تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح الواحدي (٦)

قال: وعلى هذه الرواية لا يستقيم لفظ البيت ولا معناه.

وأقول: إن هذه الرواية الكثيرة الظاهرة! ولفظ البيت معها مستقيم ومعناه، والتقدير: فأضحت القلعة كأن السور بدؤه من فوقه؛ أي: من أعلاه، آخذ إلى الأرض؛ أي: بدئت عمارتها كذلك فشق الكواكب أولا ونزل إلى الترب، وهذا بناء بخلاف الأبنية المعتادة فإنها تبدأ من أسفل إلى فوق، وهذا من فوق إلى أسفل! وإنما أراد بذلك المبالغة فتناهى فيها، وتجاوز الغاية بها، وهو من قول السموأل إلا إنه قلبه:

رَسَا أصْلُهُ تحتَ الثَّرَى وسَمَا بهِإلى النَّجْمِ فَرْعٌ لا يُرَامُ طويلُ
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»

وهو مثل قوله:

وقالوا هل يُبَلِّغُكَ الثُّرَيَّافَقُلْتُ نَعَمْ إذا شئتُ اسْتِفَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

وقوله:

......فإذا أرادوا حاجةً نَزَلُوا

فعلى هذا بدؤها مبتدأ من فوق خبره مقدم عليه، والجملة في موضع رفع خبرا

لكأن، وقد شق الكواكب والتربا في موضع الحال.

وعلى قول الواحدي يكون قوله: قد شق الكواكب والتربا خبرا لكأن ومن فوق بدئه في موضع الحال. يقول: كأن السور قد شق الكواكب والترب كائنا من أعلى ابتدائه؛ أي: في تلك الحال، وهذا تقدير القولين، ورواية ابن جني أكثر، والمعنى معها أظهر!

وقوله:

وجَيْشٍ يُثَنِّي كُلَّ طَوْدٍ كأَنَّهُخَرِيقُ رياحٍ واجَهَتْ غُصُناً رَطْبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

قال: وجيش إذا مروا بجبل شقوه، لكثرتهم، نصفين فيجعلونه اثنين كالريح إذا مرت بأغصان رطبة. والخريق: الريح الشديدة.

وأقول: لم يرد هاهنا بيُثني إلا يُعطف؛ شدد للتكثير والمبالغة، فجعل الجبل كالغصن إذا واجهته الريح الشديدة فإنها تزيد في عطفه وانثنائه. وهذا المعنى الذي أراد أبو الطيب لأنه أمكن في الصناعة، وأكمل في الاستعارة، وإن كان الأول جائزا وقد ذكرته.

وقوله:

وسَمْراءُ يَسْتَغْوي الفوارس قَدُّهَاويُذْكِرْهُمُ كَرَّاتِهَا وطِعَانَهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

قال: استغواء قد هذه القناة للفوارس أطماعه إياهم بطوله، وملاسته، وشرائط كماله، وتصريفه واستعماله، وإظهار عجزهم عنه إذا باشروا ذلك.

وأقول: إن معنى: يستغوي الفوارس أي: تدعو الفوارس إلى الغي بحسن قدها؛ أي: تزيد في إقدامهم وشجاعتهم فتفرط إلى أن تصير غيا، وتشوقهم وتعجبهم فيذكرون بها كراتها في الحرب وطعانها. ولم يُرد ما ذكره من أطماعهم بتصريفه واستعماله وإظهار عجزهم عنه إذا باشروا ذلك، لأنه لا دليل في اللفظ عليه.

وقوله:

أنَا الذي نَظَر الأعْمَى إلى أدَبيوأسْمَعَتْ كلماتي من به صَمَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

قال: يقول: الأعمى على فساد حاسة بصره، أبصر أدبي، وكذلك الأصم يسمع

شعري؛ يعني إنه شعر اشتهر وسار في البلاد حتى تحقق عند الأصمعي والأصم أدبه فكأن الأعمى رآه، لتحققه عنده، وكأن الأصم سمعه.

وأقول: تعليله، من قوله: يعني...... إلى آخره...... ليس بشيء! والمعنى على تعريضه بسيف الدولة، وهو مرتب على البيت قبله وهو قوله:

وما انتفاعُ أخي الدُّنيا بناظِرِهِإذا استَوَتْ عنده الأنوارُ والظُّلَمُ!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

كأنه يقول له: أنت مع كونك صحيح حاسة البصر والسمع أسوأ حالا من الأعمى والأصم لأنهما قد جعلهما أدبي وشعري وكلامي مدركين له رؤية وسمعا وأنت لا تراه ولا تسمعه!

وقوله:

أنامُ مِلَْء عن شواردهاويَسْهَرُ الخَلْقُ جَرَّاهَا ويَخْتصِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

قال: يقول: أنا أنام عنها وجفوني ممتلئة بها، كأني انظر اليها، والناس يسهرون ويتعبون ويختصمون.

وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! لأنه لم يذكر ما معنى نومه عن شواردها، ولا لأي سبب يسهرون الناس ويختصمون لأجلها؟ وذلك أن هذه شوارد ليست كالإبل الشوارد التي يسهر الإنسان في طلبها، وإنما هي قواف فلا أخشى عليها إذا شردت، ولا أسهر في طلبها إذا ندّت، بل أنام ملء جفوني لأنها حينئذ تكون محفوظة لا ضائعة، وقوله:

ويَسْهَرُ الخلق جَرَّاهَا......

أي: محبة لها واهتماما بها، ويختصم: لا نكل أحد يريد أن يحويها ويستبد بها،

لجلالتها وجلالة من يُمتدح بها. ويحتمل أن يكون ذلك في استنباط معانيها بغموضها والخلاف الذي يقع بينهم فيها.

وقوله:

صَحِبْتُ في الفَلَواتِ الوَحْشَ مُنْفَرِداًحتى تَعَجَّبَ مني القُورُ والأكَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

قال: يقول: سافرت وحدي حتى لو كانت الجبال تتعجب من أحد لتعجبت مني، لكثرة ما تلقاني وحدي.

وأقول: هذا ليس بشيء! لان ما انخفض من الأرض، مثل الأودية والوهاد والتلاع تلقاه أيضا وحده، وإنما خص القور والاكم، وهي ما ارتفع من الأرض، بالذكر لمشابهتها له في الرفعة، ومناسبتها له في العلو، وهذا كقوله:

عَدُوِّيْ كُلُّ شيءٍ فيك حَتَّىلخِلْتُ الأكْمَ مُوغَرَةَ الصُّدورِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذيري من عذارى من أمور»

أي: لكوني أعلى منها، واثبت وأقوى، تحسدني، فصدورها موغرة علي لذلك.

وقوله:

ألا ما لسَيْفِ الدَّولةِ اليومَ عاتِبَافَداهُ الوَرَى أمضى السُّيوفِ مَضَارِبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا»

قال: أمضى خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو أمضى مضارب؛ أي: لا سيف أمضى مضربا منه.

فيقال له: لا يحتاج البيت إلى تقدير محذوف، وأمضى ليس بمرفوع بل هو منصوب حالا أو تمييزا! وإضافة أفعل إضافة ليست بمحضة لأنها في تقدير الانفصال، فهي نكرة وإن أضيفت إلى المعرفة.

وقوله:

وما لي إذا ما اشْتَقْتُ أبْصَرْتُ دونَهُتنائِفَ لا أشْتَاقُهَا وسَبَاسِبَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: وما لي بعيدا عنه إذا اشتقت إليه رأيت بيني وبينه مفاوز وأمكنة خالية؟!

وأقول: لم يتبين ما أراد بقوله:

....تنائفَ لا أشتاقُهَا وسَبَاسِبَا

وذلك إنه لما انشد القصيدة الميمية، التي قبل هذه الأبيات، أغضبت سيف الدولة بما ذكره فيها من ممض العتاب، ومؤلم التقريع، تلويحا وتصريحا، أمر أبا العشائر بقتله، فكمن له جماعة من غلمانه، والقضية مشهورة مذكورة، فلهذا جعلها مع القُرب تنائف وسباسب للخوف والوحشة الذي أدركه منها، والهلاك الذي كاد يلحقه فيها.

وقوله:

وقَدْ كانَ يُدْني مَجْلسِي من سَمَائِهأُحَادِثُ فيها بَدْرَها والكواكِبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا»

قال: أراد بالسماء مجلسه، جعله كالسماء رفعا له، وجعله كالبدر، وندماءه وأهل مجلسه كالكواكب حوله.

وأقول: لو قال هذا القول أولا في ندمائه وجلسائه - ولعل أكثرهم الذين عرّض بهم، والذين لا تكاد تخلو قصيدة يمدح بها سيف الدولة من ذمهم - لم يُحوج سيف الدولة إلى ما أحوجه ولم يحملهم على ما حملهم من التعصب عليه ولم يحتج إلى هذا التضرع والتذلل فيما بعد ذلك من قوله:

حَنَانيْكَ...... .........

وما بعده، إلى آخر الأبيات، ولكنه للؤم النجر لا يعطي إلا على القسر!

وقوله:

مُطَاعَةُ اللَّحْظِ في الألحاظِ مالِكَةٌلُمْلَتَيْهَا عَظِيمُ المُلْكِ في المُقَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

قال: يقول: هي مطاعة اللحظ في جملة ألحاظ النسوان، أي إنها إذا لحظت إلى إنسان فتنته حتى يصير الملحوظ إليه مطيعا لها، وهي مالكة للقلوب، ولمقلتيها ملك عظيم في جملة المقل.

وقال ابن فورجة: أي إن العيون إذا نظرت إلى عينيها لم تملك صرف ألحاظها

عنها، لأنها تصير عُقلة لها، فكأنما عينها مالكة للعيون.

وأقول: لم يرد ما ذكرا، وإنما قوله:

مُطَاعةُ اللَّحظ في الألحاظِ...... .........

كقولهم: فلان مطاع الأمر في الامراء، أي انهم تبع له وهو مقدم عليهم لامتثالهم أمره، وانقيادهم اليه، فكذلك لحظ هذه المحبوبة، والنصف الثاني مفسر للأول ومؤكد له.

وقوله:

تُمسِي الأمَانيُّ صَرْعَى دونَ مَبْلَغِهِفما يقولُ لشيءٍ ليْتَ ذلك لي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

قال: يريد إنه مسلط على الأنام، مالك للرقاب والأموال فما يتمنى شيئا، والأماني لا ترتقي إليه.

وأقول: إن تفسيره وصرعى دون مبلغه بقوله: لا ترتقي إليه ليس بشيء! وإنما معناه: قاصرة دون بلوغه الأشياء لأنه قد أدرك منها ما تعجز الأماني من الوصول اليه، فلا يتمنى، لأن التمني إنما يكون للشيء الذي لم يحصل، وأما الممدوح فقد حصلت له الأشياء جميعها.

وقوله:

وما الفِرَارُ إلى الأجبْالِ من أسَدٍتَمْشي النَّعامُ به في مَعْقِلِ الوَعِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

قال: يريد بالنعام خيله، شبهها بها في سرعة العدو وطول الساق.

فيقال له: النعامة لا توصف بطول الساق ولكن بقصرها، وقد ذكرت هذا قبل في تفسيره الرجز

وزاد بالسَّاق على النَّقَانِقِ

وأما تفسيره قوله:

......تَمْشي النَّعامُ به في مَعْقِلِ الوَعِلِ

بمعنى إن خيله لا تعجز عن قطع الجبال في آثار الروم فحسن.

وأما رواية ابن جني: تمسي وتفسيره بأنه قد اخرج النعام من البر إلى الاعتصام بالجبال فهوس، كما ذكر الواحدي! ولكن له تفسير غير ذلك، إن لم يزد على تفسير

الواحدي في الجودة فلا ينقص عنه؛ يقول: تمسي النعام، أي: من حلّ في السهل فهو بأمنه ومسالمته في معقل الوعل حماية وتمنعا؛ كأنه يقول: ما الحاجة إلى الاحتماء بالجبال، وهذا الممدوح إذا أطيع وأمن صار الذي في السهل من أعدائه كأنه به في جبل

وقوله:

ما كانَ نَوْمِيَ إلاَّ فَوْقَ مَعْرفتيبأنَّ رأيَكَ لا يُؤْتَى من الزَّلَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

قال: روى ابن جني:

...... إلاَّ بعد مَعْفتي .........

وقال: ما لحقني من السهو والتفريط إلا بعد سكون نفسي إلى فضلك وحلمك.

وقال ابن فورجة: أقام النوم مقام السهو والغفلة؛ يقول: ما نمت عمّا وجب علي من صيانة مدحك عن خلطه بالعتاب إلا لثقتي باحتمالك، وسكوني إلى جزالة رأيك.

قال: وكلاهما قد بعُد عن الصواب!

والمعنى إنه يقول: إنما أخذني النوم مع عتبك لثقتي بحلمك، ولزوم التوفيق لرأيك، وعلمي أنك لا تعجل علي، ولا ترهقني عقوبة، وأراد النوم الحقيقي لا السهو والتفريط؛ إلا ترى إنه قال: فوق معرفتي فجعل المعرفة بمنزلة الحشية ينام فوقها! ومعنى قوله:

بأنَّ رأيَكَ لا يُؤْتَى من الزَّلَلِ

أي إنه موفق فيما يفعله، لا يأتي الزلل رأيك.

وأقول: إن قول ابن جني وقول ابن فورجة متقاربان في إنه كنى بالنوم عن السهو والتفريط، فيما قال من العتاب، وذلك ليس ببعيد من الصواب.

وأما تفسيره نومي بالنوم الحقيقي، ومنعه أن يكون ذلك استعارة ومجازا لقوله: فوق معرفتي وجعل المعرفة كالحشية، فلا يجب مع ذلك أن يكون النوم الحقيقي، بل جائز أن يكون نومي كناية عن اطمئناني، وامني، وسكون نفسي، وذلك اكمل في الصناعة، وأحسن في الاستعارة؛ يقول: ما كان أمني وسكون نفسي فيما قلته من العتب في شعري حال الإنشاد إلا فوق معرفتي بأن رأيك مصيب فيّ لما تعلمه من صدق محبتي، وصفاء سريرتي لا يؤتى من زلل، وتكون المعرفة حشية، ولا بُعد في ذلك عن الصواب.

وإن جعل نومي بعد إنشاده الشعر، ومفارقته سيف الدولة، ونومه في منزله أمنا له وسكونا إليه فجائز والأول الأجود.

وقوله:

شَدِيدُ البُعْدِ من شُرْبِ الشَّمُولِتُرُنْجُ الهِنْدِ أو طَلْعُ النَّخِيلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «شديد البعد من شرب الشمول»

قال: قال ابن جني: أنت شديد البعد من شرب الشمول، وأراد: بين يديك تُرنج الهند، أو في مجلسك، فحذف لأنه مُشاهد فدلّت الحال على ما أراد.

وقال ابن فورجة: أراد: شديد البعد من شرب الشمول تُرنج الهند لديك، فحذف لديك وأتى به في البيت دالاً على المحذوف، والظروف كثير ما تُضمر. وأراد من شرب الناس الشمول عليه أو على رؤيته، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول كما تقول: أعجبني دق هذا الثوب، كذلك تقول: تُرنج الهند بعيد من شرب الشمول؛ أي: شُرب الناس الشمول عليه. والمعنى: إن هذا الاترج الذي حضرك لم يحضرك للشرب عليه، ولكن كل شيء فيه طيب بحضرتك، ويكون عندك.

وأقول: أما التقدير الذي قدّره ابن جني فبعيد عن الصواب.

وأما تقدير ابن فورجة فهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول المعدّى إليه بحرف الجر مع عدم اللبس كما ذُكر، ومنه قول الشاعر:

ولستُ مُسَلٍّماً ما دمتُ حَيّاًعلى زَيْدٍ بتَسْليمِ الأميرِ
للشاعر البردخت الضبي، اقرأ القصيدة

إلا أن إضافة الشرب إلى الناس غير جيد، والجيد إضافة الشرب إلى سيف الدولة من غير إضمار لديك لأنه لا حاجة اليه؛ تقول: تُرنج الهند أو طلع النخيل بعيد شُربك الشمول عليه، فحذف الفاعل الذي هو ضمير سيف الدولة، وحرف الجر، وأضاف المصدر إلى المفعول. فهذا وجه صالح على هذا التقدير الذي ذكرته. وقول

المعترض من الحاضرين على المتنبي يدل على هذا الوجه والتقدير الذي ذكرته وهو قوله: بعيد أنت من شُرب الشمول على النارنج أو طلع النخيل. وفيه وجه آخر قد ذكرته قبل.

وقوله:

وهذا الدُّرُّ مأمونُ التَّشَظِّيوأنتَ السَّيفُ مأمونُ الفُلولِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتيت بمنطق العرب الأصيل»

قال: يقول: هذا الكلام كالدر لا تُثقب أجزاؤه، ولا تصير قطعا لاكتنازه وصلابته، وأنت السيف لا ينفل بالضرب.

وأقول: لو قال: هذا الكلام در لا كالدر، لأن الدر يتشظى، وهذا إنما هو نظم فقد أمن فيه التشظي، وهذا سيف الدولة لا كالسيوف لان السيوف تفل، وهذا إنما هو شجاع ماض فقد أمن فيه الفلول، لكان احسن في العبارة، واكمل في الاستعارة.

وقوله:

لقيتَ العُفَاةَ بآمَالِهَاوزُرْتَ العُداةَ بآجَالِهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقيت العفاة بامالها»

قال: أي أعطيت سائليك ما أملوا، وأحضرت آجال أعدائك بقتلهم.

وأقول: تفسيره النصف الأول صواب، والثاني خطأ! ومعنى:

......وزُرْتَ العُدَاة بآجَالهِا

أي زرتهم زيارة مهلك، لا زيارة محب مشفق كما تكون الزيارة؛ يعني: بغزوك إياهم في بلادهم. وهو مثل قوله:

نَزُورُ دِيَاراً ما نُحِبُّ لها مَغْنَى .........

وقوله:

ولم أرَ كالألْحَاظِ يومَ رحيلِهمْبَعَثْنَ بكُلِّ القَتْلِ من كُلِّ مُشْفِقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

قال: قال ابن جني: أي نظرت إليهن ونظرن إلي، فقتلتهن وقتلنني، وما منا إلا مشفق على صاحبه. هذا كلامه! ولم يعرف معنى البيت ولا تفسيره.

وقال ابن فورجة: بعثن: يعني النساء، ومفعول بعثن ضمير الألحاظ، وإن لم يذكره كقولك: لم أر كزيد أقام الأمير عريفا، ويريد: أقامه. ولا يجوز أن

يكون ضمير بعثن للألحاظ على إسناد الفعل إليها، لأن الألحاظ تُبعث عند خوف الرقيب. وقوله: بكل القتل أي بقتل فظيع.

ثم قال: وإن بعثن ألحاظهن رسل القتل، فهن مشفقات علينا، غير قاصدات لقتلنا.

وأقول: الصواب ما ذكره ابن جني! وهذا الذي ذكره عن ابن فورجة وارتضاه لنفسه لا يرتضيه محصّل! لأن ابن جني جعل اللحظ منه ومن أحبته، وكلاهما محب مشفق، ويدل عليه قوله فيما بعد:

أدَرْنَ عيوناً...... .........

فجعل ضمير في بعثن للنساء، ولم يجر لهن ذكر، فاعلا، وتقدير مفعول راجع إلى الألحاظ لما ذكره من إن الألحاظ تُبعث عند خوف الرقيب ليس بشيء لأنها بئست الرسالة بكل القتل! وإنما البعث هاهنا للألحاظ لبعدها عن الحقيقة فهي في ذلك اسهل من النساء، لأنهن مشفقات فلا يبعثن القتل، وإنما الألحاظ بعثته بغير قصدهن.

وقوله:

أحْسَنُ ما يُخْضَبُ الحديدُ بهوخَاضِبَيْهِ النَّجيعُ والغَضَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحسن ما يخضب الحديد به»

قال: قال ابن جني: أحسن ما يخضب الحديد النجيع، وأحسن خاضبيه الغضب. وخاضبيه عطف على ما، وجمع الخاضبين جمع التصحيح لأنه أراد من يعقل وما لا يعقل كقوله تعالى: (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّنِ مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) لأنه لما خلط الجميع كنى عنهم يكنى عمن يعقل، وذكر الغضب مجازا وأراد صاحب الغضب.

وقال ابن فورجة: وخاضبيه: قسم؛ أراد: وحق خاضبيه وجعل الغضب خضابا للحديد لأنه يخضبه بالدم كما يقال: احسن ما يخضب الخدود الحمرة والخجل.

وأقول: الوجه ما قاله ابن جني لأنه أعرب وأغرب وأصنع؛ كأنه قال: أحسن خضاب الحديد وأحسن خاضبيه النجيع والغضب، فالنجيع أحسن ما خُضب به والغضب أحسن من خضبه، على الوجه الذي ذكره. وهذا مما أشرت إليه من أقوال ابن فورجة التي تُترك سدى لميله فيها عن طريق الهدى!

وقوله:

وَهَبِ الملامَةَ في اللذاذة كالكَرَىمَطْرودةً بِسُهَادِهِ وبُكَائِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

قال: قال ابن جني: اجعل ملامتك إياه في التذاذك كالنوم في لذته فاطردها عنه

بما عنده من السهاد والبكاء؛ أي: لا تجمع عليه اللوم والسهاد والبكاء؛ أي: فكما أن السهاد والبكاء قد أزالا كراه، فلتترك ملامتك إياه! وهذا كلام من لم يفهم المعنى وظن زوال الكرى عن العاشق. وليس على ما ظن ولكنه يقول للعاذل: هب انك تستلذ الملامة كاستلذاذك النوم، وهو مطرود عنك بسهاد العاشق وبكائه؛ فكذلك دع الملامة فإنها ليست بألذ من النوم؛ أي: فإن جاز أن لا تنام جاز أن لا تعذل.

وأقول: قول ابن جني اقرب إلى الصواب من قوله، والموضع الذي خطاه منه،

منه أخطأ! ولا شك أن فهمه انقلب هاهنا فتأوله اقبح تأول، وقال ما لم يقله من له أدنى تأمل! والمعنى قد بينته في شرح ابن جني أولا، واستقصيته في شرح الكندي آخرا.

وقوله:

لَوْ قلتَ للدَّنِفِ الحَزِيِن فَدَيْتُهُمِمَّا به لأغَرْتَهُ بفِدائِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

قال: أراد: بفدائك إياه بأن تفديه فتقول: ليت ما بك من حزن الصبابة وبرح الأسى بي.

وأقول: هذا الذي ذكره إنما هو تمن له، وليس بفداء منه، والفداء أن يقول للمخاطب: فديتك مما بك، أو للغائب: فديته مما به، كما ذكر الشاعر.

وقوله:

وما عِشْتُ من بعد الأحِبَّة سَلْوَةًولكنَّني للنائباتِ حَمُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال: يقول: ليس بقائي بعدهم لسلوي عنهم، ولكن لاحتمالي النوائب والشدائد كما قال أبو خراش:

ولا تَحْسَبي أنَّي نَسِيتُ عهودَكُمْولكنَّ صَبْري يا أمَيْمَ جَمِيلُ

فيقال له: هو كما شبّهت، لا كما فسّرت! لأنك جعلت بقاءه إنما كان لاحتمال النوائب والشدائد، وإنه علّة لذلك، ولا فائدة في ذلك، وهو يقول: ليس بقائي بعد فرق أحبتي سلوة عنهم، لكن فراقهم نائبة، وأنا حمول للنوائب أي صبور عليها وكذلك يقول أبو خراش: لا تحسبي أني نسيت عهودكم لبعد عهدي بكم، وطول تركي لزيارتكم، بل أنا ذاكر لعهودكم، قلق لفراقكم، ولكن صبري على ذلك جميل.

وقوله:

إذا كانَ شمُّ الرَّوْحِ أدْنَى إليكُمُفلا بَرِحَتْني رَوْضَةٌ وقَبولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال: ابن جني: إذا كنتم تؤثرون شم الروح في الدنيا، وملاقاة نسيمها، فلا زلت روضة وقبولا اجتذابا إلى هواكم، ومصيرا لما تؤثرونه، ويكون سبب الدنو؛ وأراد: فلا برحت روضة وقبولا. ثم إنه جعل الاسم نكرة والخبر معرفة لأجل القافية.

قال: ومن فسَّر هذا التفسير فقد فضح نفسه وغرّ غيره.

وقال ابن فورجة: روح الهواء يؤثره من يأوي إلى هم، وينطوي على شوق، فأما المحبوب، وان كان إيثار الروح طبعا من الناس كلهم فانهم لا يوصفون بطلب الروح، وشميم النسيم، والتعرض لبرد الريح، والتشفِّي بنسيم الهواء. وأيضا: فما الحاجة إلى أن يجعل فلا برح من أخوات كان فيجعل اسمها نكرة وخبرها معرفة، وإنما هي من: برح فلان من مكانه، أي: فارقه؛ يقول: إذا لم يكن من فراقكم راحة إلا التعلل بالنسيم، وطلب روح الهواء، وتشبيهي لطيب روائحكم، وما كان ينالني أيام اللهو من الفرح بقربكم فلا فارقتني روضة وقبول تشوق إلى روائح تلك الروضة، وهذا من قول البحتري:

يُذَكِّرُنَا رَيَّا الأحِبَّةِ كُلَّماتَنَفَّسّ في جُنْحٍ من اللَّيلِ بَارِدِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «مثالك من طيف الخيال المعاود»

وأقول: انه خطأ ابن جني وأخطأ هو أيضا في المعنى، ولم يلابسه أدنى ملابسة، ولا قاربه أدنى مقاربة! وإنما هذا البيت مرتب على البيت الذي قبله، وهو قوله:

وإنَّ رحيلاً واحداً حَالَ بَيْنَنَاوفي المَوْتِ من بعد الرَّحيلِ رَحِيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

يقول: رحيل واحد حال بيننا، وهو الفراق، وثم رحيا ثان وهو الموت، وهو أطول وأبعد من رحيل الفراق. ثم قال فإذا كان شم الروح أدنى إليكم؛ أي: إذا كان للرحيل الذي يشم معه روح الحياة أدنى إليكم، وهو رحيل الفراق، فلا زايلتني روضة وقبول أشمهما لطيبهما لان بهما بقاء روح الحياة عليَّ، أو زيادتهما فيَّ،

فأكون بهذا الرحيل أقرب إليكم من الرحيل الثاني وهو رحيل الموت. فهذا المعنى الذي يقتضيه اللفظ ويدل عليه لا ما ذكره، وما أعلم أحدا ذكره قبلي!

وقوله:

وما هيَ إلاَّ خَطْرَةٌ عَرَضَتْ لهبِحَرَّانَ لَبَّتْهَا قناً ونُصُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال: هي كناية عن الرمية التي دل عليها قوله:

رَمَى الدَّرْبَ...... .........

يقول: لم يكن إلا خاطر عرض له فأجاب خاطره الرماح والسيوف.

وأقول: يحتمل أن يكون هي ضمير القصة؛ يقول الشأن والقصة خطرة عرضت

له ثم أثبتها ونفى ماعداها بما وإلا؛ أي: لم تكن حركته هذه وغزوته عن اهتمام وجمع واستعداد، وإنما هي خطرة عرضت له دعت أصحابه إلى الغزو فلبتها منهم القنا والنصول.

وقوله:

وَرُعْنَ بِنا قَلْبَ الفُراتِ كأنَّماتَخِرُّ عليه بالرِّجالِ سُيُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال: لما جعل الفرات مروعا، استعار له قلبا؛ لان الروع يكون في القلب.

فيقال: هذا تكميل للاستعارة وإتمام للصناعة، وإنما كنى بقلب الفرات عن وسط مائه ومعظمه، وإشارة مع ذلك إلى قطعه، وما بعده دليل عليه.

وقوله:

يطاردُ فيه مَوْجَهُ كلُّ سابحٍسَوَاءٌ عليه غَمْرَةٌ ومَسِيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال: الموج كان يتجفل عن قوائم الخيل، وهي تتبعه، فجعل ذلك كالمطاردة. والغمرة: معظم الماء. والمعنى إن الخيل تسبح في الغمرة وتسير في الجبل.

وأقول: المطاردة هي المفاعلة؛ تكون من اثنين فصاعدا، فجعل المطاردة بين الخيل

والموج، وجعل الموج كالخيل لأنها تشبه بها، وبالإبل ايضا، كقوله:

المنسرح

والطيرُ فوقَ الحَبَاب تَحْسبُهَافُرْسَانَ بُلْق تَخُونها اللُّجُمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»
والموجُ مثلُ الفُحولِ مُزْبِدةٌتَهْدِرُ فيها وما بها قَطَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

فذكر القوائم هاهنا ضعيف لأن ذلك إنما يكون في الماء الرقيق؛ ألا ترى إلى قوله فيما بعد:

تراهُ كأنَّ الماَء مَرَّ بِجِسْمهِوأقْبَلَ رأسٌ وَحْدَهُ وتَلِيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

وهذا لا يكون معه مطاردة بالقوائم، وإنما المطاردة هنا إن الخيل قُدّامها موج وخلفها موج فكأنها تطرد وتُطرد، وقوله:

......سَواءٌ عليه غَمْرَةٌ ومَسِيلُ

أي: سواء على هذا السابح، ويعني الفرس، وهو من صفات الخيل، جريه في غمرة من الماء، وهو معظمه، أو مسيل وهو المكان، أي: سواء عليه بحر وبر.

وقوله:

وأضْحَتْ بِحصْنِ الرَّانِ من الوَجَىوكلُّ عَزِيزٍ للأميرِ ذَليلُ

قال: باتت الخيل رزاحة معيبة بذلك المكان بما أصابها في حوافرها، ثم اعتذر لها فقال: لم يلحقها ذلك لضعفها، ولكن الأمير كلفها من همته صعبا، فذلّت له وإن كانت قوية عزيزة.

وأقول: إنه توهم قوله:

......وكلُّ عَزِيزٍ للأميرِ ذَليلُ

مثلا ضربه للخيل في أنها ذلت بعد عزة؛ أي: كلّت وتعبت فلا ينكر لها ذلك لأن كل عزيز ذليل للأمير وليس الأمر كذلك، وإنما قوله:

......وكلُّ عَزيزٍ للأميرِ ذَليلُ

في موضع الحال من الخيل؛ يقول: أمست الخيل رازحة في حال ذل كل صعب

من ملوك الروم للأمير. وإنما أخبر برزوح خيله في حال ذل غيرها له.

وقوله:

فأوْرَدَهُمْ صَدْرَ الحصانِ وسَيْفَهُفَتىً بأسُهُ مثلُ العَطَاءِ جَزِيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال: يعني انهم قُتلوا بحضرته وهو راكب؛ جعلهم واردين صدر فرسه حين احضروا بين يديه وهو راكب، وواردين سيفه حين قُتلوا.

وأقول: سبحان رب أبلى هذا الشعر، بل قائله، بهؤلاء الشراح يتلاعبون به كيف شاءوا تلعّب الصبيان ولا يدرون بما يجنون عليه! هذا الواحدي أصلحهم في المعاني! وانظر إلى تفسيره هذا وما فيه من الغلط والعمى عن القصد، والذهاب عن الصواب، وكأنه قد التزم أن لا يهتدي إلى إدراك معنى فيه أدنى إشكال! وليس أوردهم بمعنى جعلهم يردون سيفه، بل جعل صدر فرسه، وصدر سيفه، يردهم وهم له كالورد، كما يردُ الظمآن الماء؛ أي: دخل فيهم وخالطهم وحده إقداما ونجدة وجعلهم كالبحر في

الكثرة، ويدل عليه قوله فيما بعد:

أغَرَّكُمُ طولُ الجيوشِ وعَرْضُهَاعَلِيّ شَرُوبٌ للجيوشِ أكُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

وليس في البيت ما يدل على انهم احضروا بين يديه، لا راكبا ولا راجلا!

وقوله:

أُعادَى على ما يُوجِبُ الحبَّ للفَتَىوأَهْدَأُ والأفكارُ فيَّ تَجُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال: أي: أعادي على فضلي وعلمي وتقدمي في الشعر، وذلك مما يوجب الحب لا العداوة، وأسكن أنا وأفكاري تجول فيّ ولا تسكن.

وأقول: يحتمل أن يكون قوله:

...... ......... والأفكارُ فيَّ تَجُولُ

أي: أفكار الحساد تجول في السعاية بي وطلب أذاي لا أفكار نفسي، وهو أشبه باللفظ لأن الأفكار جمع والحساد جمع فيُجعل الجمع للجمع. وأسكن: يريد به ثباته

وحلمه، ولم يُرد السكون الذي هو ضد الحركة.

وقوله:

يُجَمِّشكَ الزَّمانُ هَوىً وَحُبّاًوقد يُؤذَى من المِقَةِ الحَبِيبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري ما أرابك من يريب»

قال: التجميش شبه المغازلة وهي الملاعبة بين الحبيبين؛ يقول: الذي أصابك تجميش من الزمان حبا لك، لأنك جماله وشرف أهله، فإن تأذيب به، فقد يكون من الأذى ما يكون من مقة.

وأقول: كأنه يقول: هذا الذي بك، ليس هو مرضا على الحقيقة، وإنما هو تجميش، وهو الملاعبة التي تقع بين المحب والمحبوب، على إنه قد يؤذي، بكثرة المقة له والشفقة عليه المحبوب، وكأن هذا المعنى الذي ذكره أبو الطيب لا يليق بمثل سيف الدولة أن يجعله بمنزلة المعشوق الذي ويداعب ويلاعب، ولم يبق بعد ذلك إلا أن يضاجع ويباضع، فهذه الصفات يُجل عنها ولا تحسن بمثله.

وقوله:

مَلِلْتَ مُقَامَ يومٍ ليس فيهطِعَانٌ صَادِقٌ وَدمٌ صَبِيبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري ما أرابك من يريب»

قال: المقام بمعنى الإقامة.

يقول: أقمت يوما ولم تخرج إلى الغزو، ولم يكن لك فيه طعان ولا دم مصبوب فمللت ذلك؛ أي انك تعوّدت الطعان وسفك دم الأعداء فإذا أقمت يوما واحدا مللته.

وأقول: كأنه قد حظر على نفسه الإصابة في دقيق المعاني وجليلها! ولم يُرد هاهنا يوما واحدا! كيف ولم يكن مرضه ذلك المقدار، وإنما أراد يوما ما من الأيام؛ أي: أيُّ

يوم لا يقع فيه طعان ودم صبيب فقد مللت مقامه. وهذا كما يقال: شنئت رؤية رجل ليس فيه شجاعة وسماحة. فلست تعني بذلك رجلا واحدا، بل أي رجل لم يكن بهذه الصفة فقد شنئته، وذلك يحتمل أن يكون قليلا أو كثيرا، فكذلك قوله: مقام يوم.

وقوله:

عَوَاقِبُ هذا تَسُوءُ العدوَّوتَثْبُتُ فيهِ وهَذا يَزولُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: عاقبة العارض الذي أصابك تسوء العدو؛ لأنك تغزوهم وتثبت فيهم، لأنك لا تنفك عن غزوهم.

وأقول: يقول: عواقب هذا المرض غزوك العدو فهي تسوء العدو وتثبت فيه بشدة الأذى له والنكاية به، وهذا المرض يزول، فالضمير في تثبت راجع إلى العواقب عطفا على تسوء وضعيف أن يرجع إلى سيف الدولة، فإن كان أراد ذلك فغير قوي، كأنه يقول: أذى هذا المرض زائل وأذاك للعدو غير زائل.

وقوله:

عَرَضْتَ له دون الحياةِ وطَرْفِهِوأبْصَرَ سيفَ اللَّه منك مُجَرَّدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال: أي لما رآك لم تسع عينه غيرك لعظمك في نفسه، وحُلت بينه وبين حياته فصار كالميت في بطلان حواسه إلا منك.

فيقال له: هذا قول ابن جني! وقد أجبت عنه وذكرت اتّباعك له في شرحه.

وقوله:

هو الجَدُّ حتى تَفْضُلَ العينُ أخْتَهَاوحتى يكونَ اليومُ لليوم سَيِّدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: جعل العينين واليومين مثلا لكل متساويين يجد أحدهما ويحد الآخر؛ يقول: الجد يؤثر في كل شيء حتى العينين تجمعهما بنية ثم تصح إحداهما وتسقم الآخر، ويسود اليوم وكلاهما ضوء الشمس.

وأقول: إن قوله في العينين تصح إحداهما وتسقم الأخرى، بمعنى تعمى أو ترمد أو تحل بها آفة، غير صحيح، ولم يرد ذلك لأنه لا يصح به التمثيل، وكان يقال ذلك في اليدين أيضا بأن تُشل إحداهما وتسلم الاخرى، وإنما تفضل إحدى العينين أختها بأن تكون يمينا، ولعله امتنع من هذا القول نظرا إلى ديتهما وانهما سواء،

وليس المراد ذلك ولكن الفضل بين العينين بالإضافة إلى الإنسان وما هو معروف في الاستعمال. وكذلك القول في اليدين فمن ذلك قول النابغة:

ولو كَفِّي اليمينُ بَغَتْكَ خوناًلأفْرَدْتُ اليمينَ من الشّمالِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن ظلامة الدمن البوالي»

وقول الآخر:

ترابُهُمُ وحَقِّ أبي تُرَابٍأعزُّ عليَّ من عَيْني اليَمينِ

وهذا كثير أمثاله، مطرد استعماله.

وقوله:

رأيتُكَ مَحْضَ الحِلْمِ في مَحْضِ قُدْرَةٍولو شئتَ كانَ الحِلم منكَ المُهنَّداَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال: المعنى ان حلمك عن الجهال حلم عن قدرة، ولو شئت لسللت عليهم السيف.

وأقول: هذا قول ابن جني وليس بشيء، وقد ذكرته في شرحه.

وقوله:

أتاك كأن الرأسَ يَجْحَدُ عُنْقَهُوتَنْقَدُّ تحت الذُّعر منه المَفَاصِلُ

قال: أتاك هذا الرسول وبعضه يتبرأ من بعض، لإقدامه على المصير إليك هيبة لك، وهو قوله:

...... يكادُ الرأسُ يَجْحَدُ عُنْقَهُ .........

والمعنى: يجحد صحبة عنقه، وتتقطع مفاصله بالارتعاد.

وأقول: إن قوله: يتبرأ بعضه من بعض بضد ما أراد أبو الطيب لما ذكرته آخرا في شرح الكندي.

وقوله:

فَمَسَّلهُمْ وبُسْطُهُمُ حَرِيرٌوصَبَّحَهُمْ وبُسْطُهُمُ تُرابُ

قال: أتاهم مساء وهم يفترشون الحرير فبيتهم وقتلهم ليلا حتى جدّلوا على الأرض مقتولين مع الصباح.

وأقول: لم يقاتلوا حتى يُقتلوا، ويدل على ذلك قوله قبل:

وقاتلَ عن حرِيمهمُ وفَرُّوانَدَى كَفَّيْكَ والنَّسَبُ القُرابُ

ولكن أراد بذلك: فمساهم وهم أغنياء وصبحهم فقراء، فكنى ببسط الحرير عن الغنى، وببسط التراب عن الفقر.

وقوله: إن صبحهم بمعنى بيّتهم وقتلهم ليلا خطأ لأن التصبيح غير التبييت، وإنما صبحهم: أغار عليهم صباحا؛ لأن الغارة تكون في ذلك الوقت، وذلك مشهور في فعلهم وقولهم.

وقوله:

وما ضَرَّهَا خَلْقٌ بغير مَخَالبٍوقد خُلِقَتْ أسيافُهُ والقوائمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال: يقول ما ضر الأحداث من النسور، يعني الفراخ، والقشاعم؛ وهي المسنة التي ضعفت عن طلب الرزق، وخص هذين النوعين من النسور لعجزهما عن طلب القوت؛ يقول: فليس يضرها أن لا مخالب لها قوية مفترسة، بعد أن خُلقت أسيافه فإنها تقوم بكفاية قوتها

وأقول: لم يرد بالقشاعم المسنة التي

قد ضعفت عن طلب الرزق كما ذكر فيكون ثم قسم ثالث بين الفراخ والقشاعم يطلب الرزق لنفسه بكسره فذلك مستحيل، وإنما قسم النسور قسمين: صغير وكبير، وكلاهما ليس له مخلب يكسر به ويرتزق به كغيره من الجوارح كالعقاب وما أشبهه من الكواسر، فلا يضر النسور ذلك لان سيوفه تقوم مقام مخالبها فتستغني بها عنها بأكلها ما كسرته؛ أي: قتلته.

وقوله:

هل الحَدَثُ الحمراءُ تعرِفُ لونَهَاوتعلَمُ أيُّ السَّاقيينِ الغَمائِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال: قوله: الحمراء لأنها احمرت بدماء الروم، وذلك انهم غلبوا عليها فأتاهم سيف الدولة فقتلهم فيها حتى احمرت بدمائهم فقال المتنبي: هل تعرف الحدث

لونها؟ يعني إنه غيّر ما كان لونها بالدم، وهل تعلم أي الساقيين سقتها: الغمائم أم

الجماجم؟ وحذف ذكر الجماجم اكتفاء بذكر الغمائم كما قال الهذلي:

عَصَيْتُ إليها القلبَ إنِّي لأَِمْرِهَامُطِيعٌ فما أدري أرشدٌ طِلابُهَا

أي: أم غيٌّ.

وأقول: يحتمل أن يكون ذكر ساقيين سقياها وهما المطر والدم، وجعلهما غمائم لكثرتهما؛ ولذلك استفهم؛ لأنه أُلبس عليه ذلك منهما. وإنما قصد المبالغة في كثرة إراقة دماء الروم حتى جعلها موازية للمطر وجمعهما ولم يبينهما اعتمادا على تبيينهما وتقسيمهما في البيت الذي يليه وهو قوله:

سَقَتْهَا الغمامُ الغُرُّ قبل نزولهفلما دنا منها سَقَتْهَا الجَماجِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

وقوله:

وكانَ بها مثلُ الجنون فَأصْبَحَتْومن جِيَفِ القَتْلَى عليها تَمَائمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال: جعل اضطراب الفتنة فيها جنونا لها، وذلك أن الروم كانوا يقصدونها ويحاربون أهلها فلا تزال الفتنة بها قائمة، فلما قتل سيف الدولة الروم وعلق القتلى على حيطانها سكنت الفتنة وسلم أهلها فجعل جثث القتلى كالتمائم عليها.

وأقول: لم يرد تعليق الجثث على حيطانها، ولكن إلقاءها على أرضها، لأن تعليق الجثث إنما يكون في الشي الخفي القليل، والشاعر قد وصف كثرة القتل والقتلى إلى أن

بدّل لون أرضها بلون غيره لكثرة الدم، فلا حاجة إلى تعليق القتلى على حيطانها مع كثرة إلقائها على أرضها واشتهار ذلك فيها. فإن قيل: فالتمائم تكون معلقة على المجنون قيل: يكفي أن يقال: عليها.

وقوله:

وَقَفْتَ وما في الموتِ شَكٌّ لواقفٍكأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدِى وهو نائمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ذكر في هذا البيت والذي بعده حكاية عن سيف الدولة وتشبيههما ببيتي امرئ

القيس:

كأنِّيَ لم أرْكَبْ جواداً لِلَذَّةٍ .........

والذي بعده، وما قيل من اخذ منهما ورد عنهما، ثم قال: ولا تطبيق بين صدر وعجز احسن من بيتي المتنبي لان قوله:

......كأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدَى وهو نَائِمُ

هو معنى قوله:

وَقَفْتَ وما في الموتِ شَكٌّ لواقِفٍ .........

فلا معدل لهذا العجز عن هذا المصدر؛ لأن النائم إذا أطبق جفنه أحاط بما تحته، فكأن الموت قد أظله من كل مكان كما يحدق الجفن بما تضمنه من جميع جهاته، وجعله نائما لسلامته من الهلاك؛ لأنه لم يبصره وغفل عنه بالنوم فسلم ولم يهلك.

وأقول: إن تفسيره لآخر البيت يناقض أوله: وما في الموت شك، أي: الموت متيقن، ثم جعل الموت، آخرا، نائما لم يبصره وغافلا عنه، فالموت حينئذ غير متيقن، وإنما أوقعه في ذلك ظنه أن نائم من النوم الذي يكون معه ذهاب العقل والعلم، وإنما أراد هاهنا بنائم صورة النائم في تغميض عينه وطبق جفنه. وإنما يقول: وقفت في وقت لا يشك فيه الموت لواقف؛ أي: الموت فيه متيقن، وضرب لذلك مثلا بقوله:

......كأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدَى وهو نَائِمُ

أي: أحاط بك الردى وأطبق عليك؛ يصف شدة ذلك الوقت، وصعوبة ذلك المكان. فهذا هو المعنى لمن تأمله بنور البصيرة!

وقوله:

بِضَرْبٍ أتَى الهاماتِ والنَّصْرُ غائِبٌوَصَارَ إلى اللَّبَّاتِ والنَّصْرُ قادمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ذكر فيه ما قال ابن جني وغيره، وليس بشيء! وقد بينت ما فيه هناك في الشرح

التبريزي.

وقوله:

حَقَرْتَ الرُّدَيْنِيَّاتِ حتى طَرَحْتَهَاوحَتَّى كأنَّ السَّيْفَ للرُّمْحِ شَاتِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال: يقول: تركت القتال بالرماح وازدريتها؛ لأنها من سلاح الجبناء، وسلاح الشجعان السيف.

وأقول: قوله: لأنها من سلاح الجبناء ضعيف، ولو قال: كأنها لكان الصواب.

وقوله:

وإني لتَعْدُو بي عَطَاياكَ في الوَغَىفلا أنا مَذْمُومٌ ولا أنتَ نَادِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال: أي: امتطي في الغزو خيلك التي أركبتنيها ولست مذموما في أخذها لأني شاكر أياديك، ناشر ذكرك.

وأقول: أن تعليله بقوله: لأني شاكر لأياديك ناشر لذكرك ليس بشيء! وإنما يصف نفسه بأن الخيل التي يأخذها من سيف الدولة يقاتل عليها فلا يُذم بأنه يفر عليها، ولا يندم سيف الدولة لأنه وضع العطاء في غير موضعه. فإن أريد بالشكر هاهنا الفعل لا القول فصواب، لأن الشكر قد يكون بالفعل أيضا فيكون شكره له بما يفعله من نصره له بقتال أعدائه.

وقوله:

وَلِمْ لا يَقِي الرَّحمنُ حَدَّيْكَ ما وَقَىوتَفْلِيقُهُ هامَ العِدَا بِكَ دائِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال: يقول: لم لا يحفظ الرحمن ما دام يحفظ.

وأقول: إنه توهم إن ما هاهنا ظرفية وليس كذلك، وإنما هي هاهنا بمعنى الذي، وذلك إنه لمّا قال:

هنيئاً لضَرْبِ الهَامِ...... .........

وما بعده:

.... ......... أنَّكَ سالم

أخبر بسلامته فقال:

وَلِمْ لا يَقِي الرحمنُ حَدَّيْكَ ما وَقَى .........

أي: ما وقاهما؛ أي: لم لا يُسلمك، فحذف المفعول العائد إلى الذي تحقيقا، وللعلم به، كقوله تعالى: (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً)؛ كأنه يقول: لم لا يُسلم منك الله الذي سلّم وأنت سيف، وهو يُفلق بك هام عداه دائما؛ أي: لا يكون ذلك إلا مع سلامتك.

وقوله:

إذا زار سيفُ الدولةِ الرومَ غَازِياًكفَاهَا لِمامٌ لو كَفَاهُ لِمَامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

قال: اللمام الزيارة القليلة.

يقول: إذا غزاهم كفاهم أدنى نزول منه بهم لو اكتفى هو بذلك، لكنه لا يكتفي حتى يبلغ أقصى بلادهم.

وأقول: لو قال: حتى يطيل الغزو والنزول في بلادهم، ويكثر القتل والسبي، لكان أولى، وهو ضد اللمام.

وقوله:

وما تنفَعُ الخَيْلُ الكرامُ ولا القَنَاإذا لم يكُنْ فَوْقَ الكرام كِرامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

قال: يذكر ان النفع والقنا للرجال والفرسان لا للخيل، وان كرمها ليس بنافع إذا لم يكن فوقها رجال كرام في الحرب.

وأقول: إن قوله: إن النفع والقنا للرجال والفرسان لا للخيل عبارة ناقصة! وأي نفع أعظم من نفع الكرام من الخيل في الحرب! وإنما ذلك النفع لا يحصل إلا إذا كان فوقها فرسان كرام. فلو أسقط أول الكلام وقال: إن كرم الخيل لا ينفع إلا بكرم فرسانها لقصّر العبارة وأصاب الصواب!

وقوله:

ومَنٌّ لفُرْسَانِ الثُّغُورِ عليهمُبِتَبْلِيغِهِمْ ما لا يكادُ يُرامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

قال: يعني أن فرسان الثغور كانوا شفعاء لهم إليك حتى تؤخر الحرب أياما، وذلك ما لا يكادون يقدرون على طلبه اليك، فلهم المنة عليهم إذ بلّغوهم ما كانوا لا يبلغونه بأنفسهم.

وأقول: هذا كلام من لم يصب فص المعنى، ولا وقع على مفصله! وليس هاهنا شفاعة لهم ولا تأخير منهم، وإنما يقول: إن هذا الصلح ذل للروم وغرام لهم، ومن فوقه لفرسان الثغور بكفهم عنهم، وهم قادرون عليهم، حين تأمرهم بالكف وقد سألوك واستجاروا بك.

وقوله:

وصُحْبَةَ قَوْمٍ يَذْبَحُونَ قَنِيصَهُمْبِفَضْلاتِ ما قد كسَّروا في المَفَارِقِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: تذكرت صحبة قوم صعاليك يذبحون ما يصيدون بما بقي من فضلات سيوفهم التي كسّروها في الرؤوس، وهذه إشارة إلى جودة ضربهم، وقوة سواعدهم.

وأقول: لو قال: إشارة إلى هؤلاء القوم الذين صحبهم أولو جد يفضل كل جد، وأولو لعب يفضل كل لعب، وذلك لكسر سيوفهم في رؤوس أعدائهم، وذبحهم، بما بقي منها، صيدهم لكان أولى وأحسن. والتكسير هاهنا يريد به كثرة التثليم ولم يرد التحطيم لأنها لو كانت كذلك لم تصحبهم أو لم يكن في صحبتها طائل. ولعل الشيخ الواحدي أراد ذلك، فوصفهم بأنهم صعاليك لذبحهم القنيص بكسر السيوف وقطعها، وهذا ليس بشيء ولا يقوله محقق! لأن صحبة أولئك لا فخر فيها. ويدل على ما قلت إن التكسير صيغة التكثير والسيف لا يحتمله، ولا يصح فيه أكثر من مرة واحدة. وإنما بالغ في صفة التثليم إلى أن جعله كالتكسير، وهذا كقوله:

الطويل

...... كأنَّمَامَارِبُهَا مما انْفَلَلْنَ مَضَارِبُ

وكقول البحتري:

وكنتَ متى تَجْمَعْ يَمِينَكَ يَهْتِكِ الضَّرِيبَةَ أو لا تُبْقِ للسَّيْفِ مَضْرِبَا

فالصحيح ما ذكرته، وإذا كان كذلك؛ فليسوا بصعاليك على الإطلاق، أو صعاليك ولا إلى هذا الحد الذي ذكره.

وقوله:

وليلاً توسَّدْنا الثَّوِيَّةَ تَحْتَهُكأنَّ ثَراهَا عَنْبَرٌ في المَرافِقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

قال: الثوية: موضع بالقرب من الكوفة.

يقول: تذكرت ليلا اتخذنا فيه هذا المكان وسائد لنا؛ أي: نمنا عليه وكان طيب التراب، فكأن ترابها الذي تتربت به مرافقنا حين اتكأنا عليه عنبر فيها.

قال: وقال ابن جني: المرافق: جمع مرفقة، وهي الوسادة.

قال: ولم يرد بالمرافق ما ذكر، إنما أراد مرافق الأيدي لأن الصعلوك الفاتك لا وسادة له.

وقال العروضي فيما استدركه عليه: ألا ينظر أبو الفتح إلى قوله: توسدنا الثوية؛ وإنما يصف تصعلكه وتصعلك أصحابه وصبرهم على شدائد السفر، ففضلات المتكسر من السيوف مداهم، والأرض وسائدهم لأنه وضع رأسه على المرفق من يده، وإنما سميت الوسادة مرفقة لأن المرفق يوضع عليها، ولا يفتخر الصعلوك بوضع رأسه على الوسادة.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.