من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)
المآخذ على شرح ابن جني الموسوم بالفسر (٦)
قال: يراه القطا ماء معينا فيهم بوروده، ويشفقن من لجب وفوده.
(وأقول:) وقال الواحدي: إنه لعموم نفعه تهم الطير بالوفود عليه لتنفع غلتها، ليس أنه ماء يشرب، أو تراه الطير ماء كما ذكر (الشيخان).
وقوله:
يَدْري بما بكَ قبلَ تُظْهِرُهُ لهمن ذِهْنِهِ ويجيبُ قَبْلَ تُسَائِلُ
قد قيل في هذا البيت إن صدره فيه لين وضعف وعجزه رديء فاسد، وذلك أن المجيب قبل السؤال منسوب إلى الخفة والعجلة.
ويقال أيضا: إن الجواب لا يكون إلا بعد السؤال، فقوله:
......... ويجيبُ قبلَ تُسَائِلُ
خطأ، وإنما ينبغي أن يقول: ويخبرك بأمرك قبل تسائله. وكأنه أقام يجيب مقام يخبر وهو ضعيف. وقد كرر هذا المعنى في مواضع من شعره، هذا أضعفها، منها
قوله:
ذَكيٌّ تَظَنَّيهِ عَيْنِهِيَرَى قلبُهُ في يَوْمِهِ ما تَرَى غَدَا
وقوله:
مُسْتَنْبَطٌ من عِلْمِهِ ما في غَدٍفكأنَّ ما سيكونُ فيهِ دوَّنَا
وهذا معنى متداول بين الشعراء، وأظن أن السابق إليه أوس في قوله:
الأَلَمعِيُّ الذي يَظُنُّ لك الظَّنَّ كأنْ رَأَىَ وقد سَمِعَا
وقوله:
لو طَابَ مَوْلِدُ كلَّ حيًّ مثلَهُوَلَدَ النَّسَاءُ ومالهُنَّ قَوابِلُ
قال: أي: لم يحتجن إلى من يشارفهن ويشاهد المستور من أحوالهن وقت الولادة.
وقد قيل في هذا البيت: هذا كلام فحواه أن طيب المولد هو سهولة الولادة، وكم
من سهل الولادة بطيب المولد، فلا يتعلق العجز بمعنى الصدر.
فيقال لقائل ذلك: فما تعني أنت بطيب المولد؟ فإن قال: الكرم والنجابة وحسن الأخلاق وطيب الأعراق، حسن أن يضاف إلى ذلك أيضا سهولة الولادة، وطهارة الوالدة والولد والمكان، وترك الاستعداد إلى ما تحتاج إليه القوابل في أمر النسوان كما
يُحكى عن فاطمة بنت أسد - رحمها الله - حين أخذها الطلق أن أبا طالب أعلم النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بأمرها فأدخلها الكعبة فولدت فيها عليا ﵇ ولم تر دما!
وقوله:
وإذَا أتَتْكَ مَذَمَّتي من نَاقِصٍفَهْيَ الشَّهَادَةُ لي بأني فَاضِلُ
قد أخذ على أبي طيب في هذا البيت بأن الناقص يذم الفاضل وغير الفاضل لسوء فهمه وقلة تمييزه، فإذا ذمه فلا يدل على أنه فاضل.
(وأقول:) وهذا ليس بشيء! وذلك أن الناقص إنما يذم الفاضل لفضله حسدا له عليه، لنقصه، فالناقص لا يذمه لأنه لا يحسده، أو للمناسبة التي بينهما - وهذا المعنى من قول أبي تمام:
لقد آسَفَ الأعداَء مَجْدُ ابن يوسُفٍوَذو النَّقْصِ في الدُّنيا بذي الفَضْلِ مولِعُ
أو كلاهما من قول مروان بن أبي حفصة:
ما ضَرَّني حَسَدُ اللئامِ وَلَمْ يَزَلْذو الفَضْلِ يَحْسِدُهُ ذوو التَّقْصيرِ
وقوله:
مَنْ لي بِفَهْمِ أُهَيْلِ عَصْرٍ يَدَّعيأنْ يَحْسُبَ الهِنديَّ فيهم باقِلُ
(أقول:) قد ذكرت في غيره من الشروح ما ذكر من اخذه عليه في هذا، والجواب عنه، لأن غيره أخذه منه.
وقوله:
وإسْحَاقُ مَأمُونٌ على مَنْ أَهَانَهُولكِنْ تَسَلَّى بالبكاءِ قَلِيلاَ
قال: يأمنه من أهانه لسقوط نفسه. ولو قال ها هنا: تجمل بالبكاء لكان أشبه.
وقيل له: ليس في البكاء هنا جمال، إنما هو ضعف ووهن، ولكن تسلى
أوقع كما قال الرجل.
وأقول: إنما قال: تسلى بالبكاء وذلك أنه إذا أهين حزن، وكئب، واهتم لذلك، فالأبي ذو الأنفة والنفس العزيزة يكون تسلية من ذلك بالانتقام ممن قصد هوانه. والدنيء الذليل الضعيف يكون تسليه بالبكاء يستروح به كالنساء، ليس لهن تسل بغيره، فهو مأمون على من أهانه.
وقوله:
أنَا مَنْ بَعْضُهُ يَفُوق أبا البَاحِثِ، والنَّجْلُ بَعْضُ من نَجَلَهْ
قال: معناه: أنا أفوق أبا من يبحث عني، إلا أن صنعة الشعر قادته إلى هذا النظم وليس لضرورة.
فيقال له: ليس فيه ضرورة - كما تقول - ولكن فيه زيادة لا تعلمها! وهي في قوله:
............ والنَّجْلُ بعضُ من نَجَلَه
يقول: أنا بعض أبي، والباحث بعض أبيه، فبعض أبي - وهو أنا - يفوق كل الباحث وهو أبوه! وهذه قضية عقلية من مقدمتين ونتيجة:
فالمقدمة الأولى: أن الكل أفضل من البعض.
والثانية: أن الإنسان بعض أبيه.
والنتيجة: أنه إذا فضل شيء الكل وجب أن يفضل البعض.
فعلى هذا إذا فضلت أبا الباحث وجب أن أفضل الباحث لأنه بعضه، ووجب أن يفضله ويفضل أباه أبي لأنني أنا فضلتهما وأنا بعضه، فما ظنك بالكل!
وقوله:
إِذَا العِدَا نَشِبَتْ فيهم مَخَالِبُهُلم يَجْتَمِعْ لَهُمُ حِلْمٌ ورِئبَالُ
قال: كأن في هذا البيت ضربا من الاعتذار لعدوه الملقبه بالمجنون مع الهزء به؛ لأنه يرى من إقدامه وتعجرفه في الحرب، ورميه بنفسه في المهالك، وما يبعده عن الحلم عنده فلذلك لقبه مجنونا.
فيقال له: بل في هذا البيت ضرب من الاعتذار إلى عدوه لفتكه بهم، وقتله لهم، وترك إبقائه عليهم، وعدم حلمه عنهم بجعله أسدا، والأسد ليس عنده ذلك، فهذا عذر له إليهم، لا عذر لهم إليه.
وفيه أيضا إشارة إلى تلقيبه بالمجنون؛ لكونه على صفات الأسد الذي ليس له عند الفرس، تثبت ولا تأمل ولا إبقاء.
وقوله:
فَوَلَّتْ تُرِيغُ الغَيْثَ والغَيْثَ خَلَّفَنْوتَطلُبُ ما قَدْ كان في اليدِ بالرَّجْلِ
قال: لو ظفرت بالكوفة، وما قصدت له لوصلت إلى منازل الغيث باليد.
فيقال له ولغيره ممن فسر هذا البيت: أطلت الحز ولم تصب المفصل! فدع ما قلت لغوا، وخذه من المآخذ على الواحدي عفوا!
وقوله:
لو أنَّ فَنَّا خُسْرَ صَبَّحَكُمْوَبَرَزْتِ وَحْدِك عاقَهُ الغَزَلُ
قال: ما أحسن ما كنى عن الانهزام بقوله:
............ عاقَهُ الغَزَلُ
فيقال له: أطو ثوب هذا البيت على غره، فلست بأبي عذره، وأطلع من مأخذ (ي) على التبريزي على غامض سره!
وقوله:
لَوْ جَذَبَ الزَّرَّادُ من أّذْيَالي
مُخَيَّراً لي صَنْعَتَيْ سِرْبَالِ
ما سُمْتُهُ سَرْدَ سِوَى سِرْوَالِ
قال: لو عرض علي الزراد صنعتين من الدروع مخيرا لي بينهما لما طلبت منه إلا أن يصنع لي سراويل من حديد تحصن بها عورتي، ولا أبالي بعد ذلك بانحسار سائر جسدي. وهذا، في أنه أراد تحصين بعض جسده دون بعض، يشبه ما يحكى في الخبر من أن درع أمير المؤمنين ﵇ كانت صدرا بلا ظهر، لأنه لم يول قط،
إلا أنه أخفى الأخذ بنقله التحصين من عضو إلى عضو آخر، وهذا من عاداته. ولفظ المتنبي أشد مبالغة من لفظ الخبر؛ إلا أن الخبر حق وهذه دعوى منه.
فيقال له وللمتنبي: ما الحاجة إلى هذه السراويل من حديد؟ إن كانت لأجل التحصين من الفحشاء فالتحصن بدرع العفاف بغني عنها وأوفى منها، وإن كان لحفظ العورة وسترها من الانكشاف، وعورة الرجل دبره، فلا يول الدبر ولا يحتج إلى ستر العورة خوف الانكشاف، وليفعل كفعل علي - عليه أفضل الصلاة والسلام - ما لا فائدة فيه ولا عائدة له.
وقوله:
وُلِدْنَ تَحْتَ أَثْقَلِ الأَحَمَالِ
قال: يعني بأثقل الأحمال: الجبال.
وقيل له: (كيف) تكون الجبال فتولد تحتها، وهي بالضد من ذلك تولد في أعاليها؟ وإنما أراد بأثقل الأحمال: القرون، وهي وإن لم تكن في حال الولادة موجودة؛ فإنها ستوجد فيما بعد لا محالة، فكأنها موجودة، والبيت الذي بعده:
قَدْ مَنَعَتْهُنَّ مِنَ التَّفَالي
يدل على أنها القرون.
وقوله:
لهَا لِحى سُودٌ بلا سِبالِ
قال: أراد بسبال أسبلة، فوضع الواحد موضع الجمع كما قال الشماخ:
أَتَتْنِي سُلَيْمٌ قَضُّهَا بِقضِيضِهَاتُمَسَّحُ بالبَقِيع سِبَالَهَا
فيقال له: بل السبال جمع سبلة، مثل أكمة وإكام، وهو ما انسبل من شعر الشارب في اللحية.
هذا قول ابن دريد. وقال: إن السبال طرف اللحية، وهو الذي قصده ابن جني؛ واحد في موضع الجمع، والأول أولى؛ لأنه جمع على الحقيقة.
وقوله:
وقد بَلَغْتَ غايةَ الآمَال
فَلَمْ تَدَعْ مَنها سِوى المُحالِ
في لا مَكانٍ عِنْدَ لا مَحالِ
قال: أرجو له - عفا الله عنه - أن لا يكون أراد بهذا القول، الغمز على أهل التوحيد، أن ما لم يحوه مكان، ولم يصر إليه مثال فهو محال. وهذا محال لأن الله تقدست أسماؤه، وجل ثناؤه لا يحويه مكان، ولا يُدرَك وهو حق الحق.
فيقال له: قوله:
وقد بَلَغْتَ غَايَةَ الآمالِ
يعني: من أفعالك وأمور دنياك، ينفي عنه ذلك التوهم الفاسد، وذلك أن هذه الأشياء ما لم تكن منها في مكان وله مثال يمثله الخاطر أو يراه الناظر، فهو محال لا محالة. فعلى هذا لا يكون قد أراد ما توهمه من أنه غمز على أهل التوحيد في إثبات ذات الباري على هذه الصفة، لأنه - سبحانه - ليس مما يبلغ
بالآمال ويدرك بالأفعال.
وقوله:
وفَاؤكُمَا كالرَّبْعِ أشْجَاهُ طاسِمهْبأنْ تُسْعِدا والدَّمْعُ أَشْفَاهُ سَاجُمهْ
قال: معنى البيت: كنت أبكي الربع وحده، فصرت أبكي وفاءكما معه.
وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى: أنه يخاطب صاحبيه؛ يقول: وفاؤكما بأن تسعدا بالدمع كالربع؛ أي: ينبغي أن يكون الإسعاد بالبكاء علي وفق الربع في حال أشجاه للمحب (طاسمه)، وفي حال أشفى الدمع للمحب ساجمه. وكأن في هذا إشارة إلى أن صاحبيه لم يفيا له بالإسعاد، وأنهما قصرا معه في البكاء فلهذا قال، فيما بعد:
وقَدْ يَتَزَيَّا بالهَوَى غَيْرُ أَهْلِهِويَسْتَصْحِبُ الإنسَانُ من لا يُلائِمُهُ
يقول: هذان الصاحبان اللذان سمتهما الإسعاد بالبكاء، متصنعين بالهوى متكلفين له، غير ملائمين لي ولا موافقين لطباعي، فهذا المعنى الذي يقتضيه اللفظ وتدل عليه القرائن ويتبين به الإعراب.
وقوله:
بَلِيتُ بِلَى الأطْلاَلِ إنْ لم أقف بهاوقُوفَ شَحيحٍ ضَاعَ في التُّرْبِ خَاتِمُهُ
قال: وقد ذهبوا إلى نقصان هذا البيت؛ فإن وقوف الشحيح على طلب خاتمه ليس مما يتناهى في ضرب المثل به. وأجاب عنه بأن هذا شبيه بقوله تعالى: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) ثم قال: وليت شعري! هل يبلغ من ضوء الكوة التي فيها مصباح إلى أن تفيء بنور الله؟! ولكن العرب كما تبالغ في وصف الشيء، وتتجاوز
الحد، فقد تقصد أيضا وتستعمل المقاربة، واستشهد على بيت أبي الطيب في إضلال الخاتم والحيرة بسببه بقول الراجز:
فَهُنَّ حَيْرَى كمُضِلاَّتِ الخَدَمْ
فيقال له: ليس فيما ذكرت من الآية اقتصار ومقاربة، بل إغراق ومبالغة! وذلك أن المشكاة، وإن كانت في اللغة الكوة التي فيها مصباح، كما ذكرت، فالمراد بها هنا فاطمة الزهراء ﵍ لما ذكره المفسرون ونقله المحدثون، منهم أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن المغازلي الواسطي يرفعه إلى الحسن ﵇ وهي من رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهو السراج المنير لقوله تعالى: (وسراجا منيرا) والسراج هاهنا المراد به الشمس لقوله تعالى: (و (جعل) الشمس سراجا). فلا نور أضوأ من هذا النور، فضرب الله مثلا لنوره في الهداية والبيان (بهذه المشكاة): التي هي فاطمة، والمصباح الحسن والحسين، و (الزجاجة كأنها كوكب دري) قال: كانت فاطمة ﵍ كوكبا دريا من نساء العالمين:
(يوقد من شجرة مباركة): إبراهيم ﵇.
(لا شرقية ولا غربية): لا يهودية ولا نصرانية.
(يكاد زيتها يضيء): قال: يكاد العلم ينطق منها.
(ولو لم تمسه نار نور على نور): قال: منها إمام بعد إمام.
(يهدي الله لنوره من يشاء): قال: يهدي الله لولايتها من يشاء.
وأما البيت الذي استشهد به على ضياع الخاتم والحيرة بسببه، فقد حرفه وبدله، أو نسيه وجهله، لأن الشيخ أبا العلاء أنشده في تفسيره للديوان.
إِذَا قَطَعْنَ عَلَماً بَدَا عَلَمْ
يَبْحَثْنَ بَحْثاً كمُضِلاَّتِ الخَدَمْ
حَتَّى يُوَافِينَ بنَا إلى حَكَمْ
وقد ذكرت تفسيره في المآخذ عليه.
وقوله:
قِفي تَغْرَمِ الأولَى من اللَّحظِ مُهْجَتيبثانَيةٍ، والمُتلِفُ الشَّيَْ غارِمِهْ
قال: سألته في وقت القراءة عليه، قلت: الأولى هي الفاعلة؟ قال: نعم. يريد أنه نظر إليها نظرة فأقلقت النظرة مهجته، فأراد أن يلحظها لحظة أخرى لترجع إليه نفسه فجعل الأولى، في الحقيقة، كأنها هي الغارمة لأنها كانت سبب التلف.
فيقال له: فما يؤمنه أن تكون النظرة الثانية مالأولى، فلا يحصل الغرم بالإحياء بل يتضاعف تلف الحوباء!
والجواب: أن النظرة الأولى هي في وقت الفراق، وظنه أنه للقلى والملال، فإذا وقفت عليه، فالنظرة الثانية للإحسان إليه؛ لأن التوقف يوجب التعطف، فلهذا جعل النظرة الأولى مميتة، والثانية محيية.
وقوله:
سَقَاكِ وَحيَّانَا بِكِ اللهُ إنَّماعَلَى العِيسِ نَوْرٌ والخُدورُ كَمَائِمُهْ
قال: قوله:
سَقَاكِ وحَيَّانَا بِكِ اللَّهُ...
كلام في غاية العذوبة وحسن الطريقة، فأخذه السري بن احمد وأنشدني لنفسه في قصيدة يمدح بها أبا الفوارس بن فهد:
حَيَا بهِ اللهُ عاشِقِيْهِ فَقَدْأَصْبَحَ رَيْحَانة لِمَن عَشِقَا
فيقال له: هذا استحسان للكلام
كما زعمت، فهلا استحسنت المعنى بشرحك له وإبدائك عنه؟ فإنه أحسن من اللفظ؛ وهو أنه لما جعل هؤلاء النساء نورا، دعا لهن بالسقيا؛ لأن الماء نضرة النور، ودعا لنفسه بأن يحيا بهن؛ لأن ذلك من شأن النوار والأزهار.
وقوله:
إذَا ظَفِرَتْ منكِ العُيونُ بِنَظْرَةٍأثابَ بِها مُعْيِي المطيّ ورازِمُهُ
قال - بعد تفسير غريبه -: والمعنى أن الإبل الرازمة إذا نظرت إليك عاشت
أنفسها، فكيف بنا نحن؟!
وأقول: هذا ليس بشيء! والمعنى ما ذكرته آخرا في مآخذ شرح الكندي.
وقوله:
وتكملَةُ العَيْشِ الصَّبَا وعَقيبُهُوغائبُ لَوْنِ العَارِضَيْنِ وقَادِمُهْ
قال: قال المتنبي: أردت بعقيبه الشيب.
وأقل: هذا غير صحيح بل تكملة العيش هو الصبا أولا، ثم ما يعقبه من بلوغ الأشد حين يكون يافعا مترعرعا، ثم غائب لون العارضين وهو لون البشرة
(قبل) أن يغيب بسواد الشعر بياضه، ثم قادمه وهو الشعر الأسود. فالشيب والهرم ليسا من تكملة العيش وتمامه، بل من نقصه.
ويجوز أن يكون غائب لون العارضين وقادمه شيئا واحدا وهو الشعر الأسود فيقال: غائب: لأنه لم يبد؛ يعني في حال كونه أمرد، وقادم: بظهوره في حال كونه ملتحيا.
وقوله:
لقَدْ مَلَّ ضَوْءُ الصُّبْحِ ممَّا تُغِيرُهُومَلَّ سَوادُ اللَّيْل ممَّا تُزَاحِمُهْ
قال: أراد: تغير فيه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل بنفسه، وأنشد:
في سَاعَةٍ يُحَبُّهَا الطَّعَامُ
وأقول: إن تغيره هاهنا من الغيرة لا من الغارة، ولا يحمل على الضرورة؛ يعني تغيره بكون الحديد يصحبك طالعا معك في حروبك.
وقوله:
نَحْنُ مَنْ ضَايَقَ الزَّمَانُ له فِيكَ وخَانَتْهُ قُرْبَكَ الأيَّامُ
قال: قال لي - يعني المتنبي -: أردت ضايقه، فزدت اللام. واستشهد ابن جني على ذلك بقوله تعالى: (ردف لكم) وبأبيات قليلة.
وأقول: لو قال: نحن من ضايقته فيك لياليه، أو قال: فيك الليالي وأفاتته قربك الأيام، أو: وحمته دنوك، أو: ورمته ببعدك لكان أحسن. وهذا فيه مقابلة الأيام بالليالي، وهي صناعة وحسن براعة!
وقوله:
بأيَّ لَفْظٍ يَقٌولٌ الشَّعْرَ زِعْنِفَةٌيَجُوزُ عندكَ لا عُرْبٌ ولا عجمُ
قال: قوله: لا عرب ولا عجم أي: ليست لهم فصاحة العرب، ولا تسليم العجم الفصاحة للعرب، فليسوا شيئا.
فيقال له: بل هذا التفسير ليس شيئا! ومعنى قوله: لا عرب ولا عجم إنما أراد بنفيهم عن ذلك تحقيرهم ودناءتهم بجهل أنسابهم، وأنهم غير معروفين فهم بمنزلة الأدعياء والعبيد.
وقوله:
وقد حَاكَمُوهَا والمَنايَا حَوَاكِمٌفَمَا مَاتَ مَظْلُومٌ ولا عاش ظالِمُ
قال: أي لما ظلموا، وعتوا بقصدهم هدمها، أهلكهم سيف الدولة، وسلم أصحابه.
وأقول: قوله: وسلم أصحابه ليس بشيء! ولو قال: وسلمت هي؛ يعني الحدث، لكان صوابا، وذلك أن المحاكمة كانت بينهم وبين الحدث، وهم ظالموها بقصدهم هدمها، وليس لهم ذلك وهي مظلمومة بذلك؛ فما مات مظلوم: يعني الحدث، ولا عاش ظالم: يعني الروم.
وقوله:
بِضَرْبٍ أَتَى الهَامَاتِ والنَّصْرُ غائِبٌوصَارَ إلى اللَّباتِ والنَّصْرُ قَادِمُ
قال: يقول: إذا ضربت عدوك فحصل سيفك في رأسه، لم تعتد ذلك نصرا ولا ظفرا، فإذا فلق السيف رأسه، فصار إلى لبته، فحينئذ يكون ذلك عندك ظفرا ولا يرضيك ما دونه.
وأقول: إن هذا البيت فيه معنى شريف لم يطلع عليه أحد من شراح الديوان، وقد خبطوا فيه خبطا كثيرا، والصحيح ما ذكرته في شرح التبريزي.
وقوله:
حَقَرْتَ الرُّدَيْنياتِ حَتَّى طَرَحْتَهَاوحَتَّى كَنَّ السَّيْفَ للُّرْمحِ شَاتِمُ
قال: أي: كأن السيف يعيب الرمح ويزوي به، فلم يلتفت إلى الرمح؛ لأن صاحب السيف أبلغ ما يطلب النجاح به.
وأقول: قوله:
......... كأنَّ السيفَ للرُّمْحِ شَاتِمُ
أي: لما كان السيف أشد غناء في الحرب من الرمح، وأكثر مضايقة، وحامله أشجع من حامل الرمح، كان كأنه شاتمه، وشتمه له أن يقول (بلسان الحال): يا جبان! أنت لا تنال من عدو حاملك إلا على بعد، ولست مثلي في القرب والفعال!
وقوله:
تَدوسُ بك الخَيْلُ الوكُورَ عَلَى الذُّرَاوقد كَثْرَتْ حَوْلَ الوُكورِ المَطَاعِمُ
قال: يقول: إذا اخذوا عليك دربا، صعدت إليهم إلى رؤوس الجبال، فقتلتهم هناك، فلذلك تكثر المطاعم حوا الوكور.
وأقول: إن قوله: إذا أخذوا عليك دربا ليس بشيء، وإنما يقول: إذا تحصنوا منك بالجبال، لم تحتم على خيلك، وإن كانوا في أعلاها عند وكور العقبان، فقتلتهم هناك وصاروا طعاما لهن، وقرى عند بيوتهن.
وقوله:
وذراعُ كُلَّ أبي فُلاَنٍ كُنْيَةًحَالَتْ فَصَاحِبُهَا أبو الأيْتَامِ
قال: يسأل عن هذا فيقال: إن الاسم الذي يقع بعد كل إذا كان واحدا في معنى جمع فلا يكون إلا نكرة، نحو قولك: كل رجل في الدار، فلست تعني به رجلا
واحدا. ولا يجوز أن تقول: ضربت كل عبد الله، وأنت تريد ما تريد برجل، فكيف جاز له أن يقول كل أبي فلان وهو يعني جماعة هذه أحوالهم، وفلان معرفة فيكون
أبي معرفة لإضافته إليه؟ والجواب أنه اضطر إلى (ترك) الفصل بينه وبينه؛ كأنه قال: إن لفلان؛ أي: كل إنسان يقال له أبو فلان، كما يقال: (رب) واحد أمه لقيته، ورب عبد بطنه ضربت، فافهمه!
فيقال له: الدخل الذي ذكرته وارد، والجواب عنه غير شاف كاف؛ لأن ما ذكرته من رب واحد أمه وعبد بطنه يسمع ولا يقاس عليه. والجيد أن يقال: إن أبا فلان هاهنا، كناية عن كل شجاع معروف، وذلك أن الفارس منهم، كان إذا طعن قرنه طعنة قال: خذها وأنا أبو فلان، ومنه قول أبي نواس:
وللفَضْلُ أمْضَى مُقدماً من ضُبَارمٍإذا لبِسَ الدَّرْعَ الحَصِينَةَ واكتَنَى
فهذا نكرة معنى، وإن كان معرفة لفظا، فلذلك جاز إضافة كل إليه واحدا في معنى الجمع.
وقوله:
وقد تَمَنَّوا غداةَ لدَّرْبِ في لَجِبٍأنْ يُبْصِرُوكَ فلمَّا أبْصَرُوكَ عَمُوا
قال: أي: هلكوا فزالت أبصارهم، ويكون عموا، أي: تحيروا لما نظروا إليك فلم يملكوا أبصارهم.
وأقول: هذا ليس بشيء! والمعنى؛ أنهم تمنوا لقاءك ليهزموك ويغنموك، فانعكس التمني عليهم، فهزمتهم وغنمتهم وهو معنى قوله:
......... فلما أبْصَرُوكَ عَمُوا
ضربه مثلا، وليس هناك عمى، على الحقيقة، ولا زوال أبصار.
وقوله:
كُفِّي أَراني - وَيْكِ لَوْمَكِ - ألوَمَاهَمٌّ أقامَ على الفُؤادِ أنْجَمَا
قال: يقول: أراني هذا الهم لومك إياي أحق بأن يلام مني.
وقيل له: على قولك هذا يكون أفعل مبنياً على المفعول لا الفاعل، فاللوم من الملوم لا من اللائم، وهذا قليل شاذ.
وأقول: قد جاء عنهم: هو ألوم منه، مخالفا للكثير المقيس عليه، ولم يصل إلى معنى اختصاص أفعل ببنائه من الفاعل دون المفعول. والذي عندي فيه أن أفعل صفة مبالغة في مدح أو ذم وإذا كان كذلك، فلا يكون إلا من الفاعل، لأن الرجل إنما يحمد أو يذم على ما يفعل، لا على ما يفعل به. وما جاء عنهم مبنيا من المفعول نحو: أزهى من ديك، وأشغل من ذات النحيين، وهم بشأنه أعنى، ففي
ذلك (المعنى) إضافة الفعل إلى الفاعل، ألا ترى أن الزهو من فعله (وإن كان قد حمل عليه) والشغل من فعلها، والعناية من فعلهم (فزهي وشغلت ليس كضرب وقتلت مما ذكر فاعله ولكن بني على المفعول المتروك فاعله تشبيها ببنائه على الفاعل). فلذلك جاز أن يبنى من المفعول في اللفظ، والمعنى للفاعل، ولهذا حسن الذم على الزهو والشغل، والحمد على العناية بالشأن. وكذلك قولهم هو أحمد منه وأرجى؛ كأنه بجوده فعل الحمد والرجاء. وألوم من قول المتنبي (مبني) من الفاعل لا من المفعول؛ كأنه أراد لوم لائم، على المبالغة، كما قالوا: شعر شاعر، وشغل شاغل، ثم بناه على أفعل للزيادة في المبالغة.
وقوله:
وإذَا سَحَابةُ صَدَّ حِبًّ أَبْرقَتْتَرَكَتْ حَلاوةَ كُلَّ حُبًّ عَلْقَمَا
قد أخذ على أبي الطيب استعارة السحابة هاهنا، وقيل: إنها غير مناسبة.
وأقول: لو قال:
وإذَا مَرَارةُ صَدَّ حِبًّ أَشْرَقَتْ.........
لكان أشبه بالمناسبة وأقرب إلى الصناعة.
وقوله:
يا وَجْهَ دَاهَيَةَ الذي لو لاكِ ماأكَلَ الضَّنَى جَسَدي ورَضَّ الأَعْظُمَا
قال: داهية: اسم لتي شبب بها.
وقيل: إن داهية اسم غير مليح في التغزل.
وقد ذكرت في شرح الواحدي ما قيل في هذا الاسم، وما هو الأولى.
وقوله:
وكُلَّمَا نُطِحَتْ تحتَ العَجَاج بهأُسْدُ الكَتَائِبِ رامَتْهُ ولم يَرِمِ
قال: رامته: أي: زالت عنه ولم يزل هو، وأراد: رامت عنه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل بنفسه، قال الأعشى:
أَبَانَا! فلا رِمْتَ مِنْ عِنْدنَافإنَّا بخَيْرٍ إذَا لم تَرِمْ
أي: لا برحت! وقد استعمله أبو نواس بغير الجر؛ قال:
فما رِمَتُهُ حَتَّى أَتَى دونَ ما حَوَتْيَمينِيَ حتى رِيْطَتي وحِذَائي
فيقال له ولأبي الطيب: إن رمت: لم تستعملها العرب إلا في النفي فقالوا: لم يرم، وما رمت، ولم يقولوا: أرام، ولا: يريم.
وأقول: إنما كان ذلك كذلك، لأنه مشبه بقولهم: ما فتئ وما برح وما زال، وهذه المنفيات بمعنى الإيجاب، ألا ترى أن حرف الاستثناء لا يدخل عليها، كما لا يدخل على كان واخواتها، مما ليس منفيا، فلا يقال: ما فتئ إلا قائما، كما لا يقال: كان إلا قائما. وإذا كان كذلك، فلا يجوز حذف حرف النفي منها، لاختلال ذلك المعنى.
وقوله:
ذَكْرتَ جَسِيمَ ما طَلَبي وأنَّانُخَاطِرُ فيه بالمُهَجِ الجِسَامِ
قال: أراد: جسيم طلبي فزاد ما توكيدا. وإنما جعل ما زائدة ها هنا ولم يجعلها
بمعنى الذي لأن طلبي لا يكون بانفراده صلة.
فيقال له: لم لا تكون بمعنى الذي ويكون الجزء الأول من الصلة محذوفا مقدرا؟ أي: الذي هو طلبي، كقوله تعالى: (تماما على الذي أحسن) أي: الذي هو أحسن، وذلك جائز.
وقوله:
طِوالُ الرُّدَيْنِيَّاتِ يقْصِفُهَا دَمِيوبِيضُ السُرْيجيَّاتِ يَقْطَعُها لَحْمِي
قال: هذا فوق قول القائل:
فلا تُوعِدَنَّا بالقِتَالِ سَفَاهَةًفقد نَحِلَتْ فينَا الأسِنَّةُ والنُّبْلُ
وأقول: كأنه عنى بقوله: نحلت فينا أي: بكثرة طعنها لنا ورميها إيانا. وقال غيره: نحلت فينا: أي بكثرة استعمالنا لها بالطعن في غيرها، والرمي لعدونا، فعلى هذا لا يصح التمثيل بالبيت، ويصح على المعنى الأول؛ (أي: قد ألفناها وأنسنا بها).
وقوله:
إِذَا بَيَّتَ الأعْدَاَء كانَ استماعُهُمْصَرِيرَ العَوَالي قَبْلَ قَعْقَعَةِ اللُّجْمِ
قال: يبادر إلى أخذ الرمح، فإن لحق إسراج فرسه فذاك، وإلا ركبه عرياً.
وقال الواحدي: هذا هذيان المبرسم والنائم، وكلام من لم يعرف المعنى،! يقول: إذا لاقاهم ليلاً أخفى تدبيره ومكره، وتحفّظ من أن يُفطن به، فيأخذهم على غفلة حتى يسمعوا صرير رماحه بين ضلوعهم قبل أن يسمعوا أصوات اللجم.
وأقول: قوله: إذا لاقاهم ليلاً عبارة ضعيفة، ولو قال: إذا أطرقهم أو غشيهم ليلاً، أو دهمهم ليلاً، على غرة، لكان أحسن، لأن هذا هو البيات، فأما الملاقاة فهي المواجهة والمقابلة، وتلك لا تكون عندها الغفلة والغرة.
وقوله:
لِهُ رَحْمَةٌ تُحيي العِظامَ وَغَضْبَةٌبِها فَضْلَةٌ في الجُرْمِ عَنْ صاحِبِ الجُرْمِ
قال: يقول إذا غضب على مجرم لأجل جرم جناه تجاوزت غضبته قدر المجرم، فكانت أعظم منه، فإما احتقره فلم يجازه، وإما جازاه فجاوز قدر جرمه فأهلكه.
وأقول: هذا ليس بشيء؛ لأن تجاوزه قدر جرمه ظلم، ولا يمدح بفعل الظلم.
والجيد ما قال الواحدي. يقول: له غضبة فيها فضل عن صاحب الجرم؛ يعني أنه يهلك بغضبه المجرم، ويفني ذلك الجرم الذي جناه، حتى لا يجني أحد تلك الجناية، ولا يأتي بذلك الجرم خوفاً من غضبته.
وقوله:
أحَقُّ عَافٍ بَدَمعِكَ الهِمَمُأحْدَثُ َشيءٍ عَهداً بِهَا القِدَمُ
قال: العافي هنا: الطالب والقاصد.
وأقول: العافي: الدارس والداثر.
يقول: لا تبك على الدارس من دار كما جرت العادة بالبكاء على رسوم ديار الأحباب الذين رحلوا، وأبك على الهمم؛ فإنها قد درست؛ فهي أحق بدمعك من الديار.
وقوله:
مِلْتُ إلى من يكَادُ بينكُمَاإن كُنتُمَا السَّائلَينِ يَنقَسِمُ
قال: خاطب صاحبه مخاطبة الأثنين؛ لأن من عادة الشعراء، أن يخاطبوا الاثنين نحو قول عبيد:
يَا خلِيلَيَّ اربَعَا واستَخبِرا المنزلَالدارسَ من أهلِ الحِلاَلِ
وأنشد استشهادا على ذلك خمسة أبيات أولها: يا خليلي، ثم قال: ولما كانت هذه عادة لهم جارية، ومذهبا مألوفا، جاز أن يخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، ويؤكد هذا عندك قول الشاعر:
فإنْ تَزجُراني يا ابن عَفَّانَ انزَجِرْوإنْ تَترُكاني أحمِ لَحماً مُوَضَّعَا
(وهذا التفسير على من روى: (ملت)، بفتح التاء والرواية المشهورة: (ملت) بتاء مضمونة).
فيقال له: أما مخاطبة الواحد خطاب الاثنين، فقد جاء عنهم كثيرا. من ذلك قول امرئ القيس:
قفَا نَبكِ من ذِكرَى حَبيبٍ وَمَنزِلِ..........
وقوله تعالى: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) وأشباه ذلك. ولكن أبا الطيب لم يخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، (وذلك) لأجل الانقسام الذي ذكره، لأن الانقسام لا يكون من دون أثنين، وأبو الفتح مقصوده تكثير الكلام، وتكبير الكتاب، فسواء عنده، بعد ذلك، أخطأ المعنى أم أصاب!.
وقوله:
سَلامٌ، فولا الخَوفُ والبُخلُ عِندَهُلقُلتُ: أبو حَفصٍ علينَا المُسلِّمُ
قال: أي: قال لي سلام، فلولا خوفي من مفارقته ومعاتبته على نومي، ولولا بخله لأنه لا حقيقة لزيارته لقلت: السلام من أبي حفص؛ يعني الممدوح إجلالا لخيال حبيبه.
وأقول: هذا ليس بشيء!.
وقوله: لولا خوفي خطأ أن يجعله من الشاعر؛ إنما هو من خيال الحبيب لقوله:
.. لولا الخَوفُ والبخل عنده......
وذلك أن هاتين الخلتين محمودتان في النساء مذمومتان في الرجال، فولاهما لقلت: أبو حفص، يعني الممدوح، هو المسلم علينا لا خيال الحبيب. والمعنى أن الممدوح بمنزلة الحبيب عنده لولا ما استثناه من الخوف والبخل.
وقوله:
يَجِلُّ عن التَّشبيه، لا الكفَ لُجَّةٌولا هُوَ ضرغَامٌ ولا الرَّأيُ مِخدَمُ
ولا جُرحُهُ يُوسَى ولا غَورُهُ يُرَىولا حَدُّه يَنبُو ولا يَتَئَلَّمُ
قال: سبحان الله! ما احسن ما عطف (لا) في هذا البيت، وما أغرب الصنعة فيه، وذلك أن قوله: (ولا الكف لجة) معناه: أن فيها ما في اللجة وزيادة عليها. وكذلك قال في (ضرغام) و (الرأي). وأما قوله (ولا جرحه يوسى) فليس معناه أنه يوسى وزيادة على الأسو، وكذلك قال: في (غوره) و (حده) فهو في البيت الأول مثبت في المعنى ما نفاه في اللفظ، ومتجاوز به في الوصف. وهو في البيت الثاني ناف في اللفظ والمعنى جميعا.
فيقال له: إنك سبحت الله متعجبا من حسن العطف والإغراب في الصنع بما ذكرته من الإثبات والنفي في معنى البيتين ولفظهما، وليس فيهما إغراب ولا عجب ولا إعجاب، ومع ذلك فلم تبين من أين وقع الاختلاف في المعنى مع الاتفاق في النفي!.
وبيانه: أما البيت الأول فهو أنه لما كان من عادة الكف أن تشبه بالجة، والشجاع أن يشبه بالضرغام، والرأي أن يشبه بالسيف، وأراد أن يمدح الممدوح بالكرم والشجاعة ومضاء الرأي فضله على هذه مماثلتها. وتفضيل الشيء عن الشيء، إنما يكون بإثبات ما فيه والزيادة عليه. فلذلك كان اللفظ في الأول نفيا، والمعنى إثباتا، ودخل النفي على تقدير التشبيه.
وأما البيت الثاني، وهو قوله: (ولا جرحه يوسى) فهو نفي في المعنى وفي اللفظ فلم يدخل النفي على تقدير التشبيه.
وذلك أنه دخل في الأول على تقدير: (كفه لجة) وذلك تشبيهٌ وفضيلةٌ على الجملة.
وفي الثاني دخل على (جرحه يوسى) وليس ذلك تشبيهاً ولا فضيلةً، بل نقصاً على الإطلاق! فلهذا اتفق البيتان في النفي واختلفا في المعنى.
وقوله:
وَلَنْ يُبْرَمَ الأمرُ الذي هو حَالِلٌوَلَنْ يُحْلَلَ الأَمْرُ الذي هو مُبْرِمُ
قال: أظهر التضعيف ضرورةً، ومثله قول الآخر:
تَشْكُو الوَجَى من أَظْلَلٍ وأَظْلَلِ
يريد: الأظل.
وقول قعنب:
مَهلاً أعاذلَ قد جَرَّبتِ من خُلُقيإنِّي أَجُودُ لأقوَامٍ وإن ضِنَنُوا
فيقال له: ليس في هذا ضرورة لأنه كان يمكنه أن يقول:
وَلَنْ يُبرَمَ الأَمرُ الذي هو نَاقِضٌولَنْ يُنقَضَ الأمرُ الذي هو مُبرِمُ
فيخرج من الضرورة ويأتي بالطباق الصحيح، وذلك أن النقض يضاد الإبرام، والحل إنما يضاد العقد، ولكنه يحب أن يأتي بما يقع فيه الكلام، الإبهام بمعرفة جواز ذلك والإعلام، وركوب الضرورة لذلك مقصد فاسد، وسنن عن الصواب حائد، وابن جني يعجبه ذلك غاية الإعجاب، ليجول في ميدان الإغراب!.
وقوله:
وأغرَبُ من عَنقَاَء في الطَّيرِ شَكلُهُوأعوَزُ من مُستَرفدٍ منه يُحرَمُ
قال: الوجه أن يقول: أشد إعوازا ولكنه جاء على حذف الزيادة.
فيقال له: فقد يمكنه أن يقول:
........وأَعجَبُ من مُستَرفِدٍ منهُ يُحرَمُ
وهذا أشبه بالصناعة، وأكثر في الكلام.
وقوله:
إلى اليَومِ مَا حَطَّ الفِدَاءُ سُروجَهُمُذُ الغَزوُ سَارٍ مُسرِجُ الخَيلِ مُلجِمُ
قال: أي: هو سار مذ الغزو، والغزو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف والتقدير:
مذ الغزو كائن.
فيقال: أحسنت - يا نحوي عصره - يجعلك فيج ملة مستقلة بنفسها من مبتدأ وخبر تقدير مبتدأ وخبر محذوفين! وما الحاجة إلى تقدير (كائن) مع (الغزو) وهو مع (سار)؟ ولم لم تجعل (سار) خبرا عن (الغزو) فيكون من باب: ليل نائم ونهار صائم؛ أي: ينام فيه، ويصام، كقوله:
.........ونِمتِ وما لَيلُ المَطِيِّ بنَائِمِ
ولكنك لم تتنبه لهذا المجاز البليغ وتهتد له، وحملت الكلام على الحقيقة في صفة الممدوح بهذا التقدير البعيد، فوقعت في الخطأ الشديد!.
وقوله:
صُفوفاً لِلَيثٍ في لُيُوثٍ حُصُونُهُمْمُتُونُ المَذَاكي والوَشيجُ المُقَوَّمُ
قال: أي: برزت له صفوفا لأن (عاتق) هنا في معنى جماعة كما تقول: كم من رجل جاءني، فالرجل، هاهنا، جماعة. ويجوز أن تكون الصفوف هي الكتائب.
وأقول: لا يجوز أن تكون (صفوفا) حالا من الضمير في (برزت) الراجع إلى (عاتق) وأن يكون (عاتق) بمعنى الجنس لأنه لا معنى لذلك ولا فائدة فيه، وإنما (هو) حال من الضمير في (تساير) الراجع إلى (كتيبةٍ) وهي في معنى الجنس؛ أي: (مصطفين لليث في ليوث)؛ يعني: الممدوح وأصحابه ليس لهم حصون غير ظهور خيلهم ورماحهم، وتلك حصون الشجعان. والعرب بخلاف الروم، فإنهم حصونهم (الجبال) والقلاع، وتلك حصون الجبناء الأذلاء.
وقوله:
كُلُّ حِلْمٍ أتَى بغيرِ اقتدارٍحُجَّةٌ لاجئٌ إليها اللَّئَامُ
قال: إنما يحسن الحلم مع القدوة، فأما من لا قدرة له؛ فاعتصامه بالحلم حجة للؤمه.
وأقول: قوله: (فأما من لا قدرة له...،) إلى آخره، ليس بشيء! وإنما هذا ضد قول الشاعر:
إنَّ من الحِلمِ ذُلاً أنتَ عَارِفُهُوالحِلمُ عن قُدرَةٍ ضَربٌ من الكَرَمِ
فإذا كان الحلم عن قدرة من الكرم، كان الحلم عن غير قدرة من اللؤم.
وقيل: كان ينبغي أن يقول:
..........حُجَّةٌ لاجئٌ إليها الضِّعَافُ
لأن الذي يحلم عن غير قدرة، لا يسمى بذلك لئيما بل ضعيفا، والشاهد له على ذلك البيت المستشهد به.
وقوله:
حَسَنٌ في عُيونِ أعدائهِ أَقبَحُمن ضَيفهِ رأتهُ السَّوَامُ
قال: هذا مما يسأل عنه فيقال: كيف يكون حسنا في عيون أعدائه؟ وهل هذا إلا هجاء؟ ألا ترى إلى قول الراجز:
لَمَّا رَأتنِي سَقَطَتْ أبصَارُهَا
أي: غضتها عني حسدا.
وأقول: قد تقدم في خطبة الكتاب ما قال فيه وقيل عليه.
وقوله:
لَيلُهَا صُبحُهَا من النَّار، والإصبَاحُلَيلٌ من الدُّخَانِ تِمَامُ
قال: كل ليل طال من مرض أو هم فهو تمامٌ. وأكثر ما جاء في هذا ليل التمام بالألف واللام.
وأقول: ليل التمام: أربعون ليلة؛ عشرون قبل الميلاد، وعشرون بعد الميلاد، فهذا حقيقة ليل التمام. والذي ذكره إنما يستعمل مجازاً.
قال النابغة:
يُؤَرَّق من لَيْلِ التِّمام سَلِيمُهَالِحَلْي النِّسَاءِ في يَدَيْهِ قَعَاقِعُ
وقوله:
أنَا لاَئمي إنْ كنتُ وَقُتَ اللَّوائِمِعَلِمْتُ بما بي بين تلك الَمعَالِمِ
قال: هذا كقولك: أنا مثلك إن فعلت كذا وكذا. ونظيره قوله أيضًا:
عُيونُ رَواحِلي إنْ حِرْتُ عَيْنيوكلُّ بُغَامِ راَزِحَةٍ بُغَامي
وأقول: إن هذا الكلام دعاء على نفسه، أخرجه مخرج القسم، كقوله الآخر:
إنْ كانَ ما بُلِّغْتَ عَنِّي فَلا مَنِيصَديقي وشُلَّتْ من يَدَيَّ الأَنَامِلُ
فليس كما قال في هذا البيت وبيته الآخر الذي هو نظيره.
وقوله:
وذِي لَجَبٍ لا ذو الجَنَاحِ أمامَهُبِنَاجٍ ولا الوَحشُ المُثَارُ بِسَالِمِ
قال: يقول: الجيش يصيد الوحش، والعقبان فوقه تسايره فتخطف الطير أمامه.
وأقول: بل الجيش هو الصائد للجنسين جميعا من الوحش والطير، والعقبان مرتفعة فوقه، صيدها جثث القتلى لا الطير ولا الوحش. هذا هو الصواب.
وقوله:
يا أُختَ مُعتَنِقِ الفَوارسِ في الوَغَىلأخُوكِ ثَمَّ أرَقُّ منكِ وأَرحَمُ
قال: يرميه بأخته وبالابنة! وثم: إشارة إلى المكان الذي تخلى فيه للحالة المكروهة.
وأقول: بل يصفه بضد ذلك من العفة والرجولية والشجاعة. وثم: إشارة إلى الحالة المحمودة، وهي الوغى، واعتناقه الفوارس فيها.
وقد إنقلب فهمه في هذا البيت، ففسره بضد ما أراد الشاعر من أوله إلى آخره. (ويدل على ما قلت قوله بعد ذلك:)
يَرنُو إليكِ معَ العَفافِ وعنَدهُأنَّ المجوسَ تُصِيبُ فيما تَحكُمُ
وقوله:
ومن العَداوةِ ما يَنَالُكَ نَفعُهُومن الصَّدَاقَةِ ما يَضُرُّ ويُؤلِمُ
قال: أي عداوة الساقط تدل على مباينة طبعه فتنفع، ومودته تدل على مناسبته فتضر.
وأقول: أن عداوة الساقط سقوط همة، وذلك مضرة لذوي الأقدار والرتب العالية (لا نفع كما ذكر) ويدل عليه قول الشاعر:
نَبيلُ العَدوِّ والصَّديقِ وإنَّمَايُعَادي الفَتَى أكفاؤهُ ويُصَالِحُهْ
وبيت أبي الطيب من قول الحكماء: إياك ومصادقة الأحمق؛ فربما أراد أن ينفعك فضرك!.
وقوله:
سَجِيَّةُ نَفسٍ لا تَزَالُ مُلِيحَةًمن الضَّيمِ مَرمِياً بها كُلُّ مَخرَمِ
قال: مليحة: مشفقة من أن تضام.
قال:
يُلحِنَ من ذي زَجَلٍ شِرواطِ
أي: يشفقن.
وأقول: قد قيل لأبي الطيب: أن (مليحة من الضيم) تقصير لأن الإشفاق ضعف، وأجود منه: أبية على الضيم.
وقوله:
وأحلُمُ عن خِلِّي وأعلَمُ أَنَّنِيمَتَى أجزِهِ حلماً على الجَهلِ يَندَمِ
قال: أي: إذا جازيته بالحلم ندم، فكيف أن آخذته وقابلت أفعاله؟.
وأقول: أن قوله: (أن آخذته وقابلت أفعاله) فيه سوء فهم ونقص علم، وذلك أن معناه: فكيف أن آخذته على أفعاله، وقابلته بسيئاته؛ فأنه يكون حينئذ أندم، وليس
المراد ذلك، ولا للمقابلة هاهنا معنى، ولا هي مفهوم الخطاب، وإنما يراد بالحلم عن جهل الصديق رجوع إلى صداقته، واستبقاء لمودته، لأنه إذا حلم عن جهله ندم على ما فرط منه من قبح القول أو قبح الفعل فأستحيى، واستدرك ما فات، وعاد إلى ما حاد عنه.
وقوله:
عيونُ رَوَاحلي إنْ حِرتُ عَينيوكلُّ بُغامِ رِازِحَةُ بُغَامي
قال: وسألته عن معنى هذا البيت فقال: معناه: أن حارت عيني، فعيون رواحلي عيني، وبغامهن بغامي؛ أي: أن حرت فأنا بهيمة مثلهن، كما تقول: أن فعلت كذا وكذا فأنت حمار!.
فيقال له: وما آمنك أن يقال لك وأنت في هذا التفسير كذلك! وإنما هذا دعاء على نفسه بمعنى القسم كقول مالك بن الحارث:
بَقَّيتُ وَفرِي وانحَرفتُ عن العُلاَولقيتُ أضيافِيْ بَوجهِ عَبوسِ
وقوله:
وإنَّ مَنِيَّتَهُ عندهلكالخمرِ سُقِّيَهُ كَرمُهُ
فذاكَ الذي عَبَّهُ ماؤهُوذَاكَ الذي ذاقَهُ طَعمُهُ
قال: وهذا البيت يفسر ما قبله، وذلك أن الماء مشروب لا شارب، والطعم مذوق لا ذائق. فكأن الزمان قد أتى من موت فاتك بما فيه نقض العادة تعظيما لأمره.
وأقول: ليس في هذا نقض للعادة، والضمير (المستتر) في (عبه) ضمير الفاعل راجع إلى فاتك، والضمير البارز، وهو الهاء، ضمير المفعول، راجع إلى (الذي) وهو (ماؤه) و (طعمه). وأني لأعجب من إنقلاب فهم هذا الرجل بتفسيره المعاني على ضد ما هي عليه، وجعله الماء والطعم يعب ويذوق فاتكا ولا يكون هو الفاعل لذلك!.
وقوله:
هَوِّنْ عَلَى بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرُهُفإنَّما يَقظاتُ العَينِ كالحُلُمِ
قال: يقال: شق بصر الميت شقوقا، وذلك قبل الموت. ومعنى البيت: هون على بصرك شقوقه ومقاساة النزع والحشرجة للموت، فأن الحياة، كالحلم، تبقى قليلا ثم تزول.
وأقول: أنه قد روي: (منظره) بالضم والفتح.
فإذا كان بالضم كان: (شق منظره) من المشقة؛ أي: هون على بصرك الشيء الشاق عليه منظره فأنه لا بقاء له، ويزول كما يزول الحلم.
ومن يروي: (منظره) بالفتح: (فشق منظره) من: شققت الشيء بمعنى فتحته؛ أي: هون على بصرك الشيء الذي يشق منظره لرؤيته في اليقظة فأنه لا حقيقة له ولا بقاء كالأحلام، والمنظر على هذا، موضع النظر و (ما) في الوجهين بمعنى (الذي)، ويجوز أن تكون للنفي؛ أي: هون على بصر لم يشق منظره؛ يريد: عدم الإدراك والعمى.
وقوله:
ضُرِبْنَ إلينا بالسِّياطِ جهالةًفلمَّا تَعارفنَا ضُرِبْنَ بِهَا عَنَّا
قال: كانت خيل الروم قد رأت عسكر سيف الدولة، فظنتهم روما فأقبلوا نحوهم مسترسلين، فلما تحققوا ذاك ولوا هاربين.
وأقول: لم يرد بقوله: (جهالة) ما ذكره من التباس الفريقين، (ولا جهالة ببأسنا وإقدامنا)؛ وإنما أراد (جهالة) بكثرتهم وقلتنا، وظنهم أن يغنمونا أو يربحونا، فكان كما قال في البيت الذي قبله:
وخَيلٍ حَشَوناها الأسِنَّة.............
وهذه قطعة من عسكر سيف الدولة، رأتها كتيبة من عسكر الروم، فأقبلوا نحوها
طامعين ثم ولوا عنها هاربين.
وقوله:
والماءُ بينَ عَجاجَتينِ مُخلِّصٌيَتَفَرَّقَانِ بهِ وَيَلتَقِيَانِ
قال: أي: عجاجة المسلمين وعجاجة الروم. يقول: ربما حجز الماء بين العجاجتين، وربما جازتاه فالتقتا.
وأقول: بل العجاجتان للمسلمين لما ذكرته في شرح التبريزي.
وقوله:
يَتَقَيُّلُونَ ظلالَ كُلِّ مُطَهَّمأَجَلِ الظَّليمِ ورِبْقَةِ السِّرْحَانِ
قال: يقول: يتتبعون آباءهم سباقين إلى المجد والشرف؛ كالفرس المطهم الذي إذا رأى الظليم فقد هلك، وإذا رأى الذئب؛ كان كأنه مشدود بحبل في عنقه. والعرب إذا مدحت رجلاً شبهته بالفرس السابق، كقول النابغة:
إلاَّ لِمثْلِكَ أَوْ مَنْ أنتَ سَابِقُهُسَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَولى على الأَمَدِ
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع