من «أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
ومنها افتضاضه أبكار المعاني في المراثي والتعازي
كقوله:
سالم أهل الوداد بعدهميسلم للحزن لا لتخليد
أي: إذا مات الصديق يسلم صديقه للحزن لا للخلود، لأن كلا ميت
فما ترجى الخلود من زمنأحمد حاليه غير محمود
أي: أحمد حاليك أن تبقى مع صديقك، وهو مع ذلك غير محمود لتعجيل الحزن وانتظار الأجل.
المجد أخسر والمكارم صفقةمن أن يعيش بها الكريم الأروع
والناس أنزل في زمانك منزلامن أن تعايشهم وقدرك أرفع
قبحاً لوجهك يا زمان؛ فإنهوجه له من كل قبح برقع
أيموت مثل أبي شجاع فاتكويعيش حاسده الخصى الأوكع؟
وقوله:
عدمته وكأني سرت أطلبهفما تزيدني الدنيا على العدم
من لا يشابهه الأحياء في شيمأمسى يشابهه الأموات في الرمم
أحسن ولله وأبدع ما شاء!.
وقوله:
وقد فارق الناس الأحبة قبلناوأعيا دواء الموت كل طبيب
سبقنا إلى، فلو عاش أهلهامنعنا بها من جيئة وذهوب
تملكها الآتي تملك سالبوفارقها الماضي فراق سليب
هذا كقول بعضهم في الموعظة: (وإن ما في أيديكم أسلاب الهالكين، ويستخلفها الباقون كما تركها الماضون)
علينا لك الإسعاد إن كان نافعابشق قلوب لا يشق جيوب
فرب كئيب ليس تندى جفونهورب كثير الدمع غير كثيب
وللواجد المكروب من زفراتهسكون عزاء أو سكون لغوب
وقوله:
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرىأن الكواكب في التراب تغور
ما كنت آمل قبل نعشك أن أرىرضوى على أيدي الرجال تسير
خرجوا به، ولكل باك خلفهصعقات موسى يوم دك الطور
حتى أتوا جدنا كأن ضريحهفي كل قلب موحد محفور
كفل الثناء له برد حياتهلما انطوى فكأنه منشور
وقوله في تعزية سيف الدولة عن أخته:
ولعمري لقد شغلت المنايابالأعادي فكيف يطلبن شغلا
وكم انتشت بالسيوف من الدهرأسير وبالنوال مقلا
خطبة للحمام ليس لها ردوإن كانت المساة ثكلا
وإذا لم تجد من الناس كفواًذات خدر أرادت الموت بعلا
هذا أحسن ما قبل في مرثية حرم الملوك، وقوله في مرثية طفل لسيف الدولة وتعزيته عنه:
فإن تك في قبر فإنك في الحشاوإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يبكي على قدر سنهولكن على قدر المخيلة والفضل
عزاءك سيف الدولة المقتدى بهفإنك نصل، والشدائد للنصل
ولم أر أعصى فيك للحزن عبرةوأثبت عقلا، والقلوب بلا عقل
تخون المنايا عهده في سليلهوتنصره بين الفوارس والرجل
ويبقى على مر الحوادث صبرهويبدو كما يبدو الفرند على الصقل
وما الموت إلا سارق رق شخصهيصول بلا كف ويسعى بلا رجل
يرد أبو الشبل الخميس عن ابنهويسلمه عند الولادة للنمل
إذ ما تأملت الزمان وصرفهتيقنت أن الموت ضرب من القتل
وما الدهر أهل أن يؤمل عندهحياة وأن يشتاق فيه إلى النسل
وقوله:
نحن بنو الدنيا فما بالنانعاب ما لا بد من شربه
تبخل أيدينا بأرواحناعلى زمان هن من كسبه
فهذه الأرواح من جوهوهذه الأجسام من تربه
لو فكر العاشق في منتهىحسن الذي يسبيه لم يسبه
لم ير قرن الشمس في شرقهفشكت الأنفس في غربه
يموت راعي الضأن في جهلهموته جالينوس في طبه
وربما زاد على عمرهوازداد في الأمن على سربه
وغاية المفرط في سلمهكغاية المفرط في حربه؟
فلا قضى حاجته طالبفؤاده يخفق من رعبه!
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع