تجاوز إلى المحتوى

من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)

المنصف للسارق والمسروق منه

قال أبو محمد، الحسن بن علي بن وكيع: أما بعد، حمداً لله والصلاة على رسوله الكريم وعلى آله المصطفين الأخيار الطيبين الأبرار فإِنه وصل إليّ كتابك الجليل الموضع اللطيف الموقع، تذكر إفراط طائفة من متأدبي عصرنا في مدح أبي الطيب المتنبي وتقديمه وتناهيهم في تعظيمه وتفخيمه، وإنهم قد أفنوا في ذلك الأوصاف وتجاوزوا الإِسراف حتى لقد فضلوه على من تقدم عصرة عصره وأبرّ على قدرة قدره وذكرت أن القوم شغلهم التقليد فيه عن تأمل معانيه فما ترى من يجوز عليه جهل الصواب في معنى ولا إعراب، وذكرت أنهم لم يكتفوا

بذلك حتى نفوا عنه ما لا يسلم فحول الشعراء من المحدثين والقدماء منه، فقالوا: ليس له معنى نادر ولا مثل سائر إلا وهو من نتائج فكره وأبوا عذره وكان بجميع ذلك مبتدعاً ولم يكن متّتبعاً ولا كان لشيء من معانيه سارقاً بل كان إلى جميعها سابقاً فادعوا ذلك ما ادعاه لنفسه على طريق التناهي في مدحها لا على وجه الصدق عليها فقال:

أنا السابقُ الهادي إلى ما أقولُهُإذا القولُ قَبْلَ القائلينَ مَقُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

وهذا تناه ومبالغة منه كاذبة، وقد يأتي الشاعر بضد الحقائق، ويتناهى في الوصف وهو غير صادق وذكرت أنك عارضت دعواهم بأبيات وجدتها في شعره مسروقات فادعوا فيها اتفاق الخواطر ومواردة شاعر لشاعر واحتجوا عليك بامرئ القيس في قوله:

وُقُوفاً بها صَحْبي عليَّ مطّيهُميقُولونَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجمَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فوافق خاطره خاطر طرفة في قوله:

وُقُوفاً بها صَحْبي عليَّ مطَّيهُميقُولونَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَّلدِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وأحببت إنهاء ما عندي إليك غير متحيَّف لك ولا عليك.

قال أبو محمد: فأقول والله الموفق للصواب:

إن القوم لم يصفوا من

أبي الطيب إلا فاضلاً، ولم يشهروا بالتفريط منه خاملاً بل فضلوا شاعراً مجيداً وبليغاً سديداً ليس شعره بالصعب المتكلّف ولا اللين المستضعف بل هو بين الرقة والجزالة، وفوق التقصير ودون الإِطالة، كثير الفصول قليل الفضول لكنه بعد هذا لا يستحق التقديم على من هو أقدم منه عصراً وأحسن شعراً كأبي تمام والبحتري وأشباههما فإني لا أزال أرى من منحلي الأدب من يعارض شعريهما بشعره، ويزن قدريهما بقدره من غير انتقاء للشعر، أستعمل فيه كدّ فكره ولا استقصاء نظره وإنما قلد الخطوة الرافعة والشهرة الذائعة، والنفوس مولعة بالاستبدال، والنقل لهجة بالاستطراف والملل ولكل جديد لذة فلما كان شعره أَجدَّ فيهم عهداً كانوا له أشدَّ وِدّاً، وهبنا أغضبنا لهم عن تفضيلهم إياه على من لا يشق غباره ولا يعشر مقداره مع علمنا في ذلك أن مذهبهم أوضح فساداً من أن تطلب لهم المعارضة أو تتكلف من أجلهم المناقضة فكيف بالإِغضاء عن نفيهم عنه ما لا يسلم منه بدوي أو حضري جاهلي أَمْ إسلامي من استعارة الألفاظ النادرة أو الأمثال السائرة وإذا كانت الألفاظ مستعملة في أشعار جميع الناظمين من القدماء والمحدثين وسلمنا لهم نفيهم عن أبي الطيب ذلك كنا قد سلمنا لهم أنه أفضل أهل الشعر في كل أوانٍ وعصر، وهذه دعوى لا بد من كشف أسرارها وإظهارها وهي بالعناية أولى من الأولى لأن تلك دعوى خصّت طائفة وهذه تعم جميع القائلين من الأولين والآخرين ولقد ادعى قائلها إفكاً واسعاً وظل للحق فيها دافعاً، لأنه ادعى وقوع جميع الشعراء فما سلم أبو الطيب منه، وفقرهم إلى ما غني عنه وهذه تتجاوز الصفات وتكاد تشبه المعجزات ولو علم صدقها أبو الطيب من نفسه لجعلها آية له عند تنبيئه ودلالة على صحة

ما ادعاه من نبوته يتحدى بها أنها دعوته. أو لم يسمع الباقون عنه أخذ الكلام من النثر والنظام قول الفرزدق:) نحن معاشر الشعراء أسرق من الصاغة (أو ما سمعوا من قول الحكماء:) من العبارة حسن الاستعارة (. وما شيء بأعجب من وقوع جملة الشعراء في أمر يشترك فيه قديمهم ومحدثهم من استعارة الألفاظ والمعاني على مرّ الزمن بتحكيك الفحول منهم الشعر وتنقيتهم إياه حتى إنهم يسمون قصائدهم الحوليات لأنهم كانوا يعيدون فيها النظر حولاً قبل ظهورها، فلم يعصمهم طول النظر وكدّ الخواطر والفكر من أن يلمَ بعضهم بكلام بعض ثم لا يرضى مقرض أبي الطيب حتى يدعي له السلامة الكاملة من عيبٍ لم يتكامل في أحد قط تكامله فيه وأتى له بالسلامة من ذلك، وقد جاء على ساقة أهل الشعر بعد استيلاء الناس على حلو الكلام ومرّه ونفعه وضره، وهذا الظلم الواضح الفاضح وسأدلُ أولاً على استعمال القدماء والمحدثين أخذ المعاني والألفاظ ثم

أعود إلى تنخل شعر أبي الطيب ومعانيه وإثبات ما أجده فيه من مسروقات قوافيه التي لا يمكن فيها اتفاق الخواطر ولا تساوي الضمائر لأن ذلك يسوغ في النزر القليل ويمتنع في المتواتر الكثير وسأنْصفه في كل ذلك فما أستحقه على قائله سلّمتهُ إليه وما قصر فيه لم أدع التنبيه عليه لئلاّ يظن بنا الناظر في كتابنا خوراً في قصد أو تقصيراً في نقد وذلك يلزمنا إلحاق ما فيه عيب غير السرقة بالمسروق خوفاً من أن يقول قائل قد تجاوز عن أشياء من الغثاثات واللحون والمحالات كانت أولى من الذكر للمسارقات، هذا إن لم يعبر عنا بالغفلة عنها إلا لتجاوز لها وينبغي إذا عملنا على تسليم ما له من السرقات إليه وردّ المقصّر منها عليه، إن أثبت لك وجوه السرقات محمودها ومذمومها وصحيحها وسقيمها وأعرّفك ما يوجب للسارق الفضيلة وما يلحقه الرذيلة ليكون ما نورده له وعليه مقيساً على أُسٍ قد أحكمناه ونهج قد أوضحناه وما غرضنا في ذلك الطعن على فاضل ولا التعصب لقائل وإنما غرضنا إفادتك ما استدعيناه وكفايتك الفحص عما استكفيناه لتظهر على خصمك وتزداد قوة في علمك، وبالله نستعين وعليه نتوكل وهو حسبنا ونعم الوكيل.

هذا باب تفسير وجوه السرقات

اعلم وفقنا الله وإياك للسداد، وقرن أمرك بالرشاد، أن مرور الأيام قد أنفد الكلام فلم يبق لمتقدم على متأخر فضلاً إلا سبق إليه واستولى عليه فأحذق شعرائنا من يخطي المنظوم إلى المنثور لأن المعاني المستجادة والحكم المستفادة إذا وردت منثورة كانت كالنوادر الشاردة وليس لها شهرة المنظوم السائر على ألسنة الراوين كالمحفوظ على قائله كالتدوين فالعارف بأخذ المنثور قليل والجاهل به كثير وقد نفى قائل الحكم المنثورة لسارقها من فضيلة النظم ما يزيد في رونق

مائها وبهجة روائها فهي كالحسناء العاطلة حليها في نظامها فإذا حلاها النظم نسبت إلى السارق واستخفت على السابق والمعنى اللطيف في اللفظ الشريف كالحسناء الحالية، فقد استوفى بالنظام غاية الحسن والتمام فقد فاز قائلها بالحظين واستولى على الفضلين فلا يشركه السارق في فضلته ولا البارع في براعته إلا بوجوه أنا ذاكرها وهي عشرة أوجه: الأول من ذلك: استيفاء اللفظ الطويل في الموجز القليل.

والثاني: نقل اللفظ الرّذل إلى الرصين الجزل.

والثالث: نقل ما قبح مبناه دون معناه إلى ما حسن مبناه ومعناه.

والرابع: عكس ما يصير بالعكي هجاء بعد أن كان ثناء.

والخامس: استخراج معنىً من معنى احتذى عليه وإنْ فارقَ ما قصدَ به إليه.

والسادس: توليد كلام من كلام لفظهما مفترق ومعناهما متفق.

والسابع: توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات.

والثامن: مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام حتى لا يزيد نظام على نظام وإن كان الأول أحق به لأنه ابتدع والثاني أتبع.

والتاسع: مماثله السارق المسروق منه في كلامه بزيادة في المعنى ما هو من تمامه.

والعاشر: رجحان السارق على المسروق منه بزيادة لفظة على لفظ من أخذ عنه.

فهذه وجوه تغفر ذنب سرقته وتدل على فطنته فأما استيفاء اللفظ الطويل في الموجز القليل كقول طرفة:

أرى قَبْرَ نحّامٍ بخيل بمالهِكَقْبرِ غويّ في البطالة مُفْسِدُ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

اختصره ابن الزيعري فقال:

والعطَّياتُ خِساسٌ بينناوسواءٌ قَبرُ مُثْرٍ وَمُقِلْ

فَقَدْ شغلَ صدر البيت معنىً، وجاء بيت طرفة في عجز بيتٍ أقصر منه بمعنى لائح ولفظ واضح ومن ذلك قول بشار بن برد:

مَنْ راقَبَ النَّاسَ لمْ يظفر بحاجتهِوفازَ بالطَّيبات الفاتِكُ اللَّهيجُ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»

أخذه سَلَمُ الخاسر فقال:

مَنْ راقبَ النَّاس ماتَ غماًوفازَ باللذة الجسور
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «من راقب الناس مات غما»

فلما سمع بشار هذا البيت قال: يعمد إلى معاني التي أسهرت فيها ليلي وأتعبت فيها فكري فيكسوها لفظاً أخف من لفظي فيروى شعره ويترك شعري والله لا أكلت اليوم ولا صمت. ومن ذلك قول أبي تمام يصف قصيدة:

يراها عياناً مَنْ يراها بسمعهويَدنْو إليها ذو الحجى وهْوَ شاسِعُ
يَودّ وداداً أنَّ أعضاءَ جِسْمِهإذا أنشدتَ شوقاً إليها مسامِعُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألا صنع البين الذي هو صانع»

سمعه الثاني وهو للأخيطل في رواية ابن قتيبة في بعض القيان. فقال:

جاءتْ بوجهٍ كأنَّهُ قمرعلى قوامٍ كأنَّهُ غُصُنُ
للشاعر جعفر بن محمد بن حذار، من قصيدة «جاءت بوجه كأنه قمر»
حتى إذا ما استقرَّ مجلسُناوصار في حِجْرها لها وثنُ
غنّتْ، فلم تَبْق فيَّ جارحةٌإلاّ تَمنيتُ أنها أذُنُ

فأخذ بيت أبي تمام بلفظ قد استوفى طويله في أحسن نظامٍ وأوفى تمامٍ فهذا أول الأقسام.

ويلي ذلك الثاني: وهو نقل اللفظ الرذل إلى الرصين الجزل. منه قول العباس بن الأحنف:

زعموا لي أنها صارت تُحّمْابتلى الله بهذا مَنْ زَعمْ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «زعموا لي أنها صارت تحم»
اشتكت أكمل ما كانت كمايَشْتكي البدرُ إذا ما قيل تَمْ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «زعموا لي أنها صارت تحم»

هذا معنى لطيف أخذه ابن المعتز فقال:

طوى عارضُ الحمَّى سَناهُ مخالاوألبسه ثوبُ السَّقام هُزالا
كذا البدر محتوم عليه إذا انتهىإلى غايةٍ في الحسن صار هلالا

ومنه قول أبي العتاهية:

مَوتُ بَعْضِ الناس في الأرْضِ على بعض فُتوحُ
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «خانك الطرف الطموح»

معناه لطيف، ولفظه ضعيف،

قال بعض الأعراب:

لا تكنْ محتقراً شأن امرئٍربّما كانت من الشأن شؤونُ
رُبّما قَرّتْ عُيونٌ بشبحيمُرْمُضٍ قَدْ سَخنتْ منهُ عيونُ

أخذه أبو تمام فحول صيغته فقال:

وحُسْنُ مُنقلب تَبْدو وعواقُبُهجَاءتْ بشاشَتُهُ مِنْ قبح مُنْقلب

فهذا مثال كاف.

القسم الثالث: نقل ما قبح مبناه دون معناه إلى ما حسن مبناه ومعناه من ذلك قول أبي نواس:

بُحّ صوتُ المالِ مامِنك يَشكو ويصيحُ
ما لهذا آخذفوق يَديْه أو نَصِيحُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «غرد الديك الصدوح»

معناه صحيح ولفظه قبيح، أخذه مسلم فقال:

تَظلّم المالُ والأعداءُ مِنْ يَدِهِلا زالَ للمالِ والأعْداء ظلاّما
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «طيف الخيال حمدنا منك إلماما»

فجود الصنعة وجميع بين تظلمين كريمين ودعا للممدوح بدوام ظلمه للمال والأعداء، وكل ذلك مليح جزل، نقل من ضعيف المبنى. وقال أبو العتاهية:

كأنَّها في حسنها دُرّةٌأخْرجها اليّمُّ إلى السَّاحلِ

شبهها بالدرة بياضاً وحسناً ثم إن بقية البيت حشو، لأنها إذا خرجت إلى

الساحل أو غابت في اللج فليس ذلك بزائد في حسنها، والذي قال بشار من هذا أحسن، وذلك:

تُلقي بتسبيحةٍ من حُسْن ما خُلقتوتستقرُّ حَشى الرَّائي بإِرعَادِ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا للرجال أمن شخص بأجياد»
كأنّما خُلقتْ في قِشْرِ لُؤلؤةٍفكلُّ أكتافها وَجْهٌ بِمرصادِ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا للرجال أمن شخص بأجياد»

وقد أخذ التشبيه البحتري فقال وجودّه:

إذا نَضونَ شُفوفَ الرَّبط آونةًقَشرْنَ من لُؤلُؤ البحرينِ أصْدافَا

هذا لفظ سديد ومعنى مفيد لا يفضل لفظه عن معناه.

القسم الرابع: عكس ما يصير بالعكس ثناء بعد أن كان هجاء، منه قول البلاذري:

قَدْ يرفعُ المرء اللئيمَ حجابُهضعة ودونَ العرف مِنْه حِجَابُ
للشاعر البلاذري، اقرأ القصيدة

وقال البحتري:

وإنْ يحل بَيننا الحجاب فَلنْيحجبَ عنّا آلاَءَهُ حُجُبهْ

ومثله:

إنْ يحتجَب شخصُك عَنْ أعْيُنٍعَنْك فَما جُودك بالمحتجِبِ

ومثله لابن الرومي:

ما شئت مِنْ مالٍ حِمىًيأوي إلى عِرْضٍ مباح
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لولا عبيد الله قلت ولم أخف رهق الجناح»

معكوسة قوله:

هو المرءُ أمّا ماله فمحلَّلٌلِعافٍ، وأمّا عِرْضُهُ فمحرَّمُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خصيم الليالي والغواني مظلم»

وهذا مثال كاف.

القسم الخامس: استخراج معنىً من معنىً احتذى عليه وإنْ فارق ما قصد به إليه، منه قول أبي نواس في الخمر:

لا ينزلُ الليل حيثُ حلَّتْفليلُ شُرَّابِها نَهارُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أعطتك ريحانها العقار»

احتذى عليه البحتري وفارق مقصد أبي نواس فجعله في محبوب فقال:

غابَ دُجاها، وأيُ لَيلٍيَدْجُو عَليْنا وأَنْتَ بَدْرُ؟
للشاعر البحتري، من قصيدة «مني وصل ومنك هجر»

ومثله قول أبي نواس:

مِنْ شُراب كأنَّه كلَ شيءٍيَتمنَّى مخَّيرٌ أن يكُونَا

احتذى عليه حبيب في صفة ممدوح فقال:

فَلَوْ صَوَّرْتَ نَفْسَكَ لم تَزدْهاعلى ما فِيك مِنْ كَرمِ الطباع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»

قوله:) صَوَّرتَ نَفْسك (يشبه قول أبي نواس) مخيَّرٌ (في المعنى ومثل ذلك قول أبي تمام:

كَريمٌ متى أمْدحْهُ أمْدَحْهُ والورَىمعي، ومَتى ما لمتُهُ لمتهُ وَحْدي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»

احتذى عليه المتأخر في محبوب فقال:

وإذا شَكوتُك لمْ أجدْ لي مسعداًورُميتُ فيما قُلتُ بالبُهتانِ

فهذا مثال من هذا القسم كاف.

القسم السادس: توليد كلام من كلام لفظهما مفترق ومعناهما متفق، هذا من أدل الأقسام على فطنة الشاعر لأنّه جرّد لفظه من لفظ من أخذ منه وهو معناه متفق معه. من ذلك قول أبي تمام:

لأمْرٍ عَليهمْ أنْ تَتّمَّ صُدورهوليسَ عَليهمْ أنْ تَتِّمَّ عَواقِبُهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»

أخذه من قول بعض الحرب أنشد) نيه (أبي ﵀ قال: أنشدنا أبو بكر بن دريد عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه:

غُلامُ وغى تَقَحَّمها فَأودىوقَدْ طحنته مراده طحُونُ
فإِن على الفتى الإِقدامُ فيهاوَليسَ عليه ما جَنت المَنُونُ

المعنى متفق واللفظ مفترق وهذا المذهب دقة فطنة السارق ومثل قول أبي نواس في محبوب أعرض عنه ببعض وجهه:

يا قمر النصفِ مِنْ شَهرِناأبدى ضياء لثمانٍ بقينْ

أخذه من قيس بن الخطيم في قوله:

تَصدّتْ لنا كالشمسِ تَحْتَ غَمامةٍبدا حاجبٌ مِنْها وضنّتْ بِحاجبِ

القسم السابع: في توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات، هذا من أشد باب وأقله وجوداً وإنما قل وجوده لأنه من أحق ما أستعمل فيه الشاعر فطنته وكدّ فيه فكرته، فمنه قول أبي نواس:

واسْقينها من كُميتٍتَدعُ اللْيلَ نَهارا

فاشتق من ذلك:

لا يَنزلُ الليلُ حَيثُ حَلّتْفَليلُ شُرّابِها نَهارُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أعطتك ريحانها العقار»

وقال:

قال:) ابغني المصباحَ (قُلتُ لَهُ: ...) أتئدْ حَسْبي وحسبُك ضَوؤُها مِصْباحَا (

فسكْبتُ مِنْها في الزُّجاجة شُرْبةًكَانتْ لَهُ حَتَّى الصَّباحِ صَباحَا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا»

وكل هذه متقاربات وألفاظ مناسبات بمولد بعضها من بعض ومثل ذلك لغيره:

كأنَّ كؤوسَ الشرب والليلُ مُظلمٌوجوهُ عذارى في ملاحفٍ سود

أشتق منه ابن المعتز وقال:

وأرى الثرّيا في أسماء كأنَّهاقَدمٌ تَبدّتْ مِنْ ثِيابِ حِدادِ

فهذا مثال في هذا القسم كاف.

القسم الثامن: مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام حتى لا يزيد نظام على نظام وإن كان أحق به لأنه أبتدع والثاني أتبع. من ذلك قول العكوك في فرس:

مُطردُ يرتّجّ مِنْ أَقطارِهِكالماء جالتْ فيهِ ريح فأضطرب

فذكر ارتجاجه ولم يذكر سكوته فأخذه ابن المعتز فقال:

فكأنّهُ مَوْجٌ يَذوبُ إذاأطْلقتهُ وإذا حَبستَ جَمَدْ

فجمع بين الصفتين، وقول ديك الجن:

مُشعْشعةٌ مِنْ كَفَّ ظبيٍ كأنَّماتناولها من خَدِّهِ فأدارها

أخذه ابن المعتز فقال:

كأنّ سُلافَ الخمر من ماء خَدّهِوعُنقودَها من شعره الجَعْدِ يُقْطَفُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قويت على الهجران حتى مللتني»

فزاد في ذلك تشبيهاً آخر في الشعر وهو من تمام المعنى ومثله:

كأنَّ سقوطَ الدَّمع في وَجَناتِهسقيطُ الندى أوْفى على ورَق الورْدِ

أخذه ابن الرومي فقال:

كأنَّ تلكَ الدموع قطر نَدىيُقطرُ مِنْ نَرجسٍ على وَردِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما يوم بين الحبيب بالسعد»

فجاء بتشبيهين حسنين وزاد في المعنى ما هو من تمامه، ومثله قول البحتري في بركة:

إذا عَلَتْها الصَّبَا أبْدَتْ لها حُبُكاًمِثْلَ الجَواشنِ مَصْقولاً حَواشِيها
للشاعر البحتري، من قصيدة «ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها»

أخذه بعض المحدثين فقال:

إذا ما الريح هَبّتْ قلتُ: دَرْعُوإنْ سكَنتْ فمرآةٌ صَقِيلُ

فزاد عليه في إيراد المعنيين والجمع بين الصفتين.

القسم التاسع: مماثله السارق المسروق منه في كلامه بزيادة في المعنى ما هو من تمامه، فمن ذلك قول أبي حيّة النميري:

فَألقتْ قناعاً دُونَه الشمس واتّقتْبأحسن موصولين: كَفّ ومعصمِ

أخذه من النابغة في قوله:

سَقَطَ النصيفُ ولمْ تُرِدْ إِسقاطهُفتناوَلَتْهُ وأتقتنا باليَدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

فلم يزد النابغة على إخبارنا بإِبقائها بيدها وزاد عليه أبو حية بقوله:) دونه الشمس (وخبر عن المتقى بأحسن خبر فأستحقه، وقال الخريمي:

همامٌ عطاياُ بِدورٌ طوالعُعلى آمليهِ في سوادِ المطالبِ

أخذه أبو تمام فقال:

وأحسنُ مِنْ نَورٍ تُفتّحهُ الصَّبابياض العَطايا في سوادِ المطالبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

فملح وخفى وقال بشار:

وَلَقَدْ جَريتُ مَع الهوى طلقَ الهوىثُمَّ انثنيتُ فلم أَجدْ لي مَركضا

أخذه أبو نواس فقال:

جَريتُ مع الصِّبا طَلْقَ الجُموحِوهانَ عليّ مأَثور القبيح
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «جريت مع الصبا طلق الجموح»

فطلق الجموح أشعر من طلق الهوى ولم يخبر بأنه ارعوى ولم يجد مركضاً، وتمم بيته بخبر ثان يليق بالأول.

وهذا مثال كاف.

القسم العاشر: رجحان السارق على المسروق منه بزيادة لفظة على لفظ من أخذ عنه، من ذلك قول حسان بن ثابت:

إِنْ كُنت كاذبةَ الذي حَدّثتنيفَنجوْتِ مَنْجى الحارث بن هشام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تبلت فؤادك في المنام خريدة»
تَركَ الأحِبّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونهمْوَنجا برأسِ طِمّرة وَلِجام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تبلت فؤادك في المنام خريدة»

أخذهُ حبيب فقال:

وَنَجا ابن خَائنةِ البُعُولة لَوْ نَجَابِمُهفهف الكشحينِ والآطالِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «آلت أمور الشرك شر مآل»

وبينا ذلك على أن البيت لجميل، حكى الزبير بن بكار بإِسناد ذكره، أنَّ طلحة بن عبد الله قال: أتى كثير الفرزدق فقال الفرزدق: يا أبا صخر أنت أنسب العرب حيث تقول:

أُريد لأنسى ذكرها فكأنَّماتمثلُ لي لَيلى بكلّ سَبيل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألا حييا ليلى أجد رحيلي»

فقال له: وأنت يا أبا فراس أفخر العرب حيث تقول:

تَرى الناس ما سِرْنَا يَسيرونَ خَلْفَناوإِنْ نَحْنُ أوْمأنا إِلى الناس وَقَّفُوا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ومنا الذي لا ينطق الناس عنده»

والبيتان جميعاً لجميل سرقه الفرزدق واحداً وكثير الآخر، فقال له: ما أشبه شعرك بشعري، أفكانت أمك أتت البصرة، قال: لا، ولكن أبي كثيراً ما يردها وينزل في بني دارم. قال طلحة: فعجبت من جواب كثير، وما رأيت قط أحداً أحمق منه، ولقد دخلت عليه في نفر من قريش وكنا كثيراً ما نهزأ به وكان يتشيع تشيعاً مفرطاً، فقلنا له وهو مريض: كيف نجدك يا أبا صخر؟ قال: بخير. فقال: هل سمعتم الناس يقولون شيئاً، قلنا: يقولون إنك الدّجال، قال: لأن قالوا أني لأجد في عيني ضعفاً منذ أيام.

وقد أريناك مثالاً من هذا القسم كافياً.

القسم الثالث: نقل ما حسن مبناه ومعناه إلى ما قبح مبناه ومعناه من ذلك قول امرئ القيس:

ألمْ تَرياني كُلَّمّا جئت طارقاًوَجدتُ بها طيباً وإنْ لمْ تَطّيبِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

فأتى بما لم يعلم وجوده في البشر من وجود طيب ممن لم يمس طيباً وجاء بمراده في بيت حسن النظام مستوفي التمام. أخذه كثير فطول وضمن وقصر غاية التقصير فقال:

فَما روضةٌ بالحزنِ مُعشبة الربىيَمُجُّ الندى جَثحاثُها وعرارُها
بأطيب من أردانِ عَزَّةَ موهناًوَقَدْ أُوقدتْ بالمندلِ الرطبِ نارُها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وإني لأسمو بالوصال إلى التي»

فأخبر أن أردانها إذا تبخرت كالروضة في طيبها وذلك ما لا يعدم في أسهل البشر جسماً وأقلهم تنظفاً. وقال الآخر:

وريحها أطيب من طِيبهاوالطيب فيه المِسكُ والعَنبرُ

وقال بشار:

وإذا أدنيتَ بصلاًغَلب المسكُ على ريحِ البصلِ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن سلمى خلقت من قصب»

فهذا غير اللفظ الوضيع النائي عن سمع السميع: وفي هذا كفاية من هذا القسم.

القسم الرابع: عكس ما يصير بالعكس هجاء بعد أن كان ثناءً كقول أبي نواس:

فهو بالمال جوادٌوهو بالعرْض شَحيحُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «غرد الديك الصدوح»

عكسه ابن الرومي فقال:

مَا شِئتَ من مالٍ حمىًيَأوي إلى عِرضٍ مُباح
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لولا عبيد الله قلت ولم أخف رهق الجناح»

وكقول حسان بن ثابت:

بيضُ الوُجوه، كَريمةٌ أحسابهمشمُ الأنوفِ مِنْ الطرازِ الأَول
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

عكسه ابن أبي فنن فقال:

ذَهَبَ الزمانُ بِرَهْطِ حَسّان الأُولىكانَتْ مَناقِبهمْ حَديثُ الغابرِ
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
وَبقيتُ في خَلِفٍ تحلُّ ضيوفُهمْفِيهمْ بمنزلةِ اللئيم الغادرِ
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
سُودُ الوجوهِ لئيمةٌ أحسَابِهمْفُطَسْ الأُنوفِ مِن الطرازِ الآخرِ
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

وهذا مثال كاف.

ويليه القسم الخامس: نقل ما حسنت أوزانه وقوافيه إلى ما قبح ونقل على لسان راويه، فمن ذلك قول أبي نواس:

دعْ عنكَ لومي فإنَ اللْومَ إِغراءُودَاوني بالتي كانتْ هِي الداءُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع عنك لومي فإن اللوم إغراء»

فأبو نواس زجر عذوله عن لومه بألطف كلام وأفاد صدر بيته إغراء الملوم المحب بالحب، وشغل عجزه بمعنى آخر بكلام رطب ولفظ عذب، أخذه أبو تمام فقال:

قَدْكَ أتِئبْ أربيتَ في الغُلواءِكَمْ تَعْذِلونَ وأَنتُم سُجَرائي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قدك اتئب أربيت في الغلواء»

فزجر عذوله بصعود من الكلام وجذور يصعب على راويه ويقبح صدره وقوافيه ومثله قول مسلم:

قَدْ أَولعتْهُ بِطول الهَجْر غِرَّتهُلوْ كَانَ يَعلمُ طول الهجَرْ ما هَجَرَا
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «يا ليلة نلت فيها اللهو والوطرا»

أخذه أبو تمام فقال:

كُشِفَ الغِطاءُ فأَوقِدِي أو فأَخمديلَمْ تَكْمدِي فَظنَنْتِ أنْ لمْ تَكْمدي

فهذا مثال من هذا القسم كاف ويليه:

القسم السادس: حذف الشاعر من كلامه ما هو من تمامه منْ ذلك قول عنترة:

فإِذا سَكرتُ فإِنني مُستهلكُمَالي وعرضي وافرٌ لم يُكْلم
وإذا صَحوتُ فما أقصر عن ندىًوكما علمت شمائلي وتكرَّمي
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

أخذه حسان فقال:

وَنَشْربُها فَتتركُنا مُلُوكاًوأَسداً ما يُنهِنهُنَا اللقَاءُ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «عفت ذات الأصابع فالجواء»

فوفى عنترة الصحو والسكر صفتيهما، وأفرد حسان الإِخبار عن حال سكرهم دون صحوهم فقبض ما هو من تمام المعنى لأنه قد تمكن أن يظنَ ظانٍ بهم البخل والجبن إذا صحوا لأن من شأن الخمر تسخيته البخيل وتشجيع الجبان، ومن ذلك قول امرئ القيس:

نَظرتْ إِليكَ بعينٍ جَازئةٍحَوراء حانيةٍ عَلى طِفْلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «حي الحمول بجانب العزل»

أخذه المسيب فقال:

نَظَرتْ إِليكَ بعينِ جازئةٍفي ظِلّ بَاردةٍ من السّدْرِ
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أصرمت حبل الوصل من فتر»

وما يحسن عين الوحشية في ظل السدرة إلا مالها في غير ذلك ولامرئ القيس فضل السبق والحذق وذلك لأنه قال حوراء فأفاد صفة ثم قال: حانية على طفل وفي حنّوها على ولدها ما يكسب نظرها بنزوعها عليه وخوفها معنى لا يوجد عند سكونها وأمنها فقد سرق المعنى المسيب وحذق ما هو من تمام الكلام،

ومن هذا الباب قول أبي نواس:

إذا مَا دَنتْ اللهاةِ من الفتىدعا همّه مِنْ صَدره بِرَحيلِ

أخذه ابن المعتز فقال:

إذا سكنتْ صَدْرُ الفتى زَالَ هَمهُوَطَابتْ لَهُ دُنْياه وأتسعَ الضّنْكُ

فجاء أبو نواس في صفتها بما لا يعلم من فعلها شاربها وذلك أنه علم أنها قبل نزولها إلى صدره وبلوغها قلبه، يزيل همه وما يأتي منها دون اللهاة فهو أول جرعة من كأسها وكل هذا إفراط يحسن مثله في المنظوم، وابن المعتز سرق وخبّر بما لا يجهل من صفتها وفعلها بشاربها لأن في قوله) سكنت (أتساعاً للظّان لأنه يجوز أن يسكن صدره منها الكبير الذي يسكن مثله، وإن عارض معارض، فقال أبو نواس: قال: باطلاً وابن المعتز صدق قلنا له: إنّ الصدق غير ملتمس من الشاعر وإنما المراد منه حسن القول في المبالغة في الوصف والشعر وفي فنون الباطل واللهو أمكن منه فنون الصدق والحق دليل ذلك

شعر حسان في آل جفنة في الجاهلية فإنه كان كثير العيون والفصول، قليل الحشو والفضول، فلما صار إلى الإِسلام طلب طريق الخالق واستعمال اللفظ الصادق فقل تناهيه وضعفت معانيه فهذه بلغة كافية من هذا المثال.

القسم السابع: رجحان كلام المأخوذ عنه على كلام الآخذ منه، من ذلك قول عدي بن زيد:

لَوْ بِغْيرِ الماءِ حَلْقي شَرقٌكُنْتُ كالغْصّان بالماءِ اعْتصارِي
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

أخذه النامي فقال:

غُصِصْتُ مِنْكَ بما لمْ يَدْفَعُ الماءُوصحَّ هَجْرُكَ حَتَّى مَا بهِ دَاءُ

فأتى بمعنى عدي بن زيد في صدر بيته وأتى في عجزه بمعنى آخر بلفظ فائق ومعنى رائق، ومن ذلك قول مسلم:

أما الهجاء فَدَّق عِرضُكَ دُونَهوالمدحُ عَنْكَ كَما علمتُ جَليلُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أما الهجاء فدق عرضك دونه»
فأذهب فأنتَ عتيقُ عِرضك إنهعِرضٌ عَززتَ به وأنت ذَليلُ

أخذه أبو تمام فقال:

قالَ لي النَّاصحونَ وَهْوَ مِقَالٌذَمُ منْ كانَ جاهلاً إطراءُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل لعبدون أين ذاك الحياء»
صَدقُوا في الهجاء رِفعةُ أقوامٍ طغامٍ فليس عندي هِجاءُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل لعبدون أين ذاك الحياء»

فبين الكلامين لون بعيد، وهذا مثال من هذا القسم.

ويليه القسم الثامن: نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي، من ذلك قول أبي نواس:

بِشَرهمْ قَبْلَ النوالِ اللاحقِكالبرقِ تَبْدو قَبلَ جود دَافِق
والغَيثُ يخفى وقعة لِلوامِقإن لم تجده بدليل البارق

أخذه البحتري فقال:

كَانتْ بَشاشَتُك الأُولى الَّتي ابْتدأتْبِالبشرِ، ثُمَّ اقْتبلنا بَعْدها النِّعما
للشاعر البحتري، من قصيدة «بالله أولي يمينا برة قسما»
كالمُزنِة اسْتُؤنفتْ أولى مُخيلتهاثُمَّ اسْتَهلَّتْ بغرب تابع الدِّيَمَا
للشاعر البحتري، من قصيدة «بالله أولي يمينا برة قسما»

فكلام أبي نواس أخصر وأعذب من كلام البحتري، ومن ذلك قول أبي نواس:

فَتَمّشَّتْ في مَفَاصِلهمْكَتَمشِّي البُرء في السَّقمِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا شقيق النفس من حكم»

فهذا الكلام أكثر ماء وأتم بهاء من قول مسلم إذ يقول:

تَجْري محبتها في قَلْبِ عَاشِقهاجَرْيَ المعافاة في أعْضاء مُنتكسِ

فهذا مثال كاف في هذا القسم.

ويليه

القسم التاسع: نقل ما يصير على التفتيش والانتقاد إلى تقصير أو فساد، من ذلك قول القائل:

وَلَقدْ أروحُ إلى التجّارِ مُرَجَّلاًمَذلاً بِمالي لينَ الأجيادِ

وإنما له جيد واحد وهذا يجوز عند بعض العرب وعند آخرين غير حميد ولا سديد، وقال آخر:

لما تَحاملت الخمُول حسبتهادوماً بأَيْلة ناعماً مَكْمُوما

ذكر أن الدوم مكموم وإنما يكمم النحل، فهذا مثال من هذا الباب كاف.

ويليه القسم العاشر: أخذ اللفظ المدعي هو ومعناه معاً، هذا القسم أقبح أقسام السرقات وأدناها وأشنعها فمن ذلك قول امرئ القيس:

وُقوفاً بها صحبي عليَّ مطيَّهميَقولون لا تَهلكْ أسىً وتَجَمَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

أخذه طرفة فقال:

وُقوفاً بها صَحبي عليَّ مطيَّهميَقولون لا تهلكْ أسىً وتَجَلَّدِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وقد زعم قوم أن هذا من اتفاق الخواطر وتساوي الضمائر وبازاء هذه الدعوى أن يقال بل سمع: فاتبع. والأمران شائعان والأولى أن يكون ذلك مسروقاً لأنا قد رأينا لهذين الشاعرين ما لم تدع فيه موافقة، وهو قول امرئ القيس:

وعَنْس كألواح الأرانِ نَسأتُهاعلى لاحبٍ كالبُرْد ذي الحِبراتِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «غشيت ديار الحي بالبكرات»

وقال طرفة:

أمُونٍ كألواحِ الأَرَان نسأتهاعلى لاحبٍ كأنه ظَهرُ بُرْجُدِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لِخَوْلَةَ أَطْلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ»

فإن جوزوا أن يكون هذا مسروقاً فذاك مثله ودعوى الاتفاق في البيتين الأولين ينبغي من حاضر صنعة القصيدتين وقت صنعهما شاعراهما فخبر، بأنّ الزمان في قولهما وظهورهما للناس واحد وأن المكان الذي حضرا فيه وحضر معهما واحد وإلا فما يصل دعواه إلى إيضاح برهان كما لا نقطع عليهما نحن ببطلان، ومن ذلك قول الحطيئة:

إذا حُدّثتْ أَنَّ الذي بي قاتِليمِن الحبِّ قَالتْ: ثابِتٌ وَيزيد
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا طرقت هند الهنود وصحبتي»

ُ

سمعه جميل فقال:

إذا قلتُ: ما بي يا بثينةُ قاتليمِن الوَجْدِ قَالتْ: ثَابتٌ ويزيدُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إذا ما شكا ليم إليك مصيبة»

وأظن جنايته على الحطيئة في هذا البيت سهل على الفرزدق وكثير مجاراته بمثل ما فعل فيما أخذ منه مما تقدم ذكره من بيته، ومثل قول مسلم:

يَقُولُ فِي قُومس صَحْبي وَقدْ أخَذتْمِنَّا السُّرى وخُطا المهرَّبة القُودِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يقول في قومس صحبي وقد أخذت»
يقول صَحْبي وَقَدْ جروا على عَجَلٍوالخَيل تَستن بالركبات في اللُجمِ
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنافقلت: كلا، ولكن مطلع الكرم
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «يقول صحبي وقد جدوا على عجل»

أخذه أبو تمام فقال:

يَقُولُ في قَومس صَحْبي وَقَدْ أخَذَتْمِنا السُرَى وخُطا المَهْرَّبة القُودِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يقول في قومس صحبي وقد أخذت»
أمَطْلعَ الشَّمْس تَنوْي أنْ تَؤمَ بنافَقلْتُ: كلا، وَلكنْ مَطْلع الجُودِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يقول في قومس صحبي وقد أخذت»

فهذه سرقة واضحة ودعوى فاضحة،

وروى ابن قتيبة لبعض الأغفال:

أجارةَ بَيْتينا أبُوك عَسُوفُومَيْسورُ ما يُرْجَى لدَيك طَفيفُ
فإِنْ كُنْت لا حِلماً ولا أنتِ زَوْجَة، فَلا بَرَحتْ دُوني لَديك سُجوفُ
وَجَاورتُ قوماً لا يُجاورَ بَينهموَلا وَصْلَ إِلا أَنْ يَكُونَ وُقُوفُ

وذكر أن أبا نواس أخذه منه وما أظن أن أبا نواس يرضى لنفسه مثل هذا وهو لا يعجز عن قول مثل هذا الكلام، وابن قتيبة يذكر أنه لبعض الأغفال وإذا جهل قائله جهل زمانه والأجمل أن يظّن به أنه لمتأخر أخذ من أبي نواس والتأخر فيه بين في شعره، ألا ترى أن الغيرة أشبه ها هنا من العسف وأنّ الميسور مع المعسور أليق بجودة الصنعة من الطفيف فأما سجوف وستور فمتقاربان، وقوله:) ولا وصل إلا أن يكون وقوف (يسود في هذا الموضع أوضح معنى وأجود في الصنعة فكيف يكون من أبي نواس مثل هذا، وهو ينكر من غيره ويستعدي عليه من مثل هذا،

وذلك أنه بلغني أنه كان عند محمد بن زهير صاحب الشرطة يشرب حتى إذا بلغ إلى نهاية من سكره وكان إذا سكر لم يفق إلاّ بإِنشاد الشعر فأمر محمد بن زهير خيار بن محمد الكاتب أن ينشد أبا نواس فأنشده خيار أبياتاً أبو نواس قائلها وادعاها خيار وهي:

صَاحَ ما لي وللرسومِ القِفارِولنعتِ المطّيّ والأكوارِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «صاح ما لي وللرسوم القفار»
شَغَلتني المُدامُ، والقصف عنهاوقراع الطُّنبُورِ والأوتارِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «صاح ما لي وللرسوم القفار»

ومضى في الشعر فوثب أبو نواس فتعلق به وبركا قدام محمد بن زهير وأنشأ يقول:

أعِدْني يا محمدُ بِنْ زهيريا عذابَ اللّصُوصِ والدعارِ
يَسرقُ السارقونَ لَيلاً، وهَذايسرقُ الناس جهرةً بالنهارِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أعدن يا محمد ابن زهير»
صَار شِعْري قَطيعة لخيارِلِم؟ لماذا؟ لِقلة الأشْعارِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أعدن يا محمد ابن زهير»
قل له فليغر على شعر حمادأخي الفتك أو على بَشارِ

فهذا الاستعداء والإِنكار لا يليق بما حكى عنه وما أشبه هذا الخبر بخبر عرفته عن أبي المعافي المزني حين مدح أبا العباس محمد بن محمد بن إبراهيم الإِمام بقوله:

إِليْكَ بِمدحتي يا خَيْرَإِلاَّ رَسُولَ الله مِن تَلدُ النِّساءُ
ستأتيكَ المدائحُ مِنْ رِجالٍوما كَفُّ أصابِعُها سَوَاءُ
للشاعر أبو المعافى المزني، اقرأ القصيدة

فأخذه منه بعض الشعراء فقال:

إليك بمدحتي يا خير إلارَسُولَ الله منْ تَلِد الرجال
شبابيك المدائح من رجالٍكَما أختلفتْ إلى الغرض النبال

فاستعدى عليه أبو المعالي صالح بن إسماعيل وهو على شرطة محمد بن إبراهيم بالمدينة فقال:

ما سارقُ الشِّعْر فيه وَسْمُ صَاحِبهإِلا كسارقِ بيتٍ دُونَهُ غَلَقُ
بَلْ سارِقُ البيْتِ أخْفى حين يَسْرقُهُوالبيتُ يَسْتُرُه من ظُلمةٍ غَسَقُ

قال صالح فما تحب أن أفعل به؟ قال: تحلّفه عند منبر رسول الله ﷺ ألا ينشد هذا الشعر إلاّ لي وقد قال ابن الحاجب في مثل هذا:

أفلا محنة يخبر مِنْ فَاضلنا في القريضِ والمفضولِ
مِحنة تفضحُ اللصوص وَتقضيبالذَي فِيهم قَضى التنزيلَ
سَارقُ المالِ تَقْطعُ الكفّ مِنْهُواللسانُ السروق مِنْها بدليلِ
يَسودُ الذي يحق له السؤدد مِننا ويَرذلُ المرذُولِ

وقد أكثر الشعراء ذم السرقة والسارق، فأول من ذمّ في ما روى طرفة فقال:

وَلا أُغيرُ عَلى الأشعار أسْرقُهاعَنْها غَنيتُ وَشَرُّ النّاس من سَرَقا
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «ولا أغير على الأشعار أسرقها»

وقد ضج أبو تمام من سرقة محمد بن يزيد الأموي شعره فقال:

مَنْ بَنو نجدل من ابن الحُبَابِمنْ بنو تغلب غَداةَ الكُلاب؟
منْ طُفيلُ وعَامِرٌ ومن الحارثُ أم منْ قُتيبةُ ابن شِهابِ
إِنَّما الضَّيغمُ الهَصُورُ أبو الأشبل جَبَّارُ كُلِّ خِيس وَغَابِ
مَنْ غَدَتْ خيلُه على سَرْحشِعْري وهو للحِيْنَ راتعُ في كتابِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «من بنو عامر من ابن الحباب»
غَارةُ اسخنتْ عُيُونَ المعانيواستباحَتْ حُمى الآدابِ
لَوْ تَرى مَنْطقي أسيراً لأصبحت أسِيراً بعبْرةٍ وانتحابِ
يا عَذارى الأشعار صِرْتُنّ بعدي سبايا تُبعن في الأعرابِ
طَالَ رَغبي إليك يا رب يا ربوَرعني إِليكَ فأحفظ ثيابي

وكان البحتري قال قصيدة في العباس بن بسطام أولها:

من قائلُ للزمان، ما أربُهْفي خُلْقٍ مِنه قَدْ خَلا عجبه؟
للشاعر البحتري، من قصيدة «من قائل للزمان ما أربه»

) فعارضه فيها (أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بقصيدة يمدح فيها الموفق أولها:

أجدُّ هذا المقال أمْ لعبهأم صِدْق ما قِيل فيه أمْ أكذبه

فاستعار من ألفاظها ومعانيها ما أوجب أن قال البحتري فيه:

لا الدَّهرُ مُستنفذٌ ولا عَجَبُهْتَسومُنا الخسفَ كُلَّهُ نُوَبُهْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لا الدهر مستنفذ ولا عجبه»
نَالَ الرِّضا مادِحٌ ومُمتدحٌفَقُلْ لِهذا الأمير: ما غَضَبُهْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لا الدهر مستنفذ ولا عجبه»
أحْلى لصوص البلادِ يَطْردُهموظل لِصُّ القريضِ ينَتْهبُه
أردد علينا الذي اسْتعرت وَقُلْقَولكَ يُعْرفْ لغالبٍ غَلَبُهْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لا الدهر مستنفذ ولا عجبه»

فضجّ من سرقة شعره، وقد ذمّ ابن الرومي البحتري بالسرقة فقال:

قُبحاً لأشياءَ يأتي البُحْتريُّ بهامِنْ شِعرهِ الغثّ بَعْدَ الكِدَ والتَّعبِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما أنس لا أنس هندا آخر الحقب»
كأنَّها حين يُصغي السامعون لهاممن يُمَيزُ بين النَّبَعْ والغَربِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما أنس لا أنس هندا آخر الحقب»
رُقى العقارب أو هذر النُباة إذاأضْحُوا على شَعْثِ الجدرانِ في صَخَبِ
سَمِينُ ما مَنحوه مِنْ هُنا وَهُنَاوالغثُّ منه صَريحٌ غيره مؤتشبِ
يُسيء عفّاً، فإنَ ألدتْ مَسائلهأجادَ لِصّاً شَديدُ البأس والكلبِ
حيٌّ يُغِيرُ على الموتى فيسلبُهمحُرَّ الكلام بجيش غير ذي نجبِ
ما إنْ تَزالُ تَراهُ لابساً حُلَلاًأسلاب قومٍ مَضَوا في سالف الحقَبِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما أنس لا أنس هندا آخر الحقب»
شِعْرٌ يُغيرُ عَلَيْه باسِلاً بطلاًوَيشدُ النَّاس إِيَّاهُ على رتبِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما أنس لا أنس هندا آخر الحقب»
حَتّى إذا كَفَّ عَنْ عاداته فَلَهُشِعْرٌ يئن مقاسِيه مِن الوصبِ
شِعْرٌ كنافض حُمى الخمريِّ لَهُبَردٌ وكربٌ فَمنْ يُرويهِ في كَرب؟
قُلْ للعلاء بن عيسى والَّذي نَصَلتْبِه الدَّواهي نُصول الآل في رَجبِ
أيسْرقُ البحتُريُّ النَّاسَ شِعْرهُمجهلاً وأنْتَ نكالُ اللّص ذي الرّيبِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما أنس لا أنس هندا آخر الحقب»
وتارةً تُبرزُ الأَرواحَ مَنْطقُهُفالخلْقُ ما بيْنَ مَقْتولٍ وَمُغتصبِ
تكّلهُ إن أناساً قَبْلهُ ركبُوابِدُون ما قَدْ أتاهُ باسِقَ الخَشَبِ
إذا أجادَ فأوْجبْ قطع مقْولهفَقَدْ دَما شُعراء النَّاس بِالحَربِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما أنس لا أنس هندا آخر الحقب»
وإِنْ أساءَ فأوْجِبْ قَتْلَهُ قَوداًبِمَنْ أفات إذا أبْقى على السَّلبِ

أنظر إلى استساغ ابن الرومي من سرقة البحتري ومطالبه من له قدرة بعقوبته أو قتله عليها وإلى أنس أبي الطيب بها حتى غلبت على شعره والشاعر الذي لم يرض له ابن الرومي إلا بالقتل والصلب، ذكر محمد بن الجراح أنه ذكر له أحمد ابن أبي طاهر أنه أخرج له ستمائة بيت سرقة منها أربع مائة بيت للطائي فافتخر أحمد أنه قدر على إخراج مثل ذلك وأستكثره وشعر البحتري أكثر فليت أبا الطيب رضيّ بمثل هذه العدة من السرقة، ولكنه ظن أنه لا يهتدي إلى استخراج ما قال من السرقة غيره وأنّ سارقُ الشعر يستحقه بالسرقة والبحتري يقول فيه ابن الحاجب:

والفتَى البحتري سَارقُ ما قَال ابن أوسٍ في المدح والتَّشْبيبِ
كلُّ بَيتٍ لَهُ يَجودُ مَعَناهُ فَمعناه لابن أوسٍ حَبيب

فجعل جيد شعره لحبيب وإنما أخذ منه على ما حكى ابن أبي طاهر أربع مائة بيت على كثرة شعر البحتري ولعل أبا الطيب قد أخذ من حبيب هذه العدة أو أكثر،

وقد ذكر أبو بكر الصوليّ: أنّ رجلاً فضل أبا نواس على بشار، قال له أبو بكر: فرددت ذلك عليه وعرفته ما يجهله من فضله وتقدمه جميع المحدثين وأخذهم منه، فقال لأبي نواس معان قد سبق إليها وتفرد بها، فقلت له: ما منها، فذكر أشياء فجعلت كلّ ما منها، فذكر أشياء، فجعلت كلّ ما أنشد جئته بأصله فكان من ذلك قوله:

إِذا نَحنُ أَثْنينا عليك بِصالحٍفأَنْتَ كما نُثني وَفوق الذي نُثْني
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ملكت على طير السعادة واليمن»
وإِنْ جرت الألفاظُ يوماً بِمدْحةٍلغيرِكَ إِنْساناً فأَنْتَ الذي نَعْنِي

فقلت أما البيت الأول فمن قول الخنساء:

وَما بَلغَ المهْدُون في القولِ مِدْحةًوَلا صَدقُوا إِلاَّ الَّذي فِيكَ أفْضَلُ

ومن قول عدي الرقاع العاملي:

أُثنى فلا آلو وأعلمُ أنّهُفَوْقَ الذي أُثْني بهِ وأَقُولُ

وأما البيت الثاني فمن قول الفرزدق لأيوب بن سلم بن عبد الملك:

ولا أَمَرْتني النَّفس في رحلةٍ لهافيأمرني إلاّ إِليكَ ضَميرها

فسلم ذلك.

قال أبو محمد: فلولا أن السرقة تبطل فضيلة الإحسان ما عورض بها من استحسن قول أبي نواس وإن كانت قد سهلت على أبي الطيب حتى كثرت في شعره.

وقد عرفتك الآن وجوه السرقات محمودها ومذمومها لتسلم من الحيف عليه وتقضي في الحقائق بما له وعليه مما أوجبه حكم السرقات من الإنصاف ولقبنا كتابنا) المنصف (لما قصدنا من إنصاف السارق والمسروق منه. وقد آن لنا أن نذكر ما قصدناه من إظهار سرقاته، وإن مرّ بنا في أثناء ذلك معنى مستحيل أو بيت لفظه غث أو إعراب فاسد ذكرناه احتراساً من توهّم الغفلة علينا وما نأتي في كل ذلك إلا ما تنسب به إلى العدل ويقع شاهدة العقل ولسنا نضمن إيراد جميع سرقاته وإنما نذكر من ذلك ما بلغنا علمه من مأخوذه، ونحن نبرأ إلى الناظر في كتابنا من إدعاء الإحاطة بجميع ما سلبه ومعرفة جملة ما أغتصبه لأني أدّعي رواية جميع الأشعار ولكل عالم زيادة على ما أوردت أن يورد منها ما أغفلت غير طاعن عليّ ولا ناسب تقصيراً إليّ لأني حفظت ما لم يبلغه وحفظ ما لم يبلغني وأعوذ بالله من إدعاء ما لا يحسنه وتعاطي ما لا يتقنه

على أنني لا أقضي على أبي الطيب بأن جميع كلامه مسلوب ولا كل فضله مغصوب وإذا جاء البيت الذي لم يبلغني من أين أخذه مما يستحسن سلمته إليه حتى يوجد له استخراج سرقة والله الموفق للصواب.

واعلم أن المحدثين أكثروا العجب بنوع من الشعر سموه البديع وظنوا أنهم أول من أخترعه وسبق إليه وابتدعه ولم يخترعوه ولا ابتدعوه بل لعمري قد صيروه كثيراً بعد أن كان نزراً يسيراً وتوهموا بكثرته في أشعارهم أنهم سبقوا إليه واستولوا عليه وكذلك أنا أدل على سبق المتقدمين إلى معرفته وتقدمهم في صنعته وقد قسموه أقساماً ونحلوه ألقاباً بك حاجة إلى معرفتها لئلا يرد عليك بيت لأبي الطيب يحتاج إلى مماثلة لهذا النوع فيبنى على أصلٍ وينطبق بعدلٍ،

وقد ذكرت من ذلك جملة هي دون الطويل المستكثر وفوق القليل المشتزر.

التشبيه:

أمّا أقسام الشعر فهي إما مثل سائر أو تشبيه باهر أو استعارة لفظها فاخر، فالمثل السائر والتشبيه الباهر أشهر من أن يشكل عليك فتحتاج إلى إيضاح، غير أنا نورد عليك مثالاً منه، وإن قلّ، فمن الأمثال السائرة قول امرئ القيس:

فإِنّكَ لم يفخر عليك كفاخرٍضَعيفُ ولم يغلبك مثل مغلَّب

ومنه قول طرفة:

سَتُبدي لك الأيامُ ما كُنْتَ جَاهلاًويأتيكَ بالأخبارِ من لمْ تَزَوِّدِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

ومن شعر المحدثين قول أبي الشيص:

إذا ما حمامُ المرء كان ببلدةدَعتهُ إليها حَاجة أو تطرّب
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

وقال دعبل:

تأنّ ولا تعجل بلومك صاحباًلَعلَ لَهُ عُذراً وأنْتَ تَلَومُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «تأن ولا تعجل بلومك صاحبا»

وقال البحتري:

وَرُبمّا جاءَ بما يُرتَجىوبعض ما لا يُرتجى الدَّهرُ

وأما التشبيه الباهر فأحسن التشبيه عند أبي عمرو والأصمعي ما كان فيه تشبيهان في تشبيهين، وأحسن ذلك ما قاله امرء القيس:

كأنَّ قُلوبَ الطَّير رَطباً ويابساًلَدى وَكْرِها العُنّابُ والحشفُ البالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

فشبه القلوب الرطبة بالعُنّاب، واليابسة بالحشف، وخص قلوب الطير بأنها أطيبها فإذا صادت جاءت بقلوب الطير إلى أفراخها وذكر عن الأصمعي أنه قال) الجارح لا يأكل قلوب الطير وإنما خصها دون غيرها لبقائها في وكر العقاب للعّلة التي ذكرها (.

وقد قال بشار:) ما زلت مذ سمعت هذا البيت أزاول) أن (أقارن تشبيهين بتشبيهين فلا أستطيع حتى قلت:

كأنَّ مُثارَ النَّقع فوقَ رُؤوسناوَأَسيافنا لَيلَ تهاوى كَواكِبهُ

ومن التشبيه المليح قوله:

مِنْ وَحْش وَجْرةَ موشّىً أكارعُهُطَاوي المصير كَسيف الصَقِيل الفَردِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

أخذه الطرماح فقال:

يَبدو، وتُضمرُهُ البلادُ كأنَّنهُسيفٌ على شرفٍ يُسلُّ ويُغمَدُ

فملح في قوله:) تضمره (وشبه شيئين بشيئين، وجود الطباق بقوله:) يبدو، وتضمره، ويسل، ويغمد، ومثل ذلك ما أنشدنيه أبي ﵀ قال: أنشدنا أبو الحسن لابن الأعرابي الوشاء. قال: أنشدني ابن الرومي لنفسه:

ومُهفهفٍ تَمت محاسنُهحَتى تَجاوز منية النفسِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ومهفهف تمت محاسنه»
تَصبو الكؤوس إلى مراشفهوَنَحنُ في يده إلى الحبسِ
أبصرته والكأس بين فممِنه وبين أنامل خمس
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ومهفهف تمت محاسنه»
فكأنَّها وكأن شَاربِهاقَمرٌ يقبل عَارض الشمس
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ومهفهف تمت محاسنه»

النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المنصف للسارق والمسروق منه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.