من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السابع في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم (٥)
عيناه تطلب في أوتار من قتلت ... فلست تلقاه إلاّ خائفاً وجلا قال: وكان يوماً مع لمة من أهل الأدب في مجلس أنس، فاحتاج رب المنزل إلى دينار، فوجه إلى السوق، فدخل به عليهم غلام من الصيارف في نهاية الجمال، فرمى بالدينار إليهم من فيه تماجناً، فقال ابن فرج:
أبصرت ديناراً بكفّ مهفهفٍيزهى به من كثرة الإعجاب
أوما به من فيه ثمّ رمى به ... فكأنّه بدرٌ رمى بشهاب قال: وخرج الأديب أبو الحسن ابن حصن الإشبيلي إلى وادي قرطبة في نزهة، فتذكر إشبيلية، فقال بديهاً:
ذكرتك يا حمص ذكرى هوىًأمات الحسود وتعنيته
كأنّك والشمس عند الغروبعروسٌ من الحسن منحوته
غدا النهر عقدك والطّود تا ... جك والشمس أعلاه ياقوته وعبر بعضهم، وهو صاحب " بدائع البدائه " عن بعض حكايات صاحب القلائد بما يقاربها في المعنى، فقال: إن المستعين بن هودٍ ملك سرقسطة والثغور ركب نهر سرقسطة يوماً لتفقد بعض معاقله، المنتظمة بجيد ساحله، وهو نهر رقّ ماؤه وراق، وأزرى على نيل مصر ودجلة العراق، قد اكتنفته البساتين من جانبيه، وألقت ظلالها عليه، فما تكاد عين الشمس أن
تنظر إليه، هذا على اتساع عرضه، وبعد سطح مائه من أرضه، وقد توسط زورقه زوارق حاشيته توسط البدر للهالة، وأحاطت به إحاطة الطفاوة بالغزالة، وقد أعدوا من مكايد الصيد ما استخرج ذخائر الماء، وأخاف حتى حوت السماء، وأهلة الهالات الطالعة من الموج في سحاب، وقانصة من بنات الماء كل طائرة كالشهاب، فلا ترى إلا صيوداً كقصد الصوارم، وقدود اللهاذم، ومعاصم الأبكار النواعم، فقال الوزير أبو الفضل ابن حسداي والطرب قد استهواه، وبديع ذلك المرأى قد استرق هواه:
لله يومٌ أنيقٌ واضح الغررمفضّضٌ مذهب الآصال والبكر
كأنّما الدهر لمّا ساء أعتبنافيه بعتب فأبدى صفح معتذر
نسير في زورقٍ حفّ السرور بهمن جانبيه بمنظومٍ ومنتثر
مدّ الشراع به قدّاً على ملكٍبذّ الأوائل في أيامه الأخر
هو الإمام الهمام المستعين حوىعلياء مؤتمنٍ في هدي مقتدر
تحوي السفينة منه آيةً عجباًبحرٌ تجمّع حتى صار في نهر
تثار من قعره النينان مصعدةًصيداً كما ظفر الغواص بالدرر
وللندامى به عبٌّ ومرتشفٌكالريق يعذب في ورد وفي صدر
والشرب في ودّ مولى خلقه زهرٌ ... يذكو وبهجته أبهى من القمر ثم قال ما معناه: وقوله " نينان " غير معروف، فإن نوناً لم يجئ جمعها على نينان، وقد كان سيبويه لحن بشار بن برد في قوله في صفة السفينة:
تلاعب نينان البحور وربّما ... رأيت نفوس القوم من جريها تجري فغيره بشار ب " تيار البحور " وقد قال أبو الطيب يصف خيلاً:
فهنّ مع السّيدان في البرّ عسلٌوهنّ مع النينان في البحر عوّم انتهى
والمستعين بن هود هو أحمد بن المؤتمن على أمر الله يوسف بن المقتدر بالله أحمد بن المستضيء بالله سليمان بن هود، الجذامي، رحم الله تعالى الجميع.
وعبر المذكور عن قضية ابن وهبون في هلال شوال بما نصه:
خرج ابن وهبون يوما لنظر هلال شوال، وأبو بكر ابن القبطرنة الوزير يسايره، وهو يومئذ غلام يخجل البدر، ويذوي الغصن النضر، وصفحته لم يسطرها العذار بأنقاسه، ووردة خده لم يسترها الشعر بآسه، فارتجل عبد الجليل:
يا هلال استتر بوجهك عنّيإن مولاك قابضٌ بشمالي
هبك تحكي سناه خدّاً بخدٍّ ... قم فجئني لقدّه بمثال وقد ذكرنا هذه الحكاية في غير هذا الموضع بلفظ الفتح في " القلائد " ولكننا أعدناها هنا لتعبير صاحب " البدائع " عنها محاكياً لطريقته.
وذكر ابن بسام أن الوزير أبا عبد الله ابن أبي الخصال وقف بباب بعض القضاة، واستأذن عليه، فحجب عنه، فكتب إليه بديهاً:
جئناك للحاجة الممطول صاحبهاوأنت تنعم والإخوان في بوس
وقد وقفنا طويلاً عند بابكم ... ثم انصرفنا على رأي ابن عبدوس أشار به إلى قول الوزير أبي عامر ابن عبدوس:
لنا قاضٍ له خلقأقلّ ذميمه النّزق
إذا جئناه يحجبنافنلعنه ونفترق وهو تلميح مليح، سامح الله تعالى الجميع
وقال أبو جعفر الكاتب القرطبي الربضي:
وأبي المدامة ما أريد بشربهاصلف الرقيع ولا انهماك اللاهي
لم يبق من عصر الشباب وطيبهشيء كعهدي لم يحل إلاّ هي
إن كنت أشربها لغير وفائها ... فتركتها للناس لا لله وبعضهم ينسبها لأبي القاسم عامر بن هشام، والصواب - كما قال ابن الأبار - الأول.
وقال أبو جعفر المذكور في فوارة رخام كلفه وصفها والي قرطبة:
ما شغل الطّرف مثل فائرةتمجّ صرف الحياة من فيها
اشرب بها والحباب في جذليظهره حسنها ويخفيها
تكاد من رقّةٍ تضمنهاتخطبها العين إذ توافيها
كأنّها درّةٌ منعّمةٌزهراء قد ذاب نصفها فيها ومن شعره أيضاً:
ضحك المشيب براسهفبكى بأعين كاسه
رجلٌ تخوّنه الزّمان ببؤسه وبباسه
فجرى على غلوائهطلق الجموح بناسه
أخذاً بأوفر حظّهلرجائه من ياسه وقال أحد بني القبطرنة الوزراء:
ذكرت سليمى ونار الوغىبقلبي كساعة فارقتها
وأبصرت قدّ القنا شبههاوقد ملن نحوي فعانقتها وهذا معنى بديع ما أراه سبق به
وقال أبو الحسن ابن الغليظ المالقي: قلت يوماً للأديب أبي عبد الله ابن السراج المالقي، ونحن على جرية ماء: أجز:
شربنا على ماء كأنّ خريرهفقال مبادراً:
بكاء محبٍّ بان عنه حبيب ...
فمن كان مشغولاً كئيباً بإلفه ... فإني مشغوفٌ به وكئيب وكتب أبو بكر البلنسي إلى الأديب أبي بحر صفوان بن إدريس هذين البيتين يستجيزه القسيم الأخير منهما:
خليلي أبا بحر وما قرقف اللّمىبأعذب من قولي خليلي أبا بحر
أجز غير مأمورٍ قسيماً نظمتهتأمّل على نحر المياه حلى الزّهر فأجازه:
تأمّل على حلى المياه حلى الزّهركعهدك بالخضراء والأنجم الزّهر
وقد ضحكت للياسمين مباسمٌسروراً بآداب الوزير أبي بكر
وأصغت من الآس النضير مسامعٌلتسمع ما يتلوه من سور الشعر وقال ابن خفاجة:
وما الأنس إلاّ في مجاج زجاجةٍولا العيش إلا في صرير سرير
وإني وإن جئت المشيب لمولعٌبطرّة ظلٍّ فوق وجه غدير وقال ابن خفاجة أيضاً:
وأسودٍ يسبح في لجّةٍلا تكتم الحصباء غدرانها
كأنها في شكلها مقلةٌوذلك الأسود إنسانها [قصائد لابن زيدون]
وكتب الوزير الشهير أبو الوليد ابن زيدون إلى الوزير أبي عبد الله ابن عبد العزيز إثر صدوره عن بلنسية:
راحت فصحّ بها السقيمريحٌ معطّرة النّسيم
مقبولةٌ هبّت قبولاً فهي تعبق في الشميم
أفضيض مسكٍ أم بلنسيةٌ لريّاها نميم
بلدٌ حبيبٌ أفقهلفتىً يحلّ به كريم
إيه أبا عبد الإلهـ نداء مغلوب العزيم
إن عيل صبري من فراقك فاعذاب به أليم
أو أتبعتك حنينهانفسي فأنت لها قسيم
ذكري لعهدك كالعرار سرى فبرّج بالسليم
مهما ذممت فما زماني في ذمامك بالذميم
زمنٌ كمألوف الرضاع يشوق ذكراه الفطيم
أيّام أعقد ناظريفي ذلك المرأى الوسيم
وأرى الفتوّة غضّةًفي ثوب أوّاهٍ حليم
الله يعلم أنّ حبّك من فؤادي في الصميم
ولئن تحمّل عنك ليجسمٌ فعن قلبٍ مقيم
قل لي بأيّ خلال سرك فيك أفتن أو أهيم
ألمجدك العمم الذينسق الحديث مع القديم
أم ظرفك الغضّ الجنىأم عرضك الصافي الأديم
أم برّك العذب الجمام وبشرك الغضّ الجميم
إن أشمست تلك الطلاقة فالندى منها مغيم
أم بالبدائع كاللآلي من نثيرٍ أو نظيم
لبلاغةٍ إن عدّ أهلوها فأنت بها زعيم
فقرٌ تسوغ بها المدام وبشرك الغضّ الجميم
إن الذي قسم الحظوظ حباك بالخلق العظيم
لا أستزيد الله نعمى فيك لا بل أستديم
فلقد أقرّ العين أنك غرّة الزمن البهيم
حسبي الثناء بحسن برّك ما بدى برقٌ وشيم
ثمّ الدّعاء بأن تهنّأ طول عيشك في نعيم
ثمّ السلام تبلّغن ... هـ فغيب مهديه سليم ولما ورد إشبيلية نزل بدار الوزير الكاتب ذي الوزارتين أبي عامر ابن مسلمة وهو يبني مجلساً، فصنع أبياتاً كتبت فيه:
عمّر من يعمر ذا المجلساأطول عمرٍ يبهج الأنفسا
وبعد ذا عوّضٍ من دارهعدناً ومن ديباجه السّندسا
ولقّي النور بها والرضىووقّي الأسواء والأبؤسا
ودام عبّادٌ لعضد الهدىيحرس حتى يفني الأحرسا
معتضدٌ بالله إحسانهجمّ إذا ما الدهر يوماً أسا
الملك الغمر الندى المقتنيمن كلّ حمدٍ علقه الأنفسا
إن رام يوماً وصف عليائهمفوّهٌ مقتدرٌ أخرسا
لا زال بدراً طالعاً نيّراًيكشف عن آمالنا الحندسا وقال فيه أيضاً:
أدرها فقد حسن المجلسوقد آن أن تترع الأكؤس
ولا تنس أنّ أوان الربيعإذا لم تجد فقده الأنفس
فإنّ خلال أبي عامرٍ ... بها يحقر الورد والنرجس وكتب إلى الوزير أبي المعالي المهلب بن عامر يستدعيه:
طابت لنا ليلتنا الخاليهفلنتبعنها هذه الثانيه
أبا المعالي نحن في راحةٍفانفل إلينا القدم العاليه
لأنها عاطلةٌ إن تغبعنّا فزرنا كي ترى حاليه
أنت الذي لو تشترى ساعةٌ ... منه بدهرٍ لم تكن غاليه وكتب إليه ذو الوزارتين أبو عامر المذكور معاتباً:
تباعدنا على قرب الجواركأنّا صدّنا شحط المزار
تطلع لي هلال الهجر بدراًوصار هلال وصلك في سرار
وشاع شنيع قطعك لي بوصليفهلاّ كان ذلك في استتار
أيجمل أن ترى عنّي صبوراًفأصبح مولعاً دون اصطبار
وكنت أزيد سمعك من عتابيولكن عاقني فرط الخمار
فراع مودّتي واحفظ جواريفإنّ الله أوصى بالجوار
وزرني منعماً من غير أمرٍوآنس موحشاً من عقر داري فكتب إليه ابن زيدون:
هواي وإن تناءت عنك داريكمثل هواي في حال الجوار
مقيمٌ لا تغيره عوادٍتباعد بين أحيان المزار
رأيتك قلت إنّ الهجر بدرٌمتى خلت البدور من السرار
ورابك أنّني جلدٌ صبورٌوكم صبرٍ يكون عن اصطبار
ولم أهجر لعتبٍ، غير أنّيأضرّت بي معاقرة العقار
وإنّ الخمر ليس لها خمارٌيبرّح بي فكيف مع الخمار
وهل أنسى لديك نعيم عيشٍكوشي الخدّ طرّز بالعذار
وساعاتٍ يجول اللهو فيهامجال الطلّ في حدق البهار
وإن يك فرّ عنك اليوم جسميفديت فما لقلبي من فرار
وكنت على البعاد أجلّ شيء ... لديّ فكيف إذ أصبحت جاري وكان أبو العطاف إذا ورد إشبيلية رسولاً قد سأله أن يريه شيئاً من شعره فمطله به، حتى كتب إليه شعراً يستبطئه، فأجابه ابن زيدون في العروض والقافية:
أفدتني من نفائس الدّررما أبرزته غوائص الفكر
من لفظةٍ قارنت نظائرهاقران سقم الجفون للحور وهي أكثر مما ذكر
وكتب رحمه الله تعالى - أعني ذا الوزارتين ابن زيدون - إلى ولادة:
أضحى التّنائي بديلاً من تدانيناوناب عن طيب دنيانا تجافينا
ألا وقد حان صبح الليل صبّحناحينٌ فقام بنا للحين ناعينا
من مبلغ الملبسينا بانتزاحهمحزناً مع الدهر لا يبلى ويبلينا
أنّ الزمان الذي ما زال يضحكناأنساً بقربهم قد عاد يبكينا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوابأن نغصّ فقال الدهر آمينا
فانحلّ ما كان معقوداً بأنفسناوانبتّ ما كان موصولاً بأيدينا
بالأمس كنّا وما يخشى تفرّقناواليوم نحن وما يرجى تلاقينا
يا ليت شعري ولم نعتب أعاديكمهل نال حظاً من العتبى أعادينا
لم نعتقد بعدكم إلاّ الوفاء لكمرأياً ولم نتقلّد غيره دينا
كنّا نرى اليأس تسلينا عوارضهوقد يئسنا فما لليأس يغرينا
بنّم وبنّا فما ابتلّت جوانحناشوقاً إليكم ولا جفّت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنايقضي علينا الأسى لولا تأسّينا
حالت لفقدكم أيّامنا فغدتسوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
إذ جانب العيش طلقٌ من تألّفناومورد اللهو صافٍ من تصافينا
وإذ هصرنا فنون الوصل دانيةٍقطوفها فجنينا منه. ما شينا
ليسق عهدكم عهد السرور فماكنتم لأرواحنا إلا رياحينا
لا تحسبوا نأيكم عنّا يغيّرناأن طال ما غيّر النّاي المحّبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاًمنكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
يا ساري البرق غاد القصر فاسق بهمن كان صرف الهوى والودّ يسقينا
واسأل هنالك هل عنّى تذكّرناإلفاً تذكره أمسى يعنّينا
ويا نسيم الصّبا بلّغ تحيّتنامن لو على البعد حيّا كان يحيينا
من لا يرى الدهر يقضينا مساعفةًفيه وإن لم يكن عنّا يقاضينا
من بيت ملكٍ كأنّ الله أنشأهمسكاً وقد أنشأ الله الورى طينا
أو ساقه ورقاً محضاً وتوّجهمن ناصع التبر إبداعاً وتحسينا
إذا تأوّد آدته رفاهيةًتوم العقود وأدمته البرى لينا
كانت له الشمس ظئراً في تكلّلهبل ما تجلّى لها إلاّ أحايينا
كأنما أثبتت في صحن وجنتهزهر الكواكب تعويذاً وتزيينا
ما ضرّ أن لم نكن أكفاءه شرفاًوفي المودة كافٍ من تكافينا
يا روضةً طالما أجنت لواحظناورداً جلاه الصّبا غضّاً ونسرينا
ويا حياةً تملّينا بزهرتهامنىً ضروباً ولذّاتٍ أفانينا
ويا نعيماً خطرنا من غضارتهفي وشي نعمى سحبنا ذيله حينا
لسنا نسمّيك إجلالاً وتكرمةًوقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
إذا انفردت وما شوركت في صفةٍفحسبنا الوصف إيضاحاً وتبيينا
يا حنّة الخلد أبدلنا بسلسلهاوالكوثر العذب زقّوماً وغسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثناوالسعد قد غضّ من أجفان واشينا
سرّان في خاطر الظّلماء تكتمناحتى يكاد لسان الصّبح يفشينا
لا غرو في أن ذكرنا الحزن حين نهتعنه النّهى وتركنا الصّبر ناسينا
إنّا قرأنا الأسى يوم النّوى سوراًمكتوبةً وأخذنا الصبر تلقينا
أمّا هواك فلم نعدل بمشربهشرباً وإن كان يروينا فيظمينا
لم نجف أفق جمالٍ أنت كوكبهسالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا اختياراً تجنّبناك عن كثبٍلكن عدتنا على كرّه عوادينا
نأسى عليك إذا حثّت مشعشعةًفينا الشمول وغنّانا مغنّينا
لا أكوس الرّاح تبدي من شمائلناسيم ارتياحٍ ولا الأوتار تلهينا
دومي على العهد ما دمنا محافظةًفالحرّ من دان إنصافاً كما دينا
فما استعضنا خليلاً عنك يحبسناولا استفدنا حبيباً عنك يغنينا
ولو صبا نحونا من أفق مطلعهبدر الدّجى لم يكن حاشاك يصبينا
أبلي وفاءً وإن لم تبذلي صلةًفالطّيف يقنعنا والذكر يكفينا
وفي الجواب متاعٌ لو شفعت بهبيض الأيادي التي ما زلت تولينا
عليك منّي سلام الله ما بقيتصبابةٌ بك نخفيها وتخفينا
وإنما ذكرت هذه القصيدة - مع طولها - لبراعتها، ولأن كثيراً من الناس لا يذكر جملتها، ويظن أن ما في القلائد وغيرها منها هو جميعها، وليس كذلك، فهي وإن اشتهرت بالمشرق والمغرب لم يذكر جملتها إلا القليل، وقد كنت وقفت بالمغرب على تسديس لها لبعض علماء المغرب، ولم يحضرني منه الآن إلا قوله في المطلع:
ما للعيون بسهم الغنج تصميناوعن قطاف جنى الأعطاف تحمينا
تألّفٌ كان يحيينا ويضنيناتفرّق عاث في شمل المحبّينا
أضحى التّنائي بديلاً من تدانيناوناب عن طيب دنيانا تجافينا وما أحسن قوله في هذا التسديس:
ما للأحبّة دانوابالنّوى ورأواتعريض عهد اللّقا بالبعد حين نأوا
رعاهم الله كانوا للعهود رعوافغيّرتهم وشاةٌ بالفساد سعوا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغصّ فقال الدهر آمينا وقد ذكرنا في الباب الرابع موشحة ابن الوكيل التي وطأ فيها بنونية ابن زيدون هذه فلتراجع.
رجع - وقال ذو الوزارتين ابن زيدون يتغزل:
وضح الصبح المبينوجلا الشكّ اليقين
ورأى الأعداء ما غرتهم منك الظنون
أمّلوا ما ليس يمنىورجوا ما لا يكون
وتمنّوا أن يخون العبد مولىً لا يخون
فإذا الغيب سليمٌوإذا العهد مصون
قل لمن دان بهجريوهواني إذ يدين
أرخص الحبّ فؤاديلك والعلق ثمين
يا هلالاً تتراءاهـ نفوسٌ لا عيون
عجباً للقلب يقسومنك والعطف يلين
ما الذي ضرّك لو سرّ بمرآك الحزين
وتلطّفت بصبٍّحينه فيك يحين
فوجوه اللّطف شتّىوالمعاذير فنون وقال أيضاً:
إليك من الأنام غدا ارتياحيوأنت من الزمان مدى اقتراحي
وما اعترضت هموم النفس إلاّومن ذكراك ريحاني وراحي
فديتك إنّ صبري عنك صبريلدى عطشي عن الماء القراح
ولي أملٌ لو الواشون كفّوالأطلع غرسه ثمر النجاح
وأعجب كيف يغلبني عدوٌّرضاك عليه من أمضى سلاح
ولما أن جلتك لي اختلاساًأكفّ الدهر للحين المتاح
رأيت الشمس تطلع في نقابٍوغصن البان يرفل في وشاح
فلو أستطيع طرت إليك شوقاًوكيف يطير مقصوص الجناح
على حالي وصال واجتنابوفي يومي دنوٍّ وانتزاح
وحسبي أن تطالعك الأمانيبأفقك في مساءٍ أو صباح
فؤادي من أسىً بك غير خالٍوقلبي من هوىً لك غير صاح
وأن تهدي السّلام إليّ شوقاًولو في بعض أنفاس الرياح وقال:
كم ذا أريد ولا أرادلله ما لقي الفؤاد
أصفي الوداد إلى الذيلم يصف لي منه الوداد
كيف السّلوّ عن الذيمثواه من قلبي السواد
يقضي عليّ دلالهفي كلّ حينٍ أو يكاد
ملك القلوب بحسنهفلها إذا أمر انقياد
يا هاجري كم أستفيد الصبر عنك فلا أفاد
أفلا رثيت لمن يبيت وحشو مقلته السهاد
إن أجن ذنباً في الهوىخطأً فقد يكبو الجواد
كان الرضى وأعيذهأن يعقب الكون الفساد وقال:
متى أنبّيك ما بييا راحتي وعذابي
متى ينوب لسانيفي شرحه عن كتابي
الله يعلم أنّيأصبحت فيك لما بي
فما يلذّ مناميولا يسوغ شرابي
يا فتنة المتعزّيوحجّة المتصابي
الشمس أنت توارتعن ناظري بالحجاب
ما النّور شفّ سناهعلى رقيق السحاب
إلاّ كوجهك لمّاأضاء تحت النّقاب وقال:
هل لداعيك مجيبأم لشاكيك طبيب
يا قريباً حين ينأىحاضراً حين يغيب
كيف يسلوك محبٌّزانه منك حبيب
إنّما أنت نسيمٌتتلقّاه القلوب
قد علمنا علم ظنٍّهو لا شكّ مصيب
إنّ سرّ الحسن ممّاأضمرت تلك القلوب وقال:
أنّى تضيّع عهدكأم كيف تخلف وعدك
وقد رأتك الأماني رضىًفلم تتعدّك
يا ليت شعري وعنديما ليس في الحبّ عندك
هل طال ليلك بعديكطول ليلي بعدك
سلني حياتي أهبهافلست أملك ردّك
الدهر عبدي لمّا ... أصبحت في الحبّ عبدك وقال رحمه الله تعالى، وقد أمره السلطان أي يعارض قطعاً كان يغنى بها واستحسن ألحانها:
يقصّر قربك ليلي الطويلاويشفي وصالك قلبي العليلا
وإن عصفت منك ريح الصّدودفقدت نسيم الحياة البليلا
كما أنّني إن أطلت العثارولم يبد عذري وجهاً جميلا
وجدت أبا القاسم الظّافر المؤيّد بالله مولىً مقيلا
لأقلامه فعل أسيافهيظلّ الصّرير يباري الصليلا وقال يهنيه بالقدوم من السفر:
أيّها الظّافر أبشر بالظّفرواجتل التأييد في أبهى الصور
وتفيّأ ظلّ سعدٍ يجتنىفيه من غرس المنى أحلى الثمر
ورد النّجح فكم مستوحشٍشائقٍ منك إلى أنس الصدر
كان من قربك في عيشٍ ندٍعاطر الآصال وضّاح البكر
فثوى دونك مثوى قلقٍيشتكي من ليله مطل السّحر
قل لساقينا يجد أكؤسهولشادينا يطل قطع الوتر ومنها:
لي فيه المثل السائر فيجالب التمر إلى أرض هجر
ثمّ قد وفّق عبدٌ عظمتنعمة المولى عليه فشكر
لا عدى حظّك إقبالٌ يرىقاضياً أثناءه كلّ وطر
واصطبح كأس الرّضى من ملكسرت في إرضائه أزكى السّير
حين صممت إلى أعدائهفانتحتهم منك صمّاء الغبر
فاض غمرٌ للندى من فوقهمكان يروي شربهم منه الغمر
سبق الناس فصلّى سابقٌإذ رأى آثاره مثل الزّهر وهي طويلة
وقال رحمه الله تعالى:
لم يكن هجر حبيبي عن قلىلا ولا ذاك التجنّي مللا
سرّه دعوى ادّعائي ثمّ لميدر ما غاية صبري فابتلى
أنا راضٍ بالذي يرضى بهلي ما لو قال ما قلت لا
مثلٌ في كلّ حسنٍ مثل ماصار حالي في هواه مثلا
يا فتيت المسك يا شمس الضحىيا قضيب البان يا ظبي الفلا
لإن يكن لي أملٌ غير الرّضىمنك لا بلّغت ذاك الأملا وقال رحمه الله تعالى:
أذكرتني سالف العيش الذي طابايا ليت غائب ذاك الوقت قد آبا
إذ نحن في روضةٍ للوصل أنعمهامن السرور غمامٌ فوقها صابا
إنّي لأعجب من شوقٍ يطالبنيفكلّما قيل فيه قد قضى ثابا
كم نظرةٍ لك عندي قد علمت بهايوم الزيارة أنّ القلب قد ذابا
قلبٌ يطيل معاصاتي لطاعتكمفإن أكلّفه يوماً سلوةً يابى وقال رحمه الله تعالى:
عاودت ذكر الهوى من بعد نسيانيواستحدث القلب بعد العشق سلواني
من حبّ جاريةٍ يبدو بها صنمٌمن اللّجين عليها تاج عقيان
غريرةٌ لم تفارقها تمائمهاتسبي القلوب بساجي الطّرف وسنان
لأستجدّنّ في عشقي لها زمناًيحيي سوالف أيّامي وأزماني
حتى يكون لمن أحببت خاتمةًنسخت في حبّها كفراً بإيمان وقال رحمه الله تعالى:
أنت معنى الهوى وسرّ الدموعوسبيل الهوى وقصد الولوع
أنت والشمس ضرّتان ولكنلك عند الغروب فضل الطّلوع
ليس يا مؤنسي نكلّفك العتب دلالاً من الرضى الممنوع
إنّما أنت والحسود معنّىًكوكبٌ يستقيم بعد الرجوع وقال رحمه الله تعالى:
يا ليل طل لا أشتهيإلاّ كعهدي قصرك
لو بات عندي قمريما بتّ أرعى قمرك
يا ليل خبّر أنّنيألتذّ عنه خبرك
بالله قل لي هل وفىفقال لا بل غدرك وقال رحمه الله تعالى:
لئن فاتني منك حظّ النظرلأكتفين بسماع الخبر
وإن عرضت غفلةٌ للرقيبفحسبي بتسليمةٍ تختصر
أحاذر أن يتجنّى الوشاةوقد يستدام الهوى بالحذر
فأصبر مستيقناً أنّهسيحظى بنيل المنى من صبر وقال أيضاً رحمه الله تعالى
أيّها البدر الذي يملأ عيني من تأمّل
حمل القلب تباريح التجنّي فتحمّل
ثمّ لا تيأس فكم قدنيل أمرٌ لم يؤمّل وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
أجدّ ومن أهواه في الحبّ عابثوأوفي له بالعهد غذ هو ناكث
حبيبٌ نأى عنّي مع القرب، والأسىمقيمٌ له في مضمر القلب ماكث
جفاني بألطاف العدى وأزالهعن الوصل رأيٌ في القطيعة حادث
تغيرت عن عهدي وما زلت واثقاًبعهدك لكن غيّرتك الحوادث
وما كنت إذ ملّكتك القلب عالماًبأنّي عن حقفي بكفي باحث
ستبلى الليالي والوداد بحالهمقيمٌ، وغضٌّ وهو للأرض وارث
فلو أنّني أقسمت أنّك قاتليوأني مقتولٌ لما قيل حانث وقال رحمه الله تعالى:
يا غزالاً أصارنيموثقاً في يد المحن
إنّني مذ هجرتنيلم أذق لذة الوسن
ليت حظّي إشارةٌمنك أو لحظةٌ تعنّ
شافعي يا معذبيفي الهوى وجهك الحسن
كنت خلواً من الهوىوأنا اليوم مرتهن
كان سرّي مكتّماًوهو الآن قد علن
ليس لي عنك مذهبٌفكما شئت لي فكن وقال رحمه الله تعالى:
أيوحش لي الزمان وأنت أنسيويظلم لي النهار وأنت شمسي
وأغرس في محبّتك الأمانيوأجني الموت من ثمرات غرسي
لقد جازيت غدراً عن وفائيوبعت مودّتي ظلماً ببخس
ولو أنّ الزمان أطاع حكمي ... فديتك من مكارهه بنفسي ومحاسن ابن زيدون كثيرة، وقد ذكرنا منها في غير هذا المحل جملة.
وسألت جارية من جواري الأندلس ذا الوزارتين أبا الوليد ابن زيدون أن يزيد على بيت أنشدته إياه، وهو:
يا معطشي من وصالٍ كنت وارده ... هل منك لي غلّةٌ إن صحت: وا عطشي قال: وكانت الجارية المذكورة تتعشق فتىً قرشياً، والوزير يعلم ذلك، وهي لا تعلم أنه يعلم، فقال:
كسوتني من ثياب السّقم أسبغهاظلماً وصيّرت من لحف الضنى فرشي
أنّى بصرف الهوى عن مقلةٍ كحلتبالسّحر منك وخدٍّ بالجمال وشي
لمّا بدا الصّدغ مسودّاً بأحمرهأرى التشاكل بين الروم والحبش
أوفى إلى الخدّ ثمّ انصاع منعطفاًكالعقربان انثنى من خوف محترش
لو شئت زرت وسلك الليل منتظمٌوالأفق يختال في ثوبٍ من الغبش
جفا إذا التذّت الأجفان طيب كرىًجفني المنام وصاح الليل: يا قرشي
هذا وإن تلفت نفسي فلا عجبٌ ... قد كان قتلي في تلك الجفون حشي وكان لابن الحاج صاحب قرطبة ثلاثة أولاد من أجمل الناس صورة: رحمون، وعزون، وحسون، فأولع بهم الحافظ الشهير أبو محمد ابن السيد البطليوسي صاحب " شرح أدب الكاتب " وغيره وقال فيهم:
أخفيت سقمي حتى كاد يخفينيوهمت في حبّ عزّونٍ فعزّوني
ثمّ ارحموني برحمونٍ وإن ظمئت ... نفسي إلى ريقٍ حسّونٍ فحسّوني قال: ثم خاف على نفسه، فخرج عن قرطبة، وهو القائل:
نفسي الفداء لجؤذرٍ حلو اللّمىمستحسنٍ بصدوده أفناني
في فيه سمطا جوهرٍ يروي الظّما ... لو علّني ببروده أحياني وهذان البيتان تخرج منهما عدة مقطعات كما لا يخفى.
وقال أبو بكر محمد ابن أحمد الأنصاري الإشبيلي المعروف بالأبيض،
في تهنئة بمولود، قال ابن دحية: وهذا أبدع ما قيل في هذا المعنى:
أصاخت الخيل آذاناً لصرختهواهتزّ كلّ هزبرٍ عندما عطسا
تعشّق الدرع مذ شدّت لفائفهوأبغض المهد لمّا أبصر الفرسا
تعلّم الركض أيّام المخاض به ... فما امتطى الخيل إلاّ وهو قد فرسا وقال الوزير الكاتب أبو عامر السالمي في غلام يرش الماء على خديه فتزداد حمرتهما:
لقد نعمت بحمّامٍ تطلّع فيأرجائه قمرٌ والحسن يكمله
أبصرته كلّما راقت محاسنهونعمة الجسم والأرداف تخذله
يرشّ بالماء خدّيه فقلت له:صف لي لما أحمر الياقوت تصقله
فقال: طرفي سفّاكٌ بصارمهدماء قومٍ على خدّي فأغسله وقال أيضاً:
أوقد النار بقلبيثمّ هبّت ريح صدّه
فشرار النار طارتفانطفت في ماء خدّه وهو تخييل عجيب
وقال ابن الحناط المكفوف الأندلسي في المعنى المشهور:
لم يخل من نوب الزمان أديبكلاّ فشأن النائبات عجيب
وغضارة الأيّام تأبى أن يرىفيها لأبناء الذكاء نصيب
وكذاك منصحب الليالي طالباًجدّاً وفهماً فاته المطلوب [أشعار لابن الزقاق]
وكان ابن الزقاق الأندلسي الشاعر المشهور - وقد تكرر ذكره في هذه التآليف مرا تكثيرة - يسهر في الليل، ويشتغل بالأدب، وكان أبوه فقيراً جداً، فلامه، وقال له: نحن فقراء، ولا طاقة لن بالزيت الذي تسهر عليه، فاتفق أن برع في الأدب والعلم ونظم الشعر، فقال في أبي بكر ابن عبد العزيز صاحب بلنسية قصيدة أولها:
يا شمس خدرٍ ما لها مغربأرامة خدرك أم يتثرب
ذهبت فاستعبر طرفي دماًمفضّض الدمع به مذهب ومنها:
ناشدتك الله نسيم الصّباأنّى استقرّت بعدنا زينب
لم نسر إلاّ بشذا عرفهاأو لا فماذا النّفس الطيب
إيهٍ وإن عذّبني حبّها ... فمن عذاب النفس ما يعذب فأطلق له ثلاثمائه دينار، فجاء بها إلى أبيه وهو جالس في حانوته مكبٌّ على صنعته، فوضعها في حجره، وقال: خذها فاشتر بها زيتاً.
وقال رحمه الله تعالى في غلام رمى حجراً فشدخ وجهه:
وأحوى رمى عن قسيّ الحورسهاماً يفوّقهنّ النّظر
يقولون وجنته قسّمتورسم محاسنه قد دثر
وما شقّ وجنته عابثاًولكنّها آيةٌ للبشر
جلاها لنا الله كيما نرىبها كيف كان انشقاق القمر وقال أيضاً:
بأبي وغير أبي أغنّ مهفهفٌمهضوم ما خلف الوشاح خميصه
لبس السّواد ومزّقته جفونهفأتى كيوسف حين قدّ قميصه وقال أيضاً:
سقتني بيمناها وفيها فلم أزليجاذبني من ذا ومن هذه سكر
ترشّفت فاها إذ ترشّفت كأسهافلا والهوى لم أدر أيهما الخمر وقال:
رقّ النسيم وراق الروض بالزّهرفنبّه الكأس والإبريق بالوتر
ما العيش إلاّ اصطباح الراح أو شنبٌيغني عن الراح من سلسال ذي أشر
قل للكواعب غضّي للكرى مقلاًفأعين الزّهر أولى منك بالسّهر
وللصباح ألا فانشر رداء سناًهذا الدجى قد طوته راحة السّحر
وقام بالقهوة الصهباء ذو هيفٍيكاد معطفه ينقدّ بالنظر
يطفو عليها إذا ما شجّها دررٌتخالها اختلست من ثغره الخصر
والكأس من كفّه بالراح محدقةٌكهالةٍ أحدقت في الأفق بالقمر
وقال:
تضوّعن أنفاساً وأشرقن أوجهاًفهنّ منيرات الصباح بواسم
لئن كنّ زاهراً فالجوانح أبرجٌوإن كنّ زهراً فالقلوب كمائم وهو من بديع التقسيم
وقال السميسر:
تحفّظ من ثيابك ثم صنهاوإلاّ سوف تلبسها حدادا
وميّز في زمانك كلّ حبرٍوناظر أهله تسد العبادا
وظنّ بسائر الأجناس خيراًوأما جنس آدم فالبعادا
أرادوني بجمعهم فردّواعلى الأعقاب قد نكصوا فرادى
وعادوا بعد ذا إخوان صدقٍكبعض عقاربٍ رجعت جرادا وقال ابن رزين، وهو من رجال الذخيرة:
لأسرحنّ نواظريفي ذلك الروض النضير
ولآكلنّك بالمنى ... ولأشربنّك بالضّمير وقال سلطان بلنسية عبد الملك بن مروان بن عبد الله بن عبد العزيز:
ولا غرو بعدي أن يسوّد معشرٌفيضحي لهم يومٌ وليس لهم أمس
كذاك نجوم الجوّ تبدو زواهراًإذا ما توارت في مغاربها الشمس
وتحاكم إلى أبي أيوب سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي المعروف بالملتمس غلامان جميلان لأحدهما وفرة شقراء، وللآخر سوداء: أيهما أحسن والملتمس المذكور هو صاحب كتاب " الأحكام فيما لا يستغني عنه الحكام " فقال:
وشادنين ألمّا بي على مقةٍتنازعا الحسن في غايات مستبق
كأنّ لمّة ذا نرجسٍ خلقتعلى بهارٍ وذا مسكٍ على ورق
وحكّما الصبّ في التفضيل بينهماولم يخافا عليه رشوة الحدق
فقام يدلي إليه الريم حجّتهمبيّناً بلسانٍ منه منطلق
فقال: وجهي بدرٌ يستضاء بهولون شعري مصبوغٌ من الغسق
وكحل عيني سحرٌ للنّهى وكذاوالسحر أحسن ما يعزى إلى الحدق
فقال صاحبه: أحسنت وصفك لكن فاستمع لمقالٍ فيّ متّفق
أنا على أفقي شمس النّهار، ولمتغرب، وشقرة شعري حمرة الشفق
وفضل ما عيب في عينيّ من زرقٍأنّ الأسنّة قد تعزى إلى الزّرق
قضيت للّمّة الشقراء حيث حكتنوراً كذا حبّها يقضي على رمقي
فقام ذو اللمّة السوداء يرشقنيسهام أجفانه من شدّة الحنق
وقال جرت فقلت الجور منك علىقلبي ولي شاهدٌ من دمعي الغدق
فقلت عفوك إذ أصبحت متّهماًفقال دونك هذا الحبل فاختنق وقال أبو محمد عبد الله بن غالب:
ومهفهفٍ خنث الجفون كأنّمامن أرجل النمل استفاد عذارا
فتخاله ليلاً إذا استقبلتهوتخال ما يجري عليه نهارا
وقال أبو القاسم خلف بن فرج السميسر المتقدم:
الناس مثل حبابٍوالدهر لجّة ماء
فعالمٌ في طفوٍّ ... وعالم في انطفاء وقال أحمد بن برد الأندلسي في النرجس، وهو البهار عند الأندلسيين، ويسمى العبهر:
تنبّه فقد شقّ البهار مغلّساًكمائمه عن نوره الخضل الندى
مداهن تبرٍ في أنامل فضّةٍ ... على أذرعٍ مخروطةٍ من زبرجد وقال الوزير عبد المجيد بن عبدون في دار أنزله بها المتوكل بن الأفطس وسقفها قديم، فهطل عليه المطر منه:
أيا سامياً من جانبيه إلى العلا" سموّ حباب الماء حالاً إلى حال "
لعبدك دارٌ حلّ فيها كأنّها" ديارٌ لسلمى عافياتٌ بذي الخال "
يقول لها لمّا رأى من دثورها" ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي "
فقالت وما عيّت جواباً بردّها" وهل يعمن من كان في العصر الخالي "
فمر صاحب الانزال فيها بفاضلٍ ... " فإنّ الفتى يهذي وليس بفعّال " قيل: وهو أبو عذرة تضمين لامية امرئ القيس، وقد أولع الناس بعده بتضمينها.
وقال أبو الفضل ابن حسداي، وكان يهودياً فأسلم، ويقال: إنه
من ولد موسى على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام:
توريد خدّك للأحداق لذّاتعليه من عنبر الأصداغ لامات
نيران هجرك للعشّاق نار لظىًلكن وصالك إن واصلت جنّات
كأنما الراح والراحات تحملهابدور تمٍّ وأيدي الشّرب هالات
حشاشةٌ ما تركنا الماء يقتلهاإلاّ لتحيا بها منّا حشاشات
قد كان من قبلها في كأسها ثقلٌ ... فخفّ إذ ملئت منها الزجاجات وقد تبارى المشارقة والمغاربة من المتقدمين والمتأخرين في هذا الوزن والقافية، ولولا خوف السآمة لذكرت من ذلك الجملة الشافية الكافية.
ومن سرعة جواب أهل الأندلس أن ابن عبد ربه كان صديقاً لأبي محمد يحيى القلفاط الشاعر، ففسد ما بينهما بسبب أن ابن عبد ربه صاحب العقد مر به يوماً وكان في مشيه اضطراب، فقال: أبا عمر ما علمت أنك آدر إلا اليوم لما رأيت مشيك، فقال له ابن عبد ربه: كذبتك عرسك أبا محمد، فعز على القلفاظ كلامه، وقال له: أتتعرض للحرم والله لأرينك كيف الهجاء، ثم صنع فيه قصيدة أولها:
يا عرس أحمد إني مزمعٌ سفرا ... فودّ عيني سرّاً من أبي عمرا ثم تهاجيا بعد ذلك، وكان القلفاظ يلقبه بطلاس لأنه كان أطلس اللحية، ويسمس كتاب العقد حبل الثوم، فاتفق اجتماعها يوماً عند بعض الوزراء، فقال الوزير للقلفاظ: كيف حالك اليوم مع أبي عمر فقال مرتجلاً:
حال طلاسٌ لي عن رائهوكنت في قعدد أبنائه فبدر ابن عبد ربه وقال:
إن كنت في قعدد أبنائه ... فقد سقى أمّك من مائه فلانقطع القلفاظ خجلاً؛ وعاش ابن عبد ربه سنة، رحمه الله تعالى.
ومن الحكايات في مروءة أهل الأندلس ما ذكره صاحب " الملتمس " في ترجمة الكاتب الأديب الشهير أبي الحسين بن جبير صاحب الرحلة، وقد قدمنا ترجمته في الباب الخامس من هذا الكتاب، وذكرنا هنالك أنه كان من أهل المروءات عاشقاً في قضاء الحواجز والسعي في حقوق الإخوان، وأنشدنا هنالك قوله:
" يحسب الناس بأني متعبٌ ... إلخ. ... وقد ذكر ذلك كله صاحب " الملتمس " ثم قال - أعني صاحب " الملتمس " - ومن أغرب ما يحكى أني كنت أحرص الناس على أن أصاهر قاضي غرناطة أبا محمد عبد المنعم بن الفرس، فجعلته - يعني ابن جبير - الواسطة حتى تيسر ذلك، فلم يوفق الله ما بيني وبين الزوجة، فجئته وشكوت له ذلك، فقال: أنا ما كان القصد لي في اجتماعكما، ولكن سعيت جهدي في غرضك، وها أنا أسعى أيضاً في افتراكما، إذ هو من غرضك، وخرج في الحين ففصل القضية، ولم أر في وجهه أولاً ولا آخراً عنواناً لامتنانٍ ولا تصعيب، ثم إنه طرق بابي، ففتحت له، ودخل وفي يده محفظة فيها مائة دينار مؤمنية، ثم قال: يا ابن
أخي، اعلم أني كنت السبب في هذه القضية، ولم أشك أنك خسرت فيها ما يقارب هذا القدر الذي وجدته الآن عند عمك، فبالله إلا ما سررتني بقبوله، فقلت له: أنا ما أستحيي منك في هذا الأمر، والله إن أخذت هذا المال لأتلفنه فيما أتلفت فيه مال والدي من أمور الشباب، ولا يحل لك أن تمكنني منه بعد أن شرحت لك أمري، فتبسم وقال: لقد احتلت في الخروج عن المنة بحيلة، وانصرف بماله، انتهى.
ثم قال صاحب " الملتمس ": وتذاكرنا يوماً معه حالة الزاهد أبي عمران المارتلي، فقال: صحبته مدة فما رأيت مثله، وأنشدني شعرين ما نسيتهما ولا أنساهما ما استطعت، فالأول قوله:
إلى كم أقول فلا أفعلوكم ذا أحوم ولا أنزل
وأزجر عيني فلا ترعويوأنصح نفسي فلا تقبل
وكم ذا تعلّل لي ويحهابعلّ وسوف وكم تمطل
وكم ذا أؤمّل طول البقاوأغفل والموت لا يغفل
وفي كلّ يومٍ ينادي بنامنادي الرحيل ألا فارحلوا
أمن بعد سبعين أرجو البقاوسبعٍ أتت بعدها تعجل
كأن بي وشيكاً إلى مصرعييساق بنعشي ولا أمهل
فيا ليت شعري بعد السؤالوطول المقام لما أنقل والثاني قوله:
اسمع أخيّ نصيحتيوالنّصح من محض الدّيانه
لا تقربنّ إلى الشّهادة والوساطة والأمانه
تسلم من آن تعزى لزو ... رٍ أو فضولٍ أو خيانه قال: فقلت له: أراك لم تعمل بوصيته في الوساطة، فقال: ما ساعدتني رقة وجهي على ذلك، انتهى.
رجع إلى نظم الأندلسيين:
وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز:
أفضل ما استصحب النّبيل فلاتعدل به في المقام والسّفر
جرمٌ إذا ما التمست قيمتهجلّ عن التبر وهو من صفر
مختصرٌ وهو إذ نفتّشهعن ملح العلم غير مختصر
ذو مقلةٍ تستبين ما رمقتعن صائب اللحظ صادق الخبر
تحمله وهو حاملٌ فلكاًلو لم يدر بالبنان لم يدر
مسكنه الأرض وهو ينبئناعن كلّ ما في السماء من خبر
أبدعه ربّ فكرةٍ بعدتفي اللطف عن أن تقاس بالفكر
فاستوجب الشكر والثناء بهمن كلّ ذي فتنةٍ من البشر
فهو لذي اللّبّ شاهدٌ عجبٌعلى اختلاف العقول والصور قلت: وهي أحسن ما سمعت في الاصطرلاب
وأمر رحمه الله تعالى أن يكتب على قبره:
سكنتك يا دار الفناء مصدّقاًبأني إلى دار البقاء أصير
وأعظم ما في الأمر أنّي صائرٌإلى عادلٍ في الحكم ليس يجور
فيا ليت شعري كيف ألقاه عندهاوزادي قليلٌ والذنوب كثير
فإن أك مجزيّاً بذنبي فإنّنيبشرّ عقاب المذنبين جدير
وإن يك عفوٌ من غنيٍّ ومفضلٍ ... فثمّ نعيمٌ دائمٌ وسرور وقال ابن خفاجة، وهو مما أورده له صاحب الذخيرة:
لقد زار من أهوى على غير موعدٍفعابنت بدر التمّ ذاك التلاقيا
وعاتبته والعتب يحلو حديثهوقد بلغت روحي لديه التراقيا
فلمّا اجتمعنا قلت من فرحي بهمن الشعر بيتاً والدموع سواقيا
" وقد يجمع الله الشّتيتين بعدما ... يظنّان كلّ الظنّ أن لا تلاقيا " ومن مجون الأندلسيين هذه القصيدة المنسوبة لسيدي أبي عبد الله ابن الأزرق، وهي:
عم باتصال الزمنولا تبالي بمن
وهو يواسي بالرضىمن سمجٍ أو حسن
أو من عجوزٍ تحتظيوالظهر منها منحني
أو من مليحٍ مسعدٍموافقٍ في الزمن
مهما تبدّى خدّهيبدو لك الورد الجني
والغصن في أثوابهإذا تمشّى ينثني
لا أمّ لي لا أمّ ليإن لم أبرّد شجني
وأخلعنّ في المجون والتصابي رسني
وأجعل الصبر علىهجر الملاح ديدني
يا عاذلي في مذهبيأرداك شرب اللّبن
أعطيت في البطن سناناً إن تخالف سنني
أيّ فتىً خالفنييوماً ولمّا يلقني
فإنّني لناصحٌوإنّني وإنّني
فلا تكن لي لاحياًوفي الأمور استفتني
فلم أزل أعرب عننصحي لمن لم يلحني
وإن تسفّه نظريومذهبي وتنهني
فالصفع تستوجبهنعم ونتف الذّقن
والزبل في وجهك يعلو باتصال الزمن
وبعد هذا أشتفيمنك ويبرا شجني
وأضرب الكفّ أمام ذلك الوجه الدّني
طقطق طقٍ طقطق طقٍأصخ بسمع الأذن
شطر أولقحقح قح قحقح قحالضحك يغلبلبني
قد كان أولى بك عنهذي المخازي تنثني
النّفي تستوجبهلواسطٍ أو عدن
عرضت بالنفس كذاإلى ارتكاب المحن
أفدي صديقاً كان ليبنفسه يسعدني
فتارةً أنصحهوتارةً ينصحني
وتارةً ألعنهوتارةً يلعنني
وربما أصفعهوربما يصفعني
أستغفر الله فهذا القول لا يعجبني
يا ليت هذا كلّهفيما مضى لم يكن
أضحكت والله بذا الحديث من يسمعني
دهرٌ تولّى وانقضىعنّي كطيف الوسن
يا ليتني لم أرهوليته لم يرني
دنّست فيه جانبيوملبسي بالدّرن
وبعت فيه عيشتيلكن ببخس الثّمن
كأنّني ولست أدري الآن ما كأنّني
والله ما التشبيه عند شاعرٍ بهيّن
لكنّه أنطقنيبالقول ضيق العطن
وا حسرتي وا أسفيزلت وضاعت فطني
لو أنصف الدهر لماأخرجني من وطني
وليس لي من جنّةٍوليس لي من مسكن
أسرّح الطّرف ومالي دمنةٌ من الدمن
وليس لي من فرسٍوليس لي من سكن
يا ليت شعري وعسىيا ليت أن تنفعني
هل أمتطي يوماً إلى الشّرق ظهور السّفن
وأجتلي ما شئتهفي المنزل المؤتمن
حينئذٍ أخلع فيهذي القوافي رسني
وتحسن الفكرة في بالعدوس والسّمنسني
واللحم مع شحمٍ ومعطوابق الكبش الثّني
والبيض في المقلاة بالزيت اللذيذ الدهن
وجلدة الفرّوج مشوياً كثير السمن
من منقذي أفديه منذا الجوع والتمسكن
وعلة قد استوىفيها الفقير والغني
هل للثريد عودةٌإليّ قد شوقني
تغوص فيه أنمليغوص الأكول المحسن
ولي إلى الإسفنج شوقٌ دائمٌ يطربني
وللأرزّ الفضل إذتطبخه باللّبن
وللشواء والرقاق من هيامٍ أنثني
واسكت عن الجبن فإنّبنته تذهلني
ظاهرها كالورد أوباطنها كالسوسن
أيّ امرئٍ أبصرهايوماً ولم يفتتن
تهيم فيها فكر الأستاذ والمؤذّن
لو كان عندي معدنٌلبعت فيها معدني
لكنني عزمت أنأبيع كمّ البدن
والكمّ قد أكسبهبعد ولا يكسبني
لا تنسبوا لي سفهاًفالجوع قد أرشدني
وهات ذكر الكسكسوفهو شريفٌ وسني
لا سيّما إن كان مصنوعاً بفتلٍ حسن
أرفع منه كوراًبهنّ تدوي أذني
وإن ذكرت غير ذاأطعمةً في الوطن
فابدأ من المثوّمات بالجبنّ الممكن
من فوقها الفرّوج قدأنهي في التسمّن
وثنّ بالعصيدة التي بها تطربني
لا سيّما إن صنعتعلى يدي ممركن
كذلك البلياط بالزيت الذي يقنعني
تطبخه حتى يرىيحمرّ في التلوّن
والزبزبنّ في الصحاف حسب أهل البطن
فاسمع قضاء ناصحٍيأتي بنصحٍ بيّن
من اقتنى التفين فهوالآن نعم المقتني
وإنّ في شاشية الفقير أنساً للغني
تبعدني عن وصلهاعن وصلها تبعدني
تؤنسني عن اللقاعن اللقا تؤنسني
فأضلعي إن ذكرتتهفو كمثل الغصن
كم رمت تقريباً لهالكنه لم يهن
وصدّني عن ذاك قلة الوفا باثمن
إيهٍ خليلي هذهمطاعمٌ لكنني
أعجب من ريقك إذيسيل فوق الذقن
هل نلت منها شبعاًفذكرها أشبعني
وإن تكن جوعان ياصاح فكل بالأذن
فليس عند شاعرٍغير كلام الألسن
يصوّر الأشياء وهي أبداً لم تكن
فقوله يريك ماليس يرى بالممكن
فاسمح وسامح واقتنعواطو حشاك واسكن
ولننصرف فقصدناإطراف هذا الموطن انتهى
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع