من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)
المنصف للسارق والمسروق منه (٤)
هذه مبالغة مستحيلة لأن غير شيء لا يقع عليه رؤية وزعم بعض النحويين أن له مخرجاً من كلام العرب وذلك قولها: ليس فلان بشيء لا تريد أن تخرجه من الوجود وإنما هو استصغار واستقلال.
قال أبو محمد: وليس الأمر عندي كما ذهب إليه، لأن القائل) ليس فلان بشيء (وقد دلّ على مراده بأن أثبت له حقيقة ثم نفاه نفي استصغار فقد فهم مقصده ومن شأن العرب فيما فهم معناه عنها الحذف فإذا أشكل لم يحذف وفي الكلام محذوف بالضرورة لأنها لا تثبت وتنفي في زمان واحد وإنما يريد ليس فلان بشيء طائل أو كبير فأما قوله: إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا فلا يسوغ فيه هذا التأويل من الحذف وأما الهارب فالذي يحسن فيه قول جرير:
ما زالَ يحسبُ كُلَّ شيءٍ بَعْدهمْخيلاً تكُّرُ عليهم وَرجالا
وقد أبان مقصده بقوله:) تكر عليهم ورجالا (، وأبو الطيب يذكر أنهم إذا رأى هاربهم غير شيء ظنه رجلاً والرؤية لا تقع إلاّ على مرئي، فإن قال قائل هذا على مذهب من استحسن المبالغة المستحيلة أبلغ قلنا له ما ادعاه جرير يصلح للجنون، لأن الفزع يبلغ بصاحبه إلى أن يرى شخصاً غير رجل فيظنه رجلاً لأن الجنون يرى أشياء لا حقيقة لها لا يرى ذلك غيره من صح عقله، فأما قول القائل:
كأنَّ بلاد الله وهي عَريضةعلى الخائفِ المطلوب كفةُ حابلِ
يؤدي إليه أن كثنيل ثنيّةتيممّها ترمي إليه بقاتل
فهذا مساغ كأنه يظن أن كل ثنية يقصدها قاتلاً قد كمن له فيها الرغبة، وقد قال الله تعالى:) يحسبون كل صيحة عليهم (.
فخبر أنهم يظنون) أن (كل صوت صائح هم المقصودون،) لأنه ولم يقل لا يسمعون شيئاً فيظنون عدم الصياح صياحاً من أجلهم أو علمهم من سبق إلى المعنى فجاء فيه بسائغ ممكن وأتى من أخذه منه بغير ممكن فقد رجح كلام المأخوذ منه وصار أولى بما قال.
وقال المتنبي:
فبعدهُ وإلى ذا اليوم لَو ركضَتْبالخَيْلِ في لهواتِ الطِّفلِ ما سَعلا
السعال قد يكون بالطفل فتخصيصه الطفل بالسعال لا معنى) له (وما قال البحتري أجود:
فَزّعوا باسْمك الصَّبيّ فعادَتْحَركات البكاءِ مِنْهُ سُكونا
البحتري ذكر ممكناً من المبالغة يقع مثله مشاهدة أن يبكي الصبيّ فإذا فزع في مكانه بمفزع سكن، فأما أن تركض الخيل في لهوات بشر، فهذا ما لا يجوز، وأظنه سمع قول البحتري فبالغ وأتى بمجال، وقوله يشبه قول القائل:
لَوْ أَنَّه حَرَّك الجرْدَ العتاق علىأجْفانِ ذي حُلمٍ لَمْ ينتبه فَرقَا
فالطفل وذو الحلم في السكون والانتباه أقرب إلى الصحة من ركض الخيل في اللهوات، فهما أرجح وأحق بما قالا ممن أخذ منهما.
وقال المتنبي:
عَقدتُ بالنَّجمِ طَرْفي في مفاوِزهاوَحُرَّ وَجْهي بحرَّ الشَّمس إِذْ أفَلا
هذا مأخوذ من قول الحماني:
يَهماء لا يتخطاها الدليل بهاإِلاَّ وناظره بالنَجْم مَعْقودُ
فذكر أبو الطيب حاله بالليل والنهار في هذه المفازة، فقد زاد في المعنى ما هو من تمامه.
وقال المتنبي:
أنكَحْتُ صُمّ حَصَاها خَفّ يَعْملةٍتَغَشْمرتْ بي إِليكَ السَّهْل والجَبَلا
قال بعض النحويين: أنكحت، وطئت الحصى كما توطأ المرأة والمعنى
جمعت بينهما. قال أبو محمد: والذي عندي أنه أراد أن هذه الفلاة لم تكن توطأ قط فأنكحتها خفاف هذه الناقة لأنها أول خف وطئها، ومن ذلك قوله في أخرى:
أنْساعُها ممغوطةٌ وخَفافِهُامَنكُوحَةٌ، وطَريقُها عَذْراءُ
أراد أن خفافها قد وطئت غير هذه الطريق، وطريقها عذراء لم توطأ قط وهذا يقرب من قول ابن الحمامي:
يهماء ولا يجتابها السفرحاضرها الظلمان والغفر
أنْكحتُها ذَا غرة مَالهامِنه سوى غرّته مهر
وفي هذا ضرب من الإشارة إلى المراد باستعارة.
وقال المتنبي:
لَوْ كُنتَ حَشْوَ قَميصي فوق نُمرقُهاسَمِعْتَ للجنِّ في غيطانها زَجَلا
هذا كلام مقصر فكأنه لو كان رفيقه حشو قميص نفسه ولم يكن فوق نمرقها بل كان ماشياً أو فوق نمرق ناقة أخرى لن يسمع زجل الجن، وهذا معنى مستعمل قال الأعشى: للجِنْ بالَّلْيل في حافاتِها زَجَلٌ
وقال أبو العتاهية:
نسمع للجن في جَوانبهِما شِئت منْ صَمتٍ وأصْوات
وقال المتنبي:
حتى وَصَلْتُ بنفسٍ ماتَ أكْثُرهاوَلَيتني عِشتُ مِنها بالَّذي فَضَلا
يشبه قول أبي العتاهية:
لمْ تُبق منّي إِلا القليل ولاأحسبه تَتركُ الَّذي بقيا
وكلام أبي الطيب أجزل وأرجح من كلام أبي العتاهية.
وقال المتنبي:
أرْجو نَداك ولا أخْشَى المطالَ بِهِيا مَنْ إذا وَهَب الدنيا فَقَدْ نَجلا
والدنيا لا يقدر البشر أن يملكوا أكثر منها، والبخل إنما يكون ممن في يده شيء لم يسمح به ولا أرى لأحد ملكاً على الآخرة فبأي شيء تحل. وهذه مبالغة مستحيلة أصح منها قول أبي العتاهية:
ولوْ كانت لَهُ الدنيالأعطاها وما بَالي
وهذا من نقل الجزل إلى الرذل على ما فيه من الإحالة وأجزل من قول أبي العتاهية قول ابن الحاجب:
والله لَوْ ملكَ الدنيا لما امتنعتكَفاه أنْ يهبَ الدنيا بما فِيها
وقال أيضاً:
لَوْ أنه وهب البلاد بأسرهاما عده كرماً إذا لَمْ يزدد
ويتلوها قصيدة أولها:
كَمْ قَتيلٍ، كما قُتلْتُ شَهيدٍلبياض الطُّلى وَوَرْدِ الخُدُودِ
هذا بيت لا يطلب منه استخراج سرقة لأن معناه متداول وأول من جعل قتلى الحب شهيداً من الشعراء فيما علمت جميل بن معمر:
لكلِّ حديثٍ بَينهن بشاشةٌوكلُّ قتيلٍ بينهن شَهيدُ
وقال ابن الحاجب:
من شهيد الهوى فإِن لِمنْماتَ من الحبِ ضعف أجر الشهيد
ومع أخذ أبي الطيب هذا اللفظ المستعمل والمعنى المستبذل فإنه ما وضع الأقسام مواضعها ولا أوقع الألفاظ مواقعها لأنه كان ينبغي أن يقول: لبياض الطُّلى وَحمر الخُدودِ أو لأُقحوان الثغور فيطابق بين البياض والحمرة أو يجمع بين نوعين من جنس واحد أو صنفين أو زهرين.
وقال المتنبي:
دَرّ دَرُّ الصبا أأيَّامَ تجرير ذُيُولي بدار الأثْلةَ عُودِي
فهذا بيت لا يجب استخراج سرقته لفراغه ولكن لمْ يحقره أبو الطيب فيجب أن لا يحقر آمره إقتداء به، وهو من قول ابن المعتز:
يا لياليَّ بالمطيرةِ والكَرْخِ فدير العاقول بالله عُودِي
كُنْت عِنْدي أنموذجات منالجَنّةِ لكنَّها بغيرِ خُلودِ
وقال المتنبي:
عمْركَ الله هَلْ رأيتَ بُدُوراًقَبْلها في بَراقعٍ وَعُقُود
البدور، إنما تتبين سافرة فإذا تبرقعت ذهب معناها من الحسن والنور وقد أخذ هذا من قول القائل:
عَهدت بها وحشاً عليها براقعٌوهذي وحوش لا تَبرقع
الوحوش هاهنا ظباء وبقر والمستحسن من الجنسين هو الأجياد والعيون وطول العنق لا يخفيه البرقع والعين من البرقع مريبة فالوحوش أمكن في التشبيه من البدور.
وقال المتنبي:
رَامياتٍ بأسْهمٍ ريشُها الهُدْبُ تَشقّ القُلوب قَبلَ الجُلُودِ
مسروق من قول أبي الشيص:
يَرْمين ألباب الرِّجالِ بأسْهُمٍقد راشَهُنَّ الكُحْلُ والتَّذيبُ
وأما قوله: تشق القُلوب قَبْل الجُلودِ.
فمن قول ابن الرومي:
يذكرني الشبابَ سهامُ حَتْفٍيَصبن مَقاتلي دُوني الأَهابِ
والبيتان جميعاً ينوب عنهما بيت أبي الطيب فهو باختصار الطويل في الموجز القليل أولى بما قال.
وقال المتنبي:
يَتَرشَّفنَ مِنْ فمي رَشفاتٍهُنَّ فِيهِ أحْلَى مِن التَّوحْيدِ
هذه ألفاظ فيها قلة ورع وامتهان للدين لا أحب له استعمالها وأحسن من هذا وأبعد من الإثم قول ابن المعتز:
يَقول العاذلون يَسأل عَنهاوأطف غليل قَلبكَ بالسُّلوّ
وكيفَ وقُبْلةٌ منها اختلاساًألذُّ مِنْ الشماتةِ بالعدوّ
وقال المتنبي:
كُلَّ خُمصانةٍ أرَّق من الخمر بقلبٍ أقسى من الجَلمودِ
هذا مثل قول الأول:
وكيف لي قينان لَحظ ولَقْطوعظات لو كانَ ينفعُ وَعَظ
لكَ جِسمُ أرقُ مِنْ رقة الماءِوقلبٌ كأنّهُ الصخر فَظْ
أنْتَ حَظي فما لوْ كانَلِمنْ أنتَ حظه مِنْك حَظْ
وقال إبراهيم النظام:
لكَ جسمٌ أرقُ من قطرِ ماءٍوفؤادٌ مِنْ صخرةٍ صَمّاء
فهذا يدخل في باب مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام.
وقال المتنبي:
ذاتَ فرعٍ كأنّما ضربُ العنبر فيه بِماء ورْدٍ وَعُودِ
والعود لا ذكاء له ولا رائحة إلاّ أن يسحق أو يحرق فإن كان ضرب مع ماء الورد فينبغي أن يتبعه بمسحوق حتى يصح معناه وقوله) كأنما (على التشبيه، وقول ابن المعتز:
يقْطرُ مِسكاً على غلائِلهشعرُ قفا كالعَبير قَدْ وكفَا
فجعل يقطر مسكاً ولم يقل كأنما يقطر فإن أحتج محتج بأنه ذهب إلى قول امرئ القيس:
ألمْ تَر أنّي كلّما جئتُ طارقاًوجدتُ بها طِيباً وإنْ لم تَطّيبِ
قيل له إنما يصح هذا التأويل لو لم يكن بعد:
تَحملُ المسكِ عن غدائرهِ الريحُ وتفترُّ عنْ شتيتٍ بُرودِ
فإذا كانت غدائره تحمل المسك فما حاجتنا إلى) كأنما (وبينا يخبرنا عن حمل الغدائر المسك إذ أخبرنا عن افترارها عن شتيت برود وليس بينها وبين الثغر تناسب فيجتمع بين الوصفين.
وقال المتنبي:
كُلُّ شيء من الدماءِ حَرامشُربُه ما خلا دم العُنْقُودِ
تحريم هذا الدم بمنزلة قوله:
يَترشفْنَ منْ فَمي رَشَفاتٍهُنَّ فِيه أحْلَى من التَّوْحيدِ
كله يدخل في قلة الورع واستعارة الدم للعنقود قد سبقه إليه مسلم في قوله:
خَلطنا دماً من كرمةٍ بدمائنافأظهر في الألوان مِنَّا الدّم الدّمُ
إذا شئتما أن تسقياني مُدَامةًفلا تقتلاها كلَّ ميتِ محرّمُ
فملح في الجمع بين دم الاستعارة ودم الحقيقة واستعار في البيت الثاني للمزاج لفظاً مليحاً في القتل وجاء بتحليل أحسن من تحليل المتنبي فصار أولى بما سبق إليه لرجحانه. وأول من سمى المزاج قتلاً للراح حسان بن ثابت فقال:
إِنَّ التي ناولتني فَرَددْتُهاقُتلتْ قُتلتَ فَهاتها لمْ تُقتل
وقال المتنبي:
شَيْبُ رأسي وَذِلَّتي ونُحوليودُمُوعي على هَواكَ شُهُودِي
هذا متداول وهو من قول ابن طاهر:
أليسَ وَحْدي وفرطُ شَوقي وطُول سَقْمي شُهود حُبي
وقال أحمد بن أبي عمال الكاتب:
مِنْ نُحولي عَلى مقالي شَهيدوعويلي وزَفُرتي ونحيبي
هذه الأبيات متقاربات المباني والمعاني وهي من مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام ولم نوردها لأنها غريبة ولكنه أخذها فاحتجنا إلى إيرادها وقال المتنبي:
ما مقامي بأرض نَخلة إِلاّكمُقامِ المَسيح بينَ اليَهُودِ
يشبه قول القائل:
أخلا النبيذ بَرئت مِنْكم كما بَرئ المَسيح من اليَهُودِ
وقال المتنبي:
مَفْرشي صَهْوةُ الحِصان ولكنَّ قَميصي مَسْردوةٌ مِنْ حَديدِ
ما أعرف فائدة في هذا البيت ولا فرق بين قوله) مفرشي صهوة الحصان وقميصي مسرودة (فيخبر عما يفترش ويلبس ويكون أحسن وقد قال الحماني:
طيئ الغِبار وَجْنتي مَوصونةوَخشيتي ظهر الأقبِ الأشقر
وأول من سبق إلى هذا المعنى عنترة فقال:
وَحشيتي سَرجُ على عَبْل الشَّوىنَهْدٍ مراكله نبيل المحْزِمِ
وهذا يدخل في قسم مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام.
وقال المتنبي:
ضاقَ صَدْري وطالَ في طَلب الرَّزق قيامي وقَلَّ عَنْهُ قُعُودي
يشبه قول الحصني:
أسمو إلى الأملِ الأقْصى فيلقبنيجَدٌّ عثور دَهر مهتر حرف
لا الحظُ يُسعدني فِيما أحاولُهمِنْ العِلو ولا لي عَنْهُ مُنصرفُ
ولم يبلغ الحصني مراده إلا في بيتين وجاء به المتنبي في بيت فجمع الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما قال.
وقال المتنبي:
أبداً أقطع البلاد ونجميفي نحوس وهمتي في سعود
هذا مأخوذ من أبي تمام:
ما إِنْ يزالُ بِجدّ حَزمٍ مُقْبلٍمُتَوطِّئاً أعقابَ رِزْق مُدْبِرِ
أخذه من البحتري فقال:
متحيز ببعد وبعزم قائم فيكل نائبة وجد قاعد
طابق أبو تمام وتبعه البحتري، ولو قال البحتري: بجد قائم في كل نائبة وجد قاعد كانت مطابقة أحسن من مطابقة أبي تمام وألفاظهم متناسبة ومعانيهم متقاربة تدخل في باب مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام. وقال المتنبي:
لِسرِّي لباسَهُ خشن القُطنِ ومرويّ مَروَ لبسُ القُرُودِ
هذا لفظ هجين ومعناه موجود في قول ابن الرومي:
كمْ مِنْ لئيمٍ غدا في ثوب سيدهتبلى على جِسْمه السمور والفيلُ
فهذا أجزل من قول أبي الطيب فهو لقائله.
وقال المتنبي:
عِشْ عَزيزاً أو مُتْ وأنْتَ كَريمبين قَرْعِ القَنا وخَفْقِ البُنُودِ
هذا يشبه قول القائل:
لعزُّ يومٍ ويأتي الموتُ في غَدِهـ خَيرٌ من العيشِ في ذلٍ وإتعاسِ
قال ابن المعتز:
فَعِشْ مَلكاً أو مت عزيزاً فإِنْ تمت وسيفك مَشهور بِكفك تعذرُ
وقال القرطي:
فإِنْ قرب الكتابِ فَكنْ كَريماًوكنْ ملكاً أخا ملك مفيد
أرى أنّ المنيةَ بالمعاليأحبُّ إليَّ مِنْ ذُل العقود
ومثله للديك:
حتّى أصادفُ مالاً أو يقال فتىًلاقى الردى بين أسيافٍ وأرماحِ
فهذه معان متقاربات تدخل في باب المساواة بين الآخذ والمأخوذ منه في كلامه.
وقال المتنبي:
فَرؤوسُ الرماحِ أذْهَبُ للغيظِ وأشفى لغل صَدْرِ الحَقُودِ
فقوله) أذهب للغيظ (لحن لأنه يقال ذهب به فأذهبه فكان يجب أن يقول أشد إذهاباً للغيظ أو يقول) ذهب بالغيظ (ليسلم من الخطل ولكنه لم يفرق بين الأمرين لضعفه في العربية ومما أدلك على صحة ذلك ما حدثنا به شيخنا أبو الحسن المهلبي ﵀ قال: حضرته في مجلس لبعض الرؤساء وجرت مسألة في المذكر والمؤنث. فقلت: قد يؤنث المذكر إذا نسبت لمؤنث، فقال: من قال هذا. فقلت: قال سيبويه ويستشهد بقول القائل:
مَشَيْنَ كما اهتَّزتْ رماح تَسفهتأعاليها مَرُّ الرياح النَّواسمِ
ومثل ذلك:
وَتشرقُ بالقولِ الذي قَدْ ادَعْتهُكما شَرِقَتْ صدر القَناةِ من الدَّمِ
فقال: لا أعرف هذا ولعله مذهب البصريين ولا أعمل على قولهم، قال: فقلت له هذا في كتاب ابن السكيت في المذكر والمؤنث فقال: ليس ذلك فيه فأخرجته من خزانة الرئيس الذي كنا عنده، فلما قرأه قال: ليس هذا بخط جيد أنا أكتب خيراً، فقلت: ما جلسنا للتخاير بالخطوط فانقطع في يدي، وقلت له يوماً: كيف تصغّر مختاراً فقال: مختار لا تصغر وقلت: لهن مختاراً وأم حنين لك العافية،
وهذا يشهد لك بما قلناه، ويقرب بيته بيت البحتري:
وَلمْ تَر التّراتِ بَعْدنَ عهداًكَسلِّ المشرَفَيَّةِ من قَريبِ
وقال المتنبي:
لا كما قَدْ حييتَ غَيْر حَمِيدٍوإِذا مُتَّ مُتَّ غَير فَقيدِ
يشبه قول الديك:
فإِنْ ماتَ لمْ يحزن صديقاً مماتهوإنْ عاشَ لمْ يضرر عدواً بقاؤه
وهذا يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
يقْتلُ العاجِزُ الجَبان وقَدْ يَعجزُ عنْ قطع بخنقِ الموْلود
وَيُوقّى الفَتى المِخشُ وقد خَوَّضَ في ماءِ لِبَّةِ الصَنْدِيد
ومما أنشده في هذا المعنى معاوية بن أبي سفيان:
كأنَّ الجبان يَرى أنّهُيدافعُ عَنْه الفَرار الأجلُ
فَقدْ تدرك الحادثات الجبانويسلمُ مِنْها الشُجاع البطلُ
وقال ابن أبي عيينة:
لَيسَ الجَسور على الأُمور بِهالكٍدُون الجَبان ولا الجبان بخارجِ
وكل هذا من نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير والشاعران أحق بما قالا، للاختصار.
وقال المتنبي:
لا بِقَوْمي شَرفتُ بَلْ شَرفوا بيوبنفسي فخَرت لا بجدودي
هذا من قول القائل:
قَدْ قالَ قَوم أعطه لقديمهجَهلوا، ولكن أعطني لتقدمي
فأنا ابن نفسي لا ابن عرضي أجْتديَبالسَّيفِ لا برفات تلك الأعظم
ذهب هذا إلى قول القائل:
إِذا ما الحي عاشَ بعظم ميتٍفَذاك العَظم حيّ وهو ميت
يقرب منه قول الأول:
فَما سودت عجلاً مآثر عيرهمولكن بِهم سادتْ عَلى عيرها عجل
وقال ابن المعتز:
وَتردّيتُ بالمكارم حَوْليوكفتني نَفْسي من الافتخارِ
وقال البحتري:
حَسِبَ الفتى أنْ يكونَ ذَا حسب مِنْ نفسه ليس حسبه حَسبهُ
وفي هذا مجانسة وهذه الأبيات متقاربة وهي من باب مساواة الآخذ المأخوذ عنه في الكلام.
وقال المتنبي:
وَبهمْ فَخْرُ كُلّ من نطق الضَّاد وعَوذُ الجاني وغوثُ الطَّريدِ
أراد أن العرب لا ينطق غيرها بالضّاد وقد روى ابن دريد أن بعض العجم ينطق بالضّاد.
قال أبو محمد: ولو جاء بحرف يشترك فيه العرب وغيرها كان أعم للمدح.
وقال المتنبي:
إِنْ أكنْ مُعجباً فَعُجْبُ عَجيبٍلمْ يَجدْ فَوْقَ نَفْسِهِ منْ مَزيدِ
ولولا عادة الشعراء تمدح أنفسهم لكان هذا الكلام من نهاية الجهل وضعف العقل، وقد قرأت أبياتاً ترجمتها لبعض المحمقين هي تشبه هذا البيت وهي:
أتيهُ على جِنّ البلاد وإِنْسهافلو لم أجد خَلقاً لتْهتُ على نفسي
أتيه فَما أدري مِن التيّه منْ أناسوى ما يقولُ الناس فيّ وفي جنسي
فإِنْ يزعموا أني من الإِنسِ مثْلهمْفما لي عيب غير أني من الإِنسِ
وقال المتنبي:
أنا تِربُ النّدى وَربُّ القوافيوسَمامُ العدى وغيظُ الحَسُودِ
وهذا مدح يكثر مثله ولا يغرب وهو من قول ابن مناذر:
كان عبد الحميد ضَيم الأعاديملء عين الصديق رَغم الحَسُودِ
وأقسام ابن مناذر) في ضيم الأعادي وملء عين الصديق رغم الحسود (أحسن صنعة من ذكر الندى مع القوافي، وذكر العدو مع الحسود فابن مناذر أحق ببيته.
وقال المتنبي:
أنا في أمّةٍ تداركها اللهـ غريبُ كصالح في ثَمُودِ
أخذه من أبي تمام في قوله:
كان الخليفة يوم ذلك) صالحاًفيهم. وكان المشركون) ثمودا
هذا يدخل في باب المساواة.
يتلوها أبيات أولها:
قَدْ شَغل النَّاسَ كثرةُ الأملِوأنْتَ بالمُكرماتِ في شُغُلِ
هذا بيت مسلم:
تَشاغلَ الناس بالدنيا وزُخرفهاوأنْتَ من بذلك المعروف في شُغلِ
والكلام يساوي الكلام ولا يزيد عليه وصاحبه أحق به.
وقال المتنبي:
تَمثَّلوا حاتماً ولوْ عَقَلُوالكنتَ في الجودِ غَاية المَثلِ
اقتصر في التشبيه على حاتم في معنى واحد من المد وأبو تمام أشعر منه في قوله:
إِقدامَ عمرو في سماحة حاتمٍفي حِلم أحْنفَ في ذَكاء إِياسِ
فأتى في ذلك بأربع صفات ذكر أن الممدوح يساوي فيها من فوقه ثم لم يرض بذلك حتى استدرك ذلك بأن قال:
لا تُنكروا ضَرْبي لَهُ مِن دُونِهِمثلاً شروداً في الندى والباس
فاللهُ قَدْ ضَرب الأقلَّ لِنُورِهِمثلاً من المشْكاةِ والنِّبراس
فهذا كلام فائق ومعنى رائق يقع كلام أبي الطيب معه بعيداً ورجحانه لا خفاء به. وقد قال البحتري:
لا تَقيسنّ) حاتم (الجُود في الجود إِليه) فحاتِمٌ (فيه عَيْدُهْ
وهذا يقرب من معنى أبي الطيب لأنه إذا كان عبده غاية المثل في الجود صلح أن يكون في الجود عبده بالقياس، فأما قول ابن الرومي:
أعطى الذي لَوْ سِيمَ حاتمُ أخْذهُ يوماً لَهَابَه
فجعل حاتماً يهاب أن يأخذ ما يعطيه من مدحه وقول أبي تمام يدل في رجحان الكلام المأخوذ عنه على كلام الآخذ منه وكذلك كلام ابن الرومي فهما أحق بما سبقا إليه.
وقال المتنبي:
هديَّةُ ما رأيتُ مُهْديهاإلاّ رأيْتُ العِباد في رَجُل
سرق هذا من أبي نواس في قوله:
وليسَ للهِ بِمُسنكرٍأنْ يَجمعَ العالمَ في وَاحِدِ
ولم يزد على أنّ نقل معناه في مقدار لفظه في الاختصار ولا زيادة عليه فأبو نواس أحق بما قال.
وقال المتنبي:
كَيفَ أكافي على أَجَلِّ يدٍمن لا يَرى أنَّها يدٌ قِبلي
لم يهمز أكافي على غير قياس وما أكثر ما يسقط الهمز من أبواب النحو وأنت ترى ذلك كثيراً في شعره. ومعنى أبي الطيب أن الممدوح لا يرى يداً تشد بها يداً وأبيات حسان في آل جفنة في قوله:
إِنَّ ابن جَفْنَة من بقية معشرٍلم يغذهم آباؤهم باللّوم
يعطي الجزيل ولا يَراهُ عِنْدهإلا كبعضِ عطية المذموم
أبلغ مدحاً وأرجح لفظاً لأنه ما رضي إلا بأن جعل الممدوح يعطي الجزيل ويراه كبعض عطية المذموم ولم يجعلها كلّ عطية المذموم، ولكن أبا الطيب قد جعل يد الممدوح أجلّ يد نالته وأنّ الممدوح لا يراها أبداً أصلاً لا لممدوح ولا لمذموم فقد نقصت مبالغة حسان ورجحانه لمبالغة أبي الطيب فصار أولى بما أخذ على من أخذ منه.
يليها أبيات أولها:
أقْصِرْ فلستَ بِزائدي وُدّابَلغ المَدى، وتَجاوزَ الحَدّا
مأخوذ من قول جرير:
إِني وعيتك لو طلبت زيادةًفي الحُب عِنْدي ما وَجدت مَزِيدا
قال ابن الرومي:
فَلا تسأليني في هواك زيادةًفأيسرُه مُرضٍ، وأدناهُ مُقْنِعُ
هذه ألفاظ متساوية في باب المساواة لا له ولا عليه وأصحابها أولة) بها (.
وقال المتنبي:
أرْسلتهَا مملوءةً كرماًفرددْتها مَملوءةٌ حَمْدا
جاءتْكَ تَطْفَحُ وهي فَارغةًمَثْنى به وَتظّنُّها فَردا
قد رأيت بعض أهل الأدب تقوم علينا وهو أبو القاسم علي بن حمزة البصري، بأن قال: لأبي الطيب معان لا يفسرها غيره فسألناه عنها فكان هذا منها وسألناه عن معنى أي شيء أراد به فقال: جاء جام حلواً ففرغه وكتب هذه الأبيات فصار فارغاً من الحلواء مملوءاً من الحمد فهو فارغ طافح يظن فرداً وهو بالحمد مثنى فقلت له الشعر على مقصد قائله وأبيات المعاني كلها تجري هذا المجرى فسكت.
وقال المتنبي:
لوْ كُنت عصراً مُنْبتاً زَهراًكُنتَ الرَّبيعَ وكانتِ الوَرْدا
أخذه من أبي تمام:
وَمِنْ زمنٍ ألبستينيه كأنَّهُإِذا ذكرتْ أيّامُهُ زمنُ الورْدِ
معنى أبي الطيب: لو كنت عصراً وكان الملك زهراً كنت ربيعاً وكان الزهر ورداً وتشبيه الزمان بزمان من جنسه هو زمان الورد أحسن وأشبه من تشبيه إنسان بزمان الورد فتشبيه أبي تمام أوضح وكلامه أرجح وهو للشبق أولى بما قال.
يليها أبيات أولها:
بَقيَّةُ قَوْمٍ آذنوا بِبوارٍوأنضاء أسْفارٍ كَشَرْبِ عُقارِ
لا فائدة فيها.
يليها قصيدة أوّلها:
أرقٌ على أرقٍ ومِثْلي يأرقُوجوىً يَزيدُ وعبرةٌ تترقرقُ
قال فيها:
جهدُ الصَّبابة أنْ تكون كما أرىعين مسهدة وَقَلْب يَخْفِقُ
وقال الحماني:
قالتْ: عُييت عن الشكوى. فَقلتُ لهاجَهدُ الشكايةِ أنْ أعيا عَنْ الكَلمِ
أشكو إلى الله قلباً لو كحلت بهعينيك لاختضبت من حرّه بدم
فهذا أبلغ من قول أبي الطيب ويشبه قول أبي الطيب قول البحتري:
هَلْ غايةُ الشّوقِ المبّرح غَيْر أنْيَعْلو نشيجٌ أو تَفيض مَدَامِعُ
وصاحب العين المسهدة، والقلب الخافق وصاحب النشيج والدمع الفائض يمكنهما شكاية حالهما ويقدران على الكلام ومن عجز عن الكلام أتم سوء حال منهما، فكلام أبي الطيب والبحتري يدخل في باب المساواة وكلام الثالث أرجح من كلامهما.
وقال المتنبي:
ما لاحَ برقُ أو ترنَّمَ طائِرٌإلاّ انْثَنيتُ ولي فُؤاد شَيِّقُ
هذا معنى متدارك لا يعبأ به ولكن أبا الطيب لتناوله ما سخف من المعاني وارتفع يلزمنا الشغل بما أشتغل به وهو من قول ابن أبي عيينه:
ما تَغَنّى القُمريّ إِلاَّ شَجانِيوغِناءُ القُمريّ للصبّ شاجِي
وقال المتنبي:
جَرّبْتُ من نار الهَوى ما تَنْطفينارُ الغضى وَتكلُّ عما تُحْرِقُ
إبدال الهمزة هذا لا يجوز إلا ضرورة وهذا مما ذكرت لك من إسقاط الهمز وأما معناه فمأخوذ من قول الشاعر:
لوْ أن قلبي في نارٍ لأحْرقهالأن إِحْزانَهُ أذْكى منَ النَّار
ومن جعل النار تحترق من نار قلبه أشد مبالغة ممن ذكر أنها تعمل في النار إلا تطفأ والكلال وإن كان الانطفاء من النار لا يكون مما هو أعظم منها إنما يكون بضدها من الماء فصاحب البيت في مذهب من رأى المبالغة أحسن وأرجح كلاماً وهو أحق ببيته، قال أبو محمد: وقد أنشدني أبي ﵀ قال: أنشدني أبو بكر بن دريد لنفسه:
لَوْ أن نار فؤادي ما زجتْ لَهباًلظلَّ مِنها لَهيبُ النارِ مُحترقا
وقال المتنبي:
وَعذلتُ أهلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُفَعجبتُ كيفَ يموت من لا يعشقُ
وعذرتُهمْ وعرفْتُ ذَنبي أننيعَيّرتهمْ فَلقيتُ فيه ما لقوا
هذا من قول أبي الشيص:
وكنتُ إِذا رأيتُ فتىً يبكيعلى شَجَنٍ ضَحكتُ إِذا خَلَوتُ
فاحسبني أدالَ الله مِنيفَصرتُ إَذا بَصرْتُ بِه بكيتُ
قال ابن الجهم:
وقدْ كُنتُ بالعشّاقِ أهزأ مَرَّةًفها أنا لِلعشاق أصبحت باكيا
بيتا أبي الطيب مساويان لبيتي أبي الشيص وبيت ابن الجهم مما نقله أبو الطيب من اللفظ القصير إلى الطويل الكثير فالأول أحق بقوله.
وقال المتنبي:
نبكي على الدنيا وما من مَعْشرٍجمعتُهم الدُّنيا فلمْ يَتفرّقوا
هذا من قول صالح:
أو ما يريبكَ مِنْ زمانِكَ أنَّهُلا يُلْبث القُرناءَ أنْ يتفرقوا
ومثله قول للأول:
لنْ يُلبثُ القرناء أنْ يتفرقوالَيْل يكرُّ عليهِمْ وَنهارُ
وهذا يدخل في باب المساواة لا له ولا عليه. وقال المتنبي:
أين الأكاسرة الجبابرة الألىكنزوا الكُنوز فما بَقَيْنَ ولا بَقُوا
قال أبو العتاهية:
أين الأولى كنزوا الكُنوز وأتقنواأنْ القرون بنو القرون الماضية
دَرجُوا فأصبحت المنازلُ منهمعُطلاً وأصبحت المساكن خالية
وأبو الطيب جاء بالمعنى واللفظ الطويل في الموجز القليل وهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
من كُلّ من ضَاق الفَضاءُ بجيشهحتى ثَوى فَحواهُ لحْدٌ ضَيِّقُ
هذا من قول أشجع:
وأصبح في لحدٍ من الأرضِ ضَيِّقٍوكانَتْ به حَيّاً تضيق الصَّحاصِحُ
فجعل أبو الطيب الأرض تضيق بجيشه، وأشجع جعل الضيق به وحده فبيته أرجح وأمدح فهو أولى للسبق بما قال. وقد قال أبو العتاهية:
شهواتُ الدنياعوافهن المكاره
يسع القبر شخصاًمن لم يسعه المهامه
وهذان البيتان يساويان قول أبي الطيب بغير زيادة لأن المهامه لا تضيق عن شخص من إلا أن يريد أبو العتاهية مراد أبي الطيب لم يسعه المهامه لكثرة رجاله وتوافر جيشه فيصيران متساويان وقد يكون أشجع أولى بالرجحان.
وقال المتنبي:
فالموتُ آتٍ والنّفوسُ نفائسوالمستغرُّ بما لديه الأحمقُ
أنشد ابن قتيبة في كتاب عيون الشعر:
إِنّ امرأ أمِن الزَّمان لمستغِر أحْمقُ
وفي بيت أبي الطيب زيادتان في صدره وعجزه يستولي بها على هذا البيت ولفظه أجزل فهو أرجح من هذا البيت وأحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
ولَقدْ بكيْتُ على الشَّبابِ ولمّتيمُسودّةٌ ولماء وجهي رَوْنَقُ
حَذراً عليهِ قَبْلَ يَومِ فَراقِهِحتّى لكدتُ بِماءَ جَفْني أشْرَقُ
هذا يشبه قول القائل:
كُنتُ أبكي دماً وأنْت ضجيعيحَذراً من تَشّتت أو فراق
وهذا يدخل في نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير لم يبلغ مراده إلا في
بيتين وأتى به من سبقه في بيت، الأول أولى بما قال. ويشبه ما حكاه الصولي، قال: قال ثعلب: غير مرة وأنشد لابن الأحنف ما رأيت أحداً إلا وهو يستحسن هذا وهو مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه:
قد كنت أبكي وأنت راضيةحذار هذا الصُّدودِ والغَضبِ
إن تم ذَا الهجر يا ظلومولا تم فما لي في العيش من أرب
جعله أبو الطيب في الشباب وجعله ابن الأحنف في محبوبه واعتراض كلام في كلام فيه فائدة مما يستحسن قوله ولا تم من ذلك وفي معنى ابن الأحنف:
ما كنتُ أيّام راضيةعنّي بذاك الرّضا بمغتبط
علماً بأنَّ الرّضا سيتبعُهُمنك التَّجني وكثرة السَّخط
فكلما نساني فعن خلق منكوما سرني فعنَّ غلط
وقال المتنبي:
كَبّرتُ حَول ديارهمْ لما بَدتْمنها الشُّموسُ وليس فيها المشرِقُ
ذكر أنه كبر حول ديارهم تعجباً من كون الشموس فيها وليس فيها المشرق. شبه الممدوحين بالشموس، وينبغي أن تكون الشموس في المشرق فكأن ديارهم ليس لها مشرق فلذلك أستغرب كون الشمس فيها، نبهه على هذا أبو نواس بقوله:
ترى حَيْثُ ما كانتْ من البيت مَشرقاًوما لم تكنْ فيه من البيت مَغربا
فخبر عن الخمر بأنها إذا حلت في بيت كان مشرقاً وإذا لم يكن فيه كان مغرباً وكلام أبي نواس أحسن وقد ذكر المشرق والمغرب فرجح كلامه عليه.
وقال المتنبي:
وعجِبتُ من أرض سَحاب أكفهممِنْ فوقها وصخُورها لا تُورِقُ
قال بعض البادية:
لوْ أنَّ راحتهُ مرت على حجرٍصَلْدٍ لأورق منها ذلك الحَجَرُ
وقال مسلم:
لَوْ أنَّ كفاً أعشبتْ لِسماحةٍلبدى براحتِهِ النباتُ الأخْضرُ
قال ابن الخياط في طاهر بن الحسين) في حراقة في دجلة (.
عَجبتُ لِحُرّاقةَ ابن الحسيأن كيف تعومُ ولا تغْرقُ
وبحران مِنْ تَحْتِها واحِدٌوآخر مِنْ فوقها مُطْبِقُ
وأعجب من ذاك عِيدانُهاوقَدْ مسّها كيف لا تُوْرقُ
فتعجب أبو الطيب من أرض سحاب أكفهم فوقها لم تورق صخورها وخبر البدوي أن يد الممدوح لو مرت على حجر لأورق فأخبر بإيراق الحجر ولم يتعجب من أن لا يورق فبيته أرجح وأمدح وهو أولى بما قال ومعنى بيت مسلم لو كان ممكناً أن يعشب كف لأعشبت يدك فخبر أن ذلك غير ممكن والإخبار بإيراق الحجر أبلغ في المدح من إعشاب الراحة بعد ما دل على أن ذلك لا يمكن فيها وقد أشترك أبو الطيب وابن الخياط في التعجب ولكن الصخور أبعد من الإيراق وإن كانت العيدان قد بعدت من إمكان الإيراق فيها ولكن ما أمكن أن يورق في حال أقل مبالغة مما لم يكن إيراقه على حال فعلى هذا الترتيب فالبدوي أحق بما قال ثم أبو الطيب وأقصد القوم مسلم.
وقال المتنبي:
وتفوحُ من طيبِ الثَّناءِ رَوائحٌلهم بكل مكانةٍ تُستنشقُ
مِسْكيّةُ النفحّاتِ إِلا أنّهاوَحْشيّة بِسواهُمُ لا تعْبقُ
أخذ هذا من شعر أورده جدّي وكيع في كتاب الغرة:
لَوْ كان يوجَدُ ريحُ مجدٍ فائحاًلوجدتَهُ منهم عَلى أمْيالِ
وقال العطوي: وقد حمل نعش ابن أبي داود:
وليسَ نسيم المِسْك ما تجدونهولكنَّهُ ذاك الثَّناءُ المخلَّفُ
وليس صرير النعش ما تسمعونهولكنَّهُ أصلاب قومٍ تَعصفُ
وقال ابن الرومي:
أعبقتهُ من طيبِ ريحكَ عبقةًكادَتْ تكُونُ ثناءك المَسمُوعا
فالشاعر الأول قال لو كان يوجد ريح مجد فائحاً لوجدته منهم على أميال ولكنه لا يوجد وابن الرومي قال: كادت تكون) ثناءك وقال: كادت (والعطوي خبر أن المسك ليس هو في الحقيقة ما يجده الشام ولكنه ثناؤه المخلف بعده وأبو الطيب خبر عن ريح الثناء أنه منهم بكل مكانة يستنشق وبكل مكان أعم من أميال ولكن العطوي جاء بإرادته في بيت ولم يبلغ أبو الطيب إرادته إلا في بيتين فنقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير.
وقال المتنبي:
أمريُدَ مِثْلَ مُحمدٍّ في عصرنالا تبلنا بطِلاب ما لا يُلْحقُ
أخذه من أبي الشيص:
لَوْ تبتغي مثلَهُ في الناس كُلّهمطلبتَ ما ليس في الدنيا بموجود
ويقرب من قول البحتري:
وما للمعالي طالبُ فتمهّلنْولو طُلبتْ ما كان مِثْلك يُلْحقُ
وللبحتري أيضاً:
أيُّها المبتغي مساجلة) الفتْح (تبغيتَ نَيلَ ما لا يُنالُ
فهذه أبيات تتناسب معانيها ومبانيها وهي تدخل في باب المساواة والسابق أولى بها.
وقال المتنبي:
لمْ يخلقِ الرحمنُ مِثْل محَمدٍأحداً وظني أنَّه لا يَخلقُ
قال عبد الله بن أبي السمط:
ما كان مِثلك في الورى فيمنْ مَضىأحداً وظنّي أنه لا يخلقُ
وهما متفقا اللفظ والمعنى مجتمعان على التيقّن فيما مضى والشكّ في المستقبل وهذا تغيير يسير يكاد يدخل في أخذ اللفظ المدعى وهو ومعناه معاً، وقد قال ابن الرومي:
فَهلْ من سبيلٍ إلى مِثلهأبى اللهُ ذاك على منْ خَلقْ
فلم يخطر جمعهم وجود مثله إلا على من خلق دون من يخلق غير المعوج فإنه قال:
وما ابن علي في العُلى كابن منلهُ مِن الناسِ شكل أو يكون لهُ شكل
وقال الحصنيّ:
لمْ يكن في خليفةِ الله ندٌّلك فيما مَضى وليس يكونُ
فمنع وجود مثله في الماضي والمستقبل فحكم على الغيب وما أشبه هذا الشعر بشيء. روي عن المعتصم أنه أمر في ليلة من لياليه بإحضار من جار على بابه فوجد الغلام ثلاثة قد مروا بالباب من أهل المدينة فأدخلوا، فقال لهم المعتصم: أسمعوا هذا الغناء واحداً واحدا وعرّفوني ما عندكم فيه وأمر جارية له بالغناء فغنّت فقال لأحدهم: كيف رأيت ما تسمع؟ قال: امرأته طالق إن كان الله يخلق مثل هذه. وقال للآخر ما تقول أنت؟ قال: امرأته طالق إن كان الله يخلق مثلها أبداً. فقال للثالث: ما تقول أنت؟ قال: أقول امرأتي طالق. قال: إن كان ماذا. قال: إن كان لا شيء، قال: ولم طلقت، قال: لطلاق رفيقيّ من أين لهذا العاض بظر أمه أن الله ما خلق مثل هذه ولهذا العاض بظر أمه إن الله لا يخلق مثلها فلما رأيتهما قد طلقا في غير موضع الطلاق ساعدتهما على ذلك.
وقال المتنبي:
يا ذَا الذي يهَبُ الكثير وعندهإني عليه بأَخْذِهِ أتَصدَّقُ
أخذه من زهير من أحسن لفظ) وهو:
تَراهُ إِذا ما جِئتهُ مُتهللاًكأنّكَ تُعطيه الذي أنْتَ سَائله
فأتى بما لا زيادة عليه في الحسن، وأخذه أبو الطيّب أخذاً قبيحاً وجعل مكان المعطي المتصدق ومن شأن النفوس الأبيّة الفرح بالعطايا النسبية، فأما) أخذ (الصدقة فلا تفرح بها، وهذا يدخل في باب رجحان المأخوذ منه على من أخذ عنه.
وقال المتنبي:
أمْطِرْ عليّ سَحاب جُودِكَ ثَرَّةًوأنظُرْ إليَّ بِرحمةٍ لا أغْرَقُ
وهذا يشبه قول عبد الله بن أبي السمط في سحابة:
حتَّى ظللتُ أقولُ في إلحاحِهابالويل: هَلْ أنا سالمٌ لا أغْرقُ
وهذا مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
جَذب ابن فاعلةٍ يقول لجهلهمات الكرامُ وأنت حَيّ تُرْزقُ
أخذه من قول أبي زيد عمر بن شبة:
وقائلةٍ لم يَبق في الأرضِ سيدفَقُلْتُ لها عبدُ الرّحيم بن جَعْفَرِ
ولا زيادة له فيه غير شتم القائل وليس ذلك مما يحسب له به زيادة وهو يدخل في قسم المساواة.
ويلي ذلك قصيدة أولها:
حُشاشَة نفس ودَّعتْ يَوْمَ ودّعُوافَلمْ أدْر أيّ الظاعنينَ أشيِّعُ
أخذه من بشار في قوله:
حَدا بَعضُهم ذات اليمين وبَعضُهُمْشمالاً وقَلبي بينهم مُتَوزّعُ
فَو الله ما أدري بليلٍ وَقَدْ مَضَتْحُمولهم أيّ الفريقين أتْبَعُ
وقال العباس بن الأحنف:
تَفرّق قَلبي منْ مُقيمٍ وظاعِنٍولله دَرّى أيّ قلْبٍ أشيِّعُ
فهو في المبنى والمعنى يساوي ما قاله فلا له ولا عليه، والأول أحق بقوله.
وقال المتنبي:
أشارُوا بتسليمٍ فَجُدْنا بأنفسٍتَميلُ من الآماق والسَّمُ أدْمُعُ
أحسن ما أتى في هذا قول بشار:
وليسَ الذي يَجْري من العين ماؤُهاولكنَّها نفس تَذُوبُ فَتقطُرُ
وقد قال الديك:
ليسَ ذا الدّمْعُ دَمْعَ عَينِي وَلكِنْهي نَفْسٌ تُذيبُها أنفاسِي
فجانس بين النفس والنفس وقد قال ابن دريد:
لا تحْسبني دَمْعي تَحدَّر إِنَّمارُوحِي جَرَتْ في دَمْعي المُتحدّرِ
وكلهم أنّث الروح، والروح مذكر إنّما أنثوه لتأنيث النفس فكلام بشار أرطب وأعذب، لأن من قال ذاب، قال: قطرت فهو أرجح من جميع هذه الألفاظ فأما أبو الطيب فنسخ هذا المعنى وما نسخه لأنه يبعد عن لفظ من يقدمه في الرونق والبهاء وكثرة الماء ولو لم يكن في بيته إلا ما يفاضح به من قول السم وبكم قطع ألف الوصل أملح في شعر المتأخرين من ذكر السم على كراهة النحويين ذلك إلا في ضرورة الشعر ولعل بعضاً من المتشدقين أن يعارض هذا القول مني بالطعن ويقول أتختار له ركوب ما لا يجوز إلا في ضرورة على الصحيح الفصيح؟ فالجواب على ذلك، أنّ أبا الطيب أكثر الناس ركوباً للضرورات والمجازات أولاً وأيضاً فإن أشعار المحدثين لا يراد منها استفادة علم وإنما يروى لعذوبة ألفاظها ورقتها وحلاوة معانيها وقرب مأخذها ولو سلك المتأخرون مسلك المتقدمين في غلبة الغريب على أشعارهم ووصف المهامة والقفار والإبل والفلوات وذكر الوحش والحشرات ما رويت لأن المتقدمين أولى
بهذه المعاني ولا سيما مع زهد الناس في الأدب في هذا العصر وما قاربه وإنما يكتب أشعارهم لقربها من الأفهام وإنّ الخواص في معرفتها كالعوام فقد صار صاحبها بمنزلة صاحب الصوت المطرب يستميل أمّة من الناس لاستماعه وإن جهل الألحان وكسر الأوزان وقائل الشعر الحوشي بمنزلة المغنّي الحاذق بالنغم غير المطرب الصوت يعرض عنه إلا من عرف فضله على أنه إذا وقف على فضل صنعته لم يصلح لمجالس اللذات إنما يجعل معلماً للمطربات من القينات يفوقهن بحذقه ويستمتع بخلوفهن دون حلقه ليسلمن من الخطأ في صناعتهن ويطربن بحسن أصواتهن.
وقال المتنبي:
حَشاي على جمر ذَكيٍّ من الهوىوَعيْناي في رَوْضٍ من الحُسن تَرْتعُ
أخذه من خالد الكاتب حيث يقول:
بأيِّ ذنبٍ إِليهأطال حُزني عليه
قالوا نَراك سَقيماًفَقُلْتُ مِنْ مُقْلتيه
في النّار قَلْبي، وَعَينْيفي الرّوضَ مِنْ وَجْنتيْه
وهذا من نقل القصير إلى الطويل الكثير، ومثله لبعض المحدثين:
وكانَ طَرْفي مِنْهُ في جَنَّةٍوكانَ قَلبي مِنْه في نارِ
وما زاد في المعنى ما يستحقه والمتقدم أولى به.
وقال المتنبي:
وَلَوْ حُملِّتْ صُمُّ الجبال الَّذي بناغَداةَ افْترقنا أوشكتْ تَتصَدَّعُ
قال الأول:
وأكتمُ ما بي مِنْ هَواكِ ولو يرىعلى جبلٍ صَلْد إِذن لتقطَّعا
وقال الآخر:
صَبرتُ على ما لو تحمل بَعضهجِبالُ شَروري أوشكتْ تَتصدّعُ
وقال ابن الرومي:
شكوى لو أني أشكوها إلى حجرٍأصَمَّ ممتنع الأركان لانفلقا
فهذه الأبيات تناست معانيها ومبانيها ولا زيادة له فيها وأصحابها أحق بها منه.
وقال المتنبي:
أتتْ زائراً ما خامرَ الطِّيب ثَوْبهاوكالمِسْك من أردانِها يَتَضوَّعُ
غير متهيب ولا مراع للأخذ من سيد الشعراء في أخذ شعره مع نباهة ذكره حيث يقول:
ألمْ تَر أني كُلمّا جئتُ طارقاًوجَدْتُ بها طيباً وإنْ لمْ تَطّيبِ
ولا زيادة على هذا الكلام في المعنى والنظام فهو أحق بما قال ممن سرقه منه.
وقال المتنبي:
فيا ليلةً ما كانَ أطْولَ بتهاوسم الأفاعي عذب ما أتجّرعُ
إذا قال إن) سم الأفاعي عذب ما أتجرع (فقد خبر أن سم الأفاعي مرّ وإنما يوصف السم بالإهلاك وضد الإهلاك، السلامة، فلو قال) إن سم الأفاعي أسلم ما أتجرع (لكان أقرب وقد قال النابغة (:
فبتُّ كأنّي ساورتني ضئيلةٌمن الرُّقش في أنيابها السُّمُّ ناقعُ
فأخبر بما يحذر منها من سمها ولم يخبر عن طعمه.
وقال المتنبي:
تذلَّل لها وأخضَعْ على القُربِ والنَّوىفما عاشِقٌ منْ لا يذلُّ ويخضَعُ
هذا مستعمل كثيراً إلا أنه ما حقره، وقد ساوى البحتري في قوله:
وَتذلّلتُ خاضعاً لمليكيوقليلُ من عاشقٍ أنْ يذلاّ
وقال المتنبي:
بِذي كرمٍ ما مرّ يوم وَشْمسُهُعلى رأس أوفى ذِمَّةً مِنهُ تَطلْعُ
قال البصير:
مَلكُ لم تَطلْع الشْمْسُ علىمِثْله أوْسَعَ شيئاً وأعمّ
فهذا يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
فأرْحامُ شِعْرٍ يتّصلْنَ لدنّهُوأرْحامُ مالٍ ما تني تَتَقطَّعُ
هذا من لحونه إنما تشدد النون مع النون نحو) لدنّي، ولدنّا (وأستعمل لدن
بغير) من (وما يكاد يستعمل إلا بمن قال الله ﷿:) من لدن حكيم عليم (واستعماله إقفاء الكلام إنما يجوز ويطلب له الوجوه إذا كان ذلك من يدري يتكلم بطبعه فأما لمثله فلا، وقد قال المتنبي قبل هذا بيتاً وهو:
وإِنَّ الذي حابى جَديلة طيءٍبهِ الله يُعْطي من يَشاءُ وَيمنَعُ
وهو أيضاً يخرج إلى تفسير فمعناه حاباها من الحباء بمعنى حباها والحبا العطية، وللبيت معنيان: أحدهما أن تكون الهاء في) به (راجعة إلى حابى وخبر عن الممدوح بأنه يعطي من يشاء ويمنع وهذا مدح أرفع أبا الطيب أن يقصده لأن كل واحد له ملك أو ملك فهو مخير بمن يعطيه ويمنعه ممن شاء، والمعنى الآخر الذي أراه مراده أن يكون إن الله يعطي به من يشاء ويمنع أي قد جعلها الله شيئاً للعطاء والمنع كما قال الضبي:
وأقضيةُ الله محتومةوأنْتَ منفّذ أقْدارها
وقال المتنبي:
فَتىً ألفُ جُزءٍ رأيهُ في زمانهأقلُّ جُزْءٍ بَعْضه الرأيُ أجْمَعُ
هذا كلام ظاهر التعسف بين التخلف وهو ينظر إلى قول أبي تمام:
لَوْ تراهُ يا أبا الحَسنِقمراً أوفى على غُصُنِ
كُلُّ جُزءٍ من مَحَاسِنِهِفيهِ أجزاءُ من الفِتَنِ
النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع