء منن الممدوح كبقاء الأطواق في رقاب الحمام غير أنه ذكر الأطواق واكتفى بذلك عن ذكر الحمام فكان أبو الطيب أشرح كلاماً، وقد قال علي بن محمد بن بسام:
أبا علي لقد طوقتني نعماًطوقُ الحمامةِ لا تبلى على القدم
فهو يساوي أبا الطيب، وقال محمد بن حازم يصف أبياته:
وهًنّ إذا وسمتُ بهن قوماًكأطواق الحمائم في الرُقابِ
وهنّ وإن أقمت مسافراتٌتهاداها الرّواة مع الرّكابِ
وهذا النوع مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
إذا عد الكرامُ فتلكَ عِجْلٌكما الأنواءُ حينَ تُعدُّ عامُ
وهذا كما قال ابن الرومي:
جمعن العُلا بالجودِ بعد افتراقهاإلينا كما الأيام يَجمعها الشهرُ
فهذا من قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
ولو يمّمتهُمْ في الحشر تَجدولأعطوك الذي صَلّوا وصامُوا
يقال جداه تجدوه، وفي هذا المعنى قول أبي تمام:
ولو قصرتْ أموالهُ عن سماحةٍلقاسم من يجدوه شطر حَياتهِ
فإِنْ لم يجد في شركة العُمر حيلةًوجاز له الإِعطاء من حسناتهِ
لجادَ بها من غير كفرٍ لربّهِوآساهُمُ في صَومهِ وصلاتِهِ
فالمعنى المعنى ولكنه في تطويل وتضمين وبيت أبي الطيب قد جمع الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما أخذ وإن كان قد أطلق عليهم السماحة بصلاتهم وصيامهم فهي مبالغة يمكن الطعن عليهم بها لأنها تدل على سماحهم بأديانهم واحتاط أبو تمام فقال:) من غير كفر لربه (فدّل على صحة الدين والجود معاً.
وقال المتنبي:
فإِن حلموا فإنّ الخيل فيهمخفافٌ والرّماحُ بها عُرامُ
قصد الحلم السفه والجهل وضد الحلم عند أبي الطيب الخفة وليس كذلك إلا على التسامح في العبارة والمجازفة في الاستعارة ولو قال:
فإِن ثَقلوا فإِنّ الخيل فيهمخِفافٌ والرّماحُ بها عُرامُ
كان قد طابق بين الثقل والخفة والذي قاله أبو تمام:
عَليه مُطعن بطل حليمسَفيه السيف ذُو رُمحٍ جَهولُ
فجعل الحلم للرجل والسفه للسيف، والجهل للرمح ووفى مطابقته أقسامها ورجح كلامه فهو أحق بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
نُصرّعهُمْ بأعيننا حياءًوتنبوُ عن وجوههِم السّهامُ
فتصريعهم بالحياء حسن، نبوّ السهام عن وجوههم بلا علة توجيه إلاّ صلابة بشراتهم فهذا في الهجاء أدخل لما قال بعض الشعراء:
اللؤمُ أَكرمُ من وبرٍ ووالدِهِواللّؤمُ أكرمُ من وبرٍ وما ولدا
لو أنّ حافرَ برذوني كأوجههمْبني الزواني لما أنعلتهُ أبدا
فأما قول ابن الرومي:
فتى يتقي لحظَ العيون ويرعويويغشى رماح الحظّ مُشتبكات
أخذه من العكوك في قوله:
فتى يتقي مأثور ما يتقي الفتىويغشى المنايا والرماح دَواني
فالمعنيان يدلان على أن القوم ممدوحون بالحياء والشجاعة فأما نبو السهام
عن وجوههم فلا نصيب له في المدح، وينظر إلى قول العكوك وابن الرومي قول أبي دلف:
نحنُ قومٍ تذيبنا الحدقُ النحلعلى أننا نذيبُ الحديدا
لا نصدّ الوجوه من خشية الناسونخشى من الغواني الصدودا
وهذا من قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
قبيلٌ أنت أنت وأنت منهموجدّك بِشرٌ الملكُ الهُمامِ
فذكر أنه على شرفه واحد منهم وهو على الانفراد قبيلٌ وحده، وأحسن من هذا قول ابن الرومي:
قالوا أبو الصقر من شَيبان قُلت لهمكلا لعمري ولكن مِنه شيبان
وكم أبٍ قد علا بأبن ذرى شرفٍكما علا برسول الله عدنان
تَسمو الرجال بآباء وآونةتَسمو الرجال بأبناء وتزدان
جعل شيبان منه ولم يجعله منهم ذهاباً به عن الإضافة إلى أحد وذكر أنها على ارتفاعها ترتفع به، وأبو الطيب إضافة إليهم وابن الرومي أرجح كلاماً وأبلغ في معناه فهو أحق بقوله.
وقال المتنبي:
لقد حسنتُ بك الأيام حتىكأنّك في فم الزَّمنِ ابتسامُ
يشبه قول ابن الرومي:
قعدت بِك الدنيا وما ظلمتمفترة عَنْ كل مبتسم
وقال البحتري:
فأبقَ أنساً لهُ فما ضحِكَ الدَّهرُ إلينا إلاّ وعَنْكَ إفترِارُهْ
وقال ابن الرومي أيضاً:
أناسٌ إذا دهرٌ تبسم ضاحكاًفعنهم وعن آبائهم يبتسمُ
فذكر الابتسام ولم يذكر فماً وهي استعارة يجوز فيها أن يراد بها بهجة الدهر وبشاشته، وأبو الطيب جعل للدهر فماً وشبه بابتسامة فحقق المعنى وملح فرجع كلامه.
ويتلو هذه قصيدة أولّها:
لجنّيةٍ أم غادةٍ رُفِعَ السجفُلوحشية؟ لا. ما لوحشيةٍ شَنْفُ
معلوم أن هذا الكلام سؤال متباله يسأل من أي الجنسين هي، وهو يعلم أنها بشر ولا أعلم من خبره أنّ الجن لأحسن منظراً من الأنس حتى يسأل من أي الجنسين هي، فأما قوله:) لوحشيّة؟ لا ما لوحشية شنف (.
فمستعمل من ذلك قول أبي تمام:
لم يُخطك الجيدُ مِنْ غَزاللو عطّلوه من السحابِ
فأنكر هذا الشنف كما أنكر هذا السحاب، وقد أنشدني أبي ﵀ قال: أنشدنا ابن دريد:
أعنْ الشّمس عشاءًكشفَتْ تلك السجوفُ
أمْ على لبتي غزالعُلّقت تلك الشُّنوفُ
فسأل هل كشف السجوف عن الشمس، وهل تعلق الشنوف على لبتي الغزال لتشابه المعنيين عنده، فهو تباله مليه مع علم ليدل على قوة الشبه بين المشتبهين، والقرط ما كان في شحمة الأذن من أسفل، والشنف ما كان في حياز الأذن من فوق.
وقال المتنبي:
وخُيِّلَ مِنها مرطُها، فكأنَّماتَثنّى لنا خوطُ ولاحَظنا خِشْفُ
فتخيل مرطها إياها يعمل لها حركة في قدها يشبه بها الخوط ولا عمل لتخييل مرطها في لحظها وهذه صفات متداولة منها قول ابن الرومي:
إن أقبلتْ فالبدر لاح، وإنْ مشتْفالغصنُ مال، وإن رنت فالرّيمُ
فإن كان الناظر في كتابنا يحتسب بهذه الشبهات المتداولات المستعملات فبيت ابن الرومي لا مطعن في أقسامه، وأبو الطيب لم يذكر في شعره غير لحظها وقدها وذكر ابن الرومي وجهها وقدّها ولحظها فكلامه أرجح وهو أولى بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
زيادةُ شيبٍ وهي نقص زيادتيوقوةُ عشقٍ وهي من قُوّتي ضَعفُ
صدره من قول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:
الشوقُ يزدادُ كُلَّ يومٍإليك والجسمُ في انتقاصِ
ومثله قول القائل:
زيادةُ عمر المرء نقص حياتهفَما عجب من نُقصانِه من تَمامه
ويقرب منه قول البحتري:
أدلّةُ المرء أيّامٌ عددنَ لهُيرينهُ الفضل تقويماً وإرشاداً
وقدْ يُطالبن ما قدّمنَ من سلففيه وينقصهُ الفضل الذي ازدادا
وينظر إلى قوله قول ابن الحاجب:
أكرهُ الموت والزيادة في أيامعمري نقصان عُمر السواد
وقد أتفق لأبي الطيب من ذكر الزيادة والنقصان والقوة والضعف ما صار به
أجود صنعة بالزيادة في كلامه ما هو من تمامه وهذه معان تدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
هراقَتْ دمي من بي من الوجد ما بهامن الوجد بي والشوق لي ولها حَلفُ
هذا يشبه قول الشاعر:
وجدتُ بي ما وجدتُ بهافكِلانا مغرمٌ دَنِفُ
وعلى الأيام مظلمتيهلْ من الأيام منتصفُ
وقال المتنبي:
ومَنْ كلما جرّدتها من ثيابهاكَساها ثياباً غيرها الشّعرُ الوحفُ
من بلغ إلى تجريد محبوبه من ثيابه فقد بلغ نهاية مناه وبغية هواه فلم يهرق دمه، فأما المعنى فقد قال أبو تمام:
من كلّ فتنانة تَردّىبِثوبِ فينانها الأثيثِ
فقد تساوى المعنى ولكن أبا الطيب أكثر إبانة وأرجح بالإبانة والجزالة فهو أحق بالمعنى.
وقال المتنبي:
وقابلني رُمّانتا غُصن بانةٍيميلُ به بدرٌ ويمسكُهُ حِقْفُ
إضافته الرّمانتين إلى غصن البانة يدل على أنّ أغصان ألبان من ثمرها الرمان، وقد عرفنا مقصده إنما شبه الثديين بالرمانتين وقدها بالغصن وأرانا جمع حلقها غرائب لا تجتمع ولا تقع إلا فيه ولو أمكنه أن يقول:) رمانتان في غصن بانة (
، كان أسوغ في مقصده، كما قال ابن الرومي:
أغصان بانٍ عليها الدهر فاكهةوما الفواكه مما يحمل ألبان
فكل تعجب مما ليس في العادة إجماعه، فأما إطلاق اللفظ على الرمان أنه من ثمر ألبان بغير مقدمة توضح مراده فلا أستحسنه هاهنا وقوله:) يميل به بدر (فالبدر وجهه وليس يميل وجهه بقده لأن إذا مال مال بوجهه حيث يميل، وابن الرومي أشعر منه في إتيانه أن الفواكه ليس مما يحمل ألبان، فدل على أن المراد التشبيه لا الحقائق وهو أولى بقوله.
وقال المتنبي:
أرددُ) ويلي (لو قضى الويل حاجةًوأكثر) لهفي (لو شفى غلةً لهفُ
يشبه قول البحتري:
فيا أسفاً لو قابلَ الأسفُ الجوىولهفاً لو أَن اللهف في ظالمٍ يُجدي
وهذا من قسم المساواة، وقال ابن الرومي:
أسفي لو أنّ قولي أسفيكان يشفيني من حر الأسف
وقال المتنبي:
ضَنَىً في الهوى كالسُّم في الشَّهد كامناًلذذت به جهلاً وفي اللّذةِ الحتفُ
هذا من قول إبراهيم بن المهدي:
يشوب بنادي النصح غِشّاً يسرهكما خيض بالسم الرحيقِ المُشعشع
وقال أبو تمام:
أعلى يا ابن الجهم أنَّك دقت ليخمراً وسماً في إناءٍ واحدِ
ويقرب من هذا قول القائل:
إذا استوحشتَ مِنْ رجلٍفكُن منه على وجَلِ
ولا يغرركَ ظاهرُهُفباطنُهُ على دَغَلِ
فقد يُلفي حِمامُ الموتِ بين السمِّ والعَسلِ
فجاء بالسم والعسل كما جاء به وهذا من قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه، ومثله لأبي الشيص:
أعلّلُ آمالي بكانت ولم تكنوذلك طعمُ السمِّ والسهد في الكأسِ
وبيت أبي الطيب أفصح وأرجح.
وقال المتنبي:
فأفنى وما أفنته نفسي كأنَّماأبو الفرجِ القاضي لهُ دونها كَهفُ
الهاء في) أفنته (عائدة على أفنى، أي نفسي ولا أفنيه كأن الممدوح كهف للضنى دون أن تفنيه نفسي، فقد أراد الخروج المليح إلى المديح ولم يظفر بمعنى فائق ولا جاء بحفظ رائق.
وقال المتنبي:
قليلُ الكرى لو كانت البيضُ والقناكآرائهِ ما أغنتْ البيضُ والزَّغفُ
قال أبو تمام:
وأستلَّ من آرائِهِ الشُّعلَ التيلو أنهُنَّ طُبعنَ كُنَّ سُيوفا
لم يزد أبو تمام على أنّ أراهم لو طبعن كدن سيوفاً، وأبو الطيب يذكر أن السيوف لو كنّ كآرائه ما أغنت البيض والزغف أي لقطعن ما لا تقطع السيوف فلفظه أرجح فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
يقومُ مقامَ الجيشِ تقطيبُ وجههِويستغرق الألفاظ مِنْ لفظهِ حَرفُ
قال البحتري:
وإذا خِطابُ القوم في الخطبِ اعتلىفَصل القضيةَ في ثلاثةِ أحرفِ
فقد جاء أبو الطيب في صدر بيته بمعنى، وجاء في عجز البحتري ونقصنا حرفين فهو أرجح وأولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
وإن فَقَدَ الإِعطاء حنت يمينُهُإليه حنينَ الإِلفِ فارقَهُ الإِلفُ
وهذا يقارب معنى أبي تمام:
واجدٌ بالجميل من رُحاءِ الشّوقِ وجدانَ غَيرِهِ بالحبيبِ
فأما قول البحتري:
يحنُّ إلى المعروف حتى يُنيلَهُكما حنَّ إلف مستهامٌ إلى إلفِ
فهذا أخذ واضح يكاد يدخل في أخذ اللفظ المدعى هو ومعناه معاً والبحتري أحقّ بقوله.
وقال المتنبي:
أديبٌ رستْ للعلمِ في أرض صَدرِهِجبالٌ، جبالُ الأرضِ في جنبها قُفُّ
قال أبو تمام:
وإذا الملوك تقدّمت أفعالهمكانوا وأنتَ طود رأس
قال ابن الرومي:
غدا جبلاً جبالُ الأرض طُرّاًتضاءل تحته مثل الظّرابِ
وهذا يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
فأضحى وبين النَّاس في كل سيدٍمن الناسِ إلا في سيادته خُلفُ
قال أبو الشيص:
ولا أجمعت إلاّ عليكَ جميعُهاإذا ذُكِرَ المعروفُ ألبسهُ العُرفُ
وقال أبو تمام:
لو أنّ إجماعنا في فَضل سؤددهفي الدين لم يختلف في الملة اثنانِ
وقال البحتري:
وأرى النّاسَ مجتمعينَ على فضلِكَ من بين سيّدٍ ومَسُود
عَرف العالمُون فضلكَ بالعِلم، وقال الجُهال بالتقليد
وقال ابن الرومي:
يَختلفُ الناس في سِواكوما يوجدهم موضعاً لمختلف
فأبو الشيص ينادي أبا الطيب وأبو تمام جعل الإجماع على سؤدده لو كان في الدين فلا اختلاف، فزاد في كلامه ما هو من تمامه، والبحتري جعل سبب الإجماع علماً به أو تقليداً فيه فأوضح ورجح، وابن الرومي ذكر الخلاف في سواه وإجماعهم عليه وذكر أنه لم يوجدهم الطريق إلى الاختلاف فيه لكماله فللقوم زيادات يرجحون بها على المتنبي وهو المتأخر فهم أولى بمعانيهم.
وقال المتنبي:
يفدّونهُ حتّى كأنَّ دماءهُمْلجارى هَواهُ في عُروقهم تقفو
ليس في التفدية دلالة على أنّ دماءهم كأنها تقفو هواه في عروقهم وليس العروق من مساكنة الهوى بل من مساكنة القلوب ولكنه سمع قول أبي العتاهية:
فتنفست ثُمّ قلتُ نعم حسبّاً جرى في العروق عِرقاً فعرقا
فأخذه) منه (: وقال المتنبي:
وقوفين في وقفين: شكرٍ ونائلٍفنائلهُ وقفٌ، وشكرهُمُ وقفُ
نصب) وقوفين (على الحال منه ومن الناس المقدم ذكرهم والعامل في الحال قوله:) يفدونه (كقولك) لقيتك ضاحكين أنا وأنت (في هذه الحال
وإن شئت نصبته بفعل مضمر أي أذكر وأعني وما أشبهه فجائز، وقال أبو تمام:
فتىً عِرضُهُ وقفٌ على كلِّ طالبٍوأموالُهُ وقفٌ على كُلّ مُجتدِ
وقد قدم الشكر على التأويل في صدر بيته ولو قال في عجزه) فشكرهم وقف ونائله وقف (.
كان أجود للصنعة إلا أن يذهب إلى أن الشكر يتقدمه النائل وقد قال البحتري فيما يقرب من هذا:
أعيالٌ لهُم بنو الأرضِ أمْ مالهُمُ راتبٌ على النَّاس وقفُ
فأتى بمعناه في نائلهم وزاد عليهم بالشكر، وقال ابن الرومي:
أموالهُ وقفٌ على تنفيلناوثناؤنا وقفٌ على تحقيقِهِ
فجاء بالوقفين وأورد من التثقيل والتخفيف مطابقة حسنة ولم يدع له فضلاً فابن الرومي أحق بما قال.
وقال المتنبي:
ولا نالَ من حُسّادهِ الغيظُ والأذىبأعظم مما نال من وِفْرِهِ العُرفُ
سمع الديك يقول:
فعلتْ مقلتاه بالصَّبِ ما تفعلُ جَدوى الأمير بالأموالِ
فجعل بازاء الصّب الحسّاد وجعل بازاء مقلته الغيظ والأذى والجدوى والعرف واحد، والبيت من قسم ما احتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
تفكّرُهُ علمٌ، ومنطقهُ حكمٌوباطنُهُ دينٌ، وظاهرهُ ظَرفُ
أهل العروض ينكرون هذا البيت ويقولون هذه القصيدة من العروض الطويلة من الضرب الأول وعروض الطويل الأول أبداً تجيء مقبوضة على مفاعلن إلا أن يصرع البيت وهذا البيت غير مصرع فهو غير جائز عندهم، وقد قال الخريمي:
فتىً جَهرهُ ظرفُ، وباطنه تُقىًيُزَيّنُ ما يُخفي بصالح ما يُبدي
فعجز البيت داخل في هذا وباقي البيت زيادة في كلامه ما هو من تمامه ولكن أبا الطيب أجمع أوصافاً.
وقال المتنبي:
فلَم نرَ قبل ابن الحسين أصابعاًإذا ما هطلن استحيتِ الدّيمُ الوطفُ
كان يجب أن يقول:) لم نر مثل أصابع ابن الحسين أصابعاً (إذ ليس يعبر عن جملة أبي الحسين بالأصابع ولكنه حذف لعلم المخاطب وهذا من قول أبي نواس:
إنّ السَّحابَ لتستحي إذا نظرتإلى نداك فقاستهُ بما فيها
حتى تهمّ بإِقلاعِ فيمنعهاخوف العقوبة في عصيان مُنشيها
فلا زيادة على أبي نواس في البيت الأول وقد جاء في كلامه بزيادة هي من تمامه وأتى بغريبه في الثاني لم يسبق إلى مثلها، وقال أبو تمام:
لآل سهلٍ أكفّ كلمّا اجتدُيتُفَعَلْنَ في المحلِ ما لا تفعل الدِّيمُ
فقد ساوى أبو تمام أبا الطيب في هذا المعنى.
وقال المتنبي:
ولا ساعياً في قُلّة المجدِ مُدركاًبأفعالِه ما ليس يُدركُهُ الوصفُ
حمله معنى البيت أن الوصف لا يدرك أفعاله، وقد قال البحتري:
أحاطت بآفاق المعالي أجمعللوصفِ من السعي في قلةِ المجدِ
وباقي البيت في معنى بيت أبي الطيب وذكر البحتري أنه أحاط بآفاق المعالي وأعاد ذكر الإحاطة لأنها لا يحيط بها وصف فهو أرجح. وقال ابن الرومي:
وفي الحُسن والملاحةَ حتّىما يُوِّفيه واصفٌ حقَّ وَصْفِ
فجعل توفية الحسن إياه سبباً لامتناع الوصف فهو أرجح ممن لم يذكر العلة في ذلك.
وقال المتنبي:
ولمْ نرَ شيئاً يحملُ العبء حَملهُويستصغِرُ الدُّنْيا ويحملُهُ طرْفُ
ليس استصغاره الدنيا مما له وزن إنما ذلك لشرف الهمة وارتفاع النفس، وما بين المستقبل
لها والمستكثر إياها فرق في الوزن، فهذه صنعة رديئة وإياها نحا عبد الله بن المعتز في عبد الله بن سليمان حين وقع من دابته فقال:
لا ذَنْبَ عِندي لابن العَيْرِ حين خَوتْرجلاه من خَوْر فيها ومن لينِ
حمّلتموهُ الذي ما كان يحملهُفره البغالِ وأصنافْ البرذينِ
البدرُ والبحرُ والطّورُ الرَفيع وأنْتَالغابُ والدنيا مع الدينِ
لكل هزة وزن ثقيل غير الدين فإنه أتم به القافية وفيما نقل مما له وزن كفاية.
وقال المتنبي:
ولا جَلَسَ البحرُ المحيطُ لقاصدٍومن تَحْتِه فرش ومن فَوقهِ سَقْفُ
هذا لفظ هجين غير حلو ولا رصين، وليس البحر مما يعبّر عنه بالجلوس وقد قال ابن الرومي:
هو البحر إِلا أنّ في جَنباتِهِرغاء المطايا لا تَفيق العَلاَجِمُ
نفى عنه من يفيق العلاجم ما لا يعد من جوده في البحر وعرض من ذلك المطايا والأصناف المجتدين فدل على مخالفته صفة البحر بكرم يفيد، لا يوجد في البحر، فهو أرجح قولاً وإن أستحسن مستحسن الجلوس على البحر فليستحسن قول البحتري في محبوس:
غداةَ غدا من سجنه البحرُ مطلقاًوما خِلْتُ أنَّ البحْرَ يخطرُ في سِجْنِ
وقال المتنبي:
فيا عجباً مني أحاوِلُ وصفَهُوقدْ فنيت فيه القراطيسُ والصُّحْفُ
قال أبو تمام:
تركتهُمُ سيراً لوْ أنّها كُتبتْلم تُبْق في الأرض قرطاساً ولا قَلَما
القرطاس محتاج إلى القلم، والقراطيس والصحف معنى متقارب، فأبو تمام أسبق وأحدث وكلامه أرجح فهو أولى بقوله.
وقال المتنبي:
قَصَدتُكَ والرّاجونَ قَصْدي إِليهِمْكثيرٌ، ولكنْ ليس كالذَّنب الأنْفُ
هذا من قول الحطيئة:
قومٌ هو الأنفُ والأذناب غيرهُمُفمن يُساوي بأنف النَّاقةِ الذَّنبَا
وقد بين الحطيئة الأنف والذنب من أي جنس قصد ولم يبين المتنبي مقصده فرجح الحطيئة في معناه.
وقال المتنبي:
ولا الفِضة البيضاءُ والتّبر واحِدٌنَفوعانِ للمكْدِي وبينهما صَرْفُ
هذا من قول ابن الرومي:
وجدتكُمْ مثل الدّنانير أخْلصَتْوسائِرَ هذا الخَلْقِ مثلُ الدَراهم
أبو الطيب أخبرنا من الصرف الذي بينهما بما لا يجهل وإن لم يذكر البيت الذي قبله لم يفد معنى مفهوماً وبيت ابن الرومي قائم بنفسه دال على مراده فهو
أرجح كلاماً من كلام أبي الطيب فصاحبه أحق به.
وقال المتنبي:
ولستَ بدون يُرْتجى الغيثْ دونَهُولا مُنتهى الجود الذي خلْفهُ خلْفُ
يقرب من قول العكوك:
حَوى سَعْيه بعد المعالي وقَبْلهافليسَ لَهُ بعد وليسَ لها قَبْلُ
فذكر القبل والبعد ولم يذكر الخلف والقدام، وأراد العكوك الشكوك في الابتداء والأنتهاء لأنه قد يجوز لمبتدئ الجود أن يقف عند كل غاية منه.
وقال المتنبي:
ولا واحداً من ذا الوَرى من جماعةٍولا البعضَ من كُلّ ولكنَّكَ الضَّعْفُ
والبعض أقل ما بقي ويقع على الواحد وأكثر منه.
وقال المتنبي:
ولا الضعفُ حتّى يتبع الضَّعف ضعفهُولا ضعف ضعف الضّعف بل مثلهُ ألفُ
هذا يحتاج إلى صاحب جبر ومقابلة يحسبه فأما المفهوم من قول الناس فمن قول أبي نواس:
أآل الربيعِ فَضلتْمُفضل الخَميس على العشير
وكقول أبي العتاهية:
وإذا حَسبتمْ فَضْلهلمْ تَدركُوا عُشْرَ العشيرِ
وقال المتنبي:
وذنْبي تقصيري وما جِئْتُ مادحاًبذنْبِي ولكنْ جئتُ أسألُ أنْ تعفُو
إسكان واو) تعفو (قبيح غير أنه في القافية أسهل منه وسطاً كقول العكوك:
وعِنْدي أيادٍ جمّةٌ مِنْكَ لمْ أجِدْ لهابإِحْصَائها عِنْدي لساناً مُعبِّرا
ولكنَّ جهدي أنْ أقول وما عَسىلذي الجُهدِ إِلاَّ أنْ يقولَ فَيعْذَرا
وقال أبو تمام:
وما كنتُ إلاّ مذنباً يوم أنتحيسِواك بآمالي فجئتُك تائبا
وهذه معان تتساوى.
ويتلوها قصيدة أولها:
بأبي الشُّموس الجانِحاتُ غواربااللاّبساتُ من الحرير جَلاببا
شبه أحبابه بالشموس وغروبها وفراقها وقال البحتري:
شمسٌ تألق والفراق غروبهاعنّا، وبدر والصدود كسوفُهُ
لا يقل صدر بيت أبي الطيب ويفي ببيت البحتري فليس كذلك والنصف الأول بازاء النصف الأول وقد زاد من ذكر الصدود معنى مليحاً وأتى أبو الطيب من ذكر ملابسها بما أغرب فيه أن تكون الشموس في ملابسه وقد أتى بشار بمثل هذا فقال:
فلقدْ أزورُ على الهوى ويزُورنيقَمرُ المجرّةِ في مجاسدِ كاعبِ
وإنما يريد مثل هذا أنّ الوصف كالشمس والقمر لأنهما في جلابيب ومجاسد وليس هما من صفات الشمس والقمر على طريق الإعراب وذلك أراد أبو مالك الأعرج في قوله:
لا بلْ هي الشمسُ في الثيابِ فَهَلْأبصرت شمساً لها جَلابيبُ
والبحتري أرجح، يحسن التأليف في الفراق والصدود.
وقال المتنبي:
المُنبهاتُ عُيوننا وقُلُوبناوجناتهِنَّ النّاهِباتِ النَّاهِبَا
هذا كلام متكلف ولفظ متعجرف وهو من قول أبي تمام:
سلبنَ غطاءَ الحُسْن عن حُرّ أوجُهٍتظلُّ للبّ السّالبيها سَوالِبا
وقال ابن الرومي:
منهوبةً باللحظ مسلوبةًلها جمالٌ ناهب سالبُ
وشعر أبي الطيب أصعب وشعر غيره أعذب، فالأول أحق بقوله.
وقال المتنبي:
حاولْنَ تفديتي وخِفْنَ مراقباًفوضعن أيديهنَّ فوق تَرائِبا
كان المليح أن ينكر فيقول:) وضعن أيدنا فوق ترائب (أو يعرف فيقول:) وضعن أيديهن فوق ترائبهنّ (لتعتدل الصنعة والتقدير من عادتها وضع الأيدي على الترائب فهؤلاء الرقباء إذا رأوا أيديهن فوق ترائبهن وليس هذا من عادتهن إلا لعلة فلم يفطنوا لمقصدهم في غاية ركود الفطنة واستيلاء الغفلة.
وقال المتنبي:
وبسمْنَ عن بَرَدٍ خشيتُ أذيبُهُمنْ حَرّ أنفاسي فكنتُ الذَّائِبا
أخذه من قول ديك الجن:
تضاحكَ عَنْ بردٍ مُشْرقٍناجيتهُ من بَيْن جُلاَّسي
فكلَّما قبُلتهُ خِفْتُ أنْيَذُوبَ من نيرانِ أنْفاسِي
فالمعنى المعنى ولكن لأبي الطيب زيادة وهي من تمام الكلام، وهي قوله:) فكنت الذّائبا (وهي مليحة يستحق بها الجزالة ما أخذ. وقد أملح أبو تمام في قوله:
ومن العجائبِ أن يُذيبَ مفاصِليمنْ لو جَرى نفسي عليه لذابا
وقال المتنبي:
يا حبذا المتحملونَ وحبَّذَاوادٍ لثمتُ به الغزالةَ كاعِبَا
هذا من قول المؤمل:
يا قوم قَدْ زارني شخص سررت بهزارتني الشمس إِلا أنَّها بَشرُ
فهذا يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
كيف الرَّجاء من الخُطوبِ تخلَّصاًمن بعد ما أنشبنَ فيَّ مخالِبَا
هذا موجود اللفظ والمعنى في قول أبي الرومي:
فقد أنشبت حادثاتُ الخُطوبِمخالبُها بِي وأنيابها
فهذه استعارة للعتّابي في قوله:
فتىً ظفرت مِنهُ الليالي بِزلّةٍفافعلنَ عنه دامياتِ المَخالِب
وقال المتنبي:
أوجدْنِني ووجدْنَ حزناً واحداًمتناهياً فجعلنَهُ لي صَاحِبا
قال أبو تمام:
مضى صاحبي وأستخلف البتَّ والأسىعليَّ فلي من ذا وهَذاك صَاحِبُ
ولا فرق بين المبنيين والمعنيين فالسابق أولى بما قال وأفصحهما، الديك سرقه في أخذه من أبي تمام منه جملة فقال:
مضى قاسم وأستخلف البتَّ والأسىعليّ قدْ أخل وذاكَ مساعِدُ
النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع