تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح الواحدي (٣)

يَسْتصْغِرُ الخَطَر الكبير لوَفْدِهِ .........

كما ذكر في البيت الذي قبله، فإذا كان كذلك وحدثه بأنه قد فعل عظيما ظنه كاذبا؛ لأنه أخبر بالشيء على خلاف ما عنده، وما هو ثابت في ذهنه من أن دجلة

لا تكفي شاربا، وذلك في غاية الاحتقار فكيف يكذبه استعظاما له لولا كثرة التغفل وقلة التأمل؟ فعلى هذا الوجه ما أساء أبو الطيب بل أساء الراد عليه بغير علم

وقوله:

ظَلُومٌ كمَتْنَيْهَا لِصَبٍّ كَخَصْرِهاضَعيفِ القُوَى من فِعْلِهَا يتظَلَّمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

قال: العادة جرت للشعراء، بوصف الردف بالعظم، والخصر بالهيف، ولم نسمع ذكر سمن المتن وكثرة لحمه، بل يصفون النصف الأعلى بالخفة والرشاقة.

فيقال له: والمتن ليس من النصف الأعلى، والمتنان مكتنفا الصلب من اللحم والعصب فهو إذا من الردف. ويؤيد ذلك أن المتن ما غلظ من الأرض، فقوله: لم نسمع لا يدل على عدم الجواز!

وقوله:

يَجِلُّ عن التَّشْبيهِ لا الكفُّ لُجَّةٌولا هو ضِرْغَامٌ ولا الرأيُ مِخْذَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»
ولا جُرْحُهُ يُؤسَى ولا غَورُهُ يُرَىولا حَدُّهُ يَنْبُو ولا يتثلَّمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

قال: عطف لا في قوله: ولا جرحه يؤسى على لا في البيت قبله في ظاهر اللفظ، لا في المعنى لأن قوله: لا الكف لجة يريد أن فيها ما في اللجة وزيادة عليها، وكذلك ما بعده في هذا البيت.

وقوله: ولا جرحه يؤسى ليس يريد إنه يؤسى ويزاد عليه، فهو في هذا ينفي ما في اللفظ والمعنى، وفيما قبل مثبت في المعنى ما نفاه لفظا. والمعنى: جرحه أوسع من أن يُعالج.

وأقول: هذا الذي ذكره هو قول ابن جني وليس بشيء؛ وذلك إنه يمكن أن يتأول البيت الأول بما تؤول به البيت الثاني فيقال: كفه أكرم من أن تُشبه باللجة، وهو

أشجع من أن يُشبه بالضرغام كما قال: جرحه أوسع من أن يؤسى. على أن قوله أن معنى: لا الكف لجة أي فيها ما في اللجة وزيادة هو بمعنى أكرم من اللجة، لأن لفظة افعل تقتضي ذلك؛ فعلى هذا يكون الأول كالثاني نفيا في اللفظ والمعنى.

وقوله:

ولا يَشْتَهي يَبْقَى وتَفْنَى هِبَاتُهُولا يَسْلَمُ الأعداءُ منه ويَسْلَمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: لا يحب ان يبقى ولا عطاء له، وإنما يحب البقاء ليعطي، فإذا لم يكن له عطاء لم يحب البقاء، ولا يحب ان يسلم في نفسه مع سلامة الأعداء؛ أي إنه يحب أن يقتلهم وإن كان في ذلك هلاكه.

وأقول: يُحتمل أن يكون أراد: ولا يسلم الأعداء منه، ويسلم منهم؛ فحذف منهم للعلم به ولما دل عليه الأول؛ أي: لا يحب مسالمة الأعداء وموادعتهم خوفا وفرقا منهم، فيكون بمعنى قولهم: دعني كفافاً؛ أي: تكف عني واكف عنك.

وقوله:

سَنِيُّ العَطَايا لَوْ رَأى نَوْمَ عَيْنِهِمن اللُّؤومِ إلى أنَّها لا تُهَوِّمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: التهويم: اختلاس أدنى النوم. يقول: لو كان النوم الذي لابد منه لؤما حلف إنه لا ينام

وأقول: إنه قصّر في العبارة فنقص المعنى الذي أراده أبو الطيب؛ وذلك إنه بالغ فقال:

...... لو رأى نَوْمَ عَيْنِهِمن اللؤمِ

أي: من بعض اللؤم لأقسم إنه لا يذوق أدنى النوم.

وقوله:

إلى اليَوْم ما حَطَّ الفِدَاءُ سُرُوجَهُمُذُ الغَزْوُ سارٍ مُسْرِجُ الخَيْلِ مُلْجِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

قال: قوله: مذ الغزو: مبتدأ محذوف الخبر كأنه قال: مذ الغزو واقع أو كائن.

وقوله: سار: خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو سار، يعني الممدوح.

وأقول: ليس سار الممدوح وإنما هو الغزو. وشار خبر عنه ولا حاجة إلى تقدير محذوفين في مكان واحد؛ أحدهما خبر عن الغزو والآخر مبتدأ لسار، وهو الممدوح بل:

......الغَزْوُ سَارٍ مُسْرِجُ الخَيْلِ مُلْجِمُ

على طريق المبالغة كما قالوا: ليل قائم ونهار صائم.

وقوله:

ومن عَاتِقٍ نَصْرانَةٍ بَرَزَتْ لَهُأسِيلةِ خَدٍّ عن قَريبٍ سَيُلْطَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

قال: يريد جارية عاتقا؛ أي: شابة بكرا.

والنصرانية تأنيث نصران؛ أي برزت للممدوح وخرجت من سترها لأنها سُبيت فهي تُلطم وتُهان وإن كانت أسيلة الخد.

وأقول: العاتق من الجواري التي أدركت فخُدرت.

وقوله: برزت له: أي للملك الطاغي، يعني: ملك الروم؛ أي: من نسائه.

ويحتمل أن يكون (له) راجعا إلى الممدوح، أي: لأجله، أي: خوفا منه.

يقول: انكشفت للناس في بلادها وخدرها وقد أجفلوا من شق الممدوح بلاد الروم ودخوله فيها، كما ذكر.

وقوله:

...... ......... عن قريبٍ سَيُلْطَمُ

أي: بقتل من سيقتله من أقاربها وأهل دينها. وقول الواحدي: (سُبيت فهي تُلطم وتهان) غير صحيح لأن ذلك لم يقع بعد لقوله: عن قريب، والمعنى ما ذكرته.

وقوله:

صُفًوفاً لليثٍ في لُيُوثٍ حُصُونهامُتونُ المَذَاكي والوَشيجُ المُقَوَّمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

قال: أي برزت له صفوفا، يعني: النصرانة، لأن من عاتق هاهنا في معنى جملة كما تقول: كم من رجل جاءني.

وأقول: إن صفوفا ليست صفة للنساء، كما ذكر، وإنما هي للرجال وهي راجعة إلى قوله:

...... فكم من كَتِبَةٍ .........

يقول: كم من كتيبة للروم رجالها وأبطالها اصطفت صفوفا للقاء ليث - يعني الممدوح - في ليوث من عسكره وأصحابه، ليس لهم حصون كحصون الروم من الجبال والصخور، وإنما حصونهم متون الخيل والرماح.

وقوله:

وكَفَى بمَنْ فَضَح الجَدَايَةَ فاضِحاًلِمُحِبِّهِ وبمَصْرَعي ذَا مَصْرَعَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

قال: يقول: من فضح الجداية بحسنه، كفى فاضحا لمن أحبه، وكفى بمصرعي في حبه مصرعا؛ يريد إنه غاية في الحسن، وهو غاية في عشقه وحبه.

وأقول: إن هذا المعنى محتاج إلى زيادة ايضاح؛ وذلك إنه لما ذكر فيما قبل من البيتين زوال حيائه بكثرة بكائه وكثرة ما به من رنة، وله من دمع، قال بعد ذلك: كفى بمن فضح الجداية بالحسن أن يفضحني بالحب، فاعتذر لنفسه في ظهور حبه بزيادة حسن حبيبه فقال: إذا فضح الغزال بحسنه فجدير أن يفضح العاشق بحبه لأن حسنه أوفى حسن، ومصرعي في عشقه أوفى مصرع.

وقوله:

أَلِفَ المُروءةَ مُذْ نَشَا فكأنَّهُسُقِيَ اللِّبَانَ بهَا صَبيّاً مُرْضَعَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»
نُظِمَتْ مَوَاهِبُهُ عليهِ تَمائِماًفاعتادَهَا فإذا سَقَطْنَ تَفَزَّعَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

قال: من روى: (نُظمت) بضم النون فالمعنى أن هباته وما يفعله من الإعطاء جُعلت له كالتمائم التي تُعلق على من خاف شيئاً، فإذا سقطت عنه عاد الخوف؛

أي: إنه ألف العطاء واعتاده، حتى لو ترك ذلك بمنزلة من سقطت تمائمه.

ومن روى (نظمت) بفتح النون فقال ابن فورجة: إنما يعني ما حصّلت له المواهب من الحمد والثناء والمدح بالأشعار وأدعية الفقراء فهو إذا لم يسمع ما تعود أنكر ذلك وكان كمن ألقى تميمته فتفزّع.

وأقول: إن (نظمت) وما بعدها صفة لقوله: صبيا مرضعا لأن التمائم تُستعار للصبي، وما نرى الواحدي وابن فورجة ذكرا ذلك، بل أطلقا القول بذكر الممدوح من غير اعتبار قوله: (صبيا) فذكرا الخوف للممدوح والفزع والتمائم وتلك من صفات المجانين! م فلا بد من جعل البيت الثاني صفة لآخر البيت الاول، لتصح الاستعارة فيصح المعنى، وإلا لا مقال بصحته دون ذلك. ويجوز نظمت مواهبه، بفتح النون ونصب المواهب، ويكون ضمير الفاعل للمروءة قبل.

وقوله:

أَجارُكِ يا أُسْدَ الفَراديسِ مُكْرَمٌفَتَسْكُنَ نَفْسِي أمْ مُهَانٌ فَمُسْلَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجارك يا أسد الفراديس مكرم»

قال: هذه عادة العرب يخاطبون الوحوش والسباع، لأنهم يساكنونها في البرية؛ يقول لأسود هذا المكان: هل يكون من جاورك مكرما عزيزا فتسكن نفسي أو يكون مخذولا مهانا؟

وأقول: إنه فسر البيت بإعادة لفظه! والمعنى: إنه استفهم الأسد اتهاما لها لأنها غير مأمونة على جار، وجعلها بمنزلة من يعقل؛ يقول: أنا قد نزلت جاراً لك، وأنت فيك منعة، وعندك حماية فهل اُكرم منك بكف الأذى عني، والذب من دوني كما يفعل الكريم بجاره فأطمئن أم أهان وأسلم وتُخفر ذمتي كجار اللئام الضعاف فاحترز لنفسي؟ وفي هذا تنبيه على خوفه، وما بعده يدل عليه.

وقوله:

ما تُرِيدُ النَّوَى من الحَيَّةِ الذَّوَّاقِ حَرَّ الفَلا وبَرْدَ الظِّلالِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: عنى بالحية نفسه؛ يريد إنه كثير السفر قد تعود حر الفلوات بالنهار وبرد الليل، والليل ظل كله، وهذا شكاية من الفراق وانه مبتلى به.

وأقول: ليس هذا شكاية من الفراق كما ذكر لأن الشكاية إنما تكون من الضعيف المتألم؛ مأخوذ من الشكو وهو المرض، وكيف يشكو وقد جعل نفسه بمنزلة الحية التي قد أدمنت وتمرنت على الحر والبرد، وإنما هذا استفهام إنكار وتوبيخ للنوى في ولوعها به وتعرضها له وهو لا يعبأ بها، وكيف يشكو النوى وهو أمضى في الروع من ملك الموت لا يخاف أحداً م ولا يرتدع من أحد عن زيارة محبوبه:

......وأسْرَى في ظُلْمَةٍ من خَيَالِ

أي: إذا شاء وصال حبيبه كان في الليل كطيف الخيال وهذه صفات لنفسه بالقوة لا بالشكاية التي هي ضعف.

وقوله:

وربيعاً يضَاحِكُ الغَيْثَ فيهزَهَرُ الشُّكْرِ في رِيَاضِ المَعَالي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: جعله ربيعا وجعل عطاءه غيث ذلك الربيع، وجعل شكر الشاكرين زهرا يُضاحك الغيث، لأن الزهر إنما يتفتح ويحسن بعد مجيء الغيث كالشكر يكون بعد العطاء، ثم استعار لمعاليه رياضا ليجانس الألفاظ، وكأن هذا الزهر قد طلع من رياض معاليه؛ لأنه لولا كرمه وحبه للجود، ما أثنى عليه الشاكرون.

وأقول: أن تفسيره إلى قوله: يُضاحك الغيث حسن، وقوله بعد ذلك في تعليله: لأن الزهر إنما يتفتح...... إلى اخره، ضعيف إلا قوله: استعار لمعاليه رياضا ليجانس الألفاظ فإنه أيضا حسن لتكميل الاستعارة به. ولم يذكر معنى المضاحكة، وبها يحسن المعنى، وقد جعلها أبو الطيب بين الغيث، الذي هو الجود، وزهر الشكر فهما يتضاحكان؛ هذا بالبرق في حال الأمطار، وهذا بالتفتيح والإنارة في

حال الأزهار، فكلاهما يتقابلان في الحُسن ويزايدان. وقد جاء مثل هذا لأبي تمام في قوله:

إذا ضاحَكَ الرَّوْضُ الغَزَالةَ نُشِّرَتْزرابيُّ في أكنَافِهَا ودَرَانِكُ

وكلاهما من قول البصير أبي البصير:

يضاحِكُ الشمسَ منها كَوْكَبٌ شَرِقٌمُؤَزَّرٌ بِعَميمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

وقوله:

والجِراحَاتُ عنَدهُ نَغَماتٌسَبَقَتْ قَبْلَ سَيْبهِ بِسُؤَالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

قال: يقول: عادته أن يعطي بغير سؤال، فان سبقت نغمة من سائل عطائه بلغ ذلك منه مبلغ الجراحات.

وأقول: كأن هذا رد لقول أبي تمام:

تكادُ عَطَاياهُ يُجَنُّ جُنُونُهَاإذا لم يُعَوِّذْهَا بنَغْمةِ طَالبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

لأنه يقول: ينتظر بالعطايا السؤال فهي تنتفع به كانتفاع المجنون بالعوذ، وأبو الطيب يقول: إنه يستضر بالسؤال إذا سبق النوال فنغمات السائل عنده بمنزلة الجراحات.

وقوله:

ذا السَّراجُ المُنِيرُ هذا النَّقِي الْجَيْبِ هذا بَقِيَّةُ الأبدالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

قال: نقي الجيب عبارة عن الطاهر من العيب؛ يعني أن ثوبه لم يشتمل منه على دنس

وأقول: إن الجيب بمنزلة الثوب عبارة عن القلب. يقال: فلان نقي الجيب وناصح الجيب، يعني به سلامة الباطن وصفاء السريرة كقول أبي نواس:

تَئِطُّ دونَ الرَّجالِ الأقربين بهقُوىً رؤومٌ وجَيْبٌ طالمَا نَصَحَا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد عذب الحب هذا القلب ما صلحا»

وقوله:

وله في جَمَاجِمِ المَالِ ضَرْبٌوقعهُ في جَمَاجمِ الأبْطَالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

قال: قال ابن جني: يهب المال فيقدر بذلك على رؤوس الأبطال، وهذا فاسد وكلام من لم يعرف المعنى. والرجل يوصف بضرب رؤوس الأعداء من حيث الشجاعة لا من حيث الجود والهبة؛ والمعنى إنه يُفرّق ماله بالعطاء، فإذا فني ماله أتى أعداءه فضرب جماجمهم وأغار على أموالهم كما يقال: هو مفيد متلاف، فوقع ضربه في رؤوس أمواله يكون في الحقيقة في رؤوس الأبطال، وهذا كقوله:

والسِّلْمُ تَكْسِرُ من جَنَاحَيْ مَالِهِبنَوالِهِ ما تَجْبُرُ الهَيْجَاءُ

وأقول: قوله: جماجم المال؛ أراد اشرف العطاء وأعلاه وأسناه كالجماجم من الأعضاء، ولما ذكر جماجم الأبطال استعار للمال جماجم على وجه المقابلة كقول أبي تمام:

لا تَسْقِني مَاَء المَلامِ فإنَّنيصَبٌّ قد اسْتَعْذَبْتُ مَاَء بُكَائي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قدك اتئب أربيت في الغلواء»

يقول: لكثرة إعطائه نفيس الأموال، أوقع خوفا في صدور الأبطال فهي ترى كأن ضربه، أي تفريقه، لنفيس ماله في المكارم ضرب منها في الجماجم، فالذي ذكره ابن جني أقرب إلى المعنى، إلا إنه أساء فيه بسوء العبارة عنه، والذي ذكره الواحدي معنى

مشهور إلا أن الأشبه به ما ذكرته؛ لأنه يصف رجلا بالزهد والانقطاع وترك الدنيا وإنه بقية الأبدال، ويدل على ذلك قوله قبل:

قَابِضاً كَفَّهُ اليمين عن الدُّنيا .........

وقوله بعد:

فَهُمُ لاتِّقَائِه الدَّهْرَ في يَوْمِ نزَالٍ ولَيْسَ يَوْمَ نِزَالِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

أمِنَ ازْدِيَارَكِ في الدُّجَى الرُّقَبَاءُإذ حيث أنتِ من الظَّلامِ ضِيَاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال: ويروى: حيث كنت، وعلى هذا ضياء ابتداء وهبره محذوف على تقدير: حيث كنت من الظلام ضياء هناك. وكان: في معنى حصلت، لا يحتاج إلى خبر.

وأقول: إن ضياء هاهنا مبتدأ نكرة قد تقدم خبرها عليها، وهو الظرف، تقدم وجوب، فلا يحتاج إلى تقدير خبر محذوف، والتقدير: إذ ضياء حيث حللت من الظلام؛ أي إذ نور في مكان وجودك، فلا تقدرين على الزيارة.

وقوله:

أسَفي على أسَفي الذي دَلَّهْتِنيعَنْ عِلْمِهِ فَبِهِ عَلَيَّ خَفَاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال: يقول: إنما أتأسف على أن شغلتني عن معرفة الأسف، حتى خفي علي ما الأسف؟ لأنك أذهبت عقلي وإنما تُعرف الأشياء بالعقل.

فيقال له: فإذا أذهبت عقله فكيف يتأسف؟ والأسف: الحزن، والحزن إنما يكون للعاقل ومن ذهب عقله لا يحزن ولا يفرح؟! فهذا الذي ذكره ليس بشيء!

وقوله:

شِيَمُ اللَّيَالي أنْ تُشَكِّكَ نَاقَتيصَدْري بها أفْضَى أم البَيْداءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال: قال ابن جني: من عادات الليالي أن توقع لناقتي الشك: أصدري أوسع أم البيداء؟ لما ترى من سعة قلبي وبُعد مطلبي. وهذا إنما يصح إذا لم يكن في البيت بها

وإذا رددت الكناية في (بها) إلى الليالي بطل ما قال لأن المعنى: أصدري بالليالي وحوادثها، وما تورده علي من مشقة الأسفار وقطع المفاوز، أوسع أم البيداء؟

وأقول: لا يبطل ما قال ابن جني برد الكناية إلى الليالي، وقوله أحسن من قولك! وبها لها في البيت معنى حسن.

يقول: من عادات الليالي أن توقع لناقتي الشك، أصدري أوسع أم البيداء؟ أي شيمتها الجور علي وإحواجي إلى السير الطويل في الفلاة الواسعة، فتشكك ناقتي:

أصدري أوسع بها، أي بسيرها وأعمالها، أم البيداء؟ وذلك إن الناقة يطول عليها السير، وتتسع بها الفلاة، ويتسع بأعمالها صدري، فتشك أيهما أوسع؟ وإنما ذلك مما تباشره وتعانيه من هذين الأمرين الشاقين، فهو أولى من غيره.

ويحتمل أن تكون بها بمعنى فيها، وهو راجع إلى الليالي، أي: لما تشاهده في الليالي من سعة الفلاة، وسعة صدري تشك أيهما أوسع.

وقوله:

وكذَا الكريمُ إذا أقامَ بِبَلْدَةٍسَالَ النُّضَارُ بها وقَامَ المَاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال: معنى هذا البيت متصل بالذي قبله لأنه يقول: بياض الثلوج يعمي فقام مقام السواد والبياض، إذا عمل عمل السواد نقض العادة كذلك الكريم إذا أقام ببلدة نقض

العادة، فيجعل الذهب سائلا ويجمد الماء، وإنما قال هذا لأنه في الشتاء عند جمود الماء، ولم يعرف أحد ممن فسر هذا الشعر معنى قوله: وكذا الكريم؛ والتشبيه فيه واتصاله بما قبله.

وأقول: قد روي البيت الذي بعده وهو:

جَمَد القِطَارُ...... .........

مقدما عليه وهو الصحيح، وإذا كان كذلك فقد اتضح المعنى وزال الإشكال وحسن الاتصال، ولم يُحتج إلى هذا التقدير البعيد والتعسف الشديد!

وقوله:

يا أيُّها المُجْدَى عليه نَفْسُهُإذْ لَيْسَ يأتيهِ لها اسْتِجْداءُ
أحْمَدْ عُفَاتَك لا فُجِعْتَ بحَمْدِهِمْفَلَتَرْكُ ما لم يأخُذُوا إعْطَاءُ

قال: يريد: لا قطع الله شكرهم عنك.

وأقول: اقلب تُصب! يريد لا قطع الله شكرك عنهم؛ لأنهم محسنون إليك بإبقاء روحك عليك، ولهذا قال له: أحمد عفاتك، وقوله: بحمدهم أي بحمدك إياهم على

إبقاء روحك إياك وبينه بقوله:

......فَلَتَرْكُ مَا لمْ يأخُذُوا إعْطَاءُ

ويحتمل أن يكون الحمد منهم، ويكون دعاء له على إحسانه إليهم، وتكون جملة معترضة لا موضع لها من الإعراب.

وقوله:

لا تَكْثُرُ الأمواتُ كَثْرَةَ قِلَّةٍإلاَّ إذا شَقِيَتْ بكَ الأحْيَاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال: أراد بالأموات القتلى الذين ماتوا قبل الممدوح ومعنى شقيت بك: أي بغضبك فقتلك إياهم. يقول: لا تكثر القتلى إلا إذا قاتلت الأحياء وشقوا بغضبك، فإذا غضبت عليهم وقاتلتهم قتلتهم فزدت في الأموات زيادة ظاهرة، ونقصت من الأحياء نقصانا ظاهرا، ولم يفسر أحد هذا البيت كما فسرته.

فيقال له: أنت مصدق في قولك: لم يفسر أحد هذا البيت كتفسيرك ولكن في الرداءة لا في الجودة! لكونك جعلت الأموات القتلى من غير على محوجة، واللفظ إذا استقل بالمعنى على ظاهره وعلى الحقيقة لم يحمل على المجاز. والتقدير الصحيح:

لا تكثر الأموات الذين في القبور إلا إذا شقيت بك: أي: بغضبك، الأحياء، كما فسرت، بأن تقتلهم فتُكثر بهم الأموات وتلك الكثرة لا فائدة فيها ولا تأثير بها فهي كالمقلة.

وقوله:

وإذا مُدِحْتَ فلا لتُكْسَبَ رِفْعَةًللشَّاكرينِ على الإلهِ ثَنَاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال: يقول: بلغت من الرفعة غاية لا تزداد بمدح المادحين علوا، ولكنك تُمد ليؤخذ منك العطاء، وليعد الشاعر في جملة مدّاحك كالشاكر لله تعالى يُثنى عليه ليستحق به أجرا ومثوبة.

وأقول: قوله: ولكنك تُمدح ليؤخذ منك العطاء...... إلى آخره ليس بشيء!

والمعنى: إنك تُمدح لا لتكسب بالمدح علوا - وقد جاوزت العلو - ولكن لك نعم على الناس شكرها واجب، فيذكرونها شاكرين لك، وفيها ثناء عليك، كما أن البارئ - سبحانه - إذا شكرت نعمه لا يُكسب بالثناء عليه رفعة فكذلك أنت. وفي هذا قلة تحرج وكثرة غلو.

وقوله:

وهَوْلٍ كَشَفْتَ ونَصْلٍ قَصَفْتَورُمْحٍ تَرَكْتَ مُبَاداً مُبِيدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

قال: يقول: ورب هول كشفته عن أوليائك وحزبك، ورب سيف كسرته بقوة ضربك، ورب رمح تركته مهلكا باستعمالك إياه في الطعن. ومبيدا حال من الممدوح، أي: تركته مهلكا في حال إبادتك وطعنك العدو به. ولا يجوز أن يكون نصبه كنصب مبادا لأنه بعد أن صار مبادا لا يكون مبيدا. وجميع من فسر هذا الديوان جعلوا المباد والمبيد للرمح، ومثل هذا قول البعيث:

وإنَّا لنُعْطي المَشْرَفِيَّةَ حَقَّهَافَتَقْطَعُ في أيْمانِنَا وتَقَطَّعُ
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

فيقال له: في قوله: بعد أن صار مبادا لا يكون مبيدا ما تعني بالإبادة؟ إن أردت بها الفناء الذي هو العدم فمستحيل فيه ذلك، كما ذكرت؛ لأن المعدوم لا يُعدم كما إن الموجود لا يوجد. وان جعلتها كناية عن الكسر على طريق المجاز كما يقال للشيخ الكبير: فإن، فذلك جائز ويكون المبيد والمباد كالسبب والمسّبب يجوز فيهما ذلك في حالة واحدة من غير تقديم وتأخير، ولا فرق في اللفظ بين أن تقول كاسر ومكسور أو مكسور وكاسر، ويقال، على هذا، إن كسر الرمح، إنما كان بالطعن، ودخوله في المطعون ففي ذلك الوقت حصلت الإبادة من الرمح والمطعون معا؛ هذا بالحطم وهذا بالقتل، ويكون قد أصاب جميع من فسر المباد والمبيد للرمح.

وقوله:

يَجْذِبُها تحت خَصْرِهَا كفَلٌكأنه من فِراقِهَا وَجِلُ

قال: اخطأ في تفسير النصف الثاني ابن جني وابن دُوست.

قال ابن جني: كأن عجزها وجل من فراقها، فهو متساقط متحرك، قد ذهبت منته وتماسكه.

وإنما يصير العجز بالصفة التي وصف عند الموت، وما دامت الحياة باقية فلا يصير العجز متساقطا ذاهب المُنة.

وقال ابن دوست: عجزها يجذبها إلى القعود، كأنه خائف من فراقها فيقعدها بالأرض.

وهذا افسد مما قاله ابن جني، ومتى يوصف العجز بالخوف من فراق صاحبه؟ وأين رأى ذلك؟ ولكنه أراد وصف عجزها بكثرة اللحم، وتحرك اللحم عليه لكثرته، فشبهه في ارتعاده واضطرابه بخائف من فراقها، والخائف يوصف بالارتعاد، وكذلك العجز إذا كثر لحمه كما قال:

إذا مَاسَتْ رَأْيتَ لها ارِتْجَاجَا .........

وأقول: لم يخطئ ابن دوست، وإنما قصّر في البيان وعن الاتمام، وفي قوله إشارة إلى عظم العجز ودقة الخصر، وذلك إنها إذا أرادت القيام أبطأت فيه لثقل عجزها ودقة

خصرها، فجعل عجزها كأنه - في إقعادها عن القيام ومسكها - خائف أن ينفصل منها ويفارقها لثقله ودقة خصرها. فإن جعل الارتجاج في الردف استعارة للخوف، وإمارة عليه فهو تمام لما ذكره، وان جعله للخائف من فراقها، كما ذكره، ولم يرد ما ذكره ابن دوست، فهو مقصّر كغيره مخطئ لنقص الاستعارة. فمجموع قوله، وقول ابن دوست كمال المعنى، وهو من قول الأعشى:

صِفْرُ الوِشَاح ومِلءُ الدِّرْعِ بَهْكَنَةٌإذا تأتَّى يَكادُ الخَصْرُ ينخرِلُ

أي: إذا تهيأت للقيام يكاد خصرها ينقطع.

وقوله:

أصْبَحَ مَالاً كَمَالِهِ لذَوِي الحاجَةِ لا يُبْتَدَى ولا يُسَلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: أي: يغنيهم بنفسه وماله، فهو لهم مال، كما أن ماله يؤخذ بلا إذن، كذلك الاستئذان في الدخول عليه، وكل من ورد عليه اخذ ماله بلا ابتداء ولا مسالة من الوراد.

وأقول: ليس للاستئذان في الدخول عليه ذكر ولا وجه! وإنما يصفه بكثرة الجود والسخاء. يقول: إنه للمحتاج مال يأخذه ويملكه من غير ابتدائه بسؤال كما قد عُلم ذلك من ماله. وهذا المعنى مطروق، كثير، منه قول مسلم:

يَجُودُ بالنَّفْسِ إنْ ضَنَّ الجَوادُ بِهَاوالجُودُ بالنَّفْس أقْصَى غَايةِ الجُودِ

وقوله:

هَانَ على قلبهِ الزَّمَان فَمَايَبِينُ فيه غَمٌّ ولا جَذَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال: هذه صفة الكامل العقل، الذي يستخف بالنوائب والحوادث؛ لعلمه إنها لا تُبقي لا الغم ولا السرور فلا يُتبين لهما فيه اثر، فلا يبطر عند السرور، ولا يجزع عند ما يُحزنه.

وأقول: إنه لم يجد العبارة مع التطويل! وأجود منها أن لو قال: هذا الممدوح علم بأحوال الدهر وتغيرها فهان عليه أمرها فلا يبين به في الشدة غم ولا في الرخاء سرور، وهذا كقول أمير المؤمنين ﵇: الزهد كله في كلمتين من القرآن وهما قوله تعالى: (لِكَيْلا تأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ (؛ لأنه من لم يأس على الماضي ولم يفرح بآلاتي فقد أخذ الزهد بطرفيه.

وقوله:

خَامَرَهُ إذْ مَدَدْتَها جَزَعٌكأنَّهُ من حَذاقةٍ عَجِلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: خالط الطبيب لما مددت يدك للفصد جزع من هيبتك، فعجل في الفصد ولم

يتأن؛ كأنه عجل من حذقه.

قال: ومن روىعجلعلى المصدر أراد: كأنه ذو عجل من حذقه فحذف المضاف.

وأقول: الجيد أن لا يُقدر حذف المضاف، ولا يجعل الضمير راجعا إلى الطبيب ولكن إلى قوله: جزع. يقول: كأن ذلك الجزع عجل وليس به.

وقوله:

ويا ابنَ الضَّاربين بكُلِّ عَضْبٍمن العَرَبِ الأسافِلَ والقِلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال: يريد بالأسافل الأرجل وبالقلال الرؤوس، وهو جمع قلة رؤوس الجبال فجعلها رؤوس الرجال.

وأقول: إن تخصيصه بذلك الضرب للعرب دون غيرهم قد ذكرته فيما قبل.

وقوله:

إذا وَطِئَتْ بأيْدِيهَا صُخُوراًيَفِئْنَ لِوَطْءِ أرْجُلِهَا رِمَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

ويروى: بقين. وهذا كما قال ابن المعتز:

وأقول: يُحتمل أن يكون أراد: إذا وطئت بأيديها صخوراً اندقت فصارت حصى فإذا وطئتها بأرجلها صارت رمالا، فتكون من عند الأرجل كما قال ابن المعتز.

وقوله:

ما بِهِ قَتْلُ أعَاديهِ ولكِنْيَتَّقِي إخْلاَفَ ما تَرْجو الذِّئَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما بدر بن عمار سحاب»

قال: يقول: ليس له مراد في قتل الأعداء لأنه قد أمنهم بقصورهم عنه، ولكنه يحذر أن يخالف رجاء الذئاب، وما عودها من إطعامه إياها لحوم القتلى؛ أي: فلذلك يقتلهم.

وأقول: هذا مثل قوله:

سَفَكَ الدِّمَاَء بجُودِهِ لا بأسِهِكَرَماً لأنَّ الطَّيْرَ بَعْضُ عِيَالِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بدر فتى لو كان من سؤآله»

وكلاهما من قول مسلم؛ إلا إنه زاد عليه فيهما أحسن زيادة:

قد عَوَّدَ الطَّيْرَ عَادَاتٍ وَثِقْنَ بهافَهُنَّ يَتْبَعْنَهُ في كُلِّ مُرْتَحَلِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

وقول أبي نواس:

تتأيَّا الطَّيْرُ غدوَتَهُثِقَةً بالشِّبْعِ من جَزَرِهْ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»

وقوله:

سَبَقَ التِقاَءكَهُ بوَثْبِة هَاجِمٍلو لَمْ تُصَادِمْهُ لجَازكَ مِيلاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

قال: يقول: عجل الأسد بوثبته على ردف فرسك، قبل التقائك معه فهجم عليك بوثبة فلو لم تصكه لجازك ميلا.

وأقول: هذا ليس بشيء، والمعنى في قوله: سبق التقاءكه: يعني إنه وثب عليك أولا فتلقيته بضربة السوط؛ فلو لم تصادمه بتلك الضربة لجازك ميلا. يصف قوة الأسد

في هجومه عليه بشدة تلك الوثبة، وقوة الممدوح بشدة تلك الضربة، ولا يكون الالتقاء بالضرب إلا بعد الوثوب؛ ليجتمع بالمصادمة قوة الوثوب وقوة الضرب فيحصل التأثير باجتماعهما ما لا يحصل بالانفراد.

وقوله:

خَذَلَتْهُ قُوَّتُهُ وقد كافَحْتَهُفاسْتَنْصَرَ التَّسْلِيمَ والتَّجدِيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»
قَبَضَتْ مَنِيَّتُهُ يَدَيْهِ وعُنْقَهُفكأنَّما صَادَفْتَهُ مَغْلُولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

قال: أساء أبو الطيب في هذا حيث لم يجعل أثرا للممدوح، ولا غناء في قتل الأسد.

وقال: كأنما كان مغلول اليد والعنق بقبض المنية عليه.

فيقال له: وأي غناء أوفى من التقائه له بسوطه، وصكه به تلك الصكة التي لو لم تصادمه لجازه ميلا وهل يكون غناء أو قوة أو شجاعة أوفى من ذلك؟ وإنما قال:

قَبَضَتْ مَنِيَّتُهُ يديهِ وعُنْقَهُ .........

لما قال قبله: خذلته قوته خوفا منك وقد كافحته؛ أي قابلته وجها لوجه:

....فاستَنْصَرَ التَّسْلِيمَ والتَّجْدِيلا

أي: رأى إن قتاله لك لا يُغني عنه ولا ينجي منك فرأى النصر عليك في التسليم لك، وذلك أن بدرا لم يقتله وإنما قتله عسكره وهذا مثل قوله:

أعَدُّوا رماحاً في خُضُوعٍ...... .........

والتجديل: سقوطه على الجدالة، وهي الارض، لسقوط قوته، وكل هذا من جهة الممدوح، فكأن الأسد لما لم يُغن شيئاً في قتالك، وحل به ما حل منك، قبضت منيته، التي أنت سببها، يديه وعنقه فكأنك صادفته مغلولا لذلك. وهذا في ظني ابلغ ما يُحتج به عنه ويُعتذر له به.

وقوله:

أرَى حُلَلاً مُطَوَّاةً حِسَاناًعَدَاني أنْ أرَاكَ بها اعْتِلالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى حللا مطواة حسانا»

قال: إنما قال هذا لأنه رأى الحلل مطوية إلى جانبه ولم يره فيها؛ لأنه كان ذلك اليوم الذي لبس فيه الخلعة عليلا. ومعنى: أراك بها أي: أراك وهي عليك ومعك كما يقال: ركب بسلاحه وخرج بثيابه.

فيقال له: أسهل من هذا التقدير أن تكون بها بمعنى فيها، وقد قال ذلك في شرحه وقوله: مطوية إلى جانبه ولم يره فيها. ويكون كقول الأعشى:

ما بُكاءُ الكبيرِ بالأطْلالِ .........

ولكنه أراد الإغراب في الإعراب!

وقوله:

الحبُّ ما مَنَعَ الكلامَ الألْسُنَاوألذُّ شَكْوَى عَاشِقٍ ما أعْلَنَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

قال: يروى بفتح السين وضمها، وتكون ما بمعنى الذي، والمعنى: غاية الحب ما منع لسان صاحبه من الكلام، فلم يقدر على وصف ما في قلبه منه؛ كقول المجنون:

شكوتُ إليها الحُبَّ قالَتْ: كَذَبْتَنيفما لي أرَى الأعْضَاَء منك كَواسِيَا
فَمَا الحُبُّ حَتَّى يَلْصَقَ الجِلْدُ بالحَشَاوتَخْرَسَ حتى لا تُجِيبَ المُنَادِيَا

ثم قال: والظاهر أن ما نفي لان المصراع الثاني حث على إعلان العشق، وإنما يعلن من قدر على الكلام - وأنشد أبياتا على ذلك منها قول أبي نواس:

فَبُحْ باسِمْ من تَهْوَى وَدَعْنِي من الكُنَىفلا خَيْرَ في اللَّذاتِ من دُونها سِتْرُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر»

وأقول: بل الظاهر هو المعنى الأول، وقيل فيه وجهان:

أحدهما: ما ذكر من أن يكون الحب قد بلغ بالعاشق إلى حال لا يقدر فيه على

الكلام من النحول والضعف.

والثاني، وهو المختار: أن يكون الحب ما أوجب على العاشق الكتمان، ويكون في النصف الأول مضادة للنصف الثاني وهي قوله:

......وأَلَذُّ شَكْوَى عَاشِقٍ ما أعْلَنَا

كأنه يقول: العاشق بين أمرين متضادين: الحب يوجب الكتمان، ولذة العشق تقتضي الإعلان، فالعاشق حائر بينهما.

وقوله:

بِنَّ فَلَوْ حَلَّيْتَنَا لم تَدْرِ ماألوانُنَا مما امْتُقِعْنَ تَلَوُّنَا

قال: يقول: فارقنا أحبابنا، فلو أردت أن تُثبت حليتنا لم تدر ألواننا لتغيرها عند الفراق، فكنت لا تدري بأي شيء تصفها.

وأقول: يحتما أن يكون: بنا بمعنى: بدونا وظهرنا كقوله:

يَرَى أنَّ ما ما بانَ منه لِضَاربٍ .........

يقول: ومع ذلك فلو أردت تحلية لنا، لم تدر بأي صفة تصفنا بها لتغير ألواننا، وهذا المعنى أولى وأبلغ لأنه مع الرؤية لا يتحقق الوصف.

وقوله:

نَفَتِ التَّوهُّمَ عنه حِدَّةُ ذِهْنِهِفَقَضَى على غَيْبِ الأمور تَيَقُّنَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

قال: هذا كأنه اعتذار له مما ذكره من إقدامه، فذكر أن فطنته تقفه على عواقب الأمور؛ حتى يعرفها يقينا لا توهما.

وأقول: ليس هذا اعتذار له مما ذكره من شدة إقدامه وإيغاله بالطعن في أعدائه، ولا بينه وبين البيت الذي قبله تعلق، ولو كان كما قال: إنه يطّلع في حال إقدامه على عواقب الأمور، بأنه يظفر ويقتل ولا يُقتل؛ لم يكن في ذلك كبير فضيلة؛ بل لا فضيلة فيه رأسا. ولكن هذا البيت قائم بنفسه، منفصل من غيره، فيه وصفه له بالذكاء وصحة الفراسة، وحدة الذهن، وانه يقضي على الغائبات يقينا، لا حدسا وتخمينا.

وقوله:

عَقَدَتْ سَنَابِكُهَا عليها عثِيْرَاًلو تَبْتَغي عَنَقاً عليهِ أَمْكَنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

أقول: لو أتى باللام في قوله: أمكنا لكان أحسن من وجهين:

أحدهما: إنه جواب لو.

والثاني: قولك: عليه مال أحسن من قولك: عليهي مال لما ذكره أبو علي.

وقوله:

أضْحَى فراقُكَ لي عَلَيْهِ عُقُوبَةًليس الذي قاسَيْتُ منه هَيِّنَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

قال: إن الضمير في عليه راجع إلى قوله فيما قبله:

فَطَنَ الفُؤَادُ لما أتيتُ على النَّوَى .........

أي إنه اعترف بتقصير منه.

أقول: يحتمل أن الضمير راجع إلى قوله: فراقك بل هو الواجب، وقد ذكرته قبل.

وقوله:

ومكائدُ السُّفَهَاءِ وَاقِعَةٌ بهموعَداوةُ الشُّعراءِ بئس المُقْتَنَى
للشاعر معروف الرصافي، من قصيدة «اليوم قري يا مواطن أعينا»

أقول: إن في هذا البيت والذي بعده تخويفا وترهيبا لبدر من عداوة الشعراء ومقارنة اللئيم الذي يصحب الكريم فيكسبه من سوء أخلاقه لآمة وندامة خوفا من أن يفرط إليه أذى من جهته. وهذا لم يذكره الواحدي ولا غيره.

وقوله:

علَى أنَّني طُوِّقتُ منكَ بنعمَةٍشهيدٌ بها بَعْضي لغَيْري على بَعْض
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي»

قال: يريد: انصرف عنك مع انك قلدتني نعمة يشهد بها بعضي على بعضي.

وأقول: لا يقدر محذوف في الكلام إذا استقل بالمعنى من غير تقدير محذوف، والتقدير قد ذكرته فيما قبل.

وقوله:

سَأشْرَبُ الرَّاحَ من إشارتهاودَمْعُ عَيْني في الخَدِّ مَسْفُوحُ

قال: إنما يبكي كراهة للشرب ولكنه لا يمكنه مخالفة إشارتها.

فيقال له: لم يبك كراهة للشرب وإنما بكى للعشق؛ لأنه جعل اللعبة بمنزلة الجارية، وقد قال:

جَارِيةٌ ما لِجْسمِهَا رُوحُفي القَلْبِ من حُبِّهَا تَبَارِيحُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جارية ما لجسمها روح»

فهذا التفسير الذي فسره تغفل عن شيء قريب المتناول، وتكلف لشيء بعيد الامتناع، لأن المتنبي ما كان ليكره الخمر ويمتنع من شربه فيبكي إذا فعله!

وقوله:

وكَفَتْكَ الصَّفَائِحُ الناسَ حتىقد كَفَتْكَ الصَّفَائحَ الأقلامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا افتخار إلا لمن لا يضام»

قال: قال ابن جني: استغنيت بسيوفك عن نصرة الناس لك.

وليس المعنى على ما ذكر. يقول: هاب الناس سيوفك فكفوا عنك، ولم تحتج إلى قتالهم، ثم صرت إلى إن كفتك الأقلام السيوف لما استقر لك من الهيبة في قلوب الناس.

وقال ابن دوست: كفتك سيوفك الناس، من العساكر وغيرها، حتى استغنيت عنهم ولم تحتج اليهم.

وهذا أيضا ضعيف لان السيوف تحتاج إلى من يحملها لتحصل بها الهيبة، وهي بمجردها لا تكفيه الناس. والمعنى ما ذكرنا.

وأقول: المعنى على ما ذكر ابن جني:

يقول: كفتك الصفائح؛ أي سيوفك نصرة الناس. والذي يدل عليه القسم الثاني من

البيت وهو قوله:

...... حَتَّىقد كَفَتْكَ الصَّفَائِحَ الأقْلامُ

أي: كفتك الأقلام نصرة السيوف، أي: استغنيت بسيوفك عن الناس، وبأقلامك عن السيوف وكذلك تقدير البيت الثاني.

وقول ابن دوست هو قول ابن جني بعينه، واعتراضه عليه بأن السيوف تحتاج إلى من يحملها لتحصل الهيبة.

فيقال له: هو يحملها وحده، كالأقلام، ولا يلزم أن يحملها جميعها في مرة واحدة بل يحملها على البدل!

وقوله:

عَدُوِّي كُلُّ شيءٍ فيكَ حَتَّىلَخِلْتُ الأكْمَ موغَرَةَ الصُّدورِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذيري من عذارى من أمور»

ذكر فيه ابن جني وجهين ردهما ابن فورجة وقد ذكرتهما قبل، وذكر وجها ثالثا من عنده، ذكره الواحدي وسكت عليه كأنه راض به، وهو إن قال: والذي يعني أبو الطيب، ان كل شيء يعاديه حتى الأكمة، التي هي شخص بلا عقل، معادية له، وإن لم يظهر منها ما يوجب ذلك، كما يقول الرجل الخائف: أخاف الجدار وأخاف كل شخص ماثل. وإن لم يظهر من الحائط ما يستريب به، وإنما يريد بذلك المبالغة في الخوف.

وأقول: هذا ليس بشيء. وإنما خص الأكم لارتفاعها، ولو أمكنه أن يقول الجبال لقال.

يقول: عدوي فيك كل شيء رفيع حتى الأكم لأنها تحسدني على سموي ورفعتي لكونها دوني في ذلك، وقد ذكرته قبل. وهذا كقوله:

صَحِبْتُ في الفَلَواتِ الوَحْشَ مُنْفَرِداًحتى تَعَجَّبَ مني القُورُ والأكَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

وإنما خص القور والاكم دون ما انخفض من الأرض واستوى للمناسبة التي بينه وبينها في ارتفاع.

وقوله:

ألْقَى الكِرامُ الأُلَى بادوا مَكَارِمَهُمْعلى الخَصِيبيِّ عند الفَرْضِ والسُّنَنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»
فهنَّ في الحَجْرِ منه كلَّمَا عَرَضَتْله اليَتَامَى بَدَا بالمَجْدِ والمِنَنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

قال: يقول: فالمكارم في حجره يربيها وكلما عرضت الأيتام بدأهم باستعمال المجد فمن عليهم، واحسن اليهم، وإنما ذكر اليتامى لأنه يمدح قاضيا، والقضاة يتكلفون أمر الأيتام!

قال: وأطال ابن فورجة الكلام في معنى البيتين. وذلك إنه قال: يعني أن المكارم قل طالبوها، وكان لها من الكرام آباء كفلوها هذا الممدوح لأنه قاض، والقضاة تتكفل اليتامى فجعلوه كفيلها فهو يربيها مع سائر الأيتام! غير إنه يؤثر المكارم بحسن التربية على سائر الأيتام وهذا معنى:

...... كلَّمَا عرضَتْله اليَتَامَى بَدَا بالمَجْدِ والمِنَنِ

أراد بذلك المكارم فأقام المجد والمنن مقامها لأنهما في معناها.

قال: وهذا كلامه وهو تكلف من لم يعرف المعنى.

فيقال له: المعنى ما ذكره ابن فورجة لا معنى سواه. فيقول: إن المكارم كاليتامى في فقد من تنتسب إليه من الكرام. إلا إنه كان ينبغي له أن يجعل في موضع

قوله: إن المكارم قل طالبوها وكان لها من الكرام آباء كفلوها هذا الممدوح لأنه قاض، فكأن هذا الممدوح كفيلها، لأنه قاض، والباقي منهم والأولى بها.

والذي ذكره ليس بشيء وكلام من لم يعرف المعنى.

وقوله:

قَاضٍ إذا الْتَبَسَ الأمْرَانِ عَنَّ لَهُرَأيٌ يُخَلِّصُ بين المَاءِ واللَّبنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

أقول: أنشدني الشيخ الوجيه الضرير النحوي لنفسه في هذا المعنى:

وَلَوْ وَقَعَتْ في لُجَّةِ البَحْرِ قَطْرَةٌمن المُزْنِ يوماً ثم شَاَء لمَازَهَا
للشاعر الوجيه النحوي الضرير ابن الدهان، اقرأ القصيدة
ولو مَلَكَ الدُّنيا فأضْحَتْ مُلوكُهَاعَبِيداً في الخَافِقَيْنِ لَمَا زَهَا

وقال: قولي في هذا أبلغ من قول المتنبي؛ لأن ماء القطر لا يمكن تمييزه من ماء البحر إذا خالطه، والماء يمكن تخليصه من اللبن بالقش يُلقى فيه فيشرب الماء ويبقى اللبن.

وأقول: وهذا شيء لم أجربه إلى الآن فاعلم صحته!!

وقوله:

لم نَفْتَقِدْ بكَ من مُزْنٍ سِوَى لَثَقٍولا من البَحْرِ غيرَ الرِّيحِ والسُّفُنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

قال: يقول: لم نفتقد بجودك من السحاب سوى الوحل الذي يكون من مائه ولا من ماء البحر غير الريح والسفن التي لا يمكن عبور البحر الا بهما. والمعنى: إنه سحاب وبحر.

وأقول: اللثق: هو الندى والبلل، يقال: لثق الشيء بمعنى ابتل، وطائر لثق: مبتل. والمعنى: إنه يفضل السحاب والبحر لان السحاب، مع نفعه، قد يؤذي بالبلل، والبحر يتكلف له ويكون الإنسان معه وفيه على خطر، وليس كذلك الممدوح.

وقوله:

ولا من اللَّيْثِ إلاَّ قُبْحَ مَنْظَرِهِومن سِوَاهُ سِوَى ما لَيْسَ بالحَسَنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

قال: يقول: وجدنا بك كل شيء إلا ما كان قبيحا. يعني أن جميع محاسن الدنيا مجتمعة فيه، وجميع المقابح منفية عنه.

وأقول: أراد فقدنا بك من الليث قُبح المنظر، أي: الذي ليس بحسن، ولم نفقد بك من سوء الليث سوى الذي ليس بحسن، أي: لم نفقد الحسن، وفي هذا نفي قُبح الأسد عنه وإثبات ما سواه من شجاعته وحميته، واثبات المحاسن جميعها له.

وقوله:

ألا لاَ أُرِي الأحْدَاثَ حَمْداً ولا ذَمَّافَمَا بَطْشُهَا جَهْلاً ولا كَفُّهَا حِلْمَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

قال: يقول: لا أحمد الحوادث السارة ولا أذم الضارة، فأنها إذا بطشت بنا وأضرب لم يكن ذلك جهلا منها، وإذا كفت عن الضرر لم يكن ذلك حلما، يعني أن الفعل في جميع ذلك لله لا لها، وإنما تنسب الأفعال إليها استعارة ومجازا.

وأقول: إنه أراد بذلك وصف الأحداث بصفات الخُرق والجهل - استعارة ومجازا -

أي: أن بطشها وكفها، وحربها وسلمها عن غير قصد. وهذا كقوله:

لكنَّهَا خَطَراتٌ من وساوسهِيُعْطي ويَمْنَعُ لا بُخْلاً ولا كَرَمَا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لا تحمدن حسنا في الجود إن مطرت»

وقول زهير:

رأيتُ المنَايَا خَبْطَ عَشْوَاَء من تُصِبْتُمِتْهُ، ومن تُخْطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهْرم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

وقوله:

مَمْطُورَةٌ طُرُقي إليه ودونَهُمن جُودِهِ في كلِّ فَجٍّ وَابِلُ

قال: يعني أن طريقه إلى الممدوح مملوءة بآثار بره.

ويروى: إليها دونها؛ رواه ابن جني والضمير للرؤية.

والمعنى: يصل إلي إحسانه قبل الوصول إليه.

وأقول: إن هذا البيت والذي قبله وهو قوله:

...... رؤيَتُهُ المُنَى وهي المَقَامُ الهَائِلُ

تبين لما قبلهما من قوله:

...... فما لذيذٌ خالصٌمما يَشُوبُ ولا سُرورٌ كَامِلُ

فجعل جود الممدوح كالوابل، فالطرق دون الوصول إليه ممطورة به، والسير في حال المطر كلفة ومشقة، ورؤيته منى الزائر، إلا أنها هائلة له، فما خلصت لذة المطر والسرور به ورؤية الممدوح والانتفاع بها من شوب يُنغصه. وأراد بذلك المبالغة، وهذا لا يدل على نقص في المدح، ولا نقص في الممدوح؛ ولكنه وصفه بصفتين فيه من اجتماع الجود والهيبة له، ولم يُرد أن إحداهما تنقص الأخرى؛ لأنه لو انفردت كل واحدة منهما لكانت له فضيلة، فكذلك إذا اجتمعتا. فشوب اللذيذ، ضرب له مثلا من جوده بتشبيهه بالوابل للسائر إليه وما يقاسي منه. وعدم كمال السرور، ضرب له مثلا برؤيته الحسنة النافعة، وهيبته الهائلة المانعة؛ إلا إنه أغرق وأسرف في البيت الذي يليه من قوله:

محجوبَةٌ بِسُرَادِقٍ من هَيْبَةٍتَثْنِي الأزِمَّةَ والمَطِيُّ ذَوَاملُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

فجعل رؤيته محجوبة بسرادق من هيبة تثني أزمة مطي القاصدين إليه والوافدين عليه في حال ذم لأنها، وهي شدة سيرها، أي: تردها عنه خوفا منه. وهذا، كما قال الواحدي، إلى الهجاء اقرب منه إلى المدح، إلا على رأي ابن جني فقد تكلف تصحيحه

وأقول: إن أبا الطيب مديحه في جميع شعره أجود من غزله، إلا في هذه القصيدة فانه جاء فيها بما يخالف المعهود منه.

وقوله:

وتَسْحَبُ الحِبَرَ القَيْنَاتُ رافِلةًفي جُودِهِ وتَجُرُّ الخَيْلُ أرْسَانَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

قال: يريد أن جميع ما تنفقه من ماله وما تلبسه الجواري وترفل فيه من ثياب الحبر من جوده. وكذلك ما تجر خيلنا من الأرسان.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.