من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)
المآخذ على شرح أبي العلاء المعري الموسوم باللامع العزيزي (٤)
حروف الكلمة، فإذا حذفت الواو من برقوع في البيت المتقدّم ذكره، نفر منه الطّبع أكثر من نفاره من قول امرئ القيس:
إذا قامتا تضوّع المسك منهمانسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل
ولم يذكر الشّيخ ما ذلك؟!
وأقول: إنما كان بيت امرئ القيس، زحافه أسوغ من الأول، لأجل حرف المدّ ثالثا، لما فيه من الاستطالة باللّين، فكأنه خلف المحذوف بما فيه من المدّ، لأنه: متاتضو: مفاعلن. ويدلّ على ذلك، لزوم الرّدف في كل بحر سقط من أتم بنائه حرف متحرك أو زنته. وأما الأول فثالثه الرّاء: كبرقعل: مفاعلن لا مدّ فيه، ففضله من هذا الوجه.
وقوله:
وضفّرن الغدائر لا لحسنولكن خفن في الشّعر الضّلالا
قال: وصفهنّ بكثرة الشّعر، وأنّهنّ ضفّرن الغدائر، لا ليحسنّ بذلك، (بل) خفن أن يضللن في الشّعر، أي: يغبن، من قوله تعالى: (أئذا ضللنا في الأرض) أي غبنا، وهذه مبالغة في الصّفة، إذا صحّت للمرأة كانت عيبا. وقد وصفت الشعراء الشّعر بالكثرة، ولكنها لم تفرط في ذلك مثل هذا الإفراط.
وأقول: أن أبا الطّيب لم يرد الكثرة، وإنما أراد اللون. وكذلك أن الشعراء إذا شبّهت الشّعر، شبّهته بالظلام للونه، لا لكثرته، وقد قال المنبجيّ:
فالوجه مثل الصّبح مبيضّوالشّعر مثل الليل مسودّ
وقال بكر بن النّطّاح:
فكأنها فيه نهار مشرقوكأنه ليل عليها مظلم
وقال أبو الطّيب:
بفرع يعيد الليل والصّبح نيّرووجه يعيد الصّبح والليل مظلم
وأشباه ذلك. فإذا صحّ ذلك، فإنما ضفّرن غدائرهنّ خيفة الضّلال، في ليل شعورهنّ، لا للكثرة، وإنما غرّه الظرفية بذكر في والظرف (إنما هو) الليل من الشّعر على وجه الاستعارة لا الشّعر.
وقوله:
يكون أحقّ إثناء عليهعلى الدنيا وأهليها محالا
قال: يقول: كلّ ما يوصف به من الكرم والأفعال الجميلة، يكون حقا، وإذا وصف به أهل الدنيا، كان محالا، فإذا قيل: كريم، فالقائل صادق محقّق، وإذا قيل لغيره: كريم، فالقائل كذاب محيل، أي: أتى بالمحال، وكذلك إذا أثنى عليه بالشّجاعة والحلم وغيرهما.
وأقول: لم يزد في الشّرح على ما ذكر أبو الطيب في النظم، إلا كثرة كلام! والمعنى، المبالغة في المكارم والفضائل، يقول: أن الممدوح وحده قد كمل كمالا استحق به من الثّناء ما لو يثنى به على الدنيا وأهليها، مع كثرة من فيها، لكان محالا، لأنه لا مناسبة ولا مقاربة بينه وبينهم في ذلك، فهو للمتناهي في المكارم يثنى عليه بما حقّه يكون محالا، لو أثني عليه، ويدل على المبالغة في ذلك البيت الذي بعده.
وقوله:
ويا ابن الضاربين بكلّ عضبمن العرب، الأسافل والقلالا
قال: القلال: جمع قلّة، وهي أعلى الرأس، وجعلهم يضربون الأسافل، لأنهم إذا ضربوا الفارس في قلّة رأسه، نزل السّيف أسفل جسده.
وأقول: أن الشّيخ لم يتنبّه على هذا المعنى اللطيف، ولا غيره من شرّاح الديوان، وهو إنه جعل هذا الممدوح، لفرط إقدامه وشجاعته، يضرب بسيفه العرب للقتل ما تضربه بسيوفها من الإبل للعقر، وهي الأسافل والأعالي، ولهذا، خصّ العرب
بذلك دون غيرهم من الناس.
وقوله:
جواب مسائلي: أله نظيرولا لك في سؤالك لا، ألا، لا
التقدير في هذا البيت: جواب مسائلي: اله نظير؟ لا. ولا لك في سؤالك أيها السّائل نظير، لجهلك بالممدوح. وقوله ألا لا تأكيد في النّفي يحتمل أن يكون للمسئول عنه على الانفراد، ويحتمل أن يكون للسائل، وأن يكون لهما جميعا.
وقال الشّيخ أبو العلاء: واسهل من هذا، أن يصرف إلى معنى آخر. وذلك انهم يقولون: ما بفلان من الضّلال والألال، فيجعلون الألال كالأتباع، وتابع الشيء كائن في معناه، أو قريبا منه.
وقدّر بذلك تقديرين بعيدين غير سائغين.
وأقول: أن الاتباع استعماله (يكون) مع المتبوع، فانفراده منه، وانقطاعه عنه بعيد. فإذا كان كذلك، فهذا الوجه الذي ذكر إنه الأسهل الأقرب، هو الأبعد الأصعب!
وقوله:
تشكو روادفك المطيّة فوقهاشكوى التي وجدت هواك دخيلا
قال: يقول: تشكو المطية حملك، كأنها تشكو دخيلا في قلبها من حبّك.
وأقول: هذا التفسير، على أن المطية الموصوفة، المحذوفة، التابعة، هي في المعنى، الأولى، وهو كما تقول: لقي الرجل الذي تعهده عمرا لقاء المسرور به، أي: الرّجل المسرور به، ولا يعني بالرّجل الثاني غير الأول.
ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون الضمير في وجدت عائدا إلى النّفس، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله تعالى: (كل من عليها) وقوله:
على مثلها......
ويعني الشّاعر بذلك نفسه، لأنه العاشق. وقوله:
حدق يذمّ من القواتل غيرهابدر بن عمّار بن إسماعيلا
قال: زعم، أن الممدوح يذمّ، أي: يعطي الذّمة من كلّ القواتل، الاّ من هذه العيون. فقد أفرط في صفة العيون بتمكّنها من القتل إلا إنه جعل الممدوح لا يستطيع أن يمنعهنّ من القتل.
فيقال له: أن الممدوح يذمّ من القواتل التي هي السّهام، والرّماح، والسّيوف، وما يمكن الشجاع أن يذمّ منه. فأمّا العيون القواتل، فأنه لا يمكنه أن يذمّ منهنّ، ويمنعهنّ من القتل. فليس على الشّاعر في (وصفه) بذلك إنكار، ولا على الممدوح (عار)، إلا أن يمنعهنّ من القتل بأحد شيئين، بمعنى قول أبي نواس:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدهواها لعلّ الفضل يجمع بيننا
أو بمعنى قوله:
علّ الأمير يرى ذلّي فيشفع ليإلى (التي) تركتني في الهوى مثلا
وقوله:
محك إذا مطل الغريم بدينهجعل الحسام بما أراد كفيلا
قال: يقول: هذا الرّجل، إذا مطل الغريم بدينه، جعل الحسام كفيله بقضاء الدّين، وإنما يعني بالغريم، من جنى جناية يجب أن يعاقب عليها، فجعل تأديب الجانين كالدّين للممدوح، يتقاضاه بالسّيف كفلاء لم بما يريد.
وأقول: أن المحك، هو الخصم المتمادي في اللّجاج، والغريم هنا، هو خصمه، أي: قرنه، والدّين هو مهجته. يقول: إذا مطل غريمه، أي: خصمه، بدينه، أي: بمهجته، ومانع ودافع لشجاعته، جعل سيفه كفيلا بمراده، وهو أخذ روحه، لأنّ هذا الدّين، وهو الروح، لا يقتضي إلا بهذا الكفيل، وهو السّيف. فهذا التفسير أبلغ وأولى من جعل الغريم الجاني، وأحواله مختلفة في الجناية، وتأديبه بالسيف. ولعله
لا يستحقّ ذلك، ولأنه مناسب لما قبله من قوله:
الفارج الكرب العظام بمثلها.........
وقوله:
أعدى الزّمان سخاؤه فسخا بهولقد يكون به الزّمان بخيلا
قال: ادّعى أن الممدوح أعدى بسخائه الزّمان، فسخا به على البشر، وإنما حمله على السّخاء إنه أعداه، ولولا ذلك لكان بخيلا به.
وأقول: أن هذا التّفسير يقتضي النهاية في الإغراق، وذلك أن الشيء المعدي لغيره لا بد أن يكون موجودا معه، وقريبا منه. وهذا لمّا أعدى الزمان بالسّخاء فسخا به على البشر كان معدوما، لأنه لا يكون له جود وهو موجود. فهذا في الإغراق والاحالة، أكثر من قول أبي نواس:
وأخفت أهل الشّرك حتى إنهلتخافك النّطف التي لن تخلق
وقوله:
حتى الذي في الرّحم لم يك نطفةلفؤاده في جوفه خفقان
(وفيه معنى اقرب من هذا قد ذكرته).
وقوله:
ومحلّ قائمه يسيل مواهبالو كنّ سيلا ما وجدن مسيلا
قال: زعم أن ما يسيل من كفّ هذا الرّجل، لو كان سيلا لم يصب موضعا يسيل فيه.
و (أقول): هذا هو لفظ البيت، وهذا التّفسير، يحتاج إلى بيان، وذلك أن فيه أخبارا عن كثرة عطائه بتفضيل يده على السّحب، لأن ما ترسله السّحب من مائها يجد مسيلا. ولو كان ما تجود به يد الممدوح من المال ماء، لم يجد مسيلا لكثرته، كأنه يريد أن الدنيا تصير به بحرا.
وقوله:
رقّت مضاربه فهنّ كأنمايبدين من عشق الرّقاب نحولا
قال: أي: رقّت مضارب هذا السّيف، كأنهنّ يعشقن الرقاب، فكأنّ العشق انحلهنّ.
فيقال له ولأبي الطّيب: ولم ينحلن من عشق (الرّقاب)، والنحول إنما يكون بسبب الهجر ومنع الوصال؟ أفكذلك مضارب سيفه في هجر الرّقاب لها، ومنع الوصال منها، وفي ذلك فساد المعنى؟! والجواب عنهما أن يقال: أن النحول يمكن الوصل والتلاف، خوفا من الهجر والفراق، وفي ذلك صلاح المعنى.
وقوله:
لو كان ما تعطيهم من قبل أنتعطيهم لم يعرفوا التأميلا
قال: يقول لو انك تقدّمت أعطيتك من قبل أن تعطيهم، لما جرت الآمال في قلوبهم، لأن العطايا كانت تأتيهم بغير أمل.
وأقول: أن قوله: أن العطايا كانت تأتيهم من غير أمل ليس بشيء. والصحيح، أن الأمل للشيء، إنما يكون عند الحاجة إليه، فلو كان تقدّم عطاؤك في الناس، لأغناهم بكثرته، فغنوا بع عن التأميل، فلم يعرفوه.
(أو) يقول: أن عطاءك يسبق الأمل، فالأمل إنما عرف بسبب عطاء غيرك، لتأخّره عن المحتاج إليه، فلو كان عطاؤك تقدّم، لم يعرف أحد الأمل لغنائه عنه.
وقوله:
مطرت سحاب يديك ريّ جوانحيوحملت شكرك، واصطناعك حاملي
قال: أي أن شكرك عظيم ثقيل، وقد حملته، واصطناعك قد حملني مع شكرك، فدلّ ذلك على أن اصطناعك يزيد في القوة عليّ، لأنه حملني وحمل شكرك.
وأقول: لم يرد القوّة، وانّ اصطناعه زاد عليه بها، وإنما هذا أخبار من الشّاعر، عن حالتين اجتمعتا له، من كونه حاملا محمولا، فيهما، كلتيهما، ثناء على
الممدوح، أي: أنا حامل للشّكر، محمول بالإحسان. والواو في قوله: واصطناعك حاملي واو الحال، فقد اجتمع في حالة إنه حامل محمول، وفي هذا إغراب في المعنى، وإتقان للصناعة.
وقوله:
فمتى أقوم بشكر ما حمّلتهوالقول فيك علوّ قدر القائل
قال: يقول: متى أقوم بشكر ما أوليت من الجميل وإذا شكرتك، فإنّما أرفع قدري بذلك.
وأقول: هكذا قال أبو الطّيب، وتفسيره غير ذلك!
والمعنى: إنه قد علم واستقرّ أن شكر المنعم جزاء انعامه، وإنما كان جزاء لما فيه له من حسن الذكر، وعلوّ القدر، فكأنّ المنعم عليه جازى، بقوله الجميل، فعل المنعم بالجميل، فكسبه فخرا بشكره، ومجدا بذكره. وهذا الممدوح، قد كمل كمالا ارتفع به عن شكر من يزيده فيه، فالشّاكر له والذّاكر لا يرفع من قدره،
وإنما يرفع من قدر نفسه
لكونه تشرّف (بمدحه) وجوده كما قال:
وقبض نواله شرف وفخروقبض نوال بعض القوم ذام
وقوله:
سفك الدّماء بجوده لا بأسهكرما لأنّ الطّير بعض عياله
قال: اراد، إنه قتل الناس وغرضه أن تأكلهم الطّيور، وحمله على ذلك الجود. والمعنى يحتمل ذلك، وابلغ منه في صفة الممدوح، أن يدّعي له أن ينحر ويذبح، ليأكل الطير ما يجده من اللحم فكأنه سفك الدّماء بجوده.
وأقول: المعنى الجيّد الجليل هو الاول، وإنما حقّره، بتحقير العبارة، ليحسّن (الثاني) وهو غير حسن بالإضافة إلى الأول. والمعنى أن الممدوح سفك دماء الأعداء بجوده للطير، لأنها بعض عياله، أي أن عياله أجناس، من الناس والطّير
والوحش، ولم يفعل ذلك لبأسه على الأعداء، لأن البأس والقتال إنما يكون بمن يهتّم به ممن يخاف منه
من عدوّ مماثل أو خصم مصاول،
والممدوح أجلّ من ذلك، وإنما يقتلهم ويسفك دماءهم جودا على بعض عياله وهو الطّير. ومثل هذا المعنى قوله فيه أيضا:
ما به قتل أعاديه ولكنيتّقي إخلاف ما ترجو الذّئاب
فهذا المعنى مبتكر، وذلك مطروق، فهو أبلغ منه وأمثل.
وقوله:
قد أتت الحاجة مقضّيةوعفت في الجلسة تطويلها
قال: وزنها من السّريع، وقافيتها من المتدارك، وهي، على قول الخليل، من الطّاء (في تطويلها) إلى آخر البيت.
وأقول: أن حدّه القافية من الطاء إلى آخر البيت خطأ، لأن القافية، على رأي الخليل، من آخر إلى أول ساكن يليه، مع حركة ما قبله أو متحركة، فيكون، على هذا، من آخر البيت، إلى حركة الواو، أو الواو. ولعلّه توهّم أن الرّدف الواو، فجعل الطّاء قبلها أول القافية، وذلك وهم.
وقد رأيت بعض الحذّاق في القوافي
سبق إلى ذهنه من غير تأمل أن الياء من قول أبي نواس:
أجارة بيتينا أبوك غيور.........
هي الرّدف، وليس كذلك، إنما هو الواو. والشيخ لا يشكل عليه مثل هذا، إلا أني رأيته في نسخة بخطّ كاتبه.
وقوله:
له إذا أدبر لحظ المقبل
قال: بعض الكلاب إذا عدا التفت في عدوه، وقد ذكر ذلك الحكميّ، في صفة
الكلب فقال:
لفت المشير موهنا بناره
وأقول: إنما وصفه بالتيقّظ وحدّة النّظر فبالغ فقال: إذا أدبر ما وراءه، كما يدرك ما قدّامه، وفسّر ذلك بقوله:
يعدو إذا احزن عدو المسهل
أي: يتساوى لحظه في سرعة إدراك الشّيء في حالة إدباره وإقباله، ويتساوى عدوه في السّرعة في حال أحزانه وإسهاله، أي: لا يمنعه الإدبار من إجادة النّظر، ولا يمنعه الأحزان من إجادة العدو، وأمّا قول أبي نواس:
لفت المشير موهنا بناره
واللّفت: هو اللّيّ، فإنما يصفه بسرعة الانثناء والتّعطّف خلف الصّيد، لا الالتفات في العدو.
وقوله:
لا يأتلي في ترك أن لا يأتلي
قال: أي لا يقصّر في ترك ألا يقصّر
وأقول: إنه مقصّر، لأنّ النّفي إثبات، ولم يذكر هاهنا زيادة لا، لأن بذلك يصحّ المعنى، فيصير: لا يقصّر في ترك أن يقصّر، وترك التّقصير جدّ.
وقوله:
وله في جماجم المال ضربوقعه في جماجم الأبطال
فهم لاتّقائه الدّهر في يوم نزال وليس يوم نزال
قال: يقول: يهب المال فتعلم الأبطال أنهم إذا اجروا إلى خطأ، أو تعدّوا على ضعيف، كان قادرا على معاقبتهم، وكفّ أيديهم، بالقوم الذين يعطيهم ماله، فالأبطال معه طول زمنهم في نزال، وان لم يكن ثمّ حرب ولا منازلة.
وأقول: هذا الذي ذكره اصلح مما ذكره ابن جنّي والواحديّ، وارى فيه وجها غير الوجوه المذكورة، وهو إنه وصف الممدوح بكثرة العطاء، فاستعار للمال جماجم ليقابل بها جماجم الأبطال، وجعل كثرة تفريقه له ضربا فيها، وذلك يوقع هيبة في قلوب الرجال، فكأنه وقع في جماجم الأبطال.
وقوله:
رجل طينه من العنبر الورد وطين العباد من صلصال
فبقّيات طينه لاقت الماء فصارت عذوبة في الزّلال
قال: زعم أن بقايا طينه لاقت الماء فصارت عذوبة فيه، والطيب ليس للعذوبة، وكان تشبيهه بغير ذلك أحسن في هذا الموضع، فلو قال: لاقى زهر الربيع أو نحو ذلك لكان أشبه من عذوبة الماء.
وأقول: أن الطّيب يكون في الرائحة وفي الطّعم، فوصف طينه الذي جبل منه بالطّيب في الرائحة، فجعله لن العنبر، ووصفه مع ذلك بالطّيب في الطّعم، فجعله يطيب الماء عذوبة، لأن التّرب ما يكون ملحا، ومنه ما يكون مرّا، ومنه ما يكون حلوّا طيبا، والمياه إنما يكون طعمها طعم الأرض التي تكون فيها، لمجاورتها واكتسابها
منها، فعلى هذا التّفسير قوله: لاقت الماء، أحسن من قوله: لاقت الزّهر، وقد روي: طينه وطيبه وكلاهما يؤدي ذلك المعنى، ويراد بطيبه، على هذا التّفسير، طيب الطعم، لا طيب الرائحة، لئلا يتوجّه عليه ما ذكره الشيخ.
وقوله:
تحقّر عندي همّتي كلّ مطلبويقصر في عيني المدى المتطاول
وما زلت طودا لا تزول مناكبيإلى أن بدت للضّيم فيّ زلازل
لم يذكر الشيخ أبو العلاء، ما في هذا المكان من التّباين، وهو وصف همتّه بالعظم، وانّ المدى المتطاول يقصر في عينه، وإنه طود لا يزول، وذلك يمنعه
من أن يضام أقلّ ضيم، فكيف جعل للضّيم ولازب بدت في هذا الطّود الذي لا يزول؟ ومن المجترئ على هذا الخطر العظيم، والمتعرّض لهذا الخطب الجسيم؟ وهذا تباين بيّن. وقد قال الشيخ الكنديّ: نزل من سماء تعاظمه إلى قعر الاعتراف بحلول الضّيم به سريعا.
وقوله:
تدري القناة إذا اهتزّت براحتهأن الشّقيّ بها خيل وأبطال
قال: ادّعى للقناة الدراية بما يفعله الفارس الذي هي معه، وهذا مدح للقناة وليس للفارس فيه فضيلة، ولكنه من المبالغة التي تستحسنها الشعراء.
وأقول: بل مدح للفارس لا للقناة! وفيه له أوفى فضيلة (لأنها آلة في يده (!) وذلك إنه جعل القناة كأنها تدري، لما عودّته والفته في صحبته من إنها إذا هزّها اعملها (بالطّعن) في صدور الخيل وصدور الأبطال.
وقوله:
لا يعرف الرّزء في مال وفي ولدإلا إذا حفز الأضياف ترحال
قال: المعنى، أن هذا الممدوح يعدّ رحيل الضيّف رزئه، وهذه مبالغة تخرج إلى غير الحقّ لأن رحيل الضّيف منفعة له، إذا كان مسافرا، وإنما يعبر بالمضيف كالمجتاز، واجتيازه أن لا يثبّت عن طريقه، فزعم أن هذا المذكور، لا يعرف الرّزء في المال والولد إلا إذا الضّيف حفزه الرّحيل.
وأقول: أن قوله هذا فيه عيب لقول أبي الطيب وتخطئه له، وهو كما قال:
وكم من عائب قولا صحيحاوآفته من الفهم السّقيم
وقوله: إن هذا، مبالغة تخرج إلى غير الحقّ، لأن رحيل الضّيف منفعة له.
فيقال: إنما كانت هذه المبالغة غير حقّ لو إنه أمسك الضّيف وأجبره على المقام،
ومنعه من الرّحيل الذي له فيه منفعة، وبه مصلحة كما ذكر، وأبو الطيب لم يتعرّض لشيء من ذلك، وإنما أخبر وبالغ أن هذا الممدوح إذا نزل به ضيف ورحل عنه حزن عليه، فكأنّه رزئ من ماله أو ولده، لأنه يسرّ بمقامه عنده، كثيرا كان المقام أو قليلا، مجتازا كان الضّيف أو متمهّلا.
وقوله:
يروعهم منه دهر صرفه أبدامجاهر، وصروف الدّهر تغتال
قال: جعل الممدوح دهرا يغول الأعداء جهارا. وصروف الدّهر تغتال، أي: تجيئهم هم لا يعلمون، وهذا يطرقهم وهم يعلمون.
وأقول: هذا قول أبي الطيب بعينه! ما فسّره بل كرّره! وتفسير هذا البيت هو تعليله، وهو أن يقال: إنما يجاهر الأعداء ولا يختالهم لعظم شجاعته، وفرط إقدامه، وكثرة
اقتداره عليهم وقلّة احتفاله بهم،
وهذا مثل قوله:
ولم أر أرمى منك غير مخاتلوأسرى إلى الأعداء غير مسارق
وفيه تفضيل له على الدّهر، كأنه يقول: هذا الممدوح دهر في أذى الأعداء، لا كالدّهر لأن هذا مجاهر وذلك مخاتل.
وقوله:
وإنما يبلغ الإنسان طاقتهما كلّ ماشية بالرّجل شملال
لم يذكر معنى البيت، وإنما ذكر لغة شملال وهي الحسنة المشي، السريعة السّير، والمعنى إنه ضرب مثلا لما ذكره في البيت الأول، من اختلاف أحوال النّاس في الجود، وإنهم يتفاوتون به في الزّيادة والنّقص، كاختلاف أحوال الإبل في السّرعة والبطء، والقوّة والضّعف، كأنه يقول: هذه طبائع يتفاضل الناس فيها كتفاضل الإبل، فلا يقدر الإنسان على ما يقدر عليه الآخر.
وقوله:
يشتاق من يده إلى سبلشوقا إليه ينبت الأسل
قال: يقول يشتاق من يده إلى مطر ينبت الأسل - أي: الرّماح - شوقا إليه لأنه يطعن به الأعداء.
وأقول: الصحيح، أن الضمير في إليه عائد على السّبل، وأراد بذلك المبالغة.
يقول: أن الممدوح يشتاق من يده إلى جود ينبت القنا شوقا إليه، فما ظّنك بالنّاس في الاشتياق! والأسل لمّا كان نبتا جعله يشتاق من يده مطرا، فالأيدي، وان كانت محلّ الرّماح، فليس فيها ما في يد الممدوح من المطر. فقوله: إنما تنبت الرماح شوقا إليه لأنه يطعن به الأعداء، وجعل طعنه الأعداء سببا لنبتها وشوقها إليه غير صحيح، لأن غيره أيضاً يطعن بها الأعداء، وإنما شوق الأسل إلى ما في يده من السّبل، والطّعن في قول من علّل شوقها بالطعن.
وقوله:
وإذا القلوب أبت حكومتهرضيت بحكم السيوف القلل
قال: يقول: إذا أبت قلوب الأعداء ما يحكم به، رضيت القلل أن يصيبها سيوفه.
فيقال له: ما زدت في الشّرح على ما ذكر أبو الطيب في النظم! وكأنّ الشيخ قد التزم في (كل) مكان من شعر أبي الطيب، دق ّمعناه، أن يفسّره بإعادة لفظه! وهذا يتساوى فيه الأبله والفطن!
ويقال له ولأبي الطّيب: ولم كانت الرؤوس ترضى بحكم السّيوف إذا أبت القلوب حكومة الممدوح، والرّضا عبارة عن الإيثار والاختيار والمحبّة، وهي لا تختار وتؤثر أن تفلّق وتقطّع! والجواب عنهما بقول أحدهما:
رضوا بك كالرّضا بالشّيب قسراوقد وخط النّواصي والفروعا
وأقول: أن الرؤوس كأنها لمّا لم تمتنع على السّيوف وأجابت بقطعها وتفليقها،
أشبهت الراضي بانقياده وإجابته، فقيل: رضيت وإن لم يكن ثمّ رضا، فهذا أبلغ ما يفسّر به هذا البيت.
وقد ذكر الشّيخ الكنديّ، أن مصافحة السيوف للرؤوس رضا منها بحكمها، وهو كناية عن قطعها، ويقرب مما فسّرته.
وقوله:
لو جذب الزّرّاد من أذيالي
مخيّرا لي صنعتي سربال
ما سمته سرد سوى سذوال
قال: يقول: لو أن الزّرّاد خيّرني فقال: ما تريد أن اصنع لك من اللباس؟ لم اسمه شيئا، سوى سروال من زرد، لأن لي درعا ومغفرا.
وقال ابن جني: لما طلبت منه أن يصنع لي سوى سراويل من حديد تحصّن عورتي.
فالشيخ أبو العلاء أراد: ليكمل عنده بالسروال لباس الحديد، وابن جني أراد وصفه بالعفّة، والأجود قول ابن جنّي إذا وضع موضع: أحصّن عورتي: أحصّن فرجي كقوله تعالى: (الّتي أحصنت فرجها)، وقول أبي الطيب،
ومنه البيت
الأول:
ولا عفّة في سيفه وسنانهولكنّها في الكفّ والفرج والفم
وقوله:
وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمهبأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
قال: شبّه وفاء صاحبيه بالرّبع أشجى ما يكون إذا درس، وكأنه لامهما على إنهما لم يسعداه.
و (أقول): هذا ليس بشيء يعوّل عليه ولا يمال إليه! والتقدير الصّحيح إنه خاطب
صاحبيه فقال: وفاؤكما بأن تسعدا بالدّمع كالرّبع، أي: ينبغي أن يكون مثل الرّبع، أي: على قدر حال الرّبع، فالرّبع أشجاه طاسمه، والدّمع أشفاه للمحب ساجمه، فالتشبيه وقع بين الوفاء بالدّمع وبين الرّبع من جانب الكثرة، وهذا، كما يقال: إعطاؤك المال كالحمد، فالحمد أفخره أكثره، والعطاء أفضله أجزله. فعلى هذا، لا يكون التّشبيه وقع بين الوفاء والرّبع من جانب الدّروس، كما ذكر، لأنه لا يساعده عليه آخر البيت، وذلك إنه إذا قال: وفاؤكما بأن تسعدا بالدّمع كالرّبع أشجاه طاسمه، فما يصنع بقوله:
والدّمع أشفاه ساجمه؟
وقوله:
بليت بلى الأطلال أن لم اقف بهاوقوف شحيح ضاع في التّرب خاتمه
قال: وصفه نفسه بطول الوقوف، وشبّه وقوفه بوقوف شحيح ضاع في التّرب خاتمه، فهو يطلبه، وينظر إلى الأرض لعلّه يظهر له. وقد جاء نحو من هذا في وصف الإبل، قال الرّاجز:
إذا قطعن علما بدا علم
يبحثن بحثا كمضلاّت الخد
حتّى يوافين بنا إلى حكم
وأقول: إنه يصف نفسه بذلك، مع ظهور الحزن والكآبة، كفعل الشّحيح إذا ضاع خاتمه في التّرب، وقد بيّن ذلك بقوله فيما بعده:
كئيبا توقّاني العواذل............
وأمّا قول الشّيخ: وقد جاء نحو من هذا في وصف الإبل فلم يرد التّشبيه بين الإبل في سيرها وبين وقوف أبي الطيب في الرّسوم، لأن الراجز وصف الإبل بسرعة السّير، وإنها تبحث التّرب بأيديها كما تبحثه النّساء اللواتي أضللن خدمهنّ - أي: خلاخيلهنّ - كقول الفرزدق:
تنفي يداها الحصى في كلّ هاجرةنفي الدراهيم تنقاد الصّياريف
وأبو الطّيب يصف نفسه بطول الوقوف، وإنما المناسبة وقعت بينهما من جانب أن أبا الطّيب أضل خاتمه وأولئك اضللن خلاخيلهنّ.
وقوله:
أين أزمعت أيّهذا الهمامنحن نبت الرّبى وأنت الغمام
قال: قوله: نحن نبت الرّبى إنما جاء بالرّبى لإقامة الوزن، ولو أمكنه أن يقول: نحن النّبت وأنت الغمام لكان ذلك أعمّ. ويجوز أن يقال: إنما خصّ الرّبى لأن النّبت عليها احسن منه في الوهد، وقد أبان الطّائيّ عن هذا فقال:
غير أن الرّبى إلى سبل الأنواء أدنى والحظّ حظّ الوهاد
وأقول: إنه لم يتنبّه للمعنى في التّفسير الأول الذي نسبه فيه إلى الضرورة
ولا للتفسير الثاني الذي أراد به تصحيح الأول.
والمعنى، إنه ليس لنا نفع إلا بك، ولا حياة إلا منك، لأنك غمام، ونحن نبت الرّبى، ونبت الرّبى ليس له شرب إلا من الغمام بخلاف نبت الوهاد، فأنه يشرب من الغمام وغيرها. والبيت الذي أنشده لأبي تمّام تبيينا لهذا المعنى، ليس بينه وبينه مناسبة، إلا باللفظ لأن معناه أن الرّبى قريبة من السّبل، (والوهاد) بعيدة، فكان ينبغي أن يكون القريب أكثر حظّا من البعيد، لكنّ الوهاد بخلاف ذلك، فأنها أكثر حظا بما يصير إليها ويستقرّ فيها من الغيث.
وقوله:
ليت أنا إذا ارتحلت لك الخيل وأنا إذا نزلت الخيام
قال: تمنّى أن يكون غير مفارق له في المسير والمقام، وقد عاب بعض الناس هذا القول على أبي الطّيب، وقالوا: الخيام تكون متعالية على من فيها، ولذلك قال:
لقد نسبوا الخيام إلى علاء............
البيت والذي يليه.
وحجة المتنبي في هذا واضحة، لأن الخيمة إنما هي خادمة لمن يحلّ فيها، تصدّ عنه الشمس، وغيرها من المؤذيات.
وأقول: إنه لمّا تمنّى ذلك، لأن الخيل لا تبلغ من الرّفق بالممدوح، والخيام من الوقاية له، ما يبلغه الناس إذا كانوا بمكانهما، لأن الإنسان يعقل ذلك فيفعله على ما يوافق المصلحة وتقتضيه أغراض المخدوم، بخلاف الخيل والخيام، فأنها حيوان وجماد لا يتأتّى منها ذلك. فهذا التّفسير ليس عليه دخل لعلوّ الخيام عليه، على إنه لا يلزم، إذا شبّه شيء بشيء، أو مثّل به، أو يساويه من كلّ وجه، حتى إذا تمنّى أن يكون من الخيام أو من الثّياب أو من الدّروع ليقيه الأذى بنفسه لزم أن يكون اشرف منه، لأنه قد علاه وقاه، هذا لا يقوله محصّل، وهذا مأخذ من في عين قلبه أخذ!!
وقوله:
وإذا انتضاك على العدا في معركهلكوا وضاقت كفّه بالقائم
قال: يقول: شأنك عظيم، فإذا انتضاك الخليفة لأمر لم تسع كفّه قائمك فيذرك تفعل الأشياء وأنت بها منفرد.
وأقول: إنما أراد أن سيف الدولة إذا انتضاه الخليفة على العدا أهلكهم لمضائه، وضاقت كفّه به، لأنه أعظم من أن يحمله وتضرب به يده، إنما تحمله وتضرب به يد الله، ويكون:
............... ضاقت كفّه بالقائم
كقوله:
............ وفي يد جبّار السّماوات قائمه
وقوله:
فجاز له حتّى على الشّمس حكمهوبان له حتى على البدر ميسم
(قال): هذه مبالغة، وكأنها استحسنها الشّعراء، وكان يجب على الممدوح أن ينكرها، لأنه مخلوق يوصف بصفة الخالق - تعالى الله عن قول المبطلين - فجاز له حكمه على الشّمس، وبان له ميسم على البدر.
وأقول: أن هذا تشنيع على المادح والممدوح في غير موضعه، من غير تأمل للّفظ وتدبّر للمعنى. وجملة البيت ومعناه، وصفه بالشّجاعة والحسن، فجعل له حكما على الشّمس في الحرب بأضعافها وتغطيتها بالعجاج، وجعل له ميسما ظاهرا على البدر بنور وجهه، وحسن بشره. ولأبي الطّيب في مديح سيف الدولة وغيره من الإغراق ما يزيد على هذا، ثم لم ينكره!
وقوله:
فهنّ مع الغزلان في الواد كمّنوهنّ مع النّيان في الماء عوّم
قال: كثر الوادي في كلامهم، حتى حذفوا منه الياء، والأجود إثباتها مع الألف واللام كما قال سحيم:
ألا أيّها الوادي الذي ضمّ سيلهإلينا نوى الحسناء حيّيت واديا
وأمّا قولهم:
إنك لو ذقت الكشي بالأكباد
لما تركت الضّبّ يعدو بالواد
فإنّما حذفوا الياء للقافية.
وأقول: الأجود حذفها في بيت أبي الطيب، وان لم تكن في قافية، لأجل الموازنة بين الواو والماء والغزلان والنّينان وكمّن وعوّم. وقد جاء حذفها في القرآن في الفاصلة مقوله تعالى: (وثمود الذين جابوا الصّخر بالواد)، وفي غير الفاصلة
كقوله: (إذ ناداه ربّه بالواد المقدّس طوى). وفي قول الشّاعر (في غير القافية)
......... وماقرقر قمر الواد بالشّاهق
وقوله:
ضلالا لهذي الرّيح ماذا تريدهوهديا لهذا السّيل ماذا يؤمّم
قال: دعا على الرّيح فقال: ضلّت ضلالا لقولهم: هو يباري الريح جودا، إذا وصفوه بالكرم، أي: إنها أن هبّت تباريك فقد ضلّت. وقال: هديا لهذا السّيل: كأنه دعاء له بالاهتداء، أي: أقول له: هداه الله! ماذا يؤمّم؟ أي: ماذا يقصد؟
وأقول: إنه علّل دعاءه على الرّيح بما ذكره من قولهم: فلان يباري الرّيح جودا، كقول أمية بن أبي الصّلت:
يباري الرّيح مكرمة وجوداإذا ما الكلب أجحره الشّتاء
ولم يعلّل دعاءه للسّيل، وذلك أن السّيل جاءه تاليا له، متعلّما منه، فكان بمنزلة الصّاحب المداري، والرّيح بمنزلة المقاتل المباري.
وقوله:
رجلاه في الرّكض رجل واليدان يدوفعله ما تريد الكفّ والقدم
قال: قوله:
............ ما تريد الكفّ والقدم
هو جواد مؤدّب، فإذا قصّر عنانه قصّر في الجري، وإذا أرخي له العنان بذل ما يريده الرّاكب من الجري. وكذلك أن حرّك عليه الفارس قدمه ليمتري حضره، فأنه يسمح له بما يرضيه.
وأقول: هذا وجه حسن، ويحتمل وجها آخر، وهو أن الكفّ والقدم تريدان الراحة بترك الضّرب له بالسّوط، والرّكل بالرّجل، أي: لا يحوج إلى ذلك، بل يعطي
الجري عفوا من غير اقتضاء بذينك.
وقوله:
ومرهف سرت بين الموجتين بهحتى ضربت وموج الموت يلتطم
قال: جعل نفسه سائرا بين الموجتين، أي بين القرنين، يخاف منهما الموت، واستعار للموت موجا، إنما هو للبحر وما جرى مجراه من المياه الكثيرة، كالفرات وغيره من الأنهار.
وأقول: لم يعن بالموجتين القرنين، وإنما عنى بهما الكتيبتين، وقوله:
............ وموج البيت يلتطم
أي: في حال هيج للقتال وشدّته.
وقوله:
وكان بها مثل الجنون فأصبحتومن جيف القتلى عليها تمائم
قال: ادّعى أن الحدث كان بها مثل الجنون، ويجوز أن يكون اهلها، فأمّا الحدث فمعلوم إنها لا تحسّ بخير ولا شرّ.
فيقال له: لم يرد بذلك إلا الحدث نفسها، وان كانت لا تحسّ بخير ولا شرّ، على وجه الاستعارة والمجاز، لا الحقيقة.
يقول: أن الحدث كانت من خوفها الروم، بمنزلة المجنون، أي: قلقة مذعورة، فلمّا قتلوا، كانت جثثهم عليها بمنزلة التّمائم، فقرّت وسكنت، كما يقرّ المجنون ويهدأ إذا علقت عليه التّمائم.
وقوله:
وقفت وما في الموت شكّ لواقفكأنّك في جفن الرّدى وهو نائم
قال: يقول: وقفت في وقت، من وقف فقد أيقن بموته، فكأنّك في جفن الرّدى، وهو نائم لا يحسّ بك.
وأقول: أن هذه الزيادة التي هي قوله: لا يحسّ بك لا أرى لها وجها من الصّواب يحمل عليه، ويوجّه إليه. والمعنى: وصف الحالة التي كان فيها من الحرب بالشدّة، وإن الواقف لا يشكّ في الموت، وإنّ سيف الدولة قد أحاط به الموت من كلّ جانب وأطبق (عليه)، وإنه في تلك (الحالة) التي تتغيّر فيها الوجوه، وتعبس خوفا من الموت، وتنهزم الأبطال كلمى، وجهه وضّاح وثغره باسم!
وقوله:
أينكر ريح اللّيث حتى يذوقهوقد عرفت ريح اللّيوث البهائم
قال: يقول: ألم يشمّ هذا الدّمستق رائحة اللّيث، فيعلم إنه أن وقف فرسه، فقلّة فطنته تمنعه من أن يهرب حتى يذوقه الليث، فعند ذلك يفرّ، والبهائم إذا وجدت رائحة الأسد فرّت منه.
وأقول: إنه توهّم الضّمير في قوله: يذوقه راجع إلى اللّيث، وليس كذلك، لأنه لو ذاقه الليث، لم يمكنه الفرار، وإنما هو راجع إلى الدّمستق، وضرب له مثلا مع سيف الدولة بالليث والبهائم، يقول: أن أمر سيف الدولة مع الشّجاعة والنّجدة وإهلاكه لمن يقاومه ظاهر لا شكّ فيه، فكان يكفيك من ملاقاته ما تسمع من أخباره فتبعد عنه فتسلم، ولا تدنو منه فيهلكك، فأنت في ذلك أسوأ حالا من البهائم، لأنّها تشمّ رائحة الأسد فتفرّ منه فتسلم، وأنت لا يكفيك الشمّ دون الذّوق فتهلك.
وقوله:
وقد فجعته بابنه وابن صهرهوبالصّهر حملات الأمير الغواشم
قال: أشبه الاشياء، أن تكون الفاجعة (له) الخيل، لتقدّم ذكرها.
وأقول: هذا خطأ، لأن الضّمير الذي في فجعته إذا جعله راجعا إلى الخيل التي تقدّم ذكرها لم تبق حملات متعلّقة بشيء، فحملات هاهنا فاعل فجعته لا الخيل،
وقد تبعه التبريزيّ في هذا الموضع، فنقل لفظه ولم يتدّبر معناه، فلزمه من ذلك ما لزمه.
وقوله:
مضى يشكر الأصحاب في فوته الظّبالما شغلتها هامهم والمعاصم
ويفهم صوت المشرفيّة فيهمعلى أن أصوات السّيوف أعاجم
قال: ادّعى الشّاعر، إنه يفهم صوتها على بعد، وهو نحو من قول مهلهل:
ولولا الرّيح أسمع أهل فلجصليل البيض تقرع بالذّكور
وأقول: ليس في كلامه ما يدلّ على إنه يسمع صوتها على بعد، وذلك أن (قوله:) ويفهم معطوف على قوله مضى يشكر فيشكر في موسع الحال، والتّقدير: فرّ شاكرا الأصحاب وفهما صوت المشرفيّة، وهذا يدلّ على القرب لا البعد، لأنه إنما شكرهم في حال شغلهم السّيوف عنه، وهو معهم في الجيش، قريبا منهم، ولو
كان بعيدا لما شكرهم على ذلك،
وفي حال فهمه صوت السّيوف إنها قواض بشدة أصواتها لقوّة الضّرب، وهذا مثل قوله:
نواطق مخبرات في جماجمهم.........
فإذا ثبت هذا، لم يصحّ تمثيل هذا البيت ببيت مهلهل لأنه يضادّه.
وقوله:
على كلّ طيّار إليها برجلهإذا وقعت في مسمعيه الغماغم
قال: قد سبقت العرب إلى تشبيه الفرس بالطّائر، وانشد قول الرّاجز:
فيقال له: تشبيه الفرس بالطّائر مشهور، غير محتاج إلى الاستشهاد عليه بالرّجز دون القصيد. والعرب وان سبقت بهذا التّشبيه، فقد سبق أبو الطّيب بحسن
الاستعارة وحلاوة اللفظ وجزالته بقوله:
...... طيّار إليها برجله............
وهذا البيت من الأبيات السّيارة المختارة، فلا ينقصه سبق غيره إلى معناه.
وقوله:
حذارا لمعروري الجياد فجاءةإلى الطّعن قبلا ما لهنّ حزام
قال: بالغ في مدحه مبالغة وجب أن ينزّهه (معها) عن اعريراء الجياد، إذ كان ذلك، لا مفخر فيه لمثله.
فيقال: هذه المبالغة، وهي سرعة إجابة داعي الوغى إلى الطّعن، لا تكمل إلا بهذه الصفة. ولم قلت: أن هذه الصفة لا مفخر فيها، حتى تنزّهه عنها؟! وسيف الدولة عربيّ، وتلك من عادات العرب عند سرعة إجابة الدّاعي. وقد قال ابن هرمة في عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك:
إذا قيل أي فتى يرتجىلمعترّ فهر ومحتاجا
ومن يعجل الخيل يوم الوغىبألجامها قبل إسراجها
أشارت نساء بني مالكإليك به من قبل إزواجها
وقد أنشد الشيخ هذا الشّعر في هذا الموضع، فكيف ناقض؟ وكيف ساغ لابن هرمة أن يمدح ابن خليفة بذلك، ولا يسوغ لأبي الطّيب أن يمدح ابن حمدان بمثله؟!
(قوله:
فإن كنت لا تعطي الذّمام طواعةفعوذ الأعادي بالكريم ذمام
قال: يقول: أن كنت لا تعطيهم ذمامك، وأنت مقيم، فكأنك قد أعطيتهم ايّاه، لأنّ العوذ بالكريم ذمام.
وأتّبعه التبريزي في ذلك التّفسير، حذو النّعل بالنّعل!
وأقول: أن قوله: وأنت مقيم، فكأنّك قد أعطيتهم إياه ليس بشيء! لأنه تفسير البيت
بما ليس فيه. والمعنى: إن كنت لا تعطي الرّوم الذّمام، أي: الصّلح طوعا من نفسك، ونفسك تأبى ذلك ولا تريده، فقد عاذوا بك، وأنت كريم، وعوذ الأعادي بالكريم ذمام، فقد وجب لهم الذّمام.
وقوله:
ويجعل ما خوّلته من عطائهجزاء لما خوّلته من كلامه
قال: ادّعى أن الممدوح خوّله الكلام الذي يمدحه به، فلمّا مدحه بالكلام الذي وهبه له، جازاه عنه بأن خوّله نوالا من غير الكلام.
وأقول: ينبغي أن يزاد على هذا فيقال: مفهوم هذا البيت: أني أمدح سيف الدولة بكلام فصيح، ملكته من كلامه، ويجعل ما ملكته من عطائه جزاء عليه، وذلك على خلاف العادة، لأن الجزاء للشّاعر إنما يكون على ما يأتي من كلام نفسه لا كلام غيره، وقد لطف هذا المعنى، وهو من قول أبي تمّام:
......... نأخذ من ماله ومن ادبه
وقوله:
لو كلّت الخيل حتّى لا تحمّلهتحمّلته إلى أعدائه الهمم
قال: يقول: لو أن الخيل كلّت حتى لم تستطع حمله إلى الاعداء، لحملته إليهم الهمم، وليس هذا المعنى مستحيلا استحالة غيره، لأن كثيرا من النّاس يقصد عدوّه وليس بالرّاكب، كانت جماعة من العرب تغير على أرجلها، كالشّنفرى وتأبّط شرّا والسّليك ابن السّلكة.
وأقول: أن قوله وليس هذا المعنى مستحيلا كاستحالة غيره غير صحيح
لأن قصد الإنسان عدوّه راجلا، غير مستحيل على الإطلاق، فكيف يقول: مستحيلا كاستحالة غيره ويمثّل بالشّنفري وأمثاله؟ ولم يرد بقوله: تحمّلته... الهمم سيره غير راكب، كما ذكر، ولكنه وصف الممدوح بكثرة سيره إلى الأعداء.
وقال: لو قدّر أن الخيل تكلّ من طول السّير وكثرة الغزو، حتى لا تحمّله، حملته همّته لقوّتها ومضائها، فأنّها لا تضعف ولا تكلّ، فجعل الهمم، وهي خواطر وأعراض تخطر وتعرض في قلبه تحمله على ما يحاول من ذلك بمنزلة الأجسام التي تحمله من الخيل توسّعا ومجازا. وهذا إفراط في المجاز، وهو غير بعيد عن الجواز.
وقوله:
ولم تتمّ سروج فتح ناظرهاإلا وجيشك في جفنيه مزدحم
قال: إنما يصف الممدوح بأنه أنجدهم إنجادا سريعا.
فيقال له: ليس في هذا إنجاد لأحد تقدّم هذا الجيش حتى ينجده، وإنما يصفه بسرعة سيره إلى العدوّ، ومروره في بلاده اليه، بما ذكره من قوله:
والنّقع يأخذ حرّانا............
وقوله:
سحب تمرّ بحصن الرّان............
وقوله:
جيش كأنك في ارض تطاولهفالأرض لا أمم والجيش لا أمم
قال: يقول: كأنّك في ارض تطاوله وهي واسعة جدا، وعدد الجيش كثير، فكلاهما غير أمم، والأمم: الشّيء بين الشّيئين، يقال: دار بني فلان أمم، أي: بين القريب والبعيد.
فيقال له: لو أن الأمم كما فسّرت، لم يصحّ معنى البيت، لأنك إذا نفيت أن يكون الشيء بين القريب والبعيد، لم تنف القرب ولا البعد، بل نفيت حالة ثالثة بينهما، فإذا كان كذلك احتمل أن يكون الجيش قريبا، وكذلك الأرض، فلا يكونان واسعين، بعيدي الطّرفين، (وذلك بضدّ المعنى الذي أراده). والصّحيح، أن الأمم
القريب، هاهنا، وعليه يصح المعنى، يقول: الأرض لا قريبة بل بعيدة ما بين الطّرفين، والجيش كذلك.
وقوله:
إذا مضى علم منها بدا علموإن مضى علم منه بدا علم
قال: ولو قال:
......... وإن مضى عالم بدا منه علم
لكان أحسن في حكم الشّعر ولعلّ أبا الطّيب كذلك قال، لأنّ تكرير العلم في البيت كثر.
وقوله في صفة الجيش: وإن بدا عالم منه يقلّل من كثرة العلم ويدلّ على كثرة الجيش.
أقول: أن كثرة لفظ علم لكثرة الفائدة وحسن الصّناعة، والعلمان وإن اتّفقا في اللّفظ، فقد اختلفا في المعنى، فكأنّه يقول: إذا مضى جبل من الأرض، بدا لواء من الجيش، وإن مضى لواء من الجيش، بدا جبل من الأرض. فهذا احسن ما يكون من المعنى واللفظ. فلا يحسن أن يقال: وإن مضى عالم من الجيش لأنه لا يقابل النصف الأول في اللفظ فينحلّ تركيب البيت، وتسقط قوتّه. فالصواب إلقاء هذا التّغيير، وإبقاء علم على ما فيه من التّكثير!
وقوله:
وأصبحت بقرى هنزيط جائلةترعى الظّبا في خصيب نبته اللّمم
قال: قوله: ترعى الظّبا في ترعى ضمير يعود إلى الخيل، ويعني بالخصيب الشّعر.
وأقول: إنه يحتمل أن يكون الظّبا فاعله ومفعوله، فإذا كانت فاعله فليس في ترعى ضمير، وان كانت مفعوله (وهو الأحسن)، ففيه، كما ذكر، ضمير يعود
على الخيل، فتكون الخيل راعية والظّبا مرعيّة، ترعى في خصيب، أي: (في) مرعى خصيب، يعني الهام، نبت ذلك المرعى اللّمم، أي الشّعر الذي ألمّ بالمنكب فعلى هذا تفسيره الخصيب بالشّعر خطأ.
وقوله:
وفي أكفّهم النّار التي عبدتقبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
قال: يعني بالنار السّيوف، لأنها معروفة قبل أن تعبد المجوس النار. وجعلها معبودة لأنها تهاب، ويغلب بها على الممالك، ويذلّ بها الأعزاء، فكأنها أرباب معبودة، وإنما يعني أصحاب السّيوف، فجعل الخبر عنها، وذلك كثير، يسمّون الشّيء باسم ما قاربه ويصفونه بصفته.
(وأقول:) وهذا الذي ذكره ليس بشيء! والمعنى: إنه جعل السّيوف نارا لتوقّدها وبريقها، وفضّلها على نار المجوس، بتقدّمها عليها في العبادة، وتأخّرها عنها بالاضطرام، وذلك أن نار المجوس خمدت، وهذه إلى اليوم تضطرم. وقوله: عبدت أي: ذلّ لها،
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع