من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
إنَّ الشقراء لم يعد شرها رجليها
الشقراء: فرس جمحت بصاحبها فأتت على وادٍ وهمت أنَّ تثبه، فقصرت ووقعت، فاندقت عنقها وسلم صاحبها. فسئل عنها فقال: إنَّ الشقراء لم يعد شرها رجليها، أي لم يتجاوزها إلى غيرها. ويقال فرس رمحت ابنها فقتلته. والمعنى إنَّ الشر لم يتجاوز ما كان برجلها، فيضرب في النحو هذا من الشيء النازل
ولم يتعد. وكان عتبة بن جعفر بن كلاب أجار رجلا من بني أسد فقتله رجل من بني كلاب، فقال بشر بن أبي حازم الأسدي يهجو عتبة:
فأصبحت كالشقراء لم يعد شرهاسنابك رجليها وعرضك أوفرُ
وفي الشقراء كلام آخر يأتي إن شاء الله تعالى.
إنَّ الشقي وافد البراجم الشقاء: العسر والشدة، يمد ويقصر. يقال: شقي الرجل بالكسر، يشقى، شقاوة بفتح الشين وكسرها، وشقا وشقاء وشقوة بالفتح والكسر أيضاً فهو شقي. والوافد: القادم؛ يقال وفد علي يفد أي قدم فهو وافد وهو وفد وأوفاد ووفود. ومن الأول قوله تعالى:) يومَ نحشرُ المتقينَ إلى الرحمنِ وفداً (. والمفسرون يقولون: وافدا أي راكبا لأن الوفود سراة الناس. والبراجم: قوم من أولاد حنظلة بن مالك بن عمرو بن تميم.
المثل لعمرو بن هند وهو عمرو بن المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي اللخمي بن أخت جذيمة الأبرش ملك الحيرة. وكان سبب ذلك أنَّ أخاة اسعد بن المنذر كان في بني دارم مسترضعا في حجر زرارة بن عدس الدارمي ويقال في حجر حاجب بن زرارة. فلما شب خرج يوما يتصيد فعبث كما تعبث الملوك لمّا انصرف من صيده وبه نبيذ، فرماه رجل من بني دارم بسهم فقتله. وقيل مرت به ناقة كوماء فعبث بها ورمى ضرعها، فشد عليه ربها سويد، أحد بني عبد الله بن دارم فقتله، ثم هرب فلحف بمكة وحالف قريشا. وكان زرارة بن عدس من خواص عمرو بن هند. وكان عمرو قبل ذلك قد غزا قوما من العرب ومعه زرارة فأخفق. فلما انتهى عبد رجوعه إلى جبل طيء قال له زرارة: أيّها الملك! إنَّ رجوع مثلك إذا غزا بغير شيء لعظيم، وها هي طيء بجنبك. فمال عليها أبن هند فقيل وأسر. فاضطغنت طيء من ذلك على زرارة وجعلوا يتربصون به فرصة، فلما بلغهم إنَّ دارما قتلت اسعد وكتم عمرو بن هند ذلك في نفسه،
قال عمرو بن ملقط الطائي ينبه عمرا للنهوض إلى أثره ويغريه بقتل زرارة:
من مبلغ عمرا بأنالمرء لم يخلق صباره؟
ها إنَّ عجزة أمهبالسفح أسفل من أوراه
تسفي الرياح خلالكشحي هو قد سلبوا إزاره
فاقتل زرارة لا أرىفي القوم أوفى من زرارة!
فوافى هذا الشعر عمرا وزرارة عنده. فقال له عمرو: ما يقول هذا؟ فقال: كذب قد علمت عداوتهم أي فيك. قال: صدقت! فلما أمسى زرارة، هرب ولحق بقومه. فغزاهم عمرو بن هند وحلف ليحرقن منهم مائة بأخيه. فلما نزل بأوارة، وقد نذروا به، تفرقوا عنه هربا. فتتبعهم حتى قبض تسعة منهم وحرقهم بالنار. فأراد إنَّ يكمل العدة بعجوز منهم. فلما أمرها قالت: إلاّ فتى يفدي هذه العجوز بنفسه؟ ثم قالت: هيهات! صار الفتيان حمما. ومر وافد البراجم، فاشتم رائحة الشواء ولم يشعر بالأمر، فظن أنَّ الملك قد اتخذ طعاما. فأقبل نحوه تخب به راحلته لينال منه، حتى وقف على عمرو فقال له: من أنت؟ قال: أبيت اللعن! أنا وافد البراجم. فقال عمرو: إنَّ الشقي وافد البراجم. فذهبت مثلا. ثم أمر به فقذف في النار.
يضرب هذا المثل في الإنسان يجلب الحين على نفسه وهو من باب قولهم: بحث عن حتفه بظلفه، وسيأتي. وبهذه الواقعة سمي عمرو بن هند محرقا لتحريقه بني تميم. وقيل سمي محرقا لعتوه وفساده في الأرض فكأنه حرقها. وقيل لتحريقه نخل مللهم، وهو موضع بالبحرين ويسمى أيضاً مضطرب الحجارة لشدة وكأته. وكان جده امرء القيس أيضاً فيما يزعمون يسمى محرقا، وأباه يعني الأسود بن يعفر بقوله:
ماذا أؤمل بعد آل محرقٍتركوا منازلهم وبعد إيادِ
أرض الخورنق والسدير ويارقٍوالقصر ذي الشرفات من سندادِ
جرت الرياح على محل ديارهمفكأنهم كانوا على ميعادِ
وفي هذه القصة يقول الأعشى:
ويكون في الشوفِ الموازيمنقراً وبني زراره
أبناءُ قومٍ قتلوايوم القصيبة والأواره
فجروا على ما عاودواولكلٍّ عاداتٍ أماره
والعود يعصرُ ماؤهولكلٍّ عيدانٍ عصاره
وقال جرير يعير الفرزدق:
أين الذين بنار عمرو حرقوا؟أم أين اسعد فيكم المسترضع؟
وقال أيضاً:
وأخزاكم ربي كما قد خزيتموأدرك عماراً شقي البراجم
وبها أبلغ ليك بني تميمٍبآية ما يحبون الطعاما
وقال آخر:
إذا ما مات ميتٌ من تميمٍفسرك أن يعيش فجئ بزادِ
بخبزٍ أو بلحمٍ أو بتمرٍأو الشيء الملفف في بجادِ
تراه ينقب البطحاء طراليأكل رأس لقمان بن عادِ
ودخل بعض أذكياء بني تميم، ويقال هو الأحنف، على بعض ملوك قريش، ويقال هو معاوية ﵁، فقال له الملك: ما الشيء الملفف في البجاد؟ قال السخينة، يا أمير المؤمنين. أراد الملك أنَّ يعيره بالطعام وأشار إلى الشعر السابق وأراد التميمي تعييره بالسخينة، وهي طعام، وكانت قريش تعير بها. ويشبه هذه القصة في تميم أيضاً ما يحكى أنَّ أعرابيا وقف على الفرزدق فقال له الفرزدق: ممن أنت؟ فقال: من فقعس. قال: كيف تركت القنان؟ قال: تركته يساير لصاف.
أراد الفرزدق قول الشاعر:
ضمن القنان لفقعس سوءاتهاإنَّ القنان بفقعس لمعمرُ
وأراد الفقعسي بقوله يساير لصاف قول آخر:
وإذا تسرك من تميم خصلةٌفلما يسوءك من تميم أكثرُ
وقد كنت أحسبهم أسود خفيةفإذا لصاف تبيض فيها الحمر
أكلت أسيد والهجيم ودارمأير الحمار وخصيته العنبر
ذهبت فشيشة بالأباعر حولناسرقا فصب على فشيشة أبجر
والقنان، بفتح القاف، جبل لبني أسد، وهو الواقع في قول زهير:
جعلن القنان عن يمين وحزنهومن بالقنان من محل ومحرم
ولصاف، بكسر اللام وبفتحها، معربا ومبنياً على الكسر، جبل لتميم، وهو الواقع في قول النابغة:
بمصطبحات من لصاف وثبرةيزرن إلالاً يسرهن التدافع
ونحوه ما حكى الجاحظ قال: دخل رجل من محارب على عبد الله بن يزيد الهلالي، وهو عامل على أرمينية، وقد بات بقرب غدير فيه ضفادع. فقال عبد الله: ما تركتنا أشياخ محارب ننام في هذه الليلة لشدة أصواتها. فقال المحاربي: اصلح الله الأمير! إنّها أضلت برقع لها، فهي بغائه. أراد الهلالي قول الأخطل:
تنق بلا شيء شيوخ محاربٍوما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في الظلماء ليل تجاوبتفدل عليها صوتها حية البحر
وأراد المحاربي قول الشاعر:
لكل هلالي من اللؤم برقعولأبن هلال برقع وقميص
ومما شبه هذا في الذكاء والفطنة ما حكي عن بعض الناس إنّه قال: قعدت على جسر بغداد، فمرت امرأة بارعة الجمال، فائقة الكمال، من الرصافة إلى الجانب الغربي. فاستقبلها شاب ذهب نحو الرصافة، فقال الشاب: رحم الله علي بن الجهم. فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري: ولم يقف واحد منهما، بل مر كلٌ لحاجته،
مشرقاً ومغرباً قال: فتبعت المرأة، فقلت لها: إنَّ لم تقولي ما قلتما. فضحكت فقالت: أراد الشاب قول علي بن الجهم:
عيون المهى بين الرصافة والجسرجلب الهوى من حيث ادري ولا ادري
وأردت أنا قول أبي العلاء المعري:
فيا دارها بالحزن إنَّ مزارهاقريب ولكن دون ذلك أهوال
فانصرفت وتركتها. وبعضهم ينكر في قصة عمرو بن هند التحريق، ويقول إنّه قتل تسعة وتسعين وإكمال العدة بوافد البراجم، وينشد قول الجرير: أين الذين بنار عمرو قتلوا؟ وفي القصة اختلاف وطرق، وسنعيدها في الباء إنَّ شاء الله تعالى على وجه آخر للحاجة إليها هناك.
إنَّ العصا قرعت لذي الحلم العصا معروفة. والقرع: الضرب. والحلم: العقل. ومعنى المثل إنَّ الحليم إذا نبه انتبه. واختلف في أوّل من قرعت له العصا: فقيل عامر بن حممة، وقيل عمرو بن مالك، وقيل قيس بن خالد، وقيل عامر بن الظرب العدواني وهو الأشهر، وكان حكماً من حكام العرب. فلما كبر، قيل وأتى عليه ثلاثمائة سنة أنكر من عقلة شيئاً، وكانت له بنت حكيمة، فكان إذا قعد للناس وصاها إنَّ تقرع له المجن بالعصا إذا زل في كلامة ليرجع. قال الملتمس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاوما علم الإنسان إلاّ ليعلما
وأراد بذي الحلم عامراً، وهو كنينه فيما يزعمون. وقال الحماسي الحرث بن وعلة
الجرمي:
قومي هم قتلوا أميم أخيفإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللاًولئن سطوت لأوهنن عظمي
لا تأمنن قوماً ظلمتهموبدأتهم بالشتم والرغم
إنَّ يأبروا نخلاً لغيرهموالشيء تحقره وقد ينمي
وزعمتم أنَّ لأحلوم لناإنَّ العصا قرعت لذي الحلم
ووطئتنا وطئا على حنقٍوطء المقيد نابت الهرم
وتركنا لحما على وضمٍلو كنت تسبقني من اللحم
قيل: وعامر هذا أوّل من جلس على المنبر وتكلم. وفيه يقول الأسود بن يعفر:
ولقد علمت لو إنَّ علمي نافعٌأنَّ السبيل سبيل ذي الأعداد
وإليه اشار ذو الإصبع العدواني بقوله:
عذير الحي من عدوانكانوا حية الأرض
بغي بعضهم ظلما فلميرع على بعض
ومنهم كانت الساداتوالموفون بالقرض
ومنهم من يجيز الناسبالسنة والفرض
ومنهم حكم يقضيفلا ينقض ما يقضي
يعني عامر بن الظرب، وسيأتي له مزيد من الخبر.
إنَّ فلاناً باقعة الباقعة: الرجل الداهية؛ وأصله البقع في الأرض وهو الذهاب فيها وحوله بقاعها. يقال: ما أدري أين بقع أي ذهب. فالباقعة هو الذي جال بقاع الأرض وعرف خيرها وشرها فاستعمل في الداهية الذكي الذي لا يفوته شيء. ويقال الباقعة هو الطائر يرد البقاع وهي الأمكنة فيها ماء ويحيد عن المشارع والمياه المحصورة خوف أنَّ يحتال عليه فيصاد. فضرب مثلا للرجل الحذر المحتال.
إنّه لحبل من أحبالها
الحبل بكسر الحاء وتفتح الداهية من الدواهي جمعه حبول. قال كثير:
فلا تعجلي يا عز أنَّ تتبينيبنصحي أتى الواشون أم بحبولِ
ويقال للرجل هو حبل من أحبالها إذا كان داهية كالمثل الذي قبله أو كان قائما على المال رفيقا بسياسته.
إنّه لذو بزلاء البزلاء: الرأي الجيد؛ وهو إما مأخوذ من البزول يقال بزل ناب البعير إذا انشق وطلع؛ وبزلت الشيء: شققته فتبزل. فالبزلاء: الرأي الذي ينشق عن الصواب. ويقال: رجل بازل إذا احتنك، تشبيها بالبازل من الإبل. وقال الراعي:
من أمر ذي بدوات لا يزال لهبزلاء يعي بها الجثامة اللبدُ
وأما من البزلاء وهي الداهية العظيمة. ومنه قولهم: فلان نهاض ببزلاء إذا كان مطيقا للشدائد.
إنّه ليسر حسوا في لرتغاء السرار ضد الإعلان؛ والحسو: الشرب؛ يقال: حسا اللبن والماء والمرق وغير ذلك إذا شربه؛ واسم ما يحسى: الحسو، مقصورا وممدودا، والحسو على
مثال عدو، والحسية. ورغوة اللبن، مثلثة الراء، ورغاوته، ورغايته، بضم الراءين، ويكسران: زبدة الطافي فوقه. قال نضلة السلمي في يوم غول، وكان حقيرا دميما، وكان ذا بأس ونجدة:
ألم تسل الفوارس يوم غولبنضلة وهو موتور مشيح؟
رأوه فازدروه وهو حروينفع أهله الرجل القبيحُ
فشد عليهم بالسيف صلتاكما عض الشبا الفرس الجموحُ
فاطلقت غل صاحبه وأردىقتيلا منهم ونجا جريحُ
ولم يخشوا مصاليه عليهموتحت الرغوة اللبن الصريحُ
والصريح: الخالص ويسمى المحض كما قال طرفة:
ويشرب حتى يغمر المحض قلبهوإن أعطيته أترك لقلبي مجثما
وكما قال الآخر: فقل جعل يستق في لبن محض. ويقال: ارتغى الرغوة إذا أخذها بفيه واحتساها.
ومعنى المثل إنّه يحسو اللبن وهو يظهر إنّه يزيل الرغوة بفيه ليصلحه لك.
وضرب لمن يريك إنّه يعينك وهو يجر النفع لنفسه. وكذا من يريد أمرا وهو يظهر غيره. وقيل للشعبي: إنَّ رجلا قبَّل أمَّ امرأته. فقال: يسر حسواً في ارتغاء، وقد حرمت عليه امرأته.
إنّه لساكن الريح مثل لرجل الوادع، وهو في الأصل إما مشبه بزمن قد سكنت ريحه
وهدأت زعازعه، فورد مورد التمثيل؛ وإما مشبه بالريح الساكنة عن الاضطراب، وهو ضرب من التجريد.
إنّه لشرَّابٌ بأنقع الشرَّاب: الشارب بكثرة؛ والأنقع: جمع نقع بفتح فسكون وهو يطلق على الغابر ويطلق على محبس الماء المستنقع، وعلى الأرض الحرة الطين، يستنقع فيها الماء. فيضرب هذا لمن جرب المور وعاود خيرها وشرها أو للداهي المنكر.
قيل: واصله في الدليل وهو إنّه إذا كان بصيرا بالفلوات حذف في الطريق وعلم أين يسلك إلى الأنقع حتى يردها. والأنقع هنا: المياه المستنقعة أو محالها بحسب ما فيها من الماء. فصار مثلا لكل بصير بالأمور يصل منها إلى موارخ.
وقيل أصله أنَّ الطائر إذا كان حذرا منكرا لم يرد المياه التي يردها الناس مخافة الأشراك التي تنصب بحضرتها وإنّما يرد الأنقاع التي في الفلوات أي المياه المستنقعة. وحكى البكري بسنده عن رياح بن زيد قال: سألت أبن جرير عن آية وقلت إنَّ معمرا أخبرني بكذا فقال: إنَّ معمرا شرب العلم بأنقع. قال عبد الرزاق: الأنقع: الصفا الذي يصيبه الغيث فيكون هاهنا ماء وهاهنا ماء.
إنّه لصل أصلال الصل، بكسر الصاد المهملة: الحية الخبيثة لا تنفع فيها الرقى ولا يبل سليمها. قال الشاعر:
والحية الصل لا تغررك هداتهفكم سليم وموقوذ لنكرته!
وقال صاحب تأبط شراً يرثيه:
مطرق يرشح موتا كما أطرقأفعى ينفث السم صلُّ
وجمعه أصلال فضرب للرجل الداهي في الخصومات وغيرها، كأنه لحية الحيات. قال الشاعر:
ماذا رزئنا به من حيةٍ ذكرٍنضناضةٍ بالرزايا صلِّ أصلالِ
إنّه لضعيف العصا مثل لقليل الضرب للإبل. قال الراعي:
ضعيف العصا بادي العروق ترى لهعليها إذا ما اجدب الناس إصبعا
إنّه لضل إضلال مثل للداهي على نحو ما مر أنفا في الصاد، إلاّ إنّه يقال هناك: صل أصلال، بالصاد المهملة وبكسرها لا غير؛ ويقال هنا: ضل إضلال، بالضاد المعجمة المكسورة والمضمومة.
ومعناه إنّه يضل خصمه وقرنه فلا يهتدي ولا يعرف من حيث يأتيه ولا يتجه معه إلى وجه يخلصه منه. والضلال ضد الرشاد. قيل: وأصله قولهم: أرض ضل، إذا كانت تضلل أصحابها. وأما قولهم: إنّه ضل بن ضل. بكسر الضادين وضمهما، فمعناه إنّه منهمك في الضلال، أو إنّه لا يعرف له اصل، أو إنّه لا خير فيه. ويقال للباطل: ضل بتضلال. قال عمر بن شاس الأسدي:
تذكرت ليلى لات حين أذكارهاوقد حني الأصلاب ضل بتضلال
وقيل في قول امرئ القيس:
نواعم يتبعن الهوى سبل الردىيقلن لأهل الحلم ضل بتضلال
إنّه دعاء بالضلال، أي إذا رأين أهل الحلم قل لهن: أضلكم الله، ودعون عليهم إذ لا يتبعون اللهو، وهو البين. قيل: وأنكر أبو عبيد ضم الضاد في قولهم: ضلا بتضلال، وقال: لم اسمع الضم إلاّ في ضل بن ضل.
إنّه لعض العض بكسر العين المهملة وبضاد معجمة، يضرب للرجل الداهي المنكر البليغ. قال القطامي:
أحاديث من أنباء عاد وجرهميثورها العضان زيد ودغفل
ويروي: أحاديث من عاد وجرهم ضلة. ومعنى ضلة: لا يهتدي إليها، كما قالت السلكة أم السليك:
ليت شعري ضلةأي شيء قتلك
ومعنى يثورها: يحركها من مكانها، ويثيرها من مظانها. ويروي: ينورها بالنون، أي يكشفها ويبين ما استتر منها من النور الكاشف للظلمة. وزيد المذكور أحد بني هلال أبن ربيعة، وكان من اعلم الناس. ودغفل من بني ذهل بن ثعلبة نسابة.
قيل: وأصل المثل من العض على النواجذ. يقال: عض الرجل على نواجذه إذا صبر على الأمر. قال علي كرم الله وجهه يحرض الناس يوم صفين: عضوا على النواجذ من الأضراس! فإنه أنبى للسيوف على الهام. وقال الحارث بن وعلة:
الآن لمّا ابيض مسربتيوعضضت من نابي عجذم
والنواجذ بالذال المعجمة: أواخر الأضراس، وأحدها ناجذ. والعرب تسمي الناجذ ضرس الحلم، لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل. قال النمر بن تولب:
على إنّها قالت عشية زرتهاالمثل ينبت لذا حلمه بعدي
ورجل منجذ، أي مجرب أحكمته الأمور. قال سحيم بن وثيل:
أخو خمسين مجتمع اشديونجذني مداورة الشؤون
وقيل: إنه لعض المال، أي شديد القيام عليه، وعض سفر، أي قوي عليه، وعضاض عيش، أي صبور على الشدة، وغلق عض: لا يكاد ينفتح. والعض أيضاً: مال صغر من شجرة الشوك، كالشبرق والقتاد الأصغر؛ يقال: بلد ذو عض، وإبل عاضة: ترعاها؛ وأهلها معضون. فيصح إنَّ يكون أصل المثل من هذا أيضاً.
إنّه للين العصا مثل لرقيق الحس السياسة لمّا ولي. قال الشاعر:
عليه شريب وادع لين العصايساجلها جماته وتساجله
إنّه لنقاب مثل للرجل العالم الفهم الخبير بغوامض الأمور. قال أوس بن حجر:
كريم جواد أخو مأقطنقاب يحدث بالغائب
قيل: واصله من التنقيب في البلاد وتجريب الأمور. ونحوه قولهم في مثل آخر لمجرب الأمور: فلان قد ركب ظهر البر والبحر، وعرف حالتي الخير والشر، وذاق طعمي الحلو والمر. وقال الحكماء: لا ينال أحد الحكمة حتى ينسى الشهوات، ويجرب الفلوات، ويحالف الأسفار، وينتاب القفار، ويصل الليل باليوم، ويعتاض السهر من النوم. قالوا: النظر كالسيف، والتجارب كالمسن. وقالوا: مرآة العواقب، في يد ذي التجارب. وقال أبو تمام يصف بالتنقيب والتجريب:
سلي هل عمرت القفر وهي سباسبوغادرت ركبي من ركابي سباسبا
وغربت حتى لم أجد ذكر مشرقوشرقت حتى قد نسيت المغاربا
وقال أيضاً:
خليفة الخضر من يربع على وطنفي بلدة فظهور العيس أواني
بالشام قومي وبغداد المنى وأنابالرقمتين وبالفسطاط إخواني
أحبة جاورت آدابهم أدبيفهم وإنَّ فرقوا في الأرض جيراني
وقول أوس المذكور يحدث بالغائب هو من شأن النقاب. والمعنى إنّه ذو ذكاء قوي وفراسة وضن مصيب، كما قالوا: فلان المعي وقول الشاعر:
الألمعي الذي يظن بك الظنكأن قد رأى وقد سمعا
وقال الآخر:
بصير بأعقاب الأمور إذا التوتكأن له في اليوم عين على غد
وقال ابن الرومي:
كمال وإفضال وبأس ونجدةوظن يريه الغيب لارجم راجم
وقال آخر:
تجاوزت مقدار الشجاعة والنهىإلى قول قوم أنت بالغيب عالم
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من لم ينتفع بظنه، لم ينتفع بيقينه. وقال عبد الملك بن مروان: ما فرق بين عمر وعثمان إلاّ اختلاف الضن: ظن عمر فأصاب فتحفظ، وظن عثمان فأخطأ فأمهل.
إنّه لنكد الحظيرة النكد: لشدة والقلة؛ يقال: نكد عيش القوم إذا اشتد، ونكد ماء البئر إذا قل، وناقة نكود قليلة الدر، ورجل نكد: عسير؛ والحظيرة والحظار بالظاء المشالة: ما يجعل للماشية ويحاط بالشجر ونحوه للتأويل إليه ويمنعها من الحر والبرد، لأنها من الحظر وهو المنع.
يضرب هذا المثل للرجل القليل الخير وللبخيل مع السعة، فكأن ضيق حضيرته كناية عن ضيق خيره وقلة فضله، كما يقال في المثل الآخر من هذا المعنى: فلان ضيق العطن، وإنّما العطن مبركة الإبل عند الماء؛ لكن جعل كناية عما مر. ويقال في ضده: فلان رحب الفناء، وسابغ الذيل، وغمر الرداء، ونحو ذلك. وقال أبو القاسم بن سلام: أراه سمى أمواله حظيرة لأنّه حظرها عنده ومنعها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. وهو بعيد عن صنيع الكلام وأسلوب العرب في هذا النحو كما قررناه.
إنّه لهتر اهتار الهتر بكسر الهاء وسكون المثناة الفوقية: العجب والداهية، فيقال: فلان هتر اهتار
ويضرب مثلا للرجل الداهي، كما تقدم في قولهم: صل اصلال. قال أوس بن حجر في الهتر بمعنى العجب:
المَّ خيال موهنا من تُماضِراهُدُوَّا ولم يطرق من الليل باكرا
وكان إذا ما التمَّ منها بحاجةٍيراجع هترا من تماضر هاترا
وعن أبن الأعرابي: الهُتر والهِتر، " بالضم والكسر: ذهاب العقل. وفي الصحاح: الهِتر: العجب والداهية، والهِتر " السقط من الكلام، يقال: هتر هاتر، وهو توكيد. ومنه بيت أوس المذكور عنده.
إنّه لواقع الطائرِ مثل للرجل الساكن الأمور. وهو في الأصل أما مشبه بالبعير يقع غليه الطائر وينزع ما عليه من القراد، فيسكن البعير استلذاذاً لذلك ولا يتحرك لئلا ينفر الطائر فيطير عنه، كما يقال في المثل الآتي: كأن على رأسه الطير؛ وأما مشبه بالطائر الواقع في سكونه على ضرب من التجريد، كما مر في ساكن الريح.
انك لا تجني من الشوك العنب يقال: جنى الثمرة، واجتناها، وتجناها، وكل ما يجنى من الثمر فهو جنى بالفتح والقصر وجناة؛ والشوك، بفتح الشين المعجمة، معروف؛ الواحدة: شوكة؛ وشجرة شاكة وشوكة وشائكة: ذات شوك: والعنب معروف. ومعنى المثل أنّ الشر لا تستحصل منه خيرا، والفساد لا تكتسب منه صلاحا، كما إنَّ العنب ليس بخارج من الشوك. فإذا أوقعت شرا أو ظلمت أحدا فقد غرست شوكا، ولا تحصده إلاّ شوكا. وفي الحكمة: من يزرع خير يحصد غبطة، ومن يزرع الشر يحصد الندامة. وما أحسن قول صالح بن عبد القدوس ناطما لهذا المثل بعينه:
إذا وترت أمرءا فأحذر عداوتهمن يزرع الشوك لا يحصد به عنبا
إنّما العدو وإنَّ أبداً مجاملةإذا رأى منك فرصة وثبا
والمثل لأكثم بن صيفي حكيم العرب.
إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع هو كلام النبي ﷺ، قاله للأنصار يصفهم بذلك. والفزع يكون على وجهين: أحدهما الذعر والجزع، وهو كثير الاستعمال، والأخر الاستنجاد والاستصراخ، ومنه قول سلامة بن جندل:
كنا إذا ما أتانا صارخ فزعكان الصراخ له فرع الظنابيب
أي: إذا أتى مستغيث كانت إغاثته الجد في نصرته. يقال: قرع ظنبوبه في هذا الأمر إذا جد فيه. والظنبوب: مقدم عظم الساق. ويشق من هذا المعنى أنَّ يكون فزع بمعنى أغاث. قال هبيرة اليربوعي، المقلب بالكلحبة:
فقلت لكاس الجهيما فإنماحللت الكثيب من زرود لأفزعا
أي لأغيث. وكأس اسم جاريته. والطمع معروف.
ومعنى الكلام المذكور وصف الأنصار ﵃ بالشجاعة والإقدام، وبذل النفوس في نصرة الإسلام، وتجشم المضائق في ذلك والعظائم، والتسارع إلى المكارم مع الزهد التام، ورفع الهمة عن الحطام. وهو معنى قوله: وتقلون عند الطمع، أي عند وجود الطمع في الناس لسبب من أسبابه، ويصح أنَّ يراد بالطمع المال المطموع فيه، أي: تقلون عند حضور الأموال واقتسامها وانتهابها، والقلة على بابها، أو للنفي وهو ابلغ. وناهيك بهذا الكلام مدحا وثناء، وبالأنصار رفعة وسناءً! ومثل هذا المعنى قول عنترة:
يخبركم من شهد الوقيعة أننيأغشى الوغى وأعف عند المطعم
ومن هذا المعنى قول المهاجرين في الأنصار: انهم يكفوننا المؤونة، ويشاركوننا في المهنا. ومن باب المشاركة في الشدة قول أبي بكر الخوارزمي:
أراك إذا أيسرت خيمت عندنالزاما وإنَّ أعسرت زرت لماما
فما أنت إلاّ البدر إنَّ قل ضوءهأغب وإنَّ زاد الضياء أقاما
وأصله قول الأول:
فتى كان يدينه الغنى من صديقهإذا ما هو استغنى، ويبعده الفقر
وتمثل بهذا البيت علي كرم الله وجهه في طلحة حين رآه مقتولاً يوم الجمل. وورد في ضد هذه الصفة، وهو المشاركة في الرفاهية والخذلان في الشدائد أمثال كثيرة من الشعر كقول الشاعر:
إذا ما علوا قالوا: أبونا وأمناوليس لهم عالين أم ولا أب
وقول الآخر:
موالين إذا افتقروا إليناوإنَّ اثروا فليس لنا موالي
وقول الآخر:
أبو راشد مولاي ماطل حقهفإن كانت الأخرى فمولى بني سهم
إنَّ لله جنوداً مِنْهَا
العسل.
الجنود جمع جند، بضم فسكون، وهو العسكر. ويطلق ﵇ الأعوان وعلى المدينة، يقال الشام خمسة أجناد، ويراد مدنها الخمس؛ وعلى الصنف من الخلق على حدة. والعسل معروف. وهذا الكلام وقع لمعاوية، ﵀، لمّا بعث عمرو بن العاصي أميراً على مصر، وفيها محمد بن أبي بكر أمير عن علي، كرم الله وجهه. فاقتتلا، فقتل محمّد بن أبي بكر واستولى عمرو على مصر. فبلغ ذلك أمير المؤمنين علياً، كرم الله وجهه، فأنفذ إلى مصر الأشتر النخعي في جيش، فزعموا إنّه لمّا سمعه معاوية دس إلى دهقان كان بالعريش أنَّ يقتل الأشتر، وجعل للدهقان أنَّ يترك له الخراج عشرين سنة. فسأل الدهقان أي الشراب احب إلى الأشتر، فقيل له العسل، فأتاه بعسل مسموم. فما استقر في جوفه إلاّ وقد تلف. فبلغ معاوية ذلك فقال: إنَّ لله جنوداً منها العسل. " ولا ادري اهو أبو عذره أم كان مسبوقا. وظاهر كلام صاحب القاموس أنَّ الجند في هذا المثل أريد به المعنى الأخير من معانيه السابقة، وليس بظاهر، إذ لا معنى لأن يقال هذا أريد به المعنى الأخير من معانيه السابقة، والقصة أنَّ لله أصنافا من الخلق منها العسل " وإنّما إنّه أعوان، ولا سيما كلامه يحكى تارة بلفظ: إن لله جندا في العسل، وبهذه العبارة رأيته في تاريخ المسعودي، والله اعلم.
إنَّ في المرنعة لكل قوم مقنعة يقال: رنع لون الرجل رنوعا إذا تغير وذبل؛ ورنعت الدابة الذباب: طردته؛ ورنع بالكسر يرنع: إذا لعب. والمرنعة على وزن مرحلة: السعة والدعة، وتطلق أيضاً على الروضة، وعلى الأصوات في اللعب، وعلى القطعة من الطعام ومن الشراب ومن الصيد. ويقال للحمقاء إذا أثرت: وقعت في مرنعة فعيشي، أي: وقعت في خضب. والمقنعة: الغنى، وهي من القناعة، أي: في المرنعة لكل أحد ما يقنع به ويستكفي. والمعنى ظاهر.
إنَّ في مض لمطمعا مض بكسر الميم وكسر الضاد المعجمة المثقلة: كلمة تستعمل بمعنى لا. قال: سألت هل وصل، فقالت: مض، وهي حكاية صوت الشفتين يكون معه نوع استهزاء، وهي مع ذلك مطمعة في الإجابة. ومن ثم قالوا: إنَّ في مض لمطمعا. ويشبه أنَّ يضرب عند التحريض على طلب الشيء وترجيه ما دامت مخائل بلوغه وإن ضعفت.
إنَّ الله ليؤيد هذا الدين بالرَّجل الفَاجِر هو كلام النبي ﷺ قاله في شأن قزمان بن الحارث لمّا أعجب المسلمين قتاله وغناؤه، ثم جرح وآلمته الجراحة، فاستعجل وقتل نفسه. وقد كان ﷺ اخبرهم قبل ذلك إنّه من أهل النار: وهو معنى ما في خبر آخر: إنَّ الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم. وإنّما ذلك لآن كل من دخل في
سواد المسلمين فهو قد يجاهد العدو ويدافع عن المسلمين ويقصم ظهور الكافرين، حتى يتأيد بتعزز المؤمنين، ويضعف الكفر بذل الكافرين، طلبا لإعلاء كلمة الله تعالى، وابتغاء لمرضاته، فنفع " وانتفع. وقد يفعل ذلك لغير إعلاء كلمة الله أو يحبط العمل بوجه من الوجوه، فنفع " ولم ينتفع ولم، عياذاً بالله تعالى! وما ذكره الشارع، صلوات الله وسلامه عليه، غير مختص بالجهاد، بل في كل وجه من وجوه التأييد كسياسة الأمة، والحكم بين الناس، وتعليم العلم، وقبض الأموال وتفريقها وبناء المساجد والأسوار والقناطر، ونحو ذلك مما لا ينحصر. وذلك واقع لا محالة، كما أخبر به ﷺ. وسيأتي تشبيه العالم غير العامل بالمصباح يضيء للناس وهو يحترق، نسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أنَّ يقينا شر هذه الورطة، ويقينا شر أنفسنا وشر كل ذي شر!
إنَّ الله لن يرفع شيئاً من الدنيا إلاّ وضعه هو كلام النبي ﷺ أيضاً قاله في شأن ناقته، وكانت لا تسبق. فجاء أعرابي على قعود فسبقها. فشق ذلك على المسلمين، فقال النبي ﷺ ما ذكر. ز كل ذلك في الصحيح.
إنَّ الُّلهَي تفتح الَّلهي اللهي الأول بضم اللام جمع لهوة بضم اللام، وتفتح أيضاً، وهي العطية أو افضل العطايا؛ وكذا اللهية، وتطلق على الألف من الدنانير والدراهم. قال النابغة:
عظام اللهي أولاد عذرة إنهملها ميم يستلهونها بالحناجر
وقال الحماسي:
لعمري لئن أعمرتم السجن خالداًوأوطأتموه وطأه المتثاقل
لقد كان يروي المشرفي بكفهويعطي اللهي في كل حق وباطل
واللهوة أيضاً ما يرمية الطاحن بيده في فم الرحى، وكان هذا هو الأصل. واللهي الثاني بفتح اللام جمع لهاة، على مثل قناة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق، والجمع بإسقاط الهاء، وقد مده الشاعر ضرورة في قوله:
يأكل من تمر ومن شيشاءينشب في المعسل واللهاء!
والمعنى المثل أنَّ الإحسان، وتوارد العطايا الحسان، يلطف اللسان، بالثناء والشكران. وهذا المثل وقع في كلام الكميت، وقيل له: لم صارت أشعارك في بني امية أطيب منها من بني هاشم؟ فقال: إنَّ اللهى تفتح اللهى! ومن أظرف ما أتفق في هذا ما حكي شمس الدين بن خلكان أنَّ المعتمد بن عباد الأندلسي ذكر يوما قول أبي الطيب:
إذا ظفرت منك العيون بنظرةأثاب بها معيي المعطي ورازمه
فجعل يردده استحساناً له وفي الخضرة عبد الجليل بن وهبون، فقال ارتجلا:
لئن جاد شعر أبن الحسين فإنماتجيد العطايا ز اللهى تفتح اللهى
تنبأ عجبا بالقريض ولو درىبأنك تروي شعره لتألها
إنّما يجزي الفتى ليس الجمل يضرب هذا المثل في المكافأة وهو للبيد بن ربيعة في شعره يقول فيه:
فإذا اقترضت قرضاً فأنجزهإنّما يجزى الفتى ليس الجمل
وإذا زمت رحيلا فأرتحلواعص ما يأمر توخيهم الكسل
واكذب النفس إذا حدثتهاإنَّ صدق النفس يزري بالأمل
وهذه كلها أمثال.
إنّما سميت هانئاً لتهنأ التسمية معروفة. وهانئ اسم رجل، والهنأ: الإعطاء؛ يقال هنأته هنئاً إذا أعطيته ورفدته، والاسم الهنئ بالكسر، قيل: وبالفتح أيضاً، وهو العطاء ويقال: هنأه شهراً أو شهرين إذا عاله هنئا وهناءة. قال الشاعر:
هنأتهم حتى أعان عليهمسوامي السماك ذي السلاح السواجه
يضرب هذا المثل في الحضّ على بذل الافضال. وعن الكسائي: وسمعت إعرابياً يقول: إنّما سميت هانئا لتهنأ، أي لتعول وتكفي.
قلت: وينبغي أنَّ يضرب عند التحريض كل ذي وصف، أو لقب أو حرفة على فعل ما
يوجب ذلك الوصف، أما حقيقة كان القاضي للقضاء بين الناس والمحتسب للاحتساب والمعلم للتعليم والصائغ للصياغة ونحو ذلك؛ وإما على الاشتقاق فقط كالافضال لمن اسمه فضل والحرث امن اسمه حارث والهنئ لمن اسمه هاني فإنَ ذلك هو أصل المثل. فيقال للذي تسمى بالقاضي وتأبى عن الحكم: إنّما سميت هانئا لتهنأ، أي قيل لكل قاض لتقضي بين الناس ونحو هذا.
إنّما اشتريت الغنم حذار العازبة الاشتراء والغنم معروف؛ والعزبة: الإبل، والعزوب بالزاي في الأصل: الذهاب والبعد. وعزبت الماشية، وعزب بها ربها: بعد بها في المرعى ولم ترح. ورجل عزيب: بعد عن أهله وماله. والعزيب من الإبل والشاة: ما يبعد عن أهله في المرعى. وكان لرجل إبل فباعها واشترى غنما لئلا تعزب ثم عزبت غنمه فقال: إنّما اشتريت الغنم حذار العازبة، فذهبت مثلا. ومضربه واضح من هذا.
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع