تجاوز إلى المحتوى

من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)

أبيات المعاني في الكلاب

قال الشاعر يصف الكلاب - والبيت للبعيث المجاشعي:

محرَّجةٌ حُص كأن عيونَهاإذا آذن القناصُ بالصيدِ عضرسِ

محرجة في أعناقها الحِرج وهو الودع، والعضرس بقلة حمراء الزهرة، أراد أعين الكلاب تجمر من شدة الغضب، ومثله - لامرئ القيس:

مغرَثةٌ زرقا كأن عيونَهامن الذمرِ والإيسادِ نوار عضرسِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أماوِي هل لي عندكم مِن معرس»

مغرثة مجوعة، والذمر الإغراء والزجر، وقال عنترة:

أقل عليك ضراً من قريحإذا أصحابه ذمروه سارا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «حولي تنفض اِستُكَ مذرويه»

ويقال آسدت الكلاب إذا قلت لها خذي، ويقال العضروس في البيت الأول البرد يعني أنها تبيض عيونها حين تشخص للصيد، ويقال العضرس الورق الذي يصبح عليه الندى شبه العيون به، وقال الراعي وذكر الصائد والثور والكلاب:

يشلى سلوقية زلاً جواعرهامثل اليعاسيبِ في أصلابِها أودُ

زل رسح، قال الأصمعي: يستحب من الكلب أن يكون في ظهره أحد يدأب قليلاً وأن يكون في سَبّته سعة وفي شدقيه سعة.

فجالَ إذ رعنه ينأى بجانبهِوفي سوالفِها من مثله قددُ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «طاف الخيال بأصحابي وقد هجدوا»

يريد أن في أعناق الكلاب قلائد من جلد ثور، وقال امرؤ القيس وذكر كلباً:

فيدركنا فغِم داجنٌسميعٌ بصيرٌ طلوب نكِرُ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

فغم حريص على الصيد، يقال للكلب ما أشد فغمه، قال الأعشى: " وأنت بآل عُقَيل فغِم " أي حريص مولع.

ألصّ الضروسُ حتّى الضلوعَتبوعٌ أريبُ نشيطٌ أشِرُ

قال الأصمعي: لا أعرف ألص الضروس ولكني أعرف ألص الثنيتين إذا كانت إحداهما على الأخرى ويقال للزنجي ألص الأليتين إذا كان صغيرهما قريب ما بينهما، وقال يذكر الثور:

فكر عليه بمبراتهِكما خلّ ظهر اللسان المُجِرّ
فظل يرنّح في غيظلٍكما يستديرُ الحمارُ النعرِ

المبراة القرن وأصلها التي تبرى بها القوس، والمجر الذي يثقب لسان الفصيل ويجعل فيه عوداً لئلا يرضع، يرنح يقال ضربة حتى رنّحه أي غشي عليه فمال كما يميل السكران، غيظل شجر ملتف، والجلبة والأصوات يقال لها أيضاً غيظل، النعر الذي دخلت في أنفه نُعَرة وهي ذبابة تدخل في أنف الحمار فيضرب بنفسه الأرض ويقلق، وقال النابغة وذكر صائداً وثوراً:

من حسِ أطلسٍ يسعى تحته شِرَعكأن أحناكها السفلى مآشيرُ

شرع كلاب شبهها في دقتها بالأوتار.

يقول راكبُها الجنّى مرتفقاًهذا لكُنّ ولحم الشاة محجورُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «ودع أمامة والتوديع تعذير»

راكبها يعني صاحب الكلاب الذي هو خلفها يوسدها، مرتفقاً في رفق، هذا لكن أي لحم الثور ولكن هيهات أن تدركه ولحم الشاة - يعني الثور - محجور عنهن ولا يدركنه.

وقال وذكر القانص والكلاب والثور:

فبثهن عليه واستمر بهصُمع الكعوب بريات من الحرَدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

الحرد يكون بالبعير وهو استرخاء في عصب يديه من شدة العقال فهو ينفضهما ويضرب بهما راد ليس بالكلاب عيب ولم يرد الحرد نفسه، صمع الكعوب - لازقة خفية.

فكان ضُمِرانٌ منه حيث يوزعهطعن المعارك عند المُحجَر النَجُدِ

ضمران اسم كلب، حيث يوزعه أي حيث يغريه صاحبه يقال هو يوزَع بالشيء إذا كان مولعاً به أي كان الكلب من الثور حيث أمره الكلاّب أن يكون كما تقول للرجل أنا بحيث تحب، ضرب المعارك أراد كضرب المعارك وهو المقاتل، والمحجر الملجأ المدرك، ويروي النُجد والنِجد، والنِجد الذي يعرق من الكرب والشدة واسم العرق النَجد ومنه قوله في هذه القصيدة:

" بعد الأين والنَجد " يقال رجل منجود، والنِجد من نعت المُحجر، وإن قلت النجد فهو من نعت المعارك والنُجد الشجاع من النجدة، قال أبو عبيدة: حيث يوزعه طعن، طعن بالرفع، وقال رفع ضمران بكان وجعل الخبر في " منه " أي كان الكلب من الثور كأنه قطعة منه في قربه وارتفع الطعن بيوزعه، وقال سمعت يونس بن حبيب يجيب بهذا الجواب في هذا البيت:

شكَّ الفريصةَ بالمدرى فأنفذَهاشكَ المبيطرِ إذ يشفي من العضَدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يَا دَارَ مَيَّةَ (المعلقات)»

المدرى قرنه، والمبيطر البيطار والعضد داء.

كأنه خارجاً من جنبِ صفحتهِسفود شَرب نسوه عند مفتأدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

أي كأن القرن في حال خروجه سفود، والمفتأد الموضع الذي يختبز فيه ويطبخ ومثله قول أبي ذؤيب:

فكأن سف لماوديْنِ لما يقتراعجلاله بشواءٍ شَرب ينزعُ

أي فكأن سفودين لم يقترا بشواء شرب ينزع أي هما حديدان شبه قرنيه بالسفودين، عجلاً له أي الثور بالطعن الواقع بالكلاب.

فظلَّ يعجمُ أعلى الروق منقبضاًفي حالكِ اللونِ صَدق غير ذي أوَدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

أي ظل الكلب يمضغ أعلى القرن لما خرج من جنبيه، في حالك اللون أي أسود يعني القرن، صدق صلب، أود اعوجاج، ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مديحاً وقال كأن ناقتي بقرة أو ثور أن تكون الكلاب هي المقتولة فإذا كان الشعر موعظة ومرثية أن تكون الكلاب هي التي تقتل الثور والبقرة ليس على أن ذلك حكاية بقصة بعينها.

وقال ذو الرمة وذكر الصائد:

يجْنبُ ضِرواً ضارياً مقلّداًأهضم ما خلف الضلوع أجيدا
موثّق الخلقِ بروقاً مبعداًوانقضّ يعدو الرَهَقى واستأسدا

لابس أذنيه لما تعودا

أهضم منضم الجنبين، أجيد طويل العنق، بروق شائل ذنبه ويكون البروق الواضح اللون، مبعد مُبعد، والرهقى عدو يرهق به المطلوب، استأسدا صار كالأسد، لابس أذنيه أي صرهما وجمعهما فألصقهما بصماخه.

وقال سويد بن أبي كاهل:

" وضِراء كن أبلينَ السِرَع " السرع السرعة، يقول أبلين صدقاً في الإسراع.

قال الأعشى: " إن ريثا وإن سرعا " وقال يذكر الكلاب والثور:

وتراهن على مهلتِهيختلينَ الأرضَ والشاة يلَعُ

مهلته تقدمه، يلع يعدو ولا يصدق في عدوه، ويقال كذب وولع.

وأنشد:

إلاّ بأن تكذبا عليّ ولاأملكُ أن تكذبا وأن تلَعا

ولم أسمع ولع وحدها إلا ها هنا، يختلين الأرض يقطعن الأرض بأرجلهن إذا عدون، وقال لبيد:

حتى إذا يئسَ الرماةُ وأرسلواغَضفا دواجن قافلاً أعصامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

أي يئس الرماة من بلوغ السهام فأرسلوا كلاباً، دواجن متعودة للصيد، قافلاً أعصامها أي يابساً قلائدها.

ويقال الأعصام الأمعاء وهي الأعصال أيضاً.

وقال يصف الثور والكلاب:

فجالَ ولم يَعكِم بغضفٍ كأنهادقاقُ الشعيلِ يبتدرنَ الجعائلا

جال الثور، ولم يعكم لم يرجع، والشعيل الفتائل واحدتها شعيلة، والجعائل ما جعل للكلاب من رزقهن.

وقال الكميت وذكر الكلاب:

حتى إذا أطعمتْ أحناكُ ضاريةٌهن المساريف يوم الغُنم والنجَلُ

ضارية كلاب، يقول ينجلن على صيدهن ويسرفن في أكله.

وقال وذكر الكلاب:

فدُع أيد فج العراقيب كالأقدح إلا سمُومها والغرورا

الأفدع المائل اليد، والسموم الثقب مثل المنخرين والفم، والغرور غضون الجلد.

وقال يصفها:

مؤللةُ الآذانِ عقد كأنهايعاسيبٌ لا يأدو الضَراء اختيالُها
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «مؤللة الآذان عقد كأنها»

مؤللة محددة الآذان، والكلاب توصف بالغضف، والأعقد الذي إذا عدا رفع ذنبه، وقال الفرزدق: " مشية الجاذف الأعقد " يريد الكلب، يأدو يختل، يقول لا تختل ولكنها تحمل، والضراء ما استترت به.

تولّت بإجريّا وِلاف كأنماتحوّلَ شختاً بعد جأبٍ خيالها

إجريا من الجري، ولاف مؤتلف، يقول إذا عدت دقت شخوصها وإذا وقفت كانت أعظم خلقاً، وقال الطرماح وذكر صائداً:

يورِّع بالأمراسِ كل عملّسٍمن المطعَماتِ الصيدِ غير الشواحنِ

يورع يكف، والأمراس الحبال واحدها مَرَس والعملس أصله الذئب سمي بذلك لسرعته وشبه الكلاب بالذئاب، والمطعمات الصيد المرزوقات ويقال للرجل إنه لمطعَم إذا كان مرزوقاً من الصيد، والشواحن اللواتي يبعدن في الطلب ولا يصدن شيئاً.

معيدٌ قمِطر الرِجلِ مختلفُ الشباشرنبث شوكِ الكفِ شثن البراثنِ
للشاعر الطرماح، من قصيدة «أساءك تقويض الخليط المباين»

المعيد الذي عاود الصيد، والقمطر الرجل الذي كأنه به عقالاً من اعوجاج ساقيه وهو الشديد، والشبا حد أنيابه، والشرنبث الخشن الكف، والشوك المخالب، والبراثن ما وطئ به الأرض.

توازنه صيّ على الصيدِ همّهاتفارطَ أحراج الضراءِ الدواجنِ

توازنه تساويه وتعاونه، صي كلبة من قولك صارت تصيء صيئاً وهو صوت دقيق، تفارط تسابق، أحراج جمع حِرج يقال هو نصيبهن الذي يجعل لهن من الصيد، الضِراء الكلاب جمع ضرو.

وقال يذكر الكلاب:

يبتدرنَ الأحراج كالثَولِ والحِرجِ لرب الضراءِ يصطفِدهُ

يبتدرن يعني الكلاب، والأحراج أنصباؤها من الصيد ما سقط من البطون وغيرها، والثول الزنابير وشبهها بها، يصطفده يأخذه يفتعل من الصفد.

مِرُغناتٍ لأخلجِ الشدقِ سلعام مُمَرَ مفتولة عضُده

مرغنات مطيعات، أخلج الشدق واسعه، سلعام عظيم الخلق والبطن، ممر مفتول شديد.

يضغم النابئ الملّمع بين الروق والعين ثم يقصده

يضغم يعض، والنابئ الثور يخرج من بلد إلى بلد وكذلك الناشط، والملمع الذي في يديه لمع سواد وبياض.

مستنيع يصر مثل صرير القعو لما أصاحه مسده

مستنيع متقدم، يصوت صوتاً كصرير القعو وهو الذي يكون فيه المحور من خشب فإن كان من حديد فهو خطاف، والمسد حبل من ليف وهو كل ما ضفر فتل، وقال وذكر كلبة:

عولق الحرصِ إذا أبشرتلعوةً تضبحُ ضبحَ النُهامِ

عولق لا يفلت منها شيء، أبشرت من المباشرة، لعوة حريصة على الصيد، والنهام ذكر البوم، وتقول العرب: أحرص من لعوة، وقال العجاج:

غُضفاً طواها الأمس كلاّبيُّبالمالِ إلا كسبها شقيّ
للشاعر العجاج، من قصيدة «بكيت والمحتزن البكي»

يريد بالمال شقي إلا من كسبها، وقال وذكر الكلاب بعد طعن الثور لها:

حتى إذا ميَّثَ منها الريُّوعظعظِ الجبان والزِئني

ميث أي لين من الكلاب، الري السكر من الطعن، عظعظ اضطرب، والزئني الصغير من الكلاب، والعامة تقول الصيني.

وطاحَ في المعركةِ الفُزنىتواكلتُه وهو عجرفي

الفرني الضخم، تواكلته الكلاب أي اتكل بعضها على بعض وأحبت أن يكفي بعضها بعضاً، وقال وذكر الثور:

مبتكراً فاصطادَ في البكورِذا أكلبٍ نواهزٍ ذكورِ
للشاعر العجاج، من قصيدة «جاري لا تستنكري عذيري»

اصطاد في البكور هذا هزء يريد أنه خرج فأصاب الصائد كقولك خرج فلان يصطاد فوقع على أسد فأكله، فيقال بئس الصيد وقع عليه، نواهز تنتهز الصيد.

" يُهمدن للاجراسِ والتشوير " يهمدن يَجدِدن، ويسرعن في العدو، والاجراس أن تسمع الجرس، والتشوير أن شير بيده يقال أشار وشوّر، قال جرير:

رأى عبد قيس خفقة شوّرت بهايدا قابس ألوى بها ثم أخمدا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «رأى عبد قيس خفقة شورت بها»

أي أشار بها، وقال آخر: " حتى إذا أجرس كل طائر " أي صوت، وقول ذي الرمة يصف الكلاب: " لاحها التغريث والجنب " والتغريث الجوع، والجنب لصوق الرئة بالجنب من العطش.

وقال جرير:

فلا تحسبني شحمةً من وقيفةٍتسرّطُها مما تصيدُك سلفعُ

الوقيفة التي تلجئها الكلاب أو الرامي إلى موضع لا تخلص منه

يريد إني ممتنع، تسرطها تزدردها يقال في المثل الأكل سُرَّيْطَي والقضاء ضُرَّيْطَي، ويقال الأكل سلَجان والقضاء ليّان، وسلفع اسم كلبة، وقال أبو خراش الهذلي لابنه حين هاجر في خلافة عمر:

فإنكَ وابتغاءَ البِرِ بعديكمخضوبِ اللَبانِ ولا يصيدُ
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

هذا مثل يعني الكلب تلطخ صدره وحلقه بالدم ترى الناس أنه قد صاد ولم يصد شيئاً، وقال آخر:

فلا ترفعي صوتاً وكوني قصيةًإذا ثوبَ الداعي فأنكرني كلبي

إنما ينكره كلبه إذا لبس سلاحه يخبر أن سلاحه تام يقول إياك والصراخ إذا عاينت الجيش، وقال آخر:

إذا خَرسَ الفحلُ وسطَ الحجورِوصاحَ الكلابُ وعقَّ الولدُ

الفحل إذا عاين الجيش وبوارق السيوف لم يلتفت لِفت الحجور، والكلاب تنج أربابها لأنها لا تعرفهم للبسهم الحديد، والمرأة تذهل عن ولدها ويشغلها الرعب فجعل ذلك عقوقاً، قالوا ومنه يقال: أمر لا ينادي وليده، أي تشتغل المرأة عن ولدها فلا تناديه.

وقال آخر - وهو طفيل الغنوي:

أناسٌ إذا ما الكلبُ أنكرَ أهلَهحمُوا جارَهم عن كل شنعاءٍ مضلعِ

وقال آخر:

وفينا إذا " ما " الكلبُ أنكر أهلَهغداةَ الصباحِ المانعون الدوابرا

وقال الكميت:

واستثفر الكلبُ إنكاراً لمولغِهِفي حُولةٍ قصرت عن نعتِها الحُوَلُ

اسثفر الكلب أدخل ذنبه بين رجليه، لم يعرف من يسقيه لأنه قد لبس الحديد فأنكره، والحولة الداهية.

وقال زيد الخيل:

يتبعنَ نضلةَ أيرِ كلبٍ منعظٍعض الكلابُ بعجبهِ فاستثفرا

وقال الكميت:

فإنكم ونزاراً في عداوتهاكالكلبِ هرّ جدا وطَفاء مِدارِ

الأصل في هذا أن كلباً ألحت عليه السماء بالمطر أياماً ثم طلعت الشمس فذهب يتشرق فلم يشعر إلا بسحابة قد أظلته ففزع ورفع رأسه وجعل ينبح، ويقال في المثل " وهل يضر السحاب نباح الكلاب ".

وقال آخر:

وما لي لا أغزو وللدهرِ كرةوقد نبَحت نحو السماءِ كلابُها

يقول: كنت أدع الغزو قبل الغيث فما عذري اليوم وقد جاء المطر وامتلأت الغدران، والكلب ينبح السحاب من الحاج المطر.

وقال الأفوه الأودي وذكر سحاباً:

فباتتْ كلابُ الحي ينبحنَ مزنهوأضحتْ بناتُ الماءِ فيه تعمّجُ
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «لهُ هيدب دانٍ ورعد ولجة»

أي تتلوى.

وقال آخر:

إذا عمى الكلبُ في ديمةٍوأخرسَه الله في غير ضرِّ

يخرسه إفراط البرد، كما قالت الهذلية - وهي جنوب أخت عمرو ذي الكلب - وذكرت ليلة:

لا ينبحُ الكلبُ فيها غير واحدةٍمن العشاءِ ولا تسرى أفاعيها
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة

وقوله عمى الكلب مثل قول الآخر - مرة بن محكان -:

وليلةٌ من جمادي ذات أنديةٍلا يبصرُ الكلبُ من ظلمائها الطُنُبا

وقال الفرزدق:

ولا يدعُ للأضيافِ إلا الفتى الذيإذا ما ابى أن ينبحَ الكلبُ أوقدا

يأبى الكلب أن ينبح لشدة البرد فيوقد ناره ليراها الطارقون، وقال الأعشى:

وتسخنُ ليلةٌ لا يستطيعنباحاً بها الكلب إلاّ هريرا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «غشيت لليلى بليل خدورا»

وأما قول الآخر:

مالكَ لا تنبحُ يا كلبَ الدّومِقد كنتَ نبّاحاً فمالكَ اليوم

فإن هذا الرجل كان ينتظر عيراً له تجيء وكان الكلب إذا جاءت ينبح فاستبطأ العير فقال مالك لا تنبح أي ما للعير لا تجيء وقال ابن هرمة:

كيف يلقونني إذا نبحَ الكلبُ وراء الكسورِ نبحاً خفياً
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وسل الجار والمعصب والأض»

من شدة البرد، وقال آخر:

ومبدٍ لي الشحناء بيني وبينهدعوتُ وقد طال السُرى فدعاني

يعني كلباً وذلك أن المسافر إذا كان في الليل فلم يدر أين البيوت نبح ليُسمع الكلاب فتجيبه وتنبح له أي لما نبح للكلب نبح الكلب فجعل ذلك دعاء، وقال الكميت يمدح قوماً:

ولا لقاحهُم إلا مُعَودةذل الكلابِ وأن لا تسمنُ الفُصُلُ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «ولا لقاحهم إلا معودة»

ذل الكلاب أن لا تنبح الأضياف، وأن لا تسمن الفصل لأنهم يسقون ألبان الأمهات، وقال آخر في مثله:

وما يك فيّ من عيبٍ فإنيجبانُ الكلبِ مهزولُ الفصيلِ

وقال حاتم:

إذا ما بخيلُ القومِ هرّت كلابُهوشقَّ على الضيفِ الغريبِ عقورها
فإني جبانُ الكلبِ بيتي موطأجوادٌ إذا ما النفسُ شحَّ ضميرُها
للشاعر حاتم الطائي، اقرأ القصيدة
وإن كلابي قد أقرت وعُودتقليل على من يعتريها هريرها

وقال آخر وذكر ضيفاً:

حبيبٌ إلى كلبِ الكريمِ مُناخُهكريهٌ إلى الكوماءِ والكلب أبصرُ

يحب الكلب مناخه لأنهم ينحرون له فيأكل الكلب ويخصب، وتكرهه الناقة السمينة لأنها تخاف النحر، وقال ابن هرمة:

وفرحةٌ من كلابِ الحي يتبعهاشحمٌ يزفُ به الراعي وترعيبُ
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وفرحة من كلاب الحي يتبعها»

الأسعر بن حمران الجعفي:

باتتْ كلابُ الحي تنبحُ بيننايأكلنَ دعلجةً ويشبعُ من عفا

الدعلجة الاختلاف يقال بينهم دعلجة، وقال الحطيئة:

تسدينها من بعد ما نام ظالع الكلاب وأخبى ناره كل موقد

الظالع من الكلاب لا يسفد حتى يسفد الكلاب كلها لضعفه، ويقال في مثل - أفعل ذاك إذا نام ظالع الكلاب - أي في آخر الأوقات لأن الظالع لا ينام إلا بعد الكلاب كلها، وقال حميد بن ثور وذكر امرأة:

فقامت تعشى ساعة ما يطيقُهامن الناسِ نامتها الكلابُ الظوالعُ

وقال أبو ذؤيب وذكر امرأة:

بأطيبِ من فيها إذا جئتَ طارقاًوأشهى إذا نامت كلابُ الأسافلِ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أساءلت رسم الدار أم لم تسائل»

قال الأصمعي: كلاب الأسافل يريد أسافل الأحوية يكون فيها الرعاء والكلاب وهم آخر من يهدأ، وقال رؤبة:

لاقيتُ مطلاً كنعاسِ الكلبِوعدة عُجتُ عليها صحبي

يقول مطلاً دائماً لأن الكلب تراه أبداً ناعساً مغضياً عينيه وإنما يفعل هذا بالنهار فإما بالليل فلا، وقال أبو حية وذكر فلاة:

يكونُ بها دليلُ القومِ نجمكعينِ الكلبِ في هبىً قِباعِ
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

هذه الأرض جدبة ذات غبرة لا تبصر فيها النجوم فينظر الدليل إلى النجم الذي يهتدي به كأنه عين الكلب إنما يبدو له منه شيء يسير كأنه عين الكلب لأن الكلب ناعس أبداً مغض، في هبى يعني النجم في نجوم هبى وهي التي تراها مظلمة من القتام والواحد هاب مثل غاز وغزى قباع قد قبعت في الغبار دخلت فيه ويقال للقنفذ إذا أدخل رأسه قد قبع.

وقال الأخطل يهجو رجلاً:

سَبنتَي يظل الكلبُ يمضغ ثوبهله في ديار الغانيات طريق

السبنتي الجريء، ولذلك قيل للنمر سبنتي، يمضغ الكلب ثوبه من

أنسه به ومعرفته له، يريد أنه يخالف إلى جاراته فيدارى الكلاب بالشيء يطعمها إياه فهي آنسة به، وقال آخر:

إني لعفٍّ عن زيارة جارتيوإني لمنشوءٍ إليَّ اغتيابها
إذا غابَ عنها بعلُها لم أكنْ لهازؤوراً ولم تأنسْ إليَّ كلابها

وقال الفرزدق:

وضاربةٌ ما مر إلا اقتسمنهعليهنَ خوّاضَ إلى الطِنء مخَشفُ

ضاربة كلاب، يقول إذا مر بهن أحد لريبة اقتسمنه بالنهش والخدش، والطنء الريبة والتهمة، مخشف سريع في أموره ومروره دليل يقال خشف يخشف خشفاً، وقال الأعشى - وهو أعشى تغلب واسمه عمرو بن الأيهم -:

إذا حلّت معاويةٌ بن عمروعلى الأطواءِ خنَّقتِ الكلابا
للشاعر أعشى تغلب، اقرأ القصيدة

يهجوهم يقول يخنقون الكلاب لئلا تنبح فيستدل بذلك الأضياف.

وقال الحطيئة:

دفعَت إليه وهو يخنقُ كلبهألا كلُ كلبٍ لا أبا لك نابحُ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ألا قبح الله الحطيئة إنه»

وقال الكميت:

وأحلب إسمعيل فيها ومنذربأوبط من كيدِ الفراشةِ والجُعَلِ
ليستبعيا كلباً بهيماً مخزّماًومن يك أفيالاً أبوته يفِلِ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «واجلب إسماعيل فيها ومنذر»

أحلب أعان، أوبط أضعف، يستبعيا يستعينا وأصل البعو الجناية يقال بعا عليهم فهو باع، بهيم أسود لا لون فيه غير لونه وجعله كذلك لأنه يقال إن الأسود البهيم شيطان، مخزم خزم أنفه بخزامة من ذله، شبه رجلاً بهذا الكلب، والأفيال واحدهم فيل وهو الكثير الخطأ، وأبوته آباؤه جمع أبا على فعولة كما يقال صقر وصقورة وحمو وحموة وكذلك أب وأبوة.

أنشد أبو عبيدة:

أرسلت أسداً على سودِ الكلابِ فقدأمسى شريدُهم في الأرض فُلاّد

قال لأن سود الكلاب أكثرها عقوراً ولذلك أمر بقتل الكلاب السود منها.

قال وهي للذئاب وأنشد: " كخوفِ الذئبِ من سودِ الكلابِ " وأنكر على من يرويه: من بقع الكلاب، وأنشد غيره:

إذا تخازرتُ وما بي من خَزرٍثم كسرتُ العينَ من غير عَورِ
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «إذا تخازرت وما بي من خزر»
لقيتني ألوى بعيدُ المستمرِأبذي إذا بوذيتُ من كلبٍ ذكرِ

أسود قزّاح يغذّى في الشجر

قزاح يقزح ببوله يزج به ويغذى ببوله.

وقال الخذلي:

أأجعلُ نفسي عدل عِلج كأنمايموتُ به كلبٌ إذا ماتَ أبقعُ

قال البقع شر الكلاب والتبقع هجنة وسوادها أكثرها عقوراً وهي للذئاب وهي شرها، وخيرها ما شاكه الأسد في لونه.

وقال الراجز:

كأنه ملبّسٌ درانكايقصر يمشي ويطول باركا

أراد يقصر ماشياً، ومما يتحاجى الناس به: ما شيء إذا قام كان أقصر منه إذا قعد، يريدون الكلب لأن قعوده إقعاء.

وقال عمر بن لجأ:

عليه حنوا قتَبٍ مستقدمٍمقعٍ كإقعاءِ الكليبِ المعصِمِ

وقال مزرد وذكر ضيفاً نزل به فأمر بإطعامه:

فجاءا بخرشاوى، شعيرٍ عليهماكراديسٍ من أوصال أعقد سافدِ

الأعقد الكلب الرافع ذنبه على ظهره وإذا كان سافداً فهو أشد لهزاله وأخبث للحمه، أخبرك أنه قرى ذيفه لحم كلب، وقال ابن الأعرابي أراد تيساً. وقال مساور بن هند:

إذا أسدية ولدت غلاماًفبشرها بلؤم من الغلامِ
يخرّسها نساء بني دُبيربأخبث ما يجدنَ من الطعامِ
ترى أظفارَ أعقد ملقياتٍبراثنُها على وضَمِ الثُمامِ

يخرسها من الخرسة وهو ما تطعمه النساء يريد أنها تطعم لحم الكلب.

وقال الفرزدق:

إذا أسدى جاعَ يوماً ببلدةٍوكان سميناً كلبُه فهو آكله

وقال مساور:

بني أسدٍ إن تُمحل العامُ فقَعسفهذا إذاً دهرُ الكلابِ وعامُها

وقول العرب في مثل أمثالها " فلان يثير الكلاب عن مرابضها " يراد به لؤمه وطمعه وأنه يثيرها يطمع أن يجد في مواضعها شيئاً يأكله، ومن أمثالهم " ألأم من كلب على عَرق " ومن أمثالهم " سمن كلب في جوع أهله " وذلك إذا وقع في الإبل السُواف فماتت فأكل، وأنشدني الرياشي:

قد شيّب الرأسُ حتى ابيضَّ مفرقهُأن قلتَ يا عمرو إني نابحُ الظّرِبِ

وفسره غيره فقال هذا رجل به الكلب فهو ينبح على الظرب وهو دون الجبل، قال والكلب الكلِب إذا عض إنساناً إحاله نباحاً مثله ثم أحبله وألقحه بأجر صغار يراها علقاً في صورة الكلاب، وقال ابن فسوة عتيبة بن مرداس وكان به الكلَب فداواه ابن المحل فأخرج اجرى الكلاب علقاً مثل صور النمل فبرأ.

لولا دواءُ ابن المُحِلّ وعلمههررت إذا ما الناس هرَّ كليبُها
وأخرج بعد الله أولاد زارعٍمولّعة أكتافها وجنوبها

الكليب جمع كلب مثل عبد وعبيد، وأولاد زارع الكلاب، وقال امرأة في رجل أصابه الكلَب:

أبالك أدراصاً وأولاد زارعٍوتلك لعمري نُهيةُ المتعجّبِ

ويقولون أن دماء الملوك شفاء من الكلب، قال رجل من كندة لبني أسد في قتلهم حُجراً:

عبيد العصا حُبتم بقتل ربيبكمتريقون تامورا شفاء من الكلَب

التامور الدم، وقال الفرزدق:

ولو شرب الكلَبي المراض دماءناشفتها وذو الخبل الذي هو أدنف

وقال آخر:

بُناة مكارم وأساة كلمدماؤهم من الكلَب الشفاء
للشاعر الحصين بن حمام الفزاري، من قصيدة «بناة مكارم وأساة كلم»

وقال دريد بن الصمة حين ضرب امرأته بالسيف ليقتلها فسلمت:

اقرّ العين أن عُصبت يداهاوما أن تعصبان على خضاب
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أقر العين أن عصبت يداها»
وابقاهن انّ لهن جناوواقية كواقية الكلاب

يقال أن على الكلاب واقية من عبث الصبيان والسفهاء بها، وقال آخر:

إني وأتيي ابن غلاّق ليقرينيكالغابط الكلب يبغى الطِرق في الذنب

الغابط الذي يجسّ الموضع من الشاة لينظر أسمينة هي أم لا، والطرق الشحم، وقال أعرابي يوصي بكلبه:

استوص خيراً به فإن لهعندي يداً لا أزال أحمدها
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «استوص خيرا به فإن له»
يدل ضيفي عليّ في غسق الليل إذا النار خف موقدها
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من كتاب السباع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.