من «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)
حديث يوم تياسٍ
قال أبو عبيدة: كانت قبائل بني سعد بن زيد مناة، وقبائل بي عمرو بن تميم، التقت بتياس، فقطع
غيلان بن مالك بن عمرو بن تميم، رجل الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة، فسمي الأعرج
فطلبوا القصاص، فأقسم غيلان ألا يعقلها، ولا يقصها، حتى تحشى عيناي تراباً، وقال:
لا نعقِلُ الرجلَ ولا نَديهاحتى تُرى داهيةٌ تُنسيها
فالتقوا، فاقتتلوا، فخرجوا غيلان، حتى ظنوا أنهم قتلوه. ورئيس عمرو كعب بن عمرو، ولواؤه مع
ابنه ذؤيب، فجعل غيلان يخل البوغاء في عينيه ويقول: تحلل غيل، حتى مات فقال ذؤيب بن كعب
لأبيه كعب:
يا كعبُ إنّ أخاكَ مُنحَمِقٌإنْ لم تَكُن بكَ مرّةٌ كعبُ
أتجودُ بالدمِ ذي المَضنّةِ فيالجُلّى وتُلوى النابُ والسقبُ
فلان إذ أخذتْ مآخذَهاوتباعدَ الأنسابُ والقُرَبُ
أنشأتَ تطلبُ خُطّةً غَبناًوتَركتَها ومَسدُها رَأبُ
جانيكَ مَن يجني عليكَ وقدتُعدِي الصحاحَ مَبارِكَ الجُربُ
والحربُ قد تضطرُ جانيَهاإلى المَضيقِ ودونها الرُحب
قال أبو عبيدة، أنشدني داءوذ أحد بني ذؤيب، وغيره: الصحاح مبارك الجرب، فرفعوا مبارك
وجرّوا الجرب وذلك إقواء وقال أبو الخطاب: إن عامة أهل البدو ليست تفهم ما يريد الشاعر، ولا
يُحسنون التفسير، وإنما أتى أقواء هذا، من قلة فهم الذين رووه، وإنما عنى الشاعر وقد يُعدي
الأجرب الصحيح مبركاً، فلما وجدوه مقدماً ومؤخراً، لم يحسنوا تلخيصه، ووجدوا مبارك لا
ينصرف، فأظلم المعنى عليهم. وإنما أراد وقد تعدي الصحاح مبارك الجرب.
أصَعصَعَ بعضَ لَومكَ إنّ ليلىرَوادُ الليلِ مُطلَقًةُ الكِمامِ
صعصعة بن ناجية أبو غالب أبي الفرزدق. يريد بعض لومك بني مجاشع. ويروى إن أمِّكَ بعد
ليلى.
أصَعصَعَ قالَ قَينُكَ أردفينىوكوني دونَ واسطةٍ أمامي
تُفدّي عامَ بِيعَ لها جُبيرُوتزعمُ أنّ ذلكَ خيرُ عامِ
بيع اشتري. جبير عبد كان لصعصعة.
بِها شَبهُ الزّبابَةِ في بَنيهاوعِرقٌ من قُفيرةَ غير نامِ
الزبابة الفأرة، نبز بها أم الفرزدق لينة بنت قرطة. وقفيرة جدة الفرزدق.
قُفيرةُ وهيَ ألأمُ أمّ قَومٍتُوفّي في الفرزدقِ سَبعَ آمِ
فإن مجاشعاً فتَبيّنوهُمبَنو جَوخَى وجَخجخَ والقُذام
جوخى، وجخجخ، والقذام، إماء كلهن.
وأمهمُ خَضافِ تَداركَتهُمبِدَخلٍ في القلوبِ وفي العِظام
وقال الفرزدق يهجو أصم باهلة، واسمه عبد الله بن الحجاج بن عبد الله بن كلثوم، من بني ذبيان بن
جنادة:
إخالُ الباهليّ يظنُ أنيّسَأقعُدُ لا يجاوزُهُ سِبابيِ
فأمي أمهُ إنْ لم يجاوِزْإلى كعب ورابِيَتَي كِلابِ
ويروى فإني مثله إن لم يجاوز. كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وكلاب ابن ربيعة أخوه.
أأجعلُ دارِماً كأبني دُخانوكانا في الغنيمةِ كالرِكاب
ابنا دخان غني وباهلة. وكانوا يسبون بذلك في الجاهلية. قال الخطل:
تعوذُ هَوازِنٌ بابنَي دُخانٍلَعمرُكَ إنّ ذا لهُوَ الشّنارُ
وسَوّدَ حاتِماً أنْ ليسَ فيهِمإذا ما شُبّتٍ النيرانُ نارُ
وما أحدٌ منَ الأقوامِ عَدُوافُروعَ الأكرمينَ إلى الترابِ
أباهِلَ أينَ مَلجَؤكُم إذا مالجَقنا بالمُلوكِ وبالقِبابِ
تهامَةَ والأباطِح إذ سَددناعليكم من تَهامةَ كل بابِ
إذا سَعدُ بنُ زيدِ مَناةَ سالَتْبإكثرَ في العديدِ منَ الترابِ
فإن الأرضَ تعجِزُ عن تميمٍوهم مِثلُ المُعبّدةِ الجِرابِ
وجدتُ لهم على الأقوامِ فضلاًبِتَوطاء المَناخِرِ والرقابِ
لقد هَتكَ المحارِمَ بأهلييجُسُ لأختهِ ركبَ الحَقابِ
تَبيتُ فقاحُكم يَركَبنَ مِنهافُروجاً غير طيّبةِ الخِضابِ
ولو سيرتُم فيمن أصابتْعلى القسماتِ أظفاري ونابي
إذا لرأيتُمُ عِظةً وزَجراًأشدّ منَ المُصمّمةِ العِضابِ
بمَحتفظَينَ إن فضّلتُموناعليهم في القديمِ ولا غِضاب
ولو رَفعَ السماء إليه قوماًلحقنا بالسماء على السحابِ
وهل لأبيكَ من حَسبٍ يُسامِيمُلوكَ المالكين ألي الحجابِ
يعني مالك بن حنظلة ومالك بن زيد مناة.
قال فعجز الباهلي عن نقيصتها، فأجابه جرير، فقال:
ألا حَيّ المَنازِلَ بالجِنابِفقد ذكّرنَ عهدَكَ بالشبابِ
أجِدّكَ ما تذكرُ أهلُ دارِكأنّ رُسومَها ورقُ الكتابِ
يريد أبجد منك، فلما طرح الباء نصب. الرسم الأثر في الدار بلا شخص. ويروى أما تنفك تذكر
عهد دارٍ كأن.
لعمرُ أبي الغَواني ما سُلَيمَىبِشملالٍ تَراحُ إلى الشبابِ
شملال خفيفة سريعة. تراح ترتاح، وتريده وتسرع إليه.
تُكَنُ على النواظِرِ ثم تبدوبُدوّ الشمسِ من خللِ السحابِ
لياليَ تَرتميكَ بنبل جنّصَموتُ الحِجلِ قانئةُ الخِضابِ
كأنكَ تستعيرُ كلى شَعيبٍوَهتْ من ناضِح سرَبِ الطباب
الشعيب المزادة من أديمين يُشعب بينهما كل راوية شعيبان. الكلى واحدتها كلية، وهي رقعة أسفل
عروة المزادة. وههت سالت. ناضح سقاء ينضح سرب سائل. الطباب جلدة مستطيلة تضرب على
أسفل المزادة. شبه دمعه بهذه المزادة.
وما بالَيتُ يومَ أكُف صَحبيمخَافَةَ أن يُفنّدَني صِحابي
تَباعَدَ من مَزارِكَ أهلُ نجدٍإذا مرّت بذي خُشُبٍ رِكابي
غريبا عن ديارِ بني تَميمٍولا يخزي عشيرتي اغترابي
لقد عَلمَ الفرزدقُ أنّ قومييُعدّونَ المَكارِمَ للسبابِ
يحُشّونَ الحروبَ بمُقرَباتٍوداؤوديّةٍ كأضا الحَبابِ
يحشون يوقدون. بمقربات مكرمات. داؤودية دروع من صنعة داءود ﵇ الأضا الغدران،
واحدتها أضاة. والحباب الطرائف على الماء، مثل الوشى، شبه الدروع به.
إذا آباؤنا وأبوكَ عُدواأبان المُقرفاتُ منَ العِرابِ
أبان استبان. المقرفات الهُجن من الخيل.
فأورَثكَ العَلاةَ وأورَثونارِباطَ الخيلِ أفنيةَ القبابِ
وأن عَدّتْ مكارِمَها تميمٌفَخَرتَ بمرجَلٍ وبعقر نابِ
ألسنا بالمكارمِ نحنُ أولىوأكرمُ عندَ مُعترَكِ الضرّابِ
وأحمدُ حينَ يحمدُ بالمقَقاريوحالَ المُربِعاتُ منَ السحابِ
المربعات السحائب التي تمطر في الربيع.
وأوفَى للمُجاورِ إن أجَرناوأعطى للنّفيساتِ الرّعابِ
صبرنا يومَ طِخفةَ قد علمتُمصُدورَ الخيلِ تخطُ في الجرابِ
وَطِئنَ مجاشعاً وأخذنَ غَصباًبَني الجَبّار في رَهج الضبابِ
يعني قابوس وحسان ابني المنذر، أسرتهما بنو يربوع يوم طخفة.
ويَربوعٌ هُمُ أخذوا قديماًعليكَ منَ المَكارم كل بابِ
فلا تفخرْ وأنتَ مجاشعيٌّنَخيبُ القَلبِ مُنخرِقُ الحِجابِ
فلا صًفوٌ جَوازُكَ عندَ سَعدٍولا عَفُ الخليقةِ في الرّبابِ
جوازك سقيك الماء إياه، وأن يجاز من منهل، وماء إلى ماء.
وقد أخزاكَ في نَدواتِ قيسوفي سعد عِياذُكَ من زَبِابِ
ندوات جمع ناد. قيس بن ثعلبة، وسعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.
ألم ترَ مَن هجاني كيفَ يَلقىإذا غَب الحديثُ منَ العَذابِ
يَسُبُهُمُ بسَبّي كلُ قومٍإذا ابتدرَتْ مَحُاوَرةُ الجواب
فكُلّهمُ سقيتُ نَقيعَ سَمّبِنابي مخدِر ضرَمِ اللُعابِ
لقد جارَيتَني فعَرفتْ أنيعلى حظّ المُراهن غير كابِ
سبقتُ فجاء وجهي لم يُغيروقد حطّ الشكيمةَ عَضُ نابِ
فما بلغَ الفرزدقُ في تميمٍكمبلغ عاصِم وبَني شِهابِ
عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع جد قعنب. وعتيبة بن الحارث بن شهاب بن عبد قيس بن
الكباس بن جعفر بن ثعلبة بن يربوع.
ولا بلغَ الفرزدقُ في تميمٍتخَيرُيَ المَضارِبَ وانتجابي
أنا أبنُ الخالدَين وآل صَخرٍأحَلُوني الفُروعَ منَ الرّوابي
الخالدان خالد بن منقر، وخالد بن غنم أخو جشم بن سعد. وصخر ابن منقر. الروابي الإكام
المشرفة. يقول: جعلوا لي عزاً مشرفاً.
وسيفُ أبي الفرزدقِ قد علمتُمْقَدومٌ غير ثابتَه القِرابِ
أجيرانَ الزبيرِ غَرَرتمُوهُكما أغترّ المُشبّهُ بالسرابِ
ولو سارَ الزبير فحَلّ فينالما يَئسَ الزبير منَ الإيابِ
لأصبحَ دونهُ رَقَماتُ فَلجوغُبرُ اللامعاتِ منَ الحِدابِ
وما باتَ النّوائِحُ من قُريشٍيُراوجنَ التّفجُعَ بانتحابِ
على غيرِ السواء مَدحتَ سَعداًفزِدهُم ما استطعتَ منَ الثوابِ
همُ قَتلوا الزبير فلم تُنَكّرْوعَزوا عُقرَ جِعثن في الخِطابِ
فداوِ كُلومَ جِعثنَ إنّ سعداًذَوو عادِيّةٍ ولهُى رِعابِ
كلوم جراجات. عادية عز قديم، لهى عطايا عظام الواحدة لهوة، رغاب واسعة.
سأذكُرُ من قُفيرةَ ما علمتُموأرفعُ شأنَ جِعثنَ والربابِ
جعثن أخت الفرزدق. والرباب بنت الحتات المجاشعي.
وعاراً مِنْ حمُيدَةَ يومَ حَوطٍورَضخاً مِن جَنادِلها الصلابِ
فأصبح غالياً فتَقسّموهُعليكم لحمُ راحلَةِ الغُرابِ
تحَكّكْ بالعَدان فإن قيساًنَفَوكُم عن ضرَيّةَ والهِضابِ
كَجعثنَ حينَ أسبلَ ناطِفاهاعَفرتُم ثوبَ جِعثنَ في الترابِ
فشُدّي مِن صَلاكِ على الرُدافَىولا تَدعي فإنكِ لن تجُابي
لنا قيسٌ عليكَ وأيُ قومإذا ما احمرّ أجنحةُ العُقابِ
احمر يعني من دم القتلى. والعقاب الراية.
أتعدِلُ في الشكيرِ أبا جُبيرإلى كَعبٍ ورابيتي كِلابِ
الرواية أتعدل فش كير أبي جبير إلى
وجدتَ حَصى هَوازِنَ ذا فُضولٍوبَحراً أبنَ شِعرَةَ ذا عُبابِ
وفي غَطفانَ فأجتنيوا حماهُملُيوثُ الغيلِ في أجم وغابِ
ألم تسمع بخيلِ بني رِياحٍإذا ركَبتْ وخيلِ بني الحُبابِ
رياح بن يربوع. وبنو الحباب يريد عمير بن الحباب بن أياس بن جعد بن حزابة ابن محارب بن
هلال بن فالج بن ذكوان بن بهثة بن سليم.
همُ جَذُوا بيَ جُشمَ بن بكرٍبِلُبّي بعدَ يومِ قُرى الزوابي
جذواب قطعوا أصلهم. لبى مكان بالجزيرة بين بلد والعقيق من أرض الموصل. فالتقوا وعلى قيس
عمير بن الحباب، وعلى بني جشم زياد بن هوبر، فانهزمت تغلب. وفي ذلك يقول نفيع بن سالم بن
شبّة بن الأشيم بن ظفر بن مالك بن غم بن طريف ابن خلف بن محارب بن خصفة بن قيس بن
عيلان بن مضر:
فإن بماكِسينَ ودَيرِ لُبّىمَلاحِمَ ذِكرُها خِزيٌ وعارُ
حماةُ ذِمار تغلبَ في مَكرّتطوفُ بِها الجَيائِل والنّسارُ
الجيائل جمع حيال، وهي الضبع. والأخيل طائر يرتبع على الجيف، ويقال إنه الغراب.
جعلتُم ناركُم لهُمُ قُبوراًلهَا منهُم إذا شُبّت قُتارُ
وذاك أن القتلى أنتنت وتطرّقت عليها السابلة، فتأذت براحتها، فأرتأت بنو تغلب، فاجتمع رأيهم على
أن يحرقوهم بالنار، وولي ذلك الشمرذي التغلبي.
أردتُم أن تجُنّوها فتَخفىنِيارُكُم إذا أحترقَ الشّنارُ
وحَيُ محارِبِ الأبطالِ قِدماًأولُو بأسٍ وأحلامٍ رِعابِ
خُطاهُم في الحُروبِ إلى الأعادييَصلنَ سُيوفَهُم يومَ الضرابِ
وقال جرير يقضي بين الأصم الباهلي وبين الفرزدق:
سأحكمُ بين قَين بَني عِقالٍوبين أصمّ باهِلَةَ المُرادي
فأما القَين قَين بني عقالٍفذو الكيرَين والبرُمِ الجيادِ
وأما الباهليُ فسُمُ أفعىعلى أحناء حيةِ كلّ وادي
وقال الفرزدق لجرير:
يَمُتُ بحَبل مِن عُتيبةَ إذ رأىأنامِلَهُ رُكّبنَ في شرّ ساعِدِ
ومِن قَعنبٍ هيهاتَ ما حَلّ قَعنبٌمنَ الخَطفى بالمنزل المُتباعِدِ
ومِنْ آلِ عَتّابَ الرديفِ ولم يكنلذلكَ أبوابَ المُلوكِ بشاهِدِ
فخرتَ بما تبني رِياحٌ وجعفرٌولستَ لما تبني كُليبٌ بحامدِ
فأجابه جرير فقال:
أنا أبنَ أبي سعد وعمرو ومالكوضَبةُ عبدٌ واحدٌ وابنُ واحدِ
أجئتَ تَسوقُ السيدَ خُضراً جُلودُهاإلى الصيدِ من خالي صخرٍ وخالدِ
ألم ترَ أنّ الضبّ يهدِمَ جُحرَهُوترأسهُ بالليلِ صُمُ الأساودِ
فإنّا وجدنا إذع وَفَدنا إليكُمُصدورَ القَنا والخيلَ من خير وافِدِ
وأبليتُمُ في شأن جِعثنَ سَوءةًوبانَ ابنُ عَوّامٍ لكم غير حامدِ
فيا ليتهُ يدعو عُبيداً وجعفراًوشُماً رِياحِيّينَ شُعرَ السواعِدِ
وقال جرير حين هلك الأخطل:
زارَ القُبورَ أبو مالكِفأصبحَ أهونَ زُوّارِها
لِتَبكِ عليهِ دَرومُ العِشاءخبيثٌ تَنسمُ أسحارِها
وتُكثَرُ في مُستقرّ الجَنينِمنَ الثُوم في قُبلِ أطهارِها
وقد شَبرتْ أيرَ قَسّ القُسوسِفكانَ ثلاثة أشبارِها
وتبكي بناتُ أبي مالِكٍببوقِ النصارى ومِزمارِها
لقد سرني وقعُ خيل الهُذيلِوتَرغيمُ تغلِبَ في دارِها
وفاتَ الهُذيل بني تغلِبٍوجَحّافُ قيسٍ بأزفارِها
تحُضّونَ قيساً ولا تَضبِرونَلِزَبن الحروبِ وإضرارِها
فأجابه الفرزدق فقال:
زارَ القُبورَ أبو مالكٍبرغمِ العُداةِ وأوتارِها
وأوصى الفرزدقُ عندَ المماتِبأمّ جريرٍ وأعيارِها
قُبيلَةٌ كأديم الكراعِتعجِزُ عن نقضِ أمرارِها
همُ يُظلَمونَ ولا يَظلمونَإذا العيسُ شُدّتْ بأكوارِها
ولا يمنعونَ نُسيّاتهِمإذا الحربُ صالت بأظفارِها
ولكن عضاريط مُستأخِرونَزعانفَةٌ خلفَ أدبارِها
كَسعتُ كُليباً فما أنكرتْكحَسعَ المَخاضِ بأغبارِها
الكسع أن يضرب الحالب مؤخر الناقة والشاة، وإذا فرغ من حلبها لتتنحى عنه، ويقدّم أخرى
فيحلبها. أغبارها بقايا لبن في ضروعها، يتركونها ولا يُجهدون حلبها، ليكون أقوى لها ولولدها في
العام المقبل. ويقال لذلك داعي اللبن. وجاء في الحديث: "إذا حلبتَ فدع داعي اللبن".
قال حدثنا أبو عبيدة، قال: لقي الفرزدق جارية لبني نهشل، فنظر إليها نظراً شديداً، فقالت: ما لك
تنظر إلي، والله لو كان لي ألف حر، ما أطمعت واحداً فيك. قال: ولمَ يا لخناء؟ قالت: لأنك قبيح
المنظر، سيئ المخبر فيما أرى. قال: أما والله لو خبرتيني، لعفّى خُبري على منظري. ثم تكشّف عن
مثل ذراع البكر، فتضبّعت له عن مثل سنام الناب، فواثبها فقالت له: أنكاحاً بالنسيّة، هذا سوء
القضية. قال: ويحك ما معي إلا جُبتي أفتقولينك سالبتها. قالت: فاعطني العقال الذي في حقويك.
فأعطاها إياه ثم تسنّمها وقال في ذلك:
لمّا اعتركنا بالفضاء القَفرِحينَ عَلَتنا عالياتُ البُهرِ
ودَبّحَتْ فأضطجعتْ للظهرِأولجتُ فيها كذِراعِ البَكرِ
مُدَملكَ الرأس شديدَ الأسرِزادَ على شِبر ونصفِ شِبرِ
كأنني أولجتهُ في جمرِيُطيرُ عنهُ نفيانَ الشَّعرِ
نفيَ شُعورِ الناس يومَ النحرِتَلّهفتْ حينَ نزحتُ بَحري
وأنسلُ منها مُستهلُ القَطرِتدعُو بِوَيلٍ وبحَرّ صَدرِ
قلتُ لها مَهلا فما من عَكرِجئتُ فلن أرجِعَ طولَ الدهرِ
فحملت منه، فماتت بجُمع بعد ذلك، فقال فيها الفرزدق يبكّيها، ويبكي ولدها:
وغمد سلاح قد رُزئتُ فلم أنُحْعليهِ ولم أبعَي عليه البَواكيا
وفي جوفهِ من دارِم ذو حَفيظةٍلو أنّ المنايا أنسأتهُ لَياليا
ولكنّ رَيبَ الدهرِ يعثرُ الفَتىولا يستطيعُ ردّ ما كانَ جائِيا
وكم مثلهِ في مِثلِها قد وضعتهُوما زِلتُ وَيّاباً أجرُ المُخازيا
ولكن وقاني ذو الجلالِ بقُدرةٍشرورَ زواني الناس إذ كنتُ زانيا
فقال جرير يعيره بذلك:
وكم لكَ يا ابنَ القَين قد جاء سائلاًمن ابنِ قَصيرِ الباع مثلُكَ حاملُهْ
أتيتَ بهِ بعدَ العِشاء مُلَفّفاًفألقيتَهُ للذئبِ فالذئبْ آكِلُهْ
وآخرك لا تَشعُرْ بهِ قد أضعتَهُوأودعتَهُ رِحما كثيراً غَوائِلُهْ
قال، وحدثنا أبو عبيدة قال: نكح الفرزدق ظبية بنت دلم بن الهثهاث، من بني مجاشع، بعد نوار،
وبعد ما أسن وكبر، فتركها عند أمها بالبادية، ثم خرج إليها وأنشأ يقول:
لقد طالَ ما أودَعتُ ظبيةَ أمهافهذا أوانٌ فيهِ الودائِعُ
وقال الفرزدق حين أتاهم:
لَعَمرُكَ إنْ ربيّ أتاني على البِلَىبظبيةَ إنّ اللهَ بي لرحيمُ
بمَمكورَة الساقين خَفّاقَةِ الحَشاإلى الزادِ لأياً في الظلامِ تقومُ
وقال حين أراد أن يبني بها:
أبادِرُ شَوّالاً بظبيةَ إننيأتتني بها الأهواء من كل جانبِ
بمالئَةِ الحِجلَين لو أنّ ميتاًوإنْ كانَ في الأكفانِ تحتَ النصائبِ
دَعتهُ لألقَى التربَ عنهُ انتفاضُهُولو كانَ تحتَ الراسياتِ الرواسِبِ
فأبتنى بها الفرزدق، فعجز عنها، فأنشأ يقول:
يا لهفَ نفسي على نَعظٍ فُجِعتُ بهِحينَ التقى الركبُ المَحلوقُ والركبُ
فقال له رجل من بني كور: أعجزت أبا فراس، فوالله إني لأحمل على ذكري جزة صوف. فقال
الفرزدق:
لنِعمَ الأيرُ أيرُكَ يابنَ كُوزٍيُقِلُ جُفالَةَ الكَبشِ الجَزيز
فقال الكوزي: نشدتك الله، وجرير شاهد ذلك، فقال جرير يعيره:
وتقولُ ظبيةُ إذا رأتكَ محُوقِلاًحُوقَ الحمارِ منَ الخَبال الخابِلِ
إنّ البليةَ وهوَ كُلُ بليّةٍشَيخٌ يُعلّلُ عِرسَهُ بالباطِلِ
لو قد علقتُ منَ المُهاجر سُلّماًلَنجوتُ منهُ بالقضاء الفاصِلِ
فقال المهاجر: والله لو أتتني بالملائكة لقضيت للفرزدق عليها.
وحدثنا أبو عبيدة، قال: مر شيخ من بني العنبر بعد تزوج الفرزدق بظبية، بجرير بن الخطفي، فقال
له جرير: أين تريد؟ قال: البصرة. قال: فبّلغ هذه الأبيات الفرزدق:
إنّ الرزيةَ لا رَزيةَ مِثلَهاشيخٌ يُعللُ نفسهُ بالباطلِ
أعجَزتَ عنها إذ أتتكَ بكعثَبٍكالحُقّ أو ضرعٍ المُربّ الحائِلِ
لو كانَ غيركَ يا فرزدقُ أعوَلتْمِن حَرّ طَعنتِهِ بعَولٍ عائِلِ
فأتى بها الفرزدق الشيخ، فقال أبلغه عني:
لو أنّ أمكَ يا جريرُ سألتهَاعندَ العِراكِ لَبيّنتْ للسائِل
لأتتكَ تحملُ فوقَ صدرِ ثيابهِاولداً وقد دخلتْ بِرجلي حائِلِ
قال أبو عبيدة: فلم يزل الفرزدق وجرير يتهاجيان حتى هلك الفرزدق قال أبو عبيدة: فحدثني أيوب
بن كسيب، أخو مسحل بن كسيب بن عمران بن عطاء بن الخطفي، وأمه زيداء بنت جرير، قال:
بينا جرير ابن الخطفي في مجلس بفناء بيته بحجر، إذا نبأ راكب، فلما دنا قال له جرير: من زين
وضح الراكب؟ قال: من العراق. قال: فهل كان من حدث. قال: لا، وإلا أني يوم شخصت، رأيت
جنازة الفرزدق، وسمعت الناس يقولون: هذا النعش نعش الفرزدق. فقال جرير:
هلكَ الفرزدقُ بعدَ ما جَدّعتُهُليتَ الفرزدقُ كان عاشَ قليلا
ثم أسكت ساعة مطرقاً، فظنناه يقرض، فدمعت عيناه، فقال القوم: سبحان الله يا أبا حزرة، ما يبكيك؟
قال: بكيت لنفسي، والله إن بقائي خلافه لقليل، إنه قل ما كان اثنان قرينان، أو مصطحبان، أو
زوجان، إلا كان أمد بينهما قريباً ثم أنشأ يرثي الفرزدق، يقول:
فُجعنا بحَمّال الدّياتِ ابنِ غالِبٍوحامِي تميمٍ عِرضِها والمُراجِمِ
بَكيناكَ حدثانَ الفِراقَ وإنمابَكيناكَ إذ نابتْ أمورُ العَظائِم
فلا حملت بعدَ ابنِ ليلى مَهيرَةٌولا شُدّ أنساعُ المَطيّ الرواسِمِ
وقال أيضاً يرثيه:
لا حمَلتْ بعدَ الفرزدقِ حاملٌولا ذاتُ بَعلٍ مِن نفاسٍ تَعَلّتِ
هوَ الوافِدُ المَحبُوُ والراتقُ الثأيإذا النعلُ يوماً بالعشيرةِ زَلّتِ
وعن غير أبي عبيدة، قال جرير يرثي الفرزدق:
لعمري لقد أشجى تميماً وهَدّهاعلى نكباتِ الدهرِ موتُ الفرزدقِ
عَشيّةَ راحوا للفراقِ بنَعشِهِإلى جَدث في هُوّةِ الأرضِ مُعمَقِ
لقد غادروا في اللحدِ مَن كانَ ينتميإلى كل نجمٍ في السماء مُحلّقِ
ثوى حامِلُ الأثقال عن كلّ مُغرَمٍودامِغُ شَيطانِ الغشومِ السملّقِ
عِمادُ تميمٍ كُلها ولِسانهُاوناطَقُها البذّاخُ في كل منطِقِ
فمن لذوي الأرحامِ بعدَ ابنِ غالِبٍلجِارٍ وعانٍ في السلاسلِ مُوثقِ
ومَن ليتيمٍ بعدَ موتِ ابنِ غالِبٍوأمّ عيالٍ ساغِبينَ ودَردَقِ
ومَن يُطلِقُ الأسرى ومَن يحقِنُ الدّمايَداهُ ويشفي صدرَ حَرّانَ محنَقِ
وكم مِن دَمٍ غالٍ تحمّل ثِقلَهُوكانَ حمولاً في وفاء ومَصدَقِ
وكم حِصنِ جَبّارٍ همُامٍ وسُوقَةٍإذا ما أتى أبوابَهُ لم تُغلّقِ
تُفتّحُ أبوابُ المُلوكِ لوجههِبغير حِجابٍ دونَةُ أو تملّقِ
لتَبك عليه الأنسُ والجِنُ إذ ثوىفتى مُضرٍ في كل غَربٍ ومشرقِ
فتىً عاشَ يبني المجدَ تسعينَ حِجةًوكانَ إلى الخيراتِ والمجد يرتقي
فما ماتَ حتى لم يخُلّفْ وراءهُلحَيّةِ وادٍ صَولَةً غير مُصعَقِ
قال أبو عبيدة: فما غبر جرير بعد الفرزدق إلا قليلاً حتى هلك.
وحدثنا أبو عبيدة قال: حدثني أبو بسطام العدوي من بلعدوية قال: سمعت الفرزدق يقول لمضارب:
أتتني من الخبيث هدية فأنشدنيها. فأنشده فجعل يكني عن بعض ذلك، فقال الفرزدق: ويلك أنشدني
وأوجع، فإني أريد أن أنقض عليه. فأنشده وأوجعه، فاستلقى طويلاً ثم قال: ما له أخزاه الله ما أشعره،
نغترف من بحر واحد، ثم تضطرب ولاؤه عند النهز.
قال، وحدثنا الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، أن بعض الرواة كان يوماً عند جرير، فإذا شيخ
قصير أفحج، قد أقبل حتى اعتقل عنزاً، فشرب لبنها، فقال جرير للرجل: أتدري من هذا؟ قال: لا.
قال: هذا عطية فكيف برجل يريد أن يسامي بني دارم بهذا.
قال: وحدثنا أبو عبيدة، قال: حُدثت أن عطية بن الخطفي بن بدر، لما أنشد قول الفرزدق:
فكيفَ ترى عطيّة حينَ يَلقىرِغاباً هامُهُنّ قُراسِيات
قال: لا! كيف والله! فقال له جرير: اسكت لأحملنك على الذرى منها قال: وحدثنا الأصمعي: أن أم
جرير قالت لجرير عرضتني لهؤلاء الكلاب. قال: اسكتي، قد ارتبطت أعقرهن وحدثنا عمارة بن
عقيل، قال: سمعت أبي يقول: دخل جرير على بعض الخلفاء فقال: ألا تخبرني عن الشعراء؟ قال:
بلى يا أمير المؤمنين، قال: فمن أشعر الناس؟ قال: ابن العشرين. قال: فما رأيك في ابني أبي سلمى؟
قال: نيري الشعر يا أمير المؤمنين. قال: فما تقول في امرئ القيس بن جحر؟ قال: كأن الخبيث اتخذ
الشعر نعلين. وأقسم بالله يا أمير المؤمنين أن لو لحقته لرفعت ذلاذله. قال: فما رأيك في ذي الرمة؟
قال قدر من طريق الشعر وغريبه وحسنه على ما لم يقدر عليه أحد. قال: فما تقول في الأخطل؟
قال: ما أخرج لسان ابن النصرانية ما في صدره من الشعر فقط، حتى مات. قال: فما تقول في
الفرزدق؟ قال: في يديه والله نبعة الشعر قابضاً عليها. قال: فما أبقيت لنفسك شيئاً. قال: بلى، والله يا
أمير المؤمنين إني لأنا مدينة الشعر، التي يخرج منها، ويعود إليها، ولأنا سبّحت الشعر تسبيحاً، ما
سبّحه أحد قبلي. قال: وما التسبيح؟ قال: نسبت فأطريت. وهجوت فأرديت. ومدحت فأسنيت وأرملت
فأغزرت. ورجزت فأنجزت. فأنا قلت ضروب الشعر كله.
قال: وأخبرنا أبو الحسن المدائني، قال: أخبرنا محمد بن عبيد الله القرشي قال: لمّا قدم الفرزدق
المدينة، نزل على الأحوص بن محمد الأنصاري، فقال ما تحب أن يكون قراك؟ قال: شواء رشراش،
ونبيذ سعير، وغناء حسن. قال: ذاك لك. فأدخله على قينة بالمدينة، فأكل وشرب ثم غنته:
ألا حَيّ الديارَ بسُعدَ إنيأحبُ لحُبّ فاطمَةَ الديارا
أرادَ الظاعنونَ ليَحزُنونيفهاجُوا صَدعَ قلبي فاستطارا
فقال: قاتلكم الله يا أهل المدينة ما أرق أشعاركم، وأحسن مناسبكم. فقيل له: هذا شعر جرير في
هجائك. فقال: قاتل الله ابن المراغة، ما أحوجه مع عفته إلى جزالة شعري، وما أحوجني مع فجوري
إلى رقة شعره.
قال، وقال أبو عبيدة: كان المخبّل القريعي أهجى العرب، بلغنا أن نبي الله ﷺ قال:
وإنما هو عذاب يصبه الله على من يشاء من عباده، ثم كان بعده حسان بن ثابت ﵁ ثم
الحطيئة، والفرزدق، وجرير، والأخطل، هؤلاء الستة، الغاية في الهجاء، وفي غيره. لم يكن في
الجاهلية، ولا في الإسلام، لهم نظير. وكان جرير أشدهم تكوّما، لم يمدح أحداً فهجاه. ولم يهج أحداً
قط فمدحه. وكان الفرزدق يمدح الرجل ثم يهجوه. وكان حريصاً، شرها، خسعاً مدح بني منقر، ثم
هجاهم. وهم رهط قيس بن عاصم فأما الهجاء فقوله:
وأهونُ عَيبِ المنقَريّةِ أنهاشديدٌ ببطنِ الحَنظليّ لُصوقُها
وهجا بني نهشل فقال:
إذا تَمّ أيرُ النهشليّ لأمهثلاثة أشبارٍ فقد رَقّ دينُها
وكان يفتخر بهم حيث يقول:
بيتاً زُرارةُ محتَبٍ بِفنائِهِومجاشِعٌ وأبو الفوارسِ نهشلُ
وهجا بني ضبة وهم أخواله ومدحهم.
قال أبو عبيدة: كان راوية الفرزدق رجلا من بني ربيعة بن مالك، وهم الذين يقال لهم ربيعة الجوع.
وله أيضاً راوية يقال له عبيد، كان يروي ما يقول في جرير وغيره، فنحروا جروراً، فسألهم
الفرزدق نسيباً، وكانوا قسموها على ثلاثة أنصبة بدرهم، فأبوا أن يعطوه منها نصيباً، فهجاهم فقال:
إذا ذُكرتْ رَبيعةُ فهيَ خِزيٌلِذكراها بمَجد وأفتِخارِ
فكان عبيد راويته غائباً، فلما قدم، أهدى له ملء صحفة من لحم جزور، فأنشأ يمدحهم فقال:
ربيعةُ خير الناس إنْ عُدّ خَيرهُملهم حَسبٌ زاكٍ وخير فَعالِ
قال أبو عبيدة: وهما بئس الشيخان، وما خلق الله أشأم منهما على قومها، إنهما أخرجا مثالب بني
تميم وعيوبهم، وكانا أعلم الناس بعيوب الناس، والناس يختلفون فيهما، وإنما يتكلمون بالأهواء.
قال أبو عبيدة: إما الرواة، فيقولون الفرزدق أشعرهما. وإما الشعراء، فيقولون جرير أشعرهما. قال أبو عبيدة: وهذا هو عندي
القول.
قال: وكان جرير والفرزدق تحاكما إلى الصلتان العبدي، ففضل الفرزدق بقومه، وفضل جريراً
بشعره، وهو حيث يقول:
أتَتني تميمٌ حيثُ ضلّتْ حُلومُهالأحكم فيها بالذي أنا سامعُ
فيا شاعراً لا شاعرَ اليومَ مثلُهُجريرٌ ولكنْ في كُليب تواضُعُ
ويرفعُ من شعر الفرزدقِ أنهيَنوء ببيتٍ للخَسيسَة رافعِ
فإن يكُ بحرُ الحَنظليّينَ زاخِرافما تستوي حيتانُهُ والضفادعُ
فغضب جرير حين فضل بني مجاشع على بني كليب، ورضي الفرزدق بذلك.
قال أبو عبيدة: وإنما أحبّت قيس جريراً لأنه يفخر بهم، وإنما أحب الفرزدق بنو تميم، لأنه كان
يفخر بهم، ويذكر ما لا يُعرف، فأحبوه لذلك. وقال الفرزدق:
أنا ابنُ خِندف والحامي حَقيقَتهاقد جَعلوا في يميني الشمسَ والقمرا
ولم يجعل الله ذلك لأحد وقال وهو يفخر:
إنّ السماء التي مِن دارِم خُلقَتوالأرضَ كانا لنا دونَ الأعزّاء
وقال أيضاً يفخر بالكذب:
فلو أن أمّ الناسِ حَوّاء حارَبتتميمَ بنَ مُرّ لم تجدْ مَنْ يجُيرُها
وأي جار أعز من الله ﷿، إذا كانوا هكذا.
قال أبو عبيدة: ومن لؤمه أنه كان يتزوج الزنجيات، وكان للفرزدق ابنة يقال لها مكية، وكانت
زنجية وهي التي يقول فيها:
بِدارميّ أمهُ ضَبِيّهصَمَحمَح مثل أبي مَكيّهْ
وهي التي يقول فيها:
يا رُبَ خَوْد مِنْ الزنجتمشي بتَنّور شديدِ الوَهج
أخَثَمَ مثل القَدح الخَلَنجيزدادُ طِيباً بعدَ طُول الهَرج
وقال أبو عبيدة حدثني أبو عمرو بن العلاء، قال: لماقيل له قل لا إله الله قال: قاتل الله الشماخ
حين يقول:
فظلت بمئود كأنّ عُيوناإلى الشمسِ هل تدنُو رَكيٌ نَؤاكزُ
فتخر ... .........
... وقُلتُ لهُ لا تخشَ شيئا ورَائيا
وإنما لهالفرزدق بالزنا وهو ابن ثمانين سنة، وهو سيد تميم من ذلك قوله:
هما دَلّتاني مِن ثمانينَ قامَةًكما أنقَضّ بازٍ أقتَمُ الرّيشِ كاسرِهُ
برجل من بني تميم كان على شرطة البصرة، فلم يزل يُراصده حتى مر إلى مجلسه ثم لم
يزل ... على باب دارها، ومعها جارية لها، وعليه ثوب وشي فقالت الجارية: ... البرد على هذا
الأعرابي ما أحسنه فقال لها الفرزدق: هل لك أن أقبل مولاتك قُبلةالجارية لمولاتها، وما عليك
من هذا الأعرابي الأحمق، فلما تابعته على ذلك قبّلها ودفعاسقيني ماء فاتته بماء في قدح زجاج،
فلما وضعته في يده ألقاه فانكسر، ثم قعدفلما أتى أبصره ببايه فقال: ما يقعدك هاهنا يا أبا فراس،
الك حاجة؟ قال: لا ولكنّي استسقيتفانكسر، فأخذوا بُردي رهناً، فدخل الرجل قشتم أهله، ثم قال:
رُدوا الفرزدق بُرده ... مالك بن عمرو بن تميم وهي على فرش لها قاعدة: فقال لها: أما والله لوددتُ
أني أقيل علىتقيل على كمرة حارة فأخجلته قال وكان الفرزدق أصلع، فمر بجارية فقالت:
برز عن ذكره وقال: الطستُ مع الإبريق بدرهم. قال: وأتى مولى لباهلةيدبغ فيها وكان تُعجبه
الخزيرة فاستطعمه قدحاً من شحم الدباغين فأطعمه إياه فقال:
الأقوامِ قيل لهمعند التساول ايتوا المرء دينارا
ومُفتَخرٌيزينه لا تراهُ يعرفُ العارا
شحم فلم يجده عنده فقال:
... فالعبد عبد وما عبدٌ كأحرار
غدانة بن يربوع فأتاه عطية بن جعال، فطلب إليه فيهم فقال في ذلك:
أبَني غُدانَةَ إنني حَررتُكُمفوَهبتُكُم لعَطيّةَ بنِ جِعالِ
لولا عطيّةُ لاجتَدَعتُ أنوفكُمْمِن بينِ ألأمِ أنُفٍ وسِبالِ
قلو كان أشد الناس بأسا، كان يزيدهم على هذا. قال واتى الفرزدق عمر بن يزيد ... بعلف، فأمر له
بوقر، فغضب فقال:
يا ليتَ بُستانَكَ المُهتَزّ ناعِمُهُأمسَى أيورَ بِغال في البَساتينِ
كَيما تخَيرّ مَنهُ كل فَيشَلَةكَبساء خارِجَةٍ من أوسَطِ الغينِ
يا عُمرَ بنَ يزيدَ إنني رَجُلٌأكوي مِنَ المَسّ أقفاء المجانينِ
قال وزعمت بنو كليب، أنهم لم يُهجوا بشيء أشد عليهم، من قول البعيث:
ألستَ كُليبيّا إذا سيمَ خُطّةًأقرّ كإقرار الحَليلَةِ للبَعَلِ
وكلُ كُليبيّ صَفيحةُ وَجههِأذَلُ لأقدامِ الرجالِ منَ النّعل
وكلُ كُليبيّ يقودُ أتانَهُلهُ حاجةٌ من حيثُ تُثفَرُ بالحبلِ
وزعمت بنو مجاشع، أنهم لم يهجوا بشيء أشد عليهم، من قول جرير:
وبِرَحرَحانَ غَداةَ كُبّلَ مَعبدٌنُكِحَتْ نِساؤكمُ بغيرِ مُهورِ
وقال جرير: ما هُجينا قط بشيء أشد علينا من قول الأخطل:
ما زال فينا رباطُ الخيلِ مُعلَمةًوفي كُليبٍ رِباطُ الذُلَ والعارِ
قومٌ إذا أستنبحَ الأضيافُ كَلبَهُمُقالوا لأمهِمُ بولي على النّارِ
قال جرير لأمه: هجانا من وجوه شتى، أما أحدها فإنه جعل أمنا خادمنا. وأما الثاني فأمرنا إياها ...
من ضيف يتنور بها. والثالث أن تفتح فرجها. والرابع بخل بالقرى وزعم الفرزدق أنه لم يُهج بشيء
قط أشد عليه من قول جرير:
وَدّتْ سُكينَةُ أنّ مسجِدَ قَومِهاكانت سَؤاريهِ أيورِ بِغالِ
قال الفرزدق: فوالله ما دخلت مسجداً قط، إلا ذكرت هذا من قوله، إذا نظرت إلى سؤاريه. قال
الفرزدق:إلا ذكرت قول جرير:
ترى بَرصاً بأسفَلِ إسكتَيهاكَعَنفَقَةٍ الفرزدقِ حينَ شابا
وكانا يتباريان في أشعارهما، فإذا قال هذا بيتاً سائراً، قال هذا مثله. قال وذُكر أن ... بشر بن مروان
وهو بالكوفة، فلما نظر إليه بشر استرجع، فقال: أصلح الله الأمير ممَّ تسترجع؟ ... وأنا منك بين
شرّين إما أن أعطيك مالي، وإما عِرضي، ثم اعتذر إليه وأمر له بثا ...
ومَنْ يجعَلِ المعروفَ مِنْ دونِ عِرضِهِيَفرهُ ومَنْ لا يتّقَ الشّتمَ يُشتَمِ
فقال بشر بن مروان أترونه خرج ساخطاً. قالوا: لو كان ساخطاً ما قبلها ثم دخل ... بشر استرجع،
فقال كقول الفرزدق. فرد عليه بشر مثل رده على الفرزدقالفرزدق وأجازه كجائزة الفرزدق،
فولّى وهو يتمثل بقول الشاعر:
ومَنْ يجعل المعروف من دون عرضهيفره ومن لا يتّقِ الشتم يشتم
قصته وتمثله فعجبت من اتفاقكما. قال وماالأمير ... فقرتنا وأتتنا بشراب، فلما دب النبيذ في
الفرزدق ... فقال إليك عني، فوالله لئن عُدت لأصيحن بالحي. فلما كان ... إليها فصاحت وخرج
مبادراً وأنا معه، فركب راحلتهضحك ثم قال: قاتل الله ابن المراغة، كأنه ينظر إليّ حيث يقول:
وكُنتَ إذا نظلتَ بِدارِ قومرَحلتَ بِخزيَةٍ وتركتَ عارا
تم كتاب النقائض، نقائض جرير والفرزدق، رواية أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيدي، عن
الحسن بن الحسين السكري، عن محمد بن حبيب، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي، ﵏
أجمعين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمدوسلم وتم نساخته بتاريخ اليوم
السابع والعشرين من شهر رجب الفرد الحرام سنة بلغ مقابلة، والله أعلم، والحمد لله رب
العالمين، وصلى الله على سيدنا محمدوسلم ... مع تحريفه وتصحيفه والله أعلم
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع