تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح ابن جني الموسوم بالفسر

نص الكتاب

﷽

الحمد لله الذي شرف الإنسان بنطق اللسان على سائر الحيوان، وفضل اللغة العربية على سائر اللغات بالبيان والتبيان، وألقى في صدف الآذان من جوهر بحار الأذهان ما يربي على الدر والمرجان، وألهم من الكلم المنظوم ما يوفي على المنثور إلا على القرآن، وجعل الشعراء يتسابقون في حلبة الشعر كالخيل يوم الرهان: فمنهم مجل نبرز، وسكيت مقصر عن مدى ذلك الميدان، وميز بين الفكر الصحيح والسقيم في استخراج دفائن معان كالعقيان، فلا يهتدي لإصابة عيون تلك المحاسن إلا المحسنو النضال والطعان، وصلى الله على الكامل المبعوث من عدنان، بأكمل الأديان إلى الإنس والجان، وعلى آله وصحبه أولي الضل والإفضال واليمن والإيمان، وبعد:

فإني لما رأيت ما حظي به أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي من اعتناء الناس بشعره؛ العالم منهم والجاهل، ولهجهم بذكره؛ النبيه فيهم والخامل، والتقييد لأوابد أمثاله السيارة، والتنقيب عن غوامض معانيه الحسنة المختارة، والتمثيل بأبياته الشوارد، والترتيل لآياتها في المشاهد، والتضمين لها في صدور الكتب والرسائل، والتزيين بها في قلوب المجالس والمحافل، وكثرة الشارحين لها من الفضلاء، والحانين عليها من الأدباء، حتى لقد كادت تنسيهم أشعار الأوائل وتلهيهم عن تلك

الفضائل، فتهدم منها ذلك المنار، وتطفئ منها تلك النار. وقد قال في ذلك بعض شعراء أهل العصر:

يَا أبَا الطَّيَّب أَهْدَيْتَ لنا من فِيكَ طِيبَا
مَنْطِقاً نَظْماً كَنظْم الدرَّ في الدُّرَّ غَرِيَبا
أَطْرَبَ الأنْفُسَ لَّماراحَ للرَّاح نَسِيَبا
مُنْسِيا ذِكْراهُ من ذِكْرى حَبِيبٍ وحَبيبَا

إلا أنهم قصروا في بعض المعاني فهدموا بها تلك المباني، وأشكل عليهم بعض الأبيات، فخفيت عنهم تلك الآيات. فرأيت أن أضع كتابا مختصرا ينبه على ما أغفلوه، ويهدي إلى ما أضلوه، ويبين ما جهلوه، من غير أن أكون زاريا عليهم أو مهدي اللوم إليهم، كيف وقد سهلت أقدامهم من وعره، وبينت أفهامهم من سره، فأصابوا الجم الغفير، وأخطئوا النزر اليسير:

ومَنْ ذَا الذي حَازَ الكمالَ فيَكْمُلاَ

والشروح التي تتبعها، واستخرجت مآخذها وجمعتها خمسة شروح:

شرح ابن جني.

شرح أبي العلاء المعري.

شرح الواحدي.

شرح التبريزي.

شرح الكندي.

لأن هذه المشهورة الدائرة في أيدي الناس، المحفوظة المنقولة بألسن الرواة الأكياس، فإذا وقف الطالب على هذا المختصر، وتأمله ممعنا فيه النظر، تبين أن قد حلت له تلك المعاني المشكلة، وفتحت له تلك الأبواب المقفلة، وتناول بعد ذلك ما سواها في هذه الشروح على ثقة بالصواب، ويقين لدى السؤال بصحة الجواب.

وربما وقع فيها قول لغير من ذكرته فبينت الصحيح من السقيم، والمعوج من القويم، إلا أن هذا الخطر الذي تجشمته، والعبء الذي تحملته مرام بعيد، ومقام شديد، ليس من شأن من استنفد عمره في معرفة وجوه الإعراب، واستفرغ جهده في ضبط لغة الأعراب، ولا من نظم

أبياتا في صدر كتاب أو رد جواب، أو استزارة صديق، أو استهداء رحيق وما أشبه ذلك مما لم ينعم فيه النظر، ويتعب به الفكر. ولكن هذا من شأن من أطال معاركة المعاني والقوافي، فبات منها على مثل الأشافي ودفع إلى سلوك مضائقها، وحماية حقائقها، وجاب سهولها وحزونها، وراض ذلولها وحرونها، وافترع أبكارها وعونها، وفجر أنهارها وعيونها، وأبرم حبال وقصيدها، وأحكم نظام درها وفريدها، وأطال إبالة حيلها وعشارها، وأجال قداحه على أعشارها، وكسع شولها بأغبارها، فإذا وصل إلى هذه الفضيلة، ورقي هذه الرتبة الجليلة، وأحس من نفسه بلوغ كمالها، وإحراز خصالها، فعند ذلك فليتعاظ شرح أشعار الفحول، وليعان استنباط معاني فروعها والأصول، وأحكام علم جملها والفصول. ولست بمدع إدراك هذه المنزلة، وإحراز هذه التكملة، ولكني حاطيها لعلى ممن يدانيها، ويبلي فيها (فيسلك بعض شعابها، ويتمسك ببعض أسبابها)، فإن أصبت الصواب فبيمن من وسمت باسمه هذا الكتاب، وإن زلت قدمي عن الطريق، فمنه استمد الهداية والرشد والتوفيق، ومن الله تلتمس لإعانة، وتقتبس الإبانة.

فأول ما ينبغي أن يبتدأ به من المآخذ في شروح ديوان أبي الطيب، المآخذ على الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني؛ لأنه هو المبتدئ لشرحه، المفتتح لفسره، المسند إليه رواياته، المأخوذ عنه حكاياته، وقد طول في الشواهد وقصر في المعاني، وسأبين ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.

فمن ذلك ما ذكره في خطبة الكتاب من قوله:

حَسَنٌ في عيونِ أعدائِهِ أَقْبَحُ مِنْ ضَيْفِهِ رَأَتْهُ السَّوامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا افتخار إلا لمن لا يضام»

قال: الذي يسبق إلى النفس من هذا؛ أنه حسن في عيون أعدائه، وأنه أقبح من ضيفه رأته السوام. وليس الأمر كذلك بل بضده. وإنما معناه: حسن: أي: هو حسن، وتم الكلام. ثم كأنه قال: هو أقبح في عيون أعدائه من ضيفه في وقت رؤية السوام له، وهو المال الراعي؛ لأنه ينحره للأضياف، وكذلك يهلك الأعداء ويبرهم.

وأقول: إن هذا الذي فسره وجه صالح، وليس أن يرد التفسير الأول، وقد ذكره الشيخ أبو العلاء، وهو أن أعداءه يرونه حسن الصورة قبيح الفعل فهم في هذا يرونه قبيحا حسنا، وفي الوجه الآخر يرونه قبيحا. فتفسير أبي العلاء أمدح لإثبات الحسن له (عند كل أحد)، وأصنع لإثبات الحسن له والقبح، (وأخذه) من وجهين مختلفين.

ومن ذلك في الخطبة أيضا قوله:

قال: تم الكلام على أصغره أي: استكبروه منه واستصغروه هو.

ثم قال مبتدئا:

.........أكبرُ من فعِلِهِ الذي فَعَلَهْ

أي: فاعل الفعل أكبر من الفعل، فكأنه قال: هو أكبر من فعله.

وأقول: هذا وجه حسن، وثم وجه آخر قد ذكره غيره، وهو أن يكون أكبر من فعله فاعلا العامل فيه أصغره، كأنه قال: وأصغره رجل أو فارس أكبر من فعله.

ومن ذلك في الخطبة أيضا تفسيره قوله:

وقد عَادَتِ الأجْفَانُ قُرحاً من البُكاوعادَ بَهَاراً في الخُدودِ الشَّقَائقُ

قال: ومما استدللت به حصافة لفظه وصحة صنعته ودقة فكره؛ أنني سألته عن قوله في البيت، فقلت: أقرحى: مما أم قرحا: منون؟ فقال: قرحا: منون، ثم قال:

ألا ترى أن بعده: وعاد بهارا؟

يقول: فكما أن بهارا جمع بهارة وإنما بينهما الهاء، فكذلك قرحا جمع قرحة فإنما بينهما الهاء.

وأقول: لعل أبا الطيب لم يرد الذي ذكره من الجمع بينهما بالجمع الذي بينه وبين مفرده الهاء، وإنما أراد بالتنوين المبالغة في المعنى، فجعل الأجفان قرحا ولم يصفها بقرحى؛ لأن الأول أبلغ (كما كان بهارا كذلك)، ويكون من باب:

.........فإنَّما هي إقْبَالٌ وإدبارُ

لأن الوصف بالمصدر أبلغ من الوصف باسم الفاعل، ومنه رجل فطر وصوم، أو يكون أراد تحسين الألفاظ فصرف الكلمتين؛ لأن ذلك أحسن في الذوق وأعذب في السمع.

ومن ذلك قوله: وإني لأعجب ممن يجهل فضله، أو يستجيز تجاهله وهو الذي يقول:

إذَا كان شَمُّ الرَّوح أدنى إليكمفلا بَرِحَتْني رَوْضَةٌ وقَبُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

فأي محدث يتعالى في عذوبته إلى أن يقول:

..........فلا بَرِحتَنْي رَوْضَةٌ وقَبْولُ

فيقال له: إذا كان تفسير هذا كما ذكرته وهو: فلا برحت روضة وقبول إياي، لم يكن فبه عذوبة ولا عليه طلاوة، وأما المعنى فلم يقع موقعه من الغزل لذكر الموت وذلك قوله قبله:

وإنَّ رَحِيلاً واحداً حالَ بيْنَنَاوفي المَوْتِ من بعد الرَّحيلِ رَحيِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

ومن ذلك قوله في شرح قوله:

وَهَبِ المَلامَةَ في اللَّذَاذةِ كالكَرَىمَطْرُودةً بسُهَادِهِ وبكائِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

قال: يقول: أجعل ملامتك إياه في التذاذكها كالنوم في لذته، فاطردها عنه بما

عنده من السهاد والبكاء، أي: لا تجمع عليه اللوم والسهاد والبكاء، أي: فكما أن السهاد والبكاء قد أزالا كراه، فاترك ملامتك إياه.

وأقول: هذا ليس بشيء!

والمعنى: أنه قال لعاذله: إن الكرى الذي يستلذ به الإنسان قد طردته عن عيني بالسهاد والبكاء؛ فاجعل الملامة المستلذة عنه كالكرى مطرودة عني بهما.

ويحتمل أن يكون المعنى: هب الملامة التي لا استلذ بها، بل استضر بها، كاكرى في اللذاذة، أفليس الكرى المستلذ به مطرودا بالسهاد والبكاء؟ فما ظنك بالملامة؟ فاجعلها كذلك؛ (والوجه الأ (ول) هو الصواب).

وقوله:

وشَكِيَّتي فَقْدُ السَّقَام لأنَّهُقد كانَ لَّما لي أَعْضَاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال: يقول: إنما كنت أحس السقام بأعضائي، فلما فنيت وتلفت للضر والمشقة شكوت فقد السقام؛ لأن السقيم، على كل حال، موجود والفاني معدوم، والعدم اعظم من السقم؛ هذا يقتضيه ظاهر اللفظ. ومحصول البيت أنه يطلب أعضاءه لا السقام.

وأقول: إن تفسيره البيت صواب إلى قوله: والعدم اعظم من السقم. وقوله: ومحصول البيت أنه يطلب أعضائه لا السقام ليس بشيء! بل محصول البيت أنه يطلب حالا اصلح من الحال التي هو فيها وإن غير صالحتين، أي: أنا في حال العدم، فمن لي أن أرجع إلى حال السقام! وهذا مثل قوله:

ومن لي بَيوْمٍ يَوْمٍ كَرِهْتُهُقَرُبْتُ به عند الوَدَاعِ من البُعْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

وقوله:

لا تكْثُرُ الأمْواتُ كثْرَةَ قِلَّةِإلاَّ إذا شَقِيتْ بكَ الأحْيَاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال: قوله: كثرة قلة: يقول: إنما تكثر الأموات إذا قل الأحياء، فكثرتهم كأنها، في

الحقيقة، قلة.

وقوله: شقيت بك أي: شقيت بفقدك، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وهذا كقوله تعالى: (ولكن البر من آمن بالله). وقوى ذلك بما حكاه عن أبي عمرو السلمي قال: عدت أبا علي في علته التي مات فيها فاستنشدني:

لا تكثُرُ الأموات... البيت...

فلم أزل أنشده وهو يستعيده إلى أن مات!

قال الواحدي: وهذا فاسد من وجهين:

أحدهما: أنه إذا مات واحد لا يكون ذلك كثرة قلة.

والآخر: أنه لا يخاطب الممدوح بمثل هذا. قال: ولكن المعنى أنه أراد بالأموات القتلى، لا اللذين ماتوا قبل الممدوح. ومعنى شقيت بك أي: بغضبك عليهم، وقتلك إياهم. يقول: لا تكثر القتلى إلا إذا قاتلت الأحياء، وشقوا بغضبك، فإذا غضبت عليهم وقاتلتهم قتلتهم كلهم.

وأقول: إن قوله: إنه أراد بالأموات القتلى لا اللذين ماتوا بغير قتل خطأ؛ لأن في ذلك صرف الكلام عن ظاهره، وحمله على المجاز من غير علة محوجة.

والمعنى: لا تكثر الأموات الذين في القبور إلا إذا غضبت على الأحياء وقتلتهم، فحينئذ تكثر الأموات (بمن قتلته لإضافتهم إليهم،) وتلك الكثرة قلة؛ لأنه لا فائدة لهم فيها ولا انتفاع بها.

وقوله:

وأنا مِنْكَ لا يُهَنَّئ عُضْوٌبالمَسَرَّاتِ سَائرَ الأعْضَاءِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

قال: يقول: أنا منك أهنئك؟ وهل رأيت عضوا من جملة هنأ سائر الأعضاء منها؟

وأقول: هذا الذي أنكره مستبعدا قد جاء لأبي نواس أحسن مجيء على وجه المجاز والاستعارة وهو قوله:

قَنِعْتُ إذْ نِلْتُ من أَحْبَابِي النَّظراوقلتُ: يا ربَّ ما أعطيتَ ذّا بَشَرا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قنعت إذ نلت من أحبابي النظرا»
لم يَبْقَ مِنَّيَ من قَرْنٍ إلى قَدَمِشيءٌ سوى القَلْبِ إلاَّ هَنَّأ البَصَرا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قنعت إذ نلت من أحبابي النظرا»

وقوله:

سُبِقْنَا إلى الدُّنْيَا فَلَوْ عَاش أَهْلُهَامُنِعْنَا بها من جَيْئَةٍ وذُهُوبِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: أي لو عاش من قبلنا لما أمكننا نحن المجيء والذهاب، لأن الله - تعالى - بنى الدنيا على الكون والفساد ولم يخصصها بأحدهما وليس ذلك في الحكمة.

وأقول: الظاهر أنه أراد: أي لو عاش أهل الدنيا فلا يموتون لامتلأت الأرض من الخلق فتعذرت الحركة عليها؛ المجيء والذهاب، لكثرة الخلق. وفي هذا تسلية لسيف الدولة بكثرة من مات.

وقوله:

ولا فَضْلَ فيها للشَّجاعة والنَّدَىوصَبْرِ الفَتَى لَوْلاَ لِقاءُ شَعُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قال: يقول: لو أمن الناس الموت لما كان للشجاع فضل؛ لأنه قد أيقن بالخلود فلا خوف عليه، وكذلك الصابر والسخي، لأن في الخلود وتنقل الأحوال من عسر إلى يسر، وشدة إلى رخاء ما يسكن النفوس، ويسهل البؤس.

وأقول: إن قوله في الشجاع صواب، وفي الصابر والسخي بما علله من العسر واليسر وغير ذلك غير صواب. والصحيح؛ أن يعلل أمر الصابر والسخي بما علل به أمر الشجاع، فيقال إن الشجاع لو لم يتخوف الموت، ويجوز وقوع الهلاك، لما كان لإقدامه فضل. وكذلك الصابر؛ لأنه بمنزلة الشجاع لأن الصبر شجاعة، والشجاعة صبر.

وكذلك يقال في الجواد: إنه إذا أعطى ماله وهو واثق بالسلامة في غزو الأعداء، وسلب الأموال، واقتحام الأخطار في الأسفار بقطع البحار، وجوب القفار، لم يكن له بالجود فضل؛ لأنه قادر على خلف ما يعطي من غير خوف هلاك، ولا تجويز

تلف. (وهذا مثل قوله أيضا:

لولا المَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كلهُمُالجُودُ يُفْقِرُ والإقدَامُ قَتَّالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

وقوله:

وكَمْ لَكَ جَدا لم تَرَ العَيْنُ وَجْهَهُفَلَمْ تَجْرِ في آثارهِ بِغُروبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قال: يقول: إذا لم تعاين الشيء لم تعتدد به أكثر الأحوال، فلذلك ينبغي لك أن تتسلى عن عينك، كما لم تحزن لأجداد الماضين الذين لم ترهم.

وأقول: إن هذا الذي ذكره ليس بشيء! والمعنى أنه أراد تسلية سيف الدولة فقال: كم لك جدا فقد عن بعد لم تبكه، فاجعل هذا الذي فقد عن قرب بمنزلته؛ لأنه قد شاركه في الفقد، وسواء في ذلك القريب والبعيد.

وقوله:

نَزَلْنَا عن الأكْوَارِ نَمْشِي كَرامةًلِمَنْ بانَ عنه أن نُلِمَّ به رَكْبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

لم يذكر معنى البيت وهو من أغرب المعاني وأحسنها. يقول: نزلنا عن إبلنا نمشي إكراما للمحبوب الذي بان عنه؛ أي: لم يعلم أن نلم به، أي: بالربع، ركبا،

أي: لو ألممنا به راكبين، لم يعلم بذلك لبعده عنه، ولكننا ألممنا به ماشين كرامة له. فأن والفعل في موضع رفع بأنه فاعل بان عنه.

وقوله:

لَقَدْ لَعَبَ البَيْنُ المُشِتُّ بها وبيوزَوَّدني في السَّيْرِ ما زَوَّدَ الضَّبَّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

قال: الضب لا يرد الماء، وأنشد رجزا وضع على لسانه وقد قال هـ الحوت: رد

يا ضب فقال:

أصْبَح قَلْبي صَرِدَا

لا يَشْتَهِي أَنْ يَرِدَا

إلا عَرَادا عَرِدَا

وصلِيَاناً بَرِدا

وعَنْكَثاً مُلْتَبِدَا

قال: والمعنى لم يزودني البين شيئا استعين به على السير. ضربه مثلا.

وأقول: إن الضب يوصف بالذهول، وقد قالوا: أذهل من ضب وذلك أنه إذا خرج من جحره راعاه بطرفه، فإذا غاب عنه ذهل وحار!

يقول: زودني البين الذهول والحيرة بفراق الأحباب.

وقوله:

ومَنْ تَكُنِ الأسْدُ الضَّواري جُدودَهُيَكُنْ ليلُهُ صُبْحا ومَطْعَمُهُ غَصبْا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

لم يذكر ابن جني تعلق هذا البيت بما قبله واتصاله به.

وأقول: إنه لما ذكر في البيت الذي قبله لعب البين به، وأخبر أنه كثير الأسفار، قلق في البلاد، قال: فأنا في ذلك ليلي نهار ومطعمي غصب، وذلك فعل الأسد؛ لأن أجدادي أسود. وليت شعري! كيف ساغت له هذه الدعوى في أجداده بأنهم أسود، وهم يقصرون عن أن يكونوا ثعالب؟! وكأنه عاد عن هذه الدعوى فيما بعد مخافة الإكذاب؛ فشط، فاستفهم، فقال:

ولستُ أبَالي بَعْدَ إدْرَاكي العُلاأكانَ تُراثا مَا تَنَاولتُ أم كَسْبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

يقول: إذا أدركت العلا فلا أبالي أورثته عن آبائي أم أدركته بنفسي.

وقوله:

فَبُورِكتَ من غَيْثِ كأَنَّ جُلُودَنَابه تُنبتُ الدَّيباجَ والوَشْيَ والعَصْبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

قال: جعله كالغيث، وجعل جلودهم كالأرض التي تنبت إذا أصابها الغيث؛ يريد كثرة ما يعطيهم من الكسي والتحف.

وأقول إنه لم يرد كثرة الكسي والتحف، ولكن أراد ألوانها المختلفة؛ وذلك أن الغيث إذ أصاب الأرض أنبتت ألوانا مختلفة من الزهر، فكذلك الكسي التي

يعطيها، ولذلك جعلها من الوشي والعصب، وهي برود اليمن، تحوي ألوانا مختلفة، والديباج عمل الروم كذلك.

وقوله:

فَحُبُّ الجَبَانِ النَّفْسَ أورَدَهُ التُّقَىوحُبُّ الشُّجاع النفسَ أورَدَهُ الحَرْبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

قال: يرد الشجاع الحرب (إما) ليبلي بلاء يشرف ذكره في حياته به، وإما يقتل فيذكر بالصبر والأنفة بعد موته. وأنشد على ذلك أبياتا للعرب والمحدثين، وقال: المحدثون يستشهد بهم في المعاني كما يستشهد (بالقدماء) في الألفاظ. وفسر البيت الذي بعده، وهو قوله:

ويختَلِفُ الرَّزقانِ والفِعْلُ واحِدٌإلى أنْ تَرَى إحسانَ هذا لِذَا ذَنْبَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

بأن قال: إن الرجلين ليفعلان فعلا واحدا، فيرزق أحدهما ويحرم الآخر؛ فكأن الإحسان الذي رزق به هذا، هو الذنب الذي حرم به هذا.

قال: وهذا مثل قول الشاعر:

وكَمْ مِنْ مَوْقِفٍ حَسَنٍ أُحِيلتْمَحَاسِنُهُ فَعُدَّ من الذنُوبِ

قال: ومثله:

يَخِيبُ الفَتَى مِن حيثُ يُرْزَقُ غيرُهُوَيُعْطَى الفَتَى مِن حيثُ يُحْرَمُ صَاحِبُهْ
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

وأقول: إنه لم يفهم معنى البيتين، ولا ترتيب الآخر منهما على الأول.

ومعنى البيت الأول، أن الجبان يحب نفسه فيحجم طلبا للبقاء، والشجاع يحب نفسه فيقدم طلبا للثناء، والبيت الثاني مفسر للأول.

يقول: فالجبان رزق بحبه نفسه الذم لإحجامه، والشجاع رزق بحبه نفسه المدح لإقدامه، فكلاهما محسن إلى نفسه بحبه لها؛ فاتفقا في الفعل الذي هو حب النفس، واختلفا في الرزقين اللذين هما الذم والمدح، حتى إن الشجاع لو أحسن إلى نفسه بترك الإقدام، كفعل الجبان، لعد ذلك له ذنبا. فهذا هو المعنى، وهو في غاية

الإحكام بل في غاية الإعجاز، لا ما فسره.

وقوله:

وخَيْل تُثَنَّي كُلَّ طَوْد كأنهاخَرِيقُ رِياحٍ واجَهَتْ غُصُناً رطْبا

قال: وقريب من قوله: (يثني كل طود) قول أبي النجم في صفة ناقة بثقل الوطء:

تُغَادِرُ الصَّمْدَ كَظَهْرِ الأَجْزَلِ

قال: والصمد: ما غلظ من الأرض، والأجزل: البعير المنفضخ السنام. كأنه يريد أن الجيش لكثرته إذا مر بجبل جعله اثنين لشدة الوطء وكثرة الحافر.

وأقول: أحسن من هذا أن يكون يثني بمعنى يعطف، شدد للتكثير والمبالغة؛ أي: يجعل الطود الذي يمر به (متثنيا) كالغصن الرطب في اللين والانعطاف إذا مرت به الريح الشديدة.

وقوله:

أهذا جزاءُ الصِّدقِ إن كنتُ صَادِقاأهَذا جَزَاءُ الكِذْبِ (إن كنتُ كاذَبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا»

ويقوي هذا قوله فيما يليه:

بياضُ وَجْهٍ يُرِيِكَ الشَّمْسَ حَالِكَةًودُرُّ لَفْظِ يُرِيكَ الدُّرَّ مَشْخَلَبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

وقال في تفسير هذا البيت: وقد تصف العرب بالبياض كما تصف بالآدمة. قال زهير:

وابيضَ فَيَّضٍ يداهُ غَمَامَةٌعلى مُعْتَفِيِهِ ما تُغِبُّ نَوافِلُهْ

وأقول: إن العرب إذا وصفت الرجل بالبياض، مادحة له، لم ترد اللون على الحقيقة، وإنما تكني به عن وضوح شرف الممدوح وبيانه. وقد فسر قول حسان:

بِيضُ الوُجُوهِ كَرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْشُمُّ الأنُوفِ من الطَّرازِ الأوَّلِ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

على ذلك، فكنى عن ظهور شرفهم وبيانه ببياض وجوههم. وقيل: إنه كنى في النصف الثاني عن إبائهم وحميتهم بشمم أنوفهم، ذلك لتناسب الصفتين في النصفين. وفسر بيت زهير أيضا على ذلك، وهو أشبه بكلام العرب.

وقوله:

وكُلَّما لَقِي الدَّينَارُ صاحِبَهُفي مِلْكِهِ افْتَرقَا من قَبْلِ يَصطْحِبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

قال: قوله: افترقا من قبل يصطحبا مع قوله: وكلما لقي الدينار صاحبه صحيح المعنى على ما في ظاهر لفظه من مقارنة التناقض، وذلك أنه يمكن أن يقع التقاء من غير اصطحاب ومواصلة، لأن الصحبة مقرونة بالمواصلة؛ يقول: فإنما يلتقيان مجتازين لا مصطحبين.

وأقول: إنه لم ينفصل من التناقض؛ وذلك أنه اثبت الصحبة بقوله: لقي الدينار صاحبه في ملكه، ثم قال: افترقا من قبل يصطحبا فنفى المصاحبة، فالمناقضة باقية بحالها وإنما كانت المناقضة إذا قدر اسم الفاعل الذي هو صاحبه عاملا في

الجار والمجرور الذي هو قوله: في ملكه؛ لأن بذاك تثبت المصاحبة بينهما، وإنما العامل في الجار والمجرور قوله: لقي، والتقدير: وكلما لقي الدينار في ملكه صاحبه قديما في ملك غيره (أو دينارا آخر مثله) افترقا هنا قبل أن يصطحبا. فالصحبة بينهما إنما كانت في ملك غيره (أو يكون صاحبه بمعنى كغيره أو مثله في كونه دينارا).

والملاقاة، كما ذكر، تكون من غير اصطحاب كقولهم: لقيته منحدرا مصعدا، فلا مناقضة حينئذ، وهذا بين لمن تدبره وأجال فيه نظره.

وقوله:

مَالٌ كاَنَّ غُرابَ البَيْنِ يَرْقُبُهُفَكُلَّما قِيَلَ: هَذا مُجْتَد، نَعَبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

قال: بعد أن فرق بين صياح الغراب، فقال: يقال: نعب: إذا مد عنقه وصاح،

ونعق: إذا صاح ولم يمد عنقه - هذا معنى حسن.

يقول: فكما أن غراب البين لا يهدأ من الصياح، فكذلك الممدوح لا يفتر عن العطاء.

وأقول: هذا ليس بشيء!

والمعنى: أنه يصف الممدوح بكثرة تفريق ماله على المجتدين، وضرب لماله بتفريقه مثلا ما ذكر من صياح الغراب وتفريقه بين الأصحاب فقال: مال الممدوح كأن غراب

البين موكل به يرقبه، فإذا جاء مجتد نعب هنالك؛ فتفرق ماله لصياحه كما يتفرق الأحباب عند صياح الغراب.

وقوله:

إنَّ المَنِيَّةَ لو لاقَتْهُمُ وَقَفَتْخَرْقَاَء تَتَّهِمُ الإقْدَامَ والهَرَبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

قال: يقول: لو لاقتهم لبقيت متحيرة؛ تتهم الإقدام مخافة الهلكة، والهرب مخافة العار.

وأقول: هذا ليس بشيء! لأن التهمة إنما تكون فيما يشك فيه، والعار في الهرب متيقن. وإنما جعل المنية إذا لاقته بمنزلة القرن الخائف من قرنه، الحائر في أمره يخشى إن اقدم الهلاك، وإن هرب الإدراك.

وقوله:

مُبَرْقِعِي خَيْلَهمْ بالبِيضِ قد جَعَلواهَامَ الكُمَاةِ على أرمَاحِهِمْ عَذَبَا

قال: أي: قد جعلوا مكان براقع خيلهم حديدا على وجوهها؛ ليقيها الحديد إن توصل إليها.

وأقول: ليس لهم في هذا مزية على غيرهم، وكيف عبر عن صفائح الحديد التي على وجوه الخيل بالبيض؛ وهذا استعمال لم يستعمله أحد؟

والمعنى (أن) هؤلاء لا براقع لخيلهم، على الحقيقة، تقي وجوهها من السيوف

والرماح، ولكن بيضهم، أي سيوفهم، تقوم مقام البراقع في حفظ رؤوسها، لنجدتهم وحسن مراسهم في الحرب، ولإحجام أعدائهم عن الإقدام عليهم، وهذا مثل قوله:

لقوه حَاسِراً في دِرْعِ ضَرْبٍ ............

وكقوله:

............... لَبِسْنَا إلى حَاجَاتِنَا (الضرَّبَ والطَّعْنَا)

وقوله:

حَاوَلْن تَفْدِيتَي وخِفْنَ مُراقِباًفَوَضَعْنَ أيْدِيهُنَّ فَوْقَ تَرائِبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

قال: أي أشرن إلي من بعيد، ولم يجهرن بالسلام والتحية خوف الوشاة والرقباء.

وقال الواحدي: الإشارة بالسلام، لا تكون بوضع اليد على الصدر. وإنما المعنى: أنهن طلبن أن يقلن لي: نفديك بأنفسنا، وخفن الرقيب، فنقلن التفدية من القول إلى الإشارة بوضع الأيدي على الترائب (وهو الصحيح).

وقوله:

شَدِيدُ الخُنْزُوانةِ لا يُبَاليأصَابَ إذا تَنَمَّرَ أَمْ أُصِيَبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

قال: أراد: أأصاب، فحذف همزة الاستفهام ضرورة، وقد جاء مثله، وأنشد سيبويه:

لَعَمْرُكَ مَا ادْري وإنْ كُنْتُ دَارياشُعَيْبُ بن سَهْمٍ أم شُعيبُ بن مِنْقَرِ
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «لعمرك ما أدري وإن كنتُ داريا»

وأقول: ليس حذف الهمزة هنا بضرورة، وليس هذا مثل البيت الذي استشهد به، وذلك أنه يقال: وصاب بمعنى؛ لغتان، وقد قال أبو الطيب:

ورَمَى وما رَمَتَا يداه فَصَابني.........

فقد جمع، في هذا، بين اللغتين كما قال:

......... أَسْرَتْ إليكَ ولم تَكُنْ تَسْري

وقوله:

كأن دُجَاهُ يَجْذِبُهَا سُهَاديفَلَيْسَ تَغيبُ إلاَّ أنْ يَغِيبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

قال: أي: فكما أن سهادي لا تغيب عني فكذلك هذا الليل لا يغيب عني لتعلق أحدهما بصاحبه.

واقول: المعنى، أن سهادي ثابت لا يزول، وكأن الدجى متصلة بسهادي متعلقة به، فهو يجذبها ويمنعها من أن تغيب، أي: من الزوال والانقضاء. فإذا كان سهادي ثابتا لا يغيب، أي: لا يزول، فالدجى ثابتة لا تزول، لأنها متصلة به كالسبب والمسبب، وكأن هذا من قول امرئ القيس:

فيالكَ من لَيْلٍ كأنّ نجومَهُبكُلَّ مُغَارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بَيذْبُلِ

وقوله:

ولما قَلَّتِ الإبلُ امْتَطَيْنَاإلى ابن أبي سُليمانَ الخُطوبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

قال: يقول: كأن هذه الشدائد أكلتني، فكنت بمنزلة أرض أكل جميع ما كان عليها من نبت فأجدبت.

وأقول: أنه عرض للممدوح بإقتاره ورقة حاله بقوله: ولما قلت الإبل لأن الإبل ليست بقليلة إلا على المعسرين، أي: ركبنا ما لا يشبه الإبل، وهي الشدائد، لأن الإبل ترتع في نبت الأرض، والشدائد ترتع فينا، أي: تنهك أجسامنا وأموالنا، ولما استعار للخطوب الرعي استعار لجسمه الجدب، للمناسبة التي بينهما، وذكر أنه فارق الشدائد، بوصوله إلى الممدوح (في قوله بعد ذلك:

............ فما فارَقْتُها إلاَّ جَديبَا)

ليلزمه الإحسان إليه، والإنعام عليه.

وقوله:

إليك فإني لستُ مِمنْ إذا اتَّقَىعِضَاضَ الأفَاعي نَامَ فوقَ العَقَاربِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

قال: يقول: لست ممن إذا اتقى عظيمة صبر على مذلة وهوان؛ تشبه العظيمة بالأفاعي، ويشبه الذل بالعقارب، وكل مهلك، أي: إذا كرهت أمرا عظيما، لم أصبر على مكروه دونه، بل أبى الجميع، صغيره وكبيره.

وأقول: (هذا بضد شرحه لقوله:

......... ولم تَدْرٍ أنَّ العارَ شَرُّ العَواقِبِ

بقوله: أي: تخوفني الهلاك وهو عندي دون العار الذي أمرتني بارتكابه......).

ولو شبه الأفاعي بالمهالك، والعقارب بالأذى والنمائم والمكائد لكان أولى، وقد قال أبو النشناش:

وللْمَوْتُ خَيْرٌ للفَتَى من قُعودِهِعَديماً، ومن مَوْلى تَدِبُّ عَقارِبِهُ

أي: لست ممن يصبر على الأذى والضيم لخوف المهالك.

وقوله:

بأيَّ بلاَدٍ لم أَجُرَّ ذَوَائبيوأيّ مَكَانٍ لم تَطَأهُ رَكَائبي

قال: أي: لم أدع من الأرض موضعا إلا جولت فيه، إما متغزلا أو غازيا.

وأقول: إن قوله: لم تطأه ركائبي لا يدل على (الغزو)، ولو قال: سوابقي لأنه يحتمل أن يكون لوفادة أو لغيرها.

وقوله:

يقولونَ تأثيرُ الكَواكبِ في الوَرَىفما بَالُهُ تأثيرُهُ في الكَواكِبِ!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

قال: يقول: هو يؤثر في الكوكب، فكيف قال الناس: إن الكواكب تؤثر في الناس؟! يعجب من ذلك ويعظم أمره؛ وذلك أنه يبلغ من الأمر ما أراد فكأن الكواكب تبع له.

وأقول: هذا المعنى الظاهر. وقد قال غيره: إنه أراد، بتأثيره في الكواكب، تغطيتها

وإخفاءها بما تثيره سنابك الخيل من العجاج حتى يخفى (نور) الشمس في

النهار فتظهر الكواكب، فإن كان المعنى ذلك فهو من قوله:

والشَّمسُ طَالعةٌ لَيسَتْ بكاسِفِةٍتَبْكِي عَلَيْكَ نُجومَ اللَّيْلِ والقَمَرا

وقوله:

حَمَلْتُ إليه من لِسَاني حَدِيقَةًسَقَاهَا الحِجَى سَقْيَ الرَّياضِ السَّحَائبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

قال: جعل لسانه حديقة مجازا، وتشبيها للثناء بنور الروضة.

وأقول: إن اللسان يحتمل أن يكون العضو الذي يتكلم به، وأن يكون الكلام نفسه كقول، الحطيئة:

نَدِمْتُ على لِسَانٍ كانَ مِنَّيفليتَ بأنَّهُ في جَوْفِ عِكْمِ

فإذا جعل اللسان الكلام كان هو الحديقة (كما ذكر).

وإن جعل اللسان العضو لم يكن الحديقة، وكانت الحديقة منه، وهي النظم يحسنه ويزينه.

وقوله:

كأنَّ كلَّ سؤالٍ في مَسَامِعِهِقميصُ يُوسُفَ في أجفَانِ يَعْقُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

قال: يقول: يفرح بكل سؤال فرحة يعقوب بقميص يوسف؛ كرما وسخاء.

وأقول: المعنى أن سمعه ينتفع بسؤال العفاة، كانتفاع أجفان يعقوب بقميص يوسف، وذلك إشارة إلى قوله تعالى: (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا).

فإن قيل: فهذا يناقض قوله في مكان آخر:

والجِرَاحَاتُ عندَهُ نَغَماتٌسَبَقتْ قَبْلَ سَيَبْهِ بسُؤالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

أي: يستضر بنغمات السؤال قبل العطاء؛ كاستضراره بالجراحات.

فيقال: لا يع هذا تناقضا وعيبا، ولكن يعد هذا حذقا وتوسعا وصناعة من الشاعر،

فيمدح بشيء في موضع، ويجعله ذما في موضع آخر. ألا ترى إلى مديح الشعراء الشجعان والأجواد بتشبيههم لهم بالأسود والبحار، وإلى قول أبي الطيب:

ولَوْلاَ احْتِقَارُ الأُسْدِ شَبَّهْتها بهمولكنَّها مَعْدُودَةٌ في البَهَائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

وإلى قول بعض شعراء المغرب:

سألتُ أخَاهُ البَحْرَ عنه فقال ليضقِيقِيَ إلاَّ انَّهُ السَّاكِنُ العَذْبُ
لنا دِيمَتَا ماءٍ ومَالٍ فَديمَتيتَمَاسَكُ أَحْيَاناً ودِيَمَتُهُ سَكْبُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

وقوله:

وأخْلاقُ كافُورٍ إذا شِئْتُ مَدْحَهُوإنْ لَمْ أَشَاْ تُملِي عليَّ وأكْتُبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

قال: قوله: شئت مَدْحَهُ وإنْ لم أشَأْ فأخلاقه تعرب عن فضله وكرمه.

وقوله: وإن لم أشأ فيه ضرب من الهزء، وهكذا عامة شعره فيه.

وأقول: إن قوله: وإن لم أشأ ليس فيه ضرب من الهزء، كما ذكر، بل فيه ضرب من الجد؛ يقول: تلزمني أخلاقه مديحه، وإن لم أرده، فكأنها هي المادحة له؛ لأنها تملي علي وأنا أكتب، وهذا ينظر إلى قوله:

يُقِرُّ له بالفَضلِ من لا يَوَدُّهُ.........

(وهو) من قول الآخر:

......... والفَضْلُ ما شَهِدَتْ به الأعداءُ

وقوله:

أَبَا المِسْكِ هَلْ في الكأسِ فَضْلٌ لشَارِبٍفإنَّي أُغَني منذُ حِينٍ وتشربُ

قال: ضرب هذا له مثلا؛ يقول: مديحي يطربك كما يطرب الغناء الشارب.

وأقول: إنه جعل الملك (أو الغنى) في يده كالكأس، وجعل مديحه له كالغناء الذي يطربه، وجعل نفسه بإنشاده كالمغني، وهو يشرب ولا يسقيه، وذلك بخلاف ما تقتضيه العادة والمروءة وهذا فيه توبيخ له.

وقوله: منذ حين استبطاء لمعروفه.

وقوله:

إذَا لَمْ تَنُطْ بي ضَيْعَةً أوْ وِلاَيَةًفَجُودُكَ يَكْسُوني وشُغلُكَ يَسْلُبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

قال: إذا لم تنط بي، أي: تسند إلي جيشا، ولم تهب لي ضيعة، فليس في دخلي كفاء لخرجي؛ يريد كثرة مئونته وقلة فائدته.

وأقول: ليس في كلامه ما يدل على أن ليس في دخله كفاء لخرجه، ولا على كثرة

المؤونة وقلة الفائدة، وإنما كان كافور قد وعده بأن يوليه ويقطعه، فجعل يسوفه ويمطله، وجعل يعطيه الشيء بعد الشيء ما يقوم بمئونته ومؤونة دوابه وغلمانه، فلما طال عليه ذلك قال له: إذا لم تنط بي ما وعدتني، وأعطيتني شيئا لا يبقى لي، ولا يفضل عني لأني أخرجه أولا فأولا، فكأنك لم تصنع شيئا، فجعل جوده في إعطائه له هذا الشيء اليسير بمنزلة الكسوة، وشغله له وقطعه عن التسبب بمنزلة السلب، فهذا هو المعنى.

(وقد روي: وشغلك، بفتح الشين، وذلك مما يدل على ما قلت).

وقوله:

وكُلُّ تمرْئ يُولي الجميلَ مُحَبَّبٌوكُلُّ مَكَانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيَّبُ

قال: قوله: ينبت العز استعارة حسنة؛ أي: من حصل بين يديك عز وعلا قدره.

وأقول: لا شك أن الاستعارة حسنة، ولكنه لم يفهم معنى البيت. ومعناه: أنه لما ذكر أهله وأوطانه فيما قبله، وذكر حنينه اليهم، وفضل كافورا عليهم في مقامه عنده، وانقطاعه إليه قال: لا ينبغي للإنسان أن يحن إلى الأهل والوطن إذا لم يوافق، وإن كان الأهل محببين، والوطن طيبا، بل المرء الذي يولي الجميل هو المحبب على الحقيقة، وكذلك المكان الذي ينبت العز هو الطيب، ويعني بذلك مقامه عند كافور لأنه بهذه المثابة.

وقوله:

وعَنْ ذَمَلانِ العِيس إنْ سامَحَتْ بهوإلاّ فَفِي أَكْوارِهِنَّ عُقَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: إن سمحت العيس لي بسيرها وإلا ففي أكوارها مني عقاب، فلا حاجة لي إلي سيرها؛ فأنا أقطع المفاوز على قدمي.

وأقول: إنه لم يفهم المعنى، ولا تنبه له أحد من بعده (والتقدير: أنا غني عن الأوطان والحنين إليها وعن ذملان العيس، وإلا اغن عنهما - لما يعرض لي من سوء المقام عند من أنا مقيم عنده - فإني خفيف في السير والاضطراب، كأني في أكوار العيس عقاب، فجعل الكور كالوكر له وهو آلف له معتاد كالعقاب).

(وقوله:

وأَكْثرُ مَا تَلْقَى، أبا المِسْكِ بِذلَةإذا لم يَصُنْ إلاَّ الحَديدَ ثِيَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: إذا تكفرت الأبطال فلبست الثياب فوق الحديد خشية واستظهارا؛ فذلك الوقت أشد ما يكون تبذلا للضرب والطعن شجاعة وإقداما.

وأقول: ليس المعنى في التقدير كما...)

وقوله:

لو دَرَتِ الدُّنيَا عندَهُلاسْتَحْيَت الأيامُ من عَتْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»

قال: يقول: لو علمت الدنيا بما عنده من الفضل والنفاسة، لاستحيت الأيام من عتبه عليها.

وأقول: إنها تعلم بما عنده من الفضل والنفاسة، ولكنها لا تعلم ما عنده من الحزن والكآبة، (ولهذا) اعتذر لها بما ذكره فيما بعد.

وقوله:

هُنَّ الثَّلاثُ المَانِعَاتِيِ لذتيفي خَلْوَتي لا الخَوْفُ من تَبِعَاتِهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

قال: يقول: إنما أترك لذتي في خلوتي، لما في المروءة والفتوة والأبوة، لا لما

يتخوف من تبعات اللذة، وهذا سرف نعوذ بالله منه.

وأقول إن أبا الطيب أطلق اللفظ بذكر التبعات، ولم يقيد بالتبعات التي تتخوف من قبل أهل المحبوب من قتل وقتال، وتوعد وتهدد، فذلك أراد، ولم يرد التبعات التي تلحقه من الآثام التي يكون الله - سبحانه - هو المطالب بها والمجازي عليها في الآخرة.

وقوله:

عَجَباً لهُ حَفِظَ العِنَانَ بأَنْمُلٍما حِفْظُهَا الأشْياَء من عَادَاتِها!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

قال: يقول: كيف حفظ العنان بأصابعه، وإنما من شأنها، ابدا، العطاء والبذل، لا الحفظ.

وأقول: إن كان أراد بالحفظ إمساك الشيء ولزومه طويلا، كإمساك المال، فليس من عاداتها.

وإن أراد بالحفظ إمساك الشيء ولزومه، على الجملة، كلزوم السيف في الحرب وحفظه، وإمساك الرمح والقلم والكتب، فهي كذلك وهو من عاداتها.

وكأنه أراد بقوله: الأشياء التي تتمول وتقتنى من الذهب والفضة، ونفائس الذخائر من الثياب والجواهر والخيل والعبيد، فإن ذلك ليس من عاداتها، فأطلق بقوله:

الأشياء وهو يريد بعضها، وهذا كثير في استعمالهم كقوله - تعالى -: (وأوتيت من كل شيء) وقوله: (تدمر كل شيء) وقول أبي الطيب:

يقولُ لِيَ الطَّبيبُ أكَلْتَ شَيْئاً.........

أي: شيئا ضارا.

وقوله:

لا تَعذُلُ المَرَضَ الذي بِكَ شائِقٌأنْتَ الرَّجَالَ وِشَائقٌ عِلاتِها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أقول: إن هذه (الأبيات) في وصف المرض من أغث شعر قيل فيه وأبرده، وأناه

عن الصواب وأبعده. ومثلها الأبيات التي في فصد بدر بن عمار، بل تلك تربي عليها في الثقالة وتزيد في الإحالة، (وهي التي منها: (المنسوخ)

لم تُبْقِ إلاَّ فَبيلَ عافيةٍقَدْ وفَدَتْ تَجْتَديكَها العِلَلُ

وتلك بشارة....) وهذا إنما يوقعه فيه طلب التدقيق، فيخرجه عن المجار والتحقيق، فلا يأتي منه بما يستفاد، فضلا عما يستجاد.

وقوله:

ووَجْهُ البَحْرِ يُعْرَفُ من بَعِيدٍإذَا يَسْجُو، فكيفَ إذا يَموجُ!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

قال: قوبه: يموج لأنه رآه يدير الرمح فشبهه بالبحر المائج.

وأقول: الأظهر أنه وصف الجيش بالبحر وجعل سيف الدولة وجهه، لأنه أعلاه ومقدمه؛ فيكون فيه مدح له ولجيشه بأن جعل جيشه كالبحر في عظمه وتموجه، وسيف الدولة وجهه لعلوه، وشرفه وإقدامه.

وقوله:

نَازَعْتُهُ قُلُصَ الرَّكابِ ورَكْبُهُخَوْفَ الهَلاكِ، حُدَاهُمُ التَّسْبِيحُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

قال: نازعته، أي أخذت منه بقطعي إياه، وأعطيته ما نال من الركاب.

وأقول: الذي قاله ليس بشيء!

وإنما هو من نازعت فلانا الشيء إذا جاذبته إياه.

يقول: نازعت هذا البلد الطويل الإبل لاستنقذها منه؛ لأنه يجذبها ليهلكها، وأنا أجذبها لأنجيها وأنجو عليها. وهذا من أفصح كلام وأحسن استعارة، (وقلما يقع لمحدث مثله).

وقوله:

جَهْدُ المُقِلَّ فَكَيْفَ بابْنِ كَريمةٍتُوليهِ خَيْراً واللَّسَانُ فَصيِحُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

قال: يقول: الشكر جهد المقل، فكيف ظنك بكريم شاعر فصيح؛ يعني نفسه!

وأقول: إن قوله: الشكر جهد المقل خطأ، وإنما يريد ما ذكره من وصف الرياض في البيت الذي قبله، وهو قوله:

وذَكيُّ رائحةِ الرَّياضِ كَلامُهَايَبْغي الثَّنَاَء على الحَيَا فَيَفُوحُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

قال الواحدي: ذاك (من الرياض) جهد المقل؛ لأنها لا تملك النطق ولا تقدر من

شكر السحاب إلا على ما يفوح منها من الروائح الطيبة، فكيف ظنك بابن كريمة - يعني نفسه - تحسين إليه وله لسان فصيح يقدر في الثناء (على) ما لا تقدر عليه الرياض؟

وقوله: (الرياض)

يَرُدُّ يداً عن ثَوبِهَا وهو قَادِرٌويَعْصي الهَوَى في طَيْفِها وهو رَاقِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

قال: لو أمكنه في موضع قادر يقظان لكان حسنا لكنه لما لم يجد إليه سبيلا، شحا على الوزن، جاء بلفظ كأنه مقلوب راقد، وهو قادر لقرب اللفظ في التجانس. على أن في البيت شيئا وهو أن الراقد قادر أيضا لأنه قد يتحرك في نومه ويصيح، ولكن لما كان ذلك لغير قصد وإرادة صار كأنه غير قادر.

ومعنى البيت: إنه يعصي الهوى من منازعته إياها راقدا ويقظان؛ يصف نفسه بالنزاهة.

وأقول في قوله: لو أمكنه في موضع قادر يقظان لكان حسنا: لو أراد ذلك

لأمكنه أن يجعل موضع يقظان لأنه في معناه وأحسن منه لأنه على وزن راقد وليس كذلك يقظان، ولم يرد ذلك لأن اليقظان قد يكون غير قادر، والقادر على الملامسة لا يكون إلا يقظان، وهذا يفسد قوله في النائم إنه قادر، فالأخذ الذي أخذه عليه غير صحيح، والصحيح ما ذكره أبو الطيب؛ (يقول: يعف عن الحبيب في اليقظة وعن طيفه في النوم. وهذا من قول الآخر:

ماذا يُريدُ النَّاسُ مِنْ رَجُلٍخَلُصَ العَفافُ الأنامِ لَهُ
إن هَمَّ في حُلْم بفاحِشَةٍزَجَرْتهُ عِفَّتُهُ فينتَبِهُ
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة

وقوله:

وأورِدُ نَفْسي والمُهَنَّدُ في يَدِيكَوَارِدَ لا يُصْدِرْنَ من لا يُجَالِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

قال: أي: من وقف مثل موقفي في الحرب، ولم يكن شجاعا جلدا هلك.

وأقول: لم يفهم المعنى وهو: إني أورد نفسي موارد من الحرب لا ينجي فيها الفرار، لشدتها وضيقها وصعوبتها، ولا ينجي غيها إلا الجلاد. وكأن أبا الطيب وقف على قول

المهلب لابنه يزيد في بعض أيامه من الخوارج - وكان على رأسه (فوق البيضة) قلنسوة محشوة، وإن قطنها ليتطاير من ضرب السيوف -: هذا يوم لا ينجو فيه إلا من صبر! ذكر ذلك أبو العباس في الكامل.

وقوله:

وغَلَّسَ في الوَادي بهنَّ مُشَيَّعٌمُبَاركُ ما تَحْتَ اللَّثَامَيْنِ عَابِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

(أقول): اشتغل (ابن جني) بذكر الفرق بين اللثام واللفام، فذكر عن الفراء وأبي زيد أن الذي على طرف الأنف بالثاء، والذي على الأنف بالفاء، عن معنى قوله: تحت اللثامين وهما: لثام العمامة ولثام المغفر، ومبارك ما تحتهما يعني وجهه، يقال: فلان مبارك الوجه وميمون النقيبة، فيكنى بذلك عن الجملة كقوله - تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة) و (وجوه يومئذ ناعمة).

وقوله:

فَتَى يَشْتَهِي طولَ البِلادِ وَوَقِتِهتَضيقُ به أَوقَاتُهُ والمَقَاصدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

قال: أي يشتهي طول البلاد ووقته، والزمان يظهر ما عنده من الفضل والكمال، ومع ذلك تضيق به مقاصده.

وأقول: ليس في اللفظ ما يدل على ما ذكره من إظهار الزمان ما عنده من الفضل والكمال. ولكن: تضيق في موضع الحال.

يقول: إن الممدوح، لعظمه وعظم همته يشتهي طول البلاد وطول وقته، في حال ضيق أوقاته به ومقاصده ليبلغ من ذلك ما يليق به (وما يشابهه. ومثله قوله فيه:

ضَاقَ الزَّمَانُ وَوَجْهُ الأرضِ عن كَلِكِملءِ الزَّمان وملءِ السَّهْلِ والجَبَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

وقوله:

أَخُو غَزَواتٍ ما تُغِبُّ سيُوفُهُرِقَابَهُمُ إلاَّ وسَيْحانُ جَامِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

قال: أي: ما يغبهم إلا لجمود الماء.

وأقول: هذه عبارة ليست بتلك الجيدة؛ لأنه يقال: فجمود ماء شيحان مما يعينه على غزوهم، ويسهل له الدخول إليهم، (لأنه، كما ذكر أنه يجمد بحيث تدخل عليه المارة

والناس والدواب فيحملهم). ولو قال: ما يغبهم إلا لشدة البرد بهجوم الشتاء، كان أجود، وذلك أن قوله: وسيحان جامد في موضع الحال، أي: في حال جمود نهرهم المعروف سيحان، وذلك يدل على شدة البرد فيمتنع الغزو.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.