من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
فصل (٢)
من هذا، بل أجود منه قول تقيِّ الدين الفارسكوري:
توهَّمتُه شمساً وكان يريبنينسيم الصَّبا منه ومن طبعها الحَرُّ
فلمَّا دجى ليل العِذارِ ولم يغبعلمتُ وزالت شبهتي أنه البدرُ
وله:
وما زالت تخبِّرُني المعاليسراراً لا أطيق له جهارا
فإن أظفرْ به فأنا حَرِيٌّوإلا فالمقدَّر لا يُجارى
وحيَّاه غلامٌ بوردةٍ، فقال:
انظر إلى وردةٍ حيَّى بها رشأٌنشوان وافى من الغلمان كالحورِ
كأنَّها شفتاه حين جاء بهامضمومةً إذ بدت أو طرفُ مخمورِ
في التشبيه الأول شمةٌ من قول الشريف الرضي:
كم وردةٍ تحكي بسبق الوردطليعةً تشرَّعت من جندِ
قد ضمَّها في الغصن فرط البردضمَّ فمٍ لقبلةٍ من بُعْدِ
ولابن الرومي:
وردٌ تفتَّح ثم ارتدَّ مجتمعاًكما تجمَّعت الأفواه للقُبَلِ
ومن تضامين ابن تميم الفائقة:
سبقتْ إليك من الحدائق وردةٌوأتتك قبل أوانها تطفيلا
طمعتْ بلثمك إذ رأتك فجمَّعتفمها إليك كطالبٍ تقبيلا
وأصله قول المتنبي في راكب فرس:
ويُغيرني جذب الزِّمام لقلبهافمها إليك كطالبٍ تقبيلا
وله عاقداً لحكمة تؤثر:
إذا أقبلت دنياك يوماً على امرئٍكسَته ولم يشعر محاسن غيرهِ
وإن أدبرتْ سلبتْ محاسن نفسهوكُسى شروراً عن ملابس خيرهِ
وله:
كلُّ الحوائج تنقضيفاعجب لفرقِ قضائها
فالأُسد تفترس المهاوتعيثُ في أعضائها
والنَّمل عظمٌ واحدٌمنها يفي برضائها
وله من النوع الذي يسمى بالاكتفاء:
إنَّ احتفال المرء بالمرء لاأحبُّه إلا مع الاكتفا
مبالغات النَّاس مذمومةٌفاسلك سبيل القصد في الاحتفا
فيها التزامٌ عجيب، لم ينظم مثله، وهو أن يكون اللفظ المكتفي به بمعنى اللفظ المكتفي منه؛ فإن الاحتفاء والاحتفال بمعنى الاعتناء؛ فيكون على هذا الاكتفاء وعدمه على حدٍّ سواء، إذ لو قطع النظر عن لفظ الاحتفال لأغنى عنه لفظ الاحتفاء، مع تسمية النوع فيهما.
وله:
أضمُّ على قلبي يديَّ تشوُّقاًوألوي حيازيمي عليك تحرُّقاً
تساوى حضوري في هواك وغيبتيومن عجبٍ شوقٌ لدى البعد واللِّقا
رعى الله قلبي حيث كان فإنَّهغدا بحبال الشَّمس منك معلَّقا
ومن رباعياته قوله:
أبكيك ولو بقدر شوقي أبكيأوردت محاجري حياضَ الهُلكِ
لو قال لي الغرام ممَّن تشكوبأساً وأساً لقلت منكي منكي
وله:
أيُّ ذنبٍ ليَ قل ليغير حظٍّ منك قلِّ
أتراني منك أصبحتُ برأيِ مستقلِّ
لك نفسي أيها الجاني فخذ جهد المقلِّ
وله:
أيُّها الجاني المدلُّلك نفسي وتقلُّ
طال تعذيبك قلبيفعذابي لا يحلُّ
أنت في حلٍّ فبادربدمٍ ليس يحلُّ
وله من قصيدة، مطلعها:
عذراً لطيشك إن السنَّ مقتبلفليس ينفع في أشواقك العذلُ
سبعٌ وعشرون لو مرَّت على جبلٍلراح يختال منها ذلك الجبلُ
قضَّيت فيها شباباً لو تطلَّبهرضوان في الخلد أعيتْ قصده الحيلُ
نظيمةٌ كعقود الدرِّ في نسقٍفلو حوتها عقودٌ زانها العطلُ
نشوان أطفح من خمر الشَّباب ولاكنشوة الخمر يشكو فعلها الثَّملُ
من حيث عندي فكاهاتٌ ألذُّ بهاراحي الرُّضاب وتفاحي هي القبلُ
أعانق الغصن في أكمامه قمرٌوألثم البدر في أعطافه كسلُ
لو حلَّت الشَّمس يوماً في محلَّتنالراح يندبها من شجوه الحملُ
أو قابل البدر عندي من أسامرهلمسه دونه التَّشوير والخجل
أيام لم أحتمل للصبر عاقبةًولم أقل ليت جفني راح ينهملُ
مرَّت فلا صفوُها في العيش ذو رنقٍيوماً ولا ظلُّها في الأمن منتقلُ
تلهو السِّنون بها في أمرهنَّ كمايلهو بقلب الفتى في يومه الأملُ
وله الميمية التي أبانت عن شغف، كاد يفضي به إلى التلف، وغرامٍ رمي منه بكلف الكلف. وسبب ذلك صدُّ حبيبٍ لم يدع فيه للتَّحمل محلاً، وأذهل لبَّه فتركه بمقتضيات الحب مخلاً، وهي هذه:
حكَّمتهم في فؤادي حسبما رسموافليتهم حكموا بالعدل إذ حكموا
أو ليتنا قد صبرنا مذعنين لهمأو ليتهم إذ تولوا أمرنا رحموا
جاروا ولو علموا أني لحكمهمطوع القياد لما جاروا ولا ظلموا
ضنُّوا بصحبتهم عنا ولو علمواصدق المحبة منَّا خلتهم ندموا
هم عرَّضونا لبلواهم بقربهمحتى إذا ما رأوا إقبالنا سئموا
كنَّا بنينا لهم في القلب منزلةًعلياء حتى إذا ما شيِّدت هدموا
ظنُّوا بنا غير ما تطوي سرائرناوالله يأبى الذي ظنُّوه والكرمُ
ما أبعد العيب والنقصان من شرفيأنا الثُّريَّا وذانِ الشَّيبُ والهرمُ
رأيتهم لم يمَلُّوا خلَّتين لهموبئْستِ الخلَّتان الغدر والسَّأمُ
رحلت عنهم ولي في كلِّ جارحةٍمنِّي لسانٌ عليهم يشتكي وفمُ
وإن ترحَّلت عن قومٍ وقد قدرواأن لا تفارقهم فالرَّاحلون همُ
يا نازحين عراهم من تذكُّرناعارٍ فلا مسَّكم من بعد ذا ألمُ
جنيتم ثمَّ رحتم عابثين وهلفي العدل أن يعتب الجاني ويجترمُ
كنتم ولا عيب فيكم غير أنَّكمقد شاب ماءكم للشاربين دمُ
عجبتُ منكم وفي أخلاقكم عجبٌكيف استوى فيكم المخدوم والخدمُ
سلبتم النَّفع حتَّى ظنَّ طالبكمأنَّ الذي قد تولَّى كبركم صنمُ
غدرتم ووفينا في محبَّتكمإنَّ الوفاء لدى أهل النُّهى ذممُ
قد كنت يوسف إذ بعتم كإخوتهبالبخس مني فتًى تغلو به القيمُ
لا ذنب فيما أحلتم للوشاة وهلللخصم ذنبٌ إذا لم ينصف الحكمُ
إن كان يجمعنا حبٌّ لفرقتكمفليت أنَّا بقدر الحبِّ نقتسمُ
هل في القضية ممن لست أنسبهمأنِّي على حبِّكم بالصِّدق متَّهمُ
إن كان حبُّ الفتى ذنبٌ يعدا لهإني إذاً أنا بالبغضاء متَّسمُ
زعمتم أنَّنا نهوى شمائلكموإنَّما تعشق الأخلاق والشِّيمُ
أيُّ الفريقين أوفى عندكم نفرٌهَوَوْا وما كتموا أم معشرٌ كتموا
لم تفرقوا ما البزاة الشُّهب عندكموقد أحاطتكم الغربان والرَّخمُ
وما انتفاع أخي الدنيا بناظرهإذا استوت عنده الأنوار والظلمُ
فرَّطتم في عقود الودِّ فاغتنمواتفريطكم إنه ما ليس ينتظمُ
جمحتم اليوم عن طرق الوفاء فلاجذب الأزمَّةِ يثنيكم ولا اللُّجمُ
رحتم تغضُّون منِّي دون أسرتكمحتى كأنيَ في أجفانكم سقمُ
بيني وبينكم بهماء مظلمةٌمن غدركم لم تجبْها الأينقُ الرُّسمُ
جهلتم قدر معروفي ومعرفتيوسوف يبلغ شأوه النَّدمُ
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبيوأسمعت كلماتي من به صممُ
أبدو فيخضع من بالسُّوء يذكرنيكأنَّني فوق أعناق العدى علمُ
صفحت عنكم فلا أنِّي قبلت لكمعذراً ولكنَّ نفسي دأبها الشَّممُ
فادعوا بأبنائكم حتى نباهلكمأو لا فإنا لها الإنصاف نحتكمُ
أرخصتم سعر شعري في مديحكمفراح يهجوكم القرطاس والقلمُ
أنام ملء عيوني لا أعاتبكموتسهر السُّمر من أجلي وتختصمُ
جنايةٌ أرْشُها وصمٌ لكم أبداًوشرُّ ما يكسب الإنسان ما يصمُ
من لي بأن تفقهوا أن الأنام بكمنصفان مستهزئٌ والنِّصف منتقمُ
ما كان أخلقنا منكم بتكرمةٍلو أن فعلكم من فعلنا أممُ
هجرتم وهجرنا منصفين وفيفعل النُّهى دون أفعال الورى حكمُ
ضاق الكِناس عليكم يا ظباءُ بناوليس للأُسد إلا الغاب والأجمُ
ما لي وآرامكم حتى أخالطهاوفي التَّقرب ما تدنو به التُّهمُ
فارقتكم لا فؤادي راح مضطرماًشوقاً ولا العين في أجفانها ديمُ
سلوا تنبِّيكم حالي وما صنعتْمن بعد فرقتكم في صدريَ الهممُ
وكيف أصبح قلبي في تقلُّبهوالعين كيف كراها راح يزدَّحمُ
يدٌ علينا لواشينا فلا عثرتْولا سعتْ لتجافينا به القدمُ
قد هان في بصري ما كنت أبصرهكأنَّما يقظتي في وصلكم حلمُ
وكنت أبكي على حظِّي بكم زمناًفصرت أعجب من حظِّي وأبتسمُ
وصرت أندبكم لا أنَّني أسِفٌلكن لأعلم قومي أنَّكم رِممُ
طلبتُ صحبتكم حتى وجدتكمإذا احتفلْت بكم سيَّان والعدمُ
ورحت والصَّبر لم تثلم جوانبهوعدت والقلب مني باردٌ شَبِمُ
إني وما ضمَّ قلبي من سلوِّكمُأليةً ليس عندي غيرها قسمُ
قد اغتنمتم بعادي عن مجالسكموليس قربكم في النَّاس يغتنمُ
وكنت أزعم أن البيت بيتكموأنَّ عرضكم دون الورى حرمُ
وأنَّني عبدكم حتى رأيت لكمعبداً يسيء بمولاه وينهزمُ
ما كان لي أن أُرى في الرِّق مشتركامع عبد سوءٍ به الأحرار تُهتَضَمُ
عميتم عن محبيكم فسيء بكموتلك عاقبة القوم الذي عموا
سحرت ذا الدُّرَّ حتى صغته كلماًلا تحسبوا أنه ما بينكم كلِمُ
لو لم تكن رقَّة الألفاظ تخدعكملقلتم إنها المصقولة الخذِمُ
فلا رعى الله من لم يرع صحبتناولا رعى مرتعاً سامت به النَّعمُ
وله:
ربَّ يومٍ جاء يوحي بأمرٍفيه شيطانه إلى شيطاني
من سرارٍ بين اللَّحاظ وروحيأتقنت علم سحره العينانِ
وأفاضا من الهوى في حديثٍليس من جنس ما يعي الملكانِ
ثم زنداي وشَّحاه وشاحاًما لزنَّاره بذاك يدانِ
فاغتدينا من العناق اتِّحاداًمثل جسمٍ قد حلَّه روحانِ
وله:
لمَّا رأيت العيش من ثمر الصِّباوعلمت أنَّ العفو حظُّ الجاني
أدركت ما سوَّلتُهُ شبيبتيوفعلتُ ما لا ظنَّه شيطاني
وله:
ولقد صحبتُ العزَّ مذ أنا يافعٌفهو الشَّباب على الشبابِ أتاني
ولو اعترى بعد الشباب لسرَّنيفالعزُّ مكتهلاً شبابٌ ثاني
وله:
قد أظماني الغرام مما فيَّاهيَّا بفضول دمعِ كاسي هيَّا
لا تلحظنِّي عروس بختي أنَفاًحتى ولو انتقشتُ كلي كيَّا
الأمير منجك بن محمد المنجكي هذا الأمير، سقى عهده مفاض الديم، وحيى الرضوان منه تلك الشيم. إن لم يكن ثاني أبي فراس في الشعر وحده، فهو مع ذلك ثاني ابن طيٍّ الذي تجاوز في الكرم حده. فهما إن ابتدآ الأمرين في الوجود، فهو الذي انتهى به الفضل والجود. وأحسن ما في الطاووس الذنب، وفي الخمر معنًى ليس في العنب.
هذا، وكل ناطقٍ بلسان، وعارفٍ بحسنٍ واستحسان. مجمعٌ على فضله الذي اقتضى لذكره التخليد، فالعالم عرفه بعلمه، والجاهل قال بالتقليد. وهو منذ لاح هلاله في أوجه، وأبوه بين حزب الإقبال وفوجه. يفدى بالشموس والأقمار، ويمد بالأنفس والأعمار. وإن لم يكن في قبة السما، فهو في بحبوحة القُنَّة الشَّما. يباهي بسؤددٍ اتصلت أصوله اتصال الشآبيب، وتناسبت فروعه تناسب الرماح كعوباً على كعوب، وأنابيب على أنابيب. وعزٍّ له ذروةٌ تفضي إلى روضٍ بالسَّماح يجود، فكم لجباه العفاة لديه من مجال سجودٍ من مجالس جود. حتى قعد مقعد والده، واحتوى من رياشه على طريفه وتالده.
هنالك سلك من البذل ما سلك، وسخا والسخيُّ جوده بما ملك. فأعرضت عنه الأيام إعراض النسيم عن الروضة الغنَّاء، وتخلت عنه تخلي العقد عن عنق الحسناء.
وإذا الجواد يبيت منجور الزمَّان على وسادِ
كالعين تفرح غيرهاوتظلُّ لابسة الحدادِ
وقد أدركته وسبجه بدِّل بعاجه، وسمهريُّ قدِّه رمي باعوجاجه. وكان بينه وبين أبي محبة ومودة، ومجالس اجتماعاتٍ لمذاكرة الأدب معدة. فكنت أجني من مطارحتها بدائع مائسات الأعطاف، وأقطف روائع مستعذبات الجنى والقطاف. ولقد رأيت من فضله ما لم أر قبل ولا بعد، وطالما حصلت منه على أمانيَّ في هذا الشأن من غير وعد. فمن لفظٍ إذا سمعته قلت كأنَّ العرب استخلفته على لسانها، ومعنًى إذا تخيلته قلت: هذا للبراعة إنسان عينها وعين إنسانها. إلى محاضرةٍ إذا تحرَّى في أسلوبها الرَّشيق، تهمُّ ببسط الحجر لالتقاط درها النسيق. وأما حديث لين العريكة، ودماثة السليقة، فلم ير من يشبهه في الخلق والخليقة. بأدبٍ ضافي الذليل مطرز الكم، وشعرٍ يكاد يحيي الجماد وينطق البكم.
وها أنا أورد من أشعاره ما تزهو به القراطيس على صفحات الخدود المحشاة بالسوالف، ويغني عن لذة السلاف السلسل تذهَّبت به الليالي السوالف.
فمن ذلك قوله من قصيدة، مطلعها:
يعدُّ عليَّ أنفاسي ذَنوباإذا ما قلت أفديه حبيبا
وأبعد ما يكون الودُّ منهإذا ما بات من أملي قريبا
حبيبٌ كلَّما يلقاه صبٌّيصير عليه من يهوى رقيبا
سقاه الحسن ماء الدلِّ حتىمن الكافور أنبته قضيبا
يعاف منازل العشاق كبراًولو فرشت مسالكها قلوبا
فلو حمل النَّسيم إليه منيسلاماً راح يمنعه الهبوبا
أغار على الجفا منه لغيريفليت جفاه لي أضحى نصيبا
وأعشق أعين الرُّقباء فيهولو مُلئت عيونهم عيوبا
لقد أخذ الهوى بزمام قلبيوصيَّر دمع أجفاني صبيبا
وما أمَّلتُ في أهلي نصيراًفكيف الآن أطلبه غريبا
وأقصد أن يعيد رُوا شبابيزمانٌ غادر الولدان شيبا
وما خفيت عليَّ النَّاس حتىأروم اليوم من رخمٍ حليبا
إذا ظنَّ الشَّباب خشيت منهلفقد مساعدي يلفى مجيبا
وهب أنِّي حكيتُ الشاة ضعفاًفما لي أحسب السنَّور ذيبا
منها في المديح:
لئن سعدتْ ولو في النَّوم عينيبرؤياه لتلك العين طوبى
وإن ضنَّ السَّحاب فلا أباليوفيض نداه قد أضحى سكوبا
إذا تليت مآثره بأرضٍغدا الفلك المُدار بها طروبا
وقوله:
نوروز لا كنت قلبي فيك مكروبُالشَّمس طالعةٌ والبدر محجوبُ
أرى الحسان وما لي بينهم حسنٌما كلُّ من نظرتْهُ العين محبوبُ
صفر الفؤاد من الأفراح ممتلئٌبالحزن قلبي وفيض الدَّمع مسكوبُ
أبغي القيام وسوء الحظِّ يقعدنيمن عاند القدر المحتوم مغلوبُ
وقوله:
حبيبٌ حماه الملك تحت قبابهيكاد يذيب الروح فرط احتجابه
تدير على سمعي الأماني حديثهُفتسكر أفكاري بذكر رُضابهِ
يعيد تراب الأرض مسكاً وعنبراًإذا قبَّلتْ للشُّكر فضل ثيابه
يكلِّمني باللَّحظ عن أخذ مهجتيفيسبق تسليمي بردِّ جوابهِ
وقوله:
ما شرَّف الروض في نزاهتهإلا وستر الغمام ينسحبُ
كأنَّه البدر عند رؤيتهلا شكَّ شمس النَّهار تحتجبُ
وقوله:
تحجَّب عني الطَّيف حتى كأنَّهتخيَّل إنساني عليه رقيبا
وقد كان يغشى قبل ما احتبك الهوىفظنَّ خيالي للنحول قريبا
وقوله:
عِدْ وماطل فقد رضيت بهمنك وإن كان بالجفا آيبْ
صدق وعود الحسان أجمعهافدًى للذَّات وعدك الكاذبْ
وقوله:
ألا لا تبكِ حادثة افتراقٍولا تفرح بلذَّات الإيابِ
فما الدُّنيا وما ضمَّته إلاكخطِّ منَجِّمٍ فوق التُّرابِ
وقوله:
الموت أطيب ما يجتنىإن شطَّت الدارُ وطال الحجابْ
لا يدخل النَّار أسير الهوىإذ لا يرى الجنَّة أهلُ العذاب
معنى هذا البيت مضطرب، وقد سئلت عنه فأجبت: بأنه معرب من بيت بالتركية لفضولي، ومعناه: أن نار العشق التي يعذَّب بها العاشق في الدنيا هي نار الآخرة عندها جنَّةٌ، فإذا دخلها العاشق، والمفروض من أهل العذاب، يعني في العشق، لا يدخل النار الأُخرويَّة؛ لأنها بالنسبة إليه جنة.
وقوله:
مهلاً فحبُّك بي أراه عابثاًوأظنُّه للرُّوح منِّي وارثا
من ذا الذي ألوى بعهدك في الهوىحتى انثنيت عن المودَّة ناكثا
جرَّبت فيك الحادثات فلم أجدمثل الرَّقيب إذا خلونا حادثا
يا مشبِهَ الآرامِ ألا أنَّهاخُلقت لنا عيناه سحراً نافثا
قد راح بالقمرين طرفي هازئاًلمَّا رأى في بُردتيكَ الثَّالثا
أقول: ما تصورت أن الثاء تهون هذا الهوان، ولا تذعن هذا الإذعان، ولا تنقاد للكلِم إلا أن يكون كلمة المعان. فهذا السحر البياني إن لم يكن السحر المبين، وهذا المعجز الباهر، وأنا أول المؤمنين.
وله من قصيدة، مستهلها:
كبدٌ من سنان لحظك جرحَىوعيونٌ تُردِّدُ الدَّمع سَحَّا
وحنينٌ إلى الدِّيار ووجدٌيستفزُّ النُّهى وشوقٌ ألَحَّا
يا ابن وُدِّي تفديك من كلِّ سوءٍمهجٌ فيك ليس تقبل نصحا
قم بنا نشرب المدامة بكراًحيث رقَّ الهوى ونسكنُ صَرْحا
في رياضٍ كأنَّما هي خَدَّاكَ بهاءً وطيب صدغك نَفْحا
مطلعاً من ضياء وجهك والفرع ظلاماً يغشى العيون وصبحا
سكرَ الكأسُ إذ سكِرْتُ بعينيكَ فكان المُدامُ منِّي أصْحى
هذا بيتٌ تقلقل مبناه، فلهذا لم يفهم معناه، وسكر الكأس بظهور لازم السُّكر وهو الميل عليه، وإن صح أن المدام بمعنى المديم، فهو المعنى الذي يرجع إليه.
وله:
زمن الربيع مطِيَّة الأفراحومُعدِّل الأرواح في الأشباحِ
زمنٌ به لولا اشتباك فواقعٍطارت حُمَيَّانا من الأقداحِ
أخذه من قول ابن المعتز:
كادت تطيرُ وقد طِرْنا بها فرحاًلولا الشّباكُ التي صيغَت من الحَبَبِ
ولأبي الحسن علي بن الحسن الأندلسي:
والماءُ يحذر منها أن تطيرَ فقدصاغ الحَبابُ عليها صيغة الشَّبَكِ
وله:
حمائم الدَّوح ما هذي التَّغاريدعن باعثٍ هي أم لي منكِ تقليدُ
نوْحِي ونوْحك جنْح الليل متَّفقٌوالمشْغِلان لنا وردٌ وتوريدُ
إن كان يغنيك أصوات الصَّفير فليقلبٌ يعلَّلُه في الحبِّ تفنيدُ
تعجَّبت نار قلبي من تجلُّدهومن جفوني شكا دمعٌ وتسهيدُ
والحزن باقٍ على ما كنت أعهدهوإن تكرَّر عيدٌ بعده عيدُ
جريح بيضِ الظُّبا تُرجى سلامتهإلا الذي جرَحتْهُ الأعينُ السودُ
لي بالظَّعائن نهَّابُ العقول رَشاًقوامه بانةٌ والقلب جلمودُ
لو مرَّت الريح تَروي عن ئؤابتِهلم يبق من عهد عادٍ ثَمَّ ملحودُ
لكنَّما منعتْها من مواطنهمهابةٌ تتحاماها الصناديدُ
من البشانِقةِ الغُرِّ الذين لهملواءٌ حسنٌ على الأقمار معقودُ
نحن المسيئون إن جاروا وإن عدلواوما يرون حميداً فهو محمودُ
والذُّلُّ أشرف عزٍّ في محبَّتهموشَرْيُ هجرهم أرىٌ وقِنديدٌ
لا تصحبَنْ غير حرٍّ إن ظفرت بهوما سواه إذا جرَّبت تنكيدُ
ومن بدائعه قوله:
ومذ كشف الفَصَّاد عن زنده رأىمحاسن ألْهَتْهُ فضَلَّ عن الرُّشدِ
فقطَّب من أهوى وأبصر مغضَباًوأوقع ظلَّ الجفن منه على الزَّندِ
وأطلعَ نور الأُرجوان وحبَّذامن الياسمين الأُرجوان على الوردِ
وهذا معنى ترجمه من الفارسية، وقد ظفرتُ في العربية بما يقاربه، وقائله أبو الحسن الجرجاني:
يا ليت عيني تحمَّلت ألمَكوليت نفسي تقسَّمت سَقَمكْ
وليت كفَّ الطبيب إذ فصَدتْعرقك أجرتْ من ناظريَّ دمكْ
أعَرْته صبغ وجنتيك كماتُعيره إن لثمتَ من لثمك
طرفك أمضى من حدِّ مبضعهفالحظْ به العِرق واربَحَنْ ألَمَكْ
وللأمير:
شمس الضُّحى وأهِلَّة الأعيادِلضياء وجهك أحسد الحسَّادِ
وإذا شدا بك مطربٌ في مجلسٍرقصتْ لك الأرواح في الأجسادِ
جرَّدت من سحر الجفون صوارماًفأبت سوى الأكبادِ من أغمادِ
مسحَ المنى من زور طيفك راحةٌمن بعد ما غسل البكاء رقادي
ما كنت أفتقد الشَّباب لو أنَّنيعُوِّضت عنك بنشأةِ الميعادِ
وله:
لا تهمل الكأس حين يملأهامن هو في الحسن واحدٌ فردُ
طينته عنبرٌ وخامرها المسكُ والياسمين والوردُ
وله:
تَخِذَ الجور والجناية عادهْوانتهاب النُّفوس قبل الولادهْ
لا تضعْ سهم مقلتيه فؤاديضمن تلك السِّهام ألف شهادهْ
وله:
قد زارني وكأنَّه ريحانةٌيهتزُّ من تحت القِباءِ الأخضرِ
فظننْت منه ضمن كلِّ سلامةٍمن طيبه شمَّامةٌ من عنبرِ
ولِكنْزِ مبسمه دنوْتُ فخلتهياقوتةً مُلئت بأنفس جوهرِ
فهصرته هصر النَّسيم أراكةًمتلطِّفاً حتى كأن لم يشعرِ
متعانقين على فراش صِيانةٍمُتحذِّرين من الصَّباح المسفرِ
وله:
لم تمل بي عن العفافِ العُقارُأعشق الغِيد والوقار الوقارُ
أنظم الشعر ما حييت وإنَّيلابنُ بيتٍ تُهدى له الأشعارُ
يتحلَّى بيَ الزَّمان تحلِّي الغصن لمَّا يزينه النُّوارُ
صقلتني يد التَّجارب حتىصحَّ عزمي وطاب من الغِرارُ
ومكاني من الفخارِ مكانٌحَسَدتْه الشُّموس والأقمارُ
وقوله:
إن للَّيل بقايا عنبرٍفي قميص الصُّبح منها أثرُ
بادرت أيدي الصَّبا تلبسُهفبدا عند الرِّياض الخبرُ
انظره مع قول البهاء زهير:
رعى الله ليلة وصلٍ مضتْوما خالط الصَّفو فيها الكدرْ
خلوْنا وما بيننا ثالثٌفأصبح عند النَّسيم الخبرْ
وله:
ألا هاتِ اسقني كاساً فكاسَاوحيِّ بها ثلاثاً بل سداسا
فإني في احْتساها لا أعاصيرشاً تَخِذَ الحشا منَّي كناسا
حبيبٌ كلما ألقاه يُغضيفلو أهديته آساً لآسى
يريك إذا بدا قمراً منيراًوعطفاً إن ثنى عِطفاً وماسا
ويبسم ثغره عن أُقحوانٍويجلو خدُّه ورداً وآسا
خلعت عذار نُسكي في هواهوما راقبت في حبَّيه ناسا
فأحلى الحبِّ ما كان افتضاحاًوأشهى الوصل ما كان اختلاسا
وله:
يا بني العشق ليس نُحسب أحياأو بموتى نعدُّ تحت الأراضي
تارةً نألف الحياة وطوراًنتغنَّى بذكر طيب الرِّياضِ
نحن ما بين صحَّةٍ وسقامٍكجفون الدُّمى الصِّحاح المراضِ
وله:
ومهفهفٍ لولا عقارب صدغهلتناهبت وجناته الألحاظُ
طارحته ذكر الهوى وعواذليلا راقدون ولا هم أيقاظُ
نبدي الحديث ولا حديث كأنماعبراتنا ما بيننا ألفاظُ
وله:
وزارني طيفه وهناً فأرقَّنيكبارقٍ بخلال الوَدقِ قد لمعا
فما وحقِّك عن ودٍّ زيارتهلكن ليزجرَ طرفي والرُّقاد معا
وله:
رَيحانتي روض المحاسن ما الذيبلِّغتماه من العذول اللاغي
حتى توارت وردتا خدَّيكماعن ناظري ببنفسج الأصداغِ
وله، وهو معنًى أبدع فيه كل الإبداع، وأتى به كالبدر خرج من تحت الشعاع:
نبَّهته ودواعي الأنس داعيةٌإلى الطِّلا وبشير الصُّبح قد هتفا
فقام من نومه وسْنان تحسبهبدراً تقطَّع عنه الغيم فانكشفا
وقال هات وخذها وانتهز فُرصاًفما ترى لزمانٍ ينقضي خلفا
وله:
يا غزالاً يُقلُّ مسكاً فتيقافي فمٍ يُخجل المدام الرَّحيقا
قد سقاك الجمال ماء نعيمٍمُنبت منك في الخدود شقيقا
لا تذرني تفديك روحي وحيداًأشتكي غربةً تسيء الصَّديقا
أنا أسعى وفي سلاسل صدغيك فؤادي فارحم أسيراً طليقا
جرحتْ مقلتاك قلبي لهذادرُّ دمعي قد استحال عقيقا
لو ذكرْنا لماك عند حضور الرَّاحِ باتت فلم تجد مستفيقا
بك أرواحنا تسرُّ وترتاحْ فتختارك الرَّفيق الرَّفيقا
الصَّبوحَ الصًّبوحَ قبل مشيبِ الحظِّ منَّا أو الغبوق الغبوقا
نجتني زهرة الشَّباب ونلهواحيث نلقى الأشواق روضاً أنيقا
بين وعد آمالنا ووعيدٍمنك نستنظر الكذوب الصَّدوقا
وله:
أفديه من قمرٍ أطواره شغلتقلبي وعقلي بتغريبٍ وتشريقِ
من السَّليم وقد أحنى حواجبهوطرفه بين تسديدٍ وتفويقِ
وله:
تلوح لنا بالرُّوم من كلِّ جانبٍوجوهٌ تُعيد الصُّبح والليلُ حالكُ
أنظمأ في دارٍ تفيض بحورهاوتَشْرَقُ فيها بالجمال المسالكُ
وله:
لا تغتَرِر بشبابك الغضِّ الذيأيَّامه قمرٌ يلوح ويأفلُ
ودع اتِّباع النَّفس عنك فإنماحُبُّ الجمالِ الصَّبرُ عنه أجملُ
نَعَم العيون الفاتكاتُ قواتلٌلكنَّ سهام الله منها أقتلُ
وله:
مولَّهٌ بك لا تجدي وسائلهولا من الدَّمع جاريه وسائلهُ
عزيز صبرٍ أذلَّ الحبُّ مهجتهوعنَّفته على الشكوى قبائلهُ
عامٌ نأى عنك فيه مكرهاً فعلىأسحاره أبداً تبكي أصائلهُ
والكاس مذ بنتَ عنها تشتكي ظمأًوالرَّوض من حزنٍ جفَّت خمائلهُ
كلَّفت حملَ نواك اليوم قلب فتًىأرقُّ من نسمة الوادي أصائلهُ
وله:
قد زار من كنت قبل زورتهأراه لكن بمقلة الأملِ
بتنا ضجيعين والعناق لهثوبٌ علينا قد زرَّ بالقبلِ
ومن رباعياته قوله:
ما مرَّ تذكُّر الكرى في باليإلا دفعته راحة البلبالِ
أشفقت من الجفون لمساً يؤذيأقدام خيالك العزيز الغالي
مثله للبابي وفيه زيادة:
أردُّ الكرى إذ زار خفيةَ نظرةٍإليه فتدمي رقةً خدَّه القاني
وأسهر خوفاً أن يمرَّ خيالهبعيني فتؤذى أخمصاه بأجفاني
وأصله قول الوقشي:
إذا ظنَّ وكراً مقلتي طائر الكرىرأى هدبها فارتاع خوف الحبائلِ
ويقاربه قول الصلاح الصفدي:
أيا وحشتا في ليلِ شوقي لنوركمويا فرحتا لو كان في النَّوم يطرقُ
وهيهات لو زار الخيال منعتهمخافة أن تجري دموعي فيغرقُ
وللأمير منجك:
انظر إلى فحمٍ كأنَّ لهيبهلمعُ الأسنَّة في مثار القسطلِ
وكأنَّه والنَّار في أحشائهِصدر الحسود ونعمة المتفضِّلِ
هذا التشبيه تناوله من قول عبد الجليل المرسي في وصف فرنٍ:
ربَّ فرنٍ رأيته يتلظَّىوربيعٌ مخالطي وعقيدي
قال صفهُ فقلت صدر حسودٍخالطته مكارم المحسودِ
ولابن مجير الأندلسي، وقد حضر مع عدوٍّ له، جاحد لما فعله معه من الخير، وأمامهما زجاجةٌ سوداء فيها خمر، فقال له الحسود المذكور: إن كنت شاعراً فقل في هذه. فقال ارتجالاً:
سأشكو إلى النُّدمان أمر زجاجةٍتردَّت بثوبٍ حالك اللون أسحمِ
تصبُّ بها شمس المدامة بيننافتغرب في جنحٍ من اللَّيل مظلمِ
وتجحد أنوار الحميَّا بلونهاكقلب حسودٍ جاحدٍ يدَ منعمِ
وقد أحسن القاضي التنوخي، في تشبيه النار، حيث قال:
فاهتف بنارٍ إلى فحمٍ كأنَّهمافي العين ظلمٌ وإنصافٌ قد اتَّفقا
وللأمير، وهو من بدائعه:
لو لم يكن راعها فكرٌ تصوَّرهامن والهٍ وثنتها مقلة الأملِ
ما قابلت نصف بدرٍ بابن ليلتهوألقت الزُّهرَ فوق الشَّمس من خجلِ
قلت: هذان البيتان درَّان أو وردتان.
ومن خمرياته التي تصير الزاهد ضجيع دسكرةٍ وحان، وتنوب عن لذَّة السَّماع ومطربات الألحان:
أدر المدامة يا نديميحمراء كالخدِّ اللَّطيمِ
تسري بأرواح النَّهىكالبرءِ في الجسم السَّقيمِ
وأقم إذا جنَّ الدُّجىمتردياً ظلَّ الكرومِ
فالجوُّ راق كأنَّماصقلته أنفاس النسيمِ
وتبدَّدت زهر النجومِ تبدُّدَ العقد النَّظيمِ
قم هاتها واستجلِهامن كفِّ ذي شجوٍ رخيمِ
بدرٍ يريك محاسناًيسبي بها عقل الحليمِ
إن ماسَ يزري بالقناوإذا رنا فبكلِّ ريمِ
في روضةٍ نسجت بهاأيدي الصَّبا حبر الجميمِ
الجميم: مجتمع من البهمى، أي النبت.
ضحكت بها الأزهار لماأن بكى جفنُ الغيومِ
كم ليلةٍ قضَّيتهافي ظلِّها الصَّافي الأديمِ
متذكِّراً عهد الدُّمىمتناسياً ذكر الرسومِ
نشوان من خمر الصِّباجذلان بالأنس المقيمِ
حيث الشَّبيبة غضَّةٌوالوقت مقتبل النَّعيمِ
قلت: وقد اشتهر له في المدامة والنديم، وما يسلي عن لطف الحديث وصفو القديم. مع أنه ما عاقر عقاراً، ولا وهب لمجلس راعٍ وقاراً.
هذا ما سمعته من فيه، ولم ينقل عنه، فيما أعلم، شيءٌ ينافيه.
ومما يستجاد له قوله:
منعتْك رؤية كاشحٍمن أن تَمُرَّ مسلِّما
إن تخشَ من نظرٍ إليَّشِمِ الهلال تكرُّما
فلعلَّ لحظي يلتقيوهناً ولحظك في السَّما
أصله قول بعضهم:
إلى الطَّائر النَّسر انظري كلَّ ليلةٍفإنِّي إليه بالعشيَّة ناظرُ
عسى يلتقي طرفي وطرفك عندهفنشكو جميعاً ما تجنُّ الضَّمائرُ
ولابن المعتز منه:
ألست أرى النَّجم الذي هو طالعٌعليكِ فهذا للمحبِّين نافعُ
عسى يلتقي في الأفق لحظي ولحظهافيجتمعا إذ ليس في الأرضِ جامعُ
ولبعض شعراء الخريدة:
وأنظر البدر مرتاحاً لرؤيتهِلعلَّ طرف الذي أهواه ينظرهُ
ومن صنائعه قوله:
عدَّتُ المجد يراعٌ وحساموثمار الشُّكر تجنيها الكرامُ
أعذب الأشياء في ممنوعهاوبإعراض الدُّمى يحلو الغرامٌ
من يبت سهران في كسب العلاحرِّم الغمض عليه والمنامُ
قلت: هذه النبذة لم أر لها مثالاً، كلما قيد كلمتها الخطُّ سيَّرها اللفظ أمثالا: وله:
أغار إذا وصفْتُك من لسانيومن قلمي عليكَ ومن بناني
لئن منعتْك قومي عن حديثيفكم باتت تساجلك الأماني
وإن حجبوك عن نظري فإنِّيأراك بعين فكري من مكاني
وإن تكُ نارُ صدِّك لي تلظَّىفمنك أشمُّ رائحة الجنانِ
وإن شَرَّقْت أو غرَّبْت عنِّيفما لك منزلٌ إلا جناني
سقَى الأثلاثِ من يَبرينَ دمعيوحيَّا العهد هاتيك المغاني
معاهد كم جنيتُ العيش غضًّابها زمناً ولم أعهد بِجاني
أروح بها أجرُّ الذَّيل تيهاًوأُسقى الرَّاح من راح التَّهاني
ليالٍ كلُّها سَحَرٌ ودهرٌفؤادي منه يرتع في أمانِ
فغالطني الزَّمان وقال كهلٌوأيَّام الصِّبا في العنفوانِ
أقَبل الأربعين أُصيب شيباًفما عذر المشيب وقد دهاني
طوت أيدي الحوادث بسط لَهويوألوت من مواطنه عِناني
وله:
نفسٌ تعلَّلُ بالأمانيلا بالقِيان ولا بالقَناني
ومدامعٌ مسفوحةٌبين المعاهد والمغاني
وأبيت مضموم اليدينِ على التَّرائب والجَنَانِ
أشكو الصَّبابةَ للصَّبابةِ بالمدامع لا اللِّسانِ
وأقول إذ هتفت بناوَرقاً شجاها ما شجاني
يا وُرْقُ ما هذا النُّواح فبعض ما عندي كفاني
غادرْتُ بين الغوطتينِ بمنزلي السَّامي المكانِ
أُمًّا لها كبدٌ عليَّمذابةٌ مما دهاني
تستخبرُ الرُّكبان عنحالي وتندبُ كلَّ آنِ
فعسى الذي أبلى يُعينُ ويلتقي ناءٍ بدانِ
وله:
قم هاتها فانتهابُ العيش مُغتنمٌمن كفِّ مُعتدلٍ في خير إبَّانِ
حيث الرياضُ اكتستْ من سندسٍ حُللاًوتوِّجتْ بيواقيتٍ وعِقيانِ
والمسك في الفلك العُلويِّ إذ رَتَعتْغزالةُ الأفقِ والكافور سيَّانِ
وله:
وحبيبٍ مكلَّلٍ بعيونِجعلتْ طوقة اللَّيالي يميني
يتشكَّى من البضاضةِ حتَّىلو جعلنا الفراشَ من ياسمينِ
قوله: مكلل بعيون: استعمال لطيف، أول من استعمله بشَّار بن برد، في قوله:
ومُكلَّلاتٍ بالعيونِطَرقْننا ورجَعْنَ مُلسا
وقيل في معناه: إنَّهن لحسنهن تعلو الأبصار إلى وجوههن ورؤوسهن، كأن لهنَّ إكليلاً من العيون.
ومن أبياته الفذَّة قوله:
صادفْتُه فتناولتْ لَحَظاتهُعقلي وأعرض نافراً متجنِّبا
وقوله:
وابتسَمَ الورد فكادت لهتُمزِّق الرَّاحُ قميص الزُّجاجِ
وقوله:
بعض الذَّوات هي النَّعيم لمبصرٍوالبعض منها في الجفون قُروحُ
وقوله:
إن كتبي إليه صحف الأمانيوبها الرُّسْلُ بيننا الأرواحُ
وقوله:
متوَّجُ الرَّاح بالإبريقِ ذو قُرطٍمثل الهلال له الجوزاءُ زنَّارُ
وقوله:
طيرٌ أعار الغصن جُنكاً رُكِّبتْأوتاره من فِضَّةِ الأمطارِ
وقوله:
إذا أمسك المرآةَ ينظرُ وجههفظاهرها بدرٌ وباطنها شمسُ
وقوله:
ومُدامي ذكر الحبيبِ ونقْليقُبَلُ الظَّنِّ من شفاه المحالِ
وقوله:
ثقيلُ روحٍ يزورُ في زمنٍلو زار فيه الحبيبُ ما قُبلا
وقوله:
الجسم يبرأ بالعلاجِ سَقامُهوشِفا النُّفوس صداقةُ الخِلاَّنِ
وقوله:
بعض الحسانِ تراه عند مالكهكأنَّه العيد في أيَّامِ كانونِ
وقوله:
أحببتُ من أجله من كان يشبهُهحتى حكيت بجسمي سُقْمَ جَفنيهِ
عبد اللطيف المنقاري ماجدٌ استوفى شرف الأرومة، واستعلق مزيَّة النسبة المرومة. فما بات إلا بتكميل النفس وجده وكلفه؛ لأنه أتى الفضل وهو لعمري لا يتكلفه.
فهو معروفٌ بأصله وفصله، ومشهورٌ له بنبله وفضله. له المقام الأحظى، والمعارف التي ملأت سمعاً ولحظا. وهو من منذ حلت عنه تمائمه، ونيطت عليه عمائمه. مخطوب الحظوة عند الأنام، حالٌّ من الالتفات في الذروة والسَّنام. تارةً يفيد منًى وتارةً يستفيد ثناً:
تُروى محاسنُ لفظه وكأنَّهادُرَرٌ وآراءٌ كمثلِ دَراري
ومآثرٌ قد خلِّدت فكأنَّهاغُررٌ وعزمٌ مثل حدِّ غَرارِ
إلى أن فجع به المجد الأثيل، وفقد من الدنيا فقيد المثيل. وله أدبٌ نقده نضّ، ومقطعه غضّ. أخذت كلمه بمجامع القلوب، وملك قلمه الغاية من حسن الأسلوب. وقد أثبت له ما تستهديه بُرداً مُوشَّى، وتستجليه خداً بالقلم الرِّيحانيِّ محشَّى.
فمنه قوله، من قصيدةٍ، أولها:
بين حَنايا ضلوعي اللَّهبُومن جفوني اسْتهلَّتِ السُّحُبُ
وفي فؤادي غليلُ منتزِحٍيعاف إلا الدِّيار تقْتربُ
يا بأبي اليوم شادنٌ غَنِجٌيعبث بالقلب وهو ملتهبُ
يسنَحُ لكن بصفحتي رشأٍوالقدُّ إن ماد دونه القُضُبُ
صُفر وشاحٍ يزينه هيفٌليس كخودٍ يزينها القلب
إن لاح في الحيِّ بدر طلْعتهفالشمس في الأُفق منه تحتجبُ
أشْنبُ لم تحكِ برق مبسمهِيا برق إلا وفاتَكَ الشَّنَبُ
يطفو على الثَّغر مي مُقبَّلهحبابُ ظلْمٍ وحبَّذا الحبَبُ
كأنَّه لؤلؤٌ تُبدِّدهأيدي عذارى أفضى بها اللَّعبُ
ما مرَّ في الحلى وهو مُؤتلِقٌإلا ازدهى الحلى ثغره الشَّنبُ
يعطو بجيدٍ كقرطه قلقٍوالقلب ما جال منه مضطربُ
وسانحاتٍ نفثن في عقد الألبابِ سحراً ودونه العطبُ
به اختلسْنَ الفؤاد من كثبٍواقتاد جسمي السًّقامُ والوصبُ
تجرح منهنَّ مهجتي مقلٌيفعلن ما ليس تفعل القُضُبُ
ظعنَّ والقلب في ركائبهميخفق والجسم للضَّنَى نهبُ
من فوق خِلبي وضعتُ صاحَ يديفلم أجده وصدَّه لهبُ
لمَّا تيقَّنتُ أن دوحتهمليس لها ما حَييت منقلَبُ
أبليتُ صبراً لم يبلِه أحدٌواقتسمتني مآربُ شعبُ
منهن لي ذات دُملَجٍ سلبتعقلي وعادت تقول ما السَّببُ
هذا على أسلوب قول مهيار:
قتلتني وانثنت تسأل بيأيُّها الناس لمن هذا القتيلُ
يصبو جنوناً ويدَّعي سفهاًأنِّي له دون ذا الورى طلبُ
وليس عندي علمٌ بصبوتهولا تعهدتُ أنَّه وصِبُ
لو كان فيما يقوله شغفاًصدقٌ عراه لعشقِنا النَّصبُ
فقلت لو شئت يا منايا لماسألت عني وأنت لي أربُ
إنَّ نحولِي وعبرتي معاًبعد أنيني لشاهدٌ عجبُ
أشكوك لو كان منصفٌ حكمٌيقضي غراماً وليس يحتسب
لكنني الآن قد رجعت ولايرجع مثلي متيَّمٌ سلبُ
يا قلب عجْ من حِمى مكائدِهمواترك مقاماً به لك التَّعبُ
كم ذا تقاسي مصاب جفوتهموأنت والدَّهر كله حرِبُ
وكم تعاني بحبِّها ولهاًعهدكم لن تقلَّه كتبُ
فخلِّ دعداً وذِكر معهدِهاوعد عنها وأنت مجتنِبُ
وغضَّ طرفاً عن كلِّ غانيةٍواترك غزال الصَّريمِ ينتحبُ
إن عنده جاز أن يصارِمنيفالعيد عندِي بمذهبي يجِبُ
ولا تسمَّع للحنِ شاديةٍولو إلى اللَّحنِ هزَّك الطَّربُ
وجِدَّ واترك منًى خدِعت بهافالهزل داءٌ دواؤه الهربُ
وله من قصيدة أرسلها إلى ديار بكرٍ، يتشوق بها إلى دمشق، ويذكر منتزهاتها. ومطلعها:
سقى دار سعدى من دمشق غمامُوحيَّى بقاعَ الغوطتين سلامُ
وجاد هضاب الصَّالحيَّةِ صيِبُله في رياض النَّيربين ركامُ
منها:
ذكرت الحمى والدَّار ذكرى طريدةٍتذاد كظمآنٍ سلاه أوامُ
فنحتُ على تلك الرُّبوعِ تشوقاًكما ناح من فقدِ الحميمِ حمامُ
أيا صاحبي نجواي يوم ترحَّلواوحزن الفلا ما بيننا وأكامُ
نشدْتكما بالودِّ هل جاد بعدنادِمشق بأجفاني القِراح غمامُ
وهل عذبات البانِ فيها موائسٌوزهر الرُّبى هل أبرزته كِمامُ
وهل أعشب الرَّوض الدِّمشقيُّ غِبَّناوهل هبَّ في الوادي السعيدِ بشامُ
وهل ربوة الأنس التي شاع ذكرهاتجول بها الأنهارُ وهي جِمامُ
وهل شرف الأعلى مطلٌّ وقعرهعلى المرجةِ الخضراءِ فيه كرامُ
وهل ظلُّ ذاك الدَّوحِ ضافٍ وغصنهوريقٌ وبدر الحيِّ فيه يقامُ
وهل ظبياتٌ في ضميرٍ سوانِحٌوعين المها هل قادهنَّ زمامُ
ضمير: مصغر: قرية دمشق.
وهل أمويُّ العلمِ والدين جامعٌشعائِره والذِّكر فيه يقامُ
وهل قاسيونٌ قلبه متفطِّرٌوفيه الرجال الأربعون صِيامُ
ألا ليت شعري هل أعود لِجلِّقٍوهل لي بوادي النيربين مقامُ
وهل أرِدنْ ماء الجزيرة راتِعاًبمقصفها والحظُّ فيهِ مرامُ
سلامٌ على تلك المغانِي وأهلِهاوإن ريش لي من نأيهنَّ سِهامُ
لقد جمعت فيها محاسِن أصبحتلدرجي فخارِ الشامِ وهي خِتامُ
بلادٌ بها الحصباء درٌّ وتربهاعبيرٌ وأنفاس الشَّمال مدامُ
وغرَّتِها أضحت بجبهة روضِهاتضيء فخلخال الغدير لِزامُ
تنائيت عنها فالفؤاد مشتَّتٌووعر الفيافي بيننا ورَغامُ
لقد كدت أقضي من بعادي تشوُّقاًأليها وجسمي قد عراه سَقامُ
وله:
لهفي على زمنٍ قضَّيته جذِلاًمسربلاً ببرودِ العزِّ والنِعمِ
مضى كأن لم يكن ذاك الزَّمان أتىحتى كأني به في غفلةِ الحلمِ
ما أسأرتْ لي لياليه التي سلفتبلذَّةِ العيشِ إلا زفرة النَّدمِ
محمد بن يوسف الكريمي أقول فيه لا متأثِّماً، ولست من خجلٍ متلثِّماً: إنه أبرع من سبك لفظاً مع معنى، وأرقُّ من أراد أن يشعر فغنى. وهو من رقة العشرة، يكاد يدخل في القشرة. ومن خفة الروح، مع الذرِّ في الهواء يروح. ومضى عليه زمنٌ لا يعرف الصحو، ولا يفرق بين الإثبات والمحو.
وهو في قيد الرق، يجمع بين العود والزِق. هذا، وعهده يرف ماءه، ويشفُّ عن النضرة ماؤه. وتتألق غرَّته، وتشرق أسرَّته. والعيش كما يدريه، على ما يطيب يجريه. حتى فلَّ الدهر شبا شبيبته، ومحا من لوح الوجود محاسن جبهته. هناك ألجمه الشَّيب بلجامه، فنكَّب لا يلوي على كاسه وِجامِه. وقد وقفت بخطه على أشعارٍ له ألذَّ من ماء القراح، وأطيب من النسيم حفَّت به لذَّات الروح والراح.
فذكرت منها ما ينوب عن الريقين: الروض، والصَّبا، ويغني عن الرائقين: الرِّيق، والصَّهبا. فمن ذلك قوله من قصيدة، مستهلها:
في فؤادي من الخدودِ لهيبُجنَّةٌ طاب لي بها التَّعذيبُ
صحوتي من هوى الحِسانِ خمارٌوشبابٌ بلا تصابٍ مشيبُ
داوني باللِّحاظِ فالحبُّ فينادار بلوى بها السَّقام طبيبُ
لفؤادي من لحظةِ السُّخطِ سهمٌهي من قسمةِ الهوى لي نصيبُ
كلُّ قلبٍ له الصَّبابة داءٌألف الدَّاء فالحكيم رقيبُ
مِحنة الحبِّ عندنا دار بلوىفلها من قلوبِنا أيُّوبُ
هكذا حاكم الهوى فلديهِمن ذنوبٍ لنا تعدُّ القلوبُ
لو بدا للوجودِ يوسفُ حسنٍضمَّه من قلوبنا يعقوبُ
لا تلمني سداً فمدمن خمرِ الحبِّ في ملَّةِ الهوى لا يتوبُ
في لِحاظِ الظباءِ آية سحرٍقد تلاها على العقول الحبيبُ
رشأٌ أخجل البدور إذا ماشوَّشت خاطر الفؤادِ الجنوبُ
ما رأينا من قبلِ وجهك أن قدحمل البدر في الزَّمانِ قضيبُ
قاتلي في الهوى اللِّحاظُ وهذاشاهد الخدِّ من دمي مخضوبُ
قد رماني بأسهمِ الجورِ عمداًوسوى القلبِ سهمه لا يصيبُ
ليت أنَّا لم يخلق الحبُّ فيناليت أو لم يكن فؤادٌ طروبُ
يا أخا الوجدِ هل رأيت قتيلاًوهو ظلماً بنفسهِ مطلوبُ
هذا من قول المتنبي:
وأنا الذي اجتلبَ المنيَّةَ طرفهُفمن المطالبُ والقتيل القاتلُ
وهو أخذه من قول دعبل:
يا ليت شعري كيف يومكمايا صاحبيَّ إذا دمِي سفكا
لا تأخذا بظلامتي أحداًقلبي وطرفي في دمي اشتركا
وقد أخذه أبو الحسن الكسروي فحسَّنه، حيث قال من أبيات:
أنا القتيلُ وطرفي قاتلي ودميما بين قلبي ومن علِّقته هدرُ
يا لقلبٍ أطعته وعصانيفهو إلا إلى الهوى لا يجيبُ
خبِّري يا صبا رياض التَّصابيفبذِكرِ الهوى فؤادي يطيبُ
عرف القلب فيك رائحة الحبِّويدري بسمِّهِ المسلوبُ
ساعدتني على النَّحيبِ حمامٌحيث ما لي سوى صداها مجيبُ
أنا والوِرقُ في الطلولِ غريبانِ ويستصحِبُ الغريبَ الغريبُ
غير أنِّي بِها رهين فؤاديوهي تأتي وحيث شاءت تؤوبُ
علِّم القلب منطِقَ الطَّير شجواًفله في فنونِهِ تهذيبُ
وله من أخرى، مطلعها:
فيك أمسَى وفيك بالوجدِ أضحىمستهامٌ لا يعرف الدَّهر نُصحا
يا غزالاً بوجدِهِ سِقم الصَّبرِ من القلب والهوى فيهِ صحَّا
أنت بالهجرِ قد أطلت اللياليومنعت الخيال عنِّي شحَّا
وإذا زرتَ والزَّمان بخيلٌلم أجِد للدُّجى وحقِّك جنحا
أرتجي بالعذارِ ليل وصالٍفأرى تحته لوجهِك صبحا
يا قتيلاً بمذهبِ الحبِّ ظلماًدمه طلَّ وهو يطلب صلحا
شاهِدا قِتلتي فؤادي وطرفيوترى في كِلا الشهيدينِ جرحا
قاتلي شادِنٌ أعدَّ لقتليبلحاظٍ عضباً بالقدِّ رمحا
يا لقلبٍ ما فيه يبرأ جرحٌللتَّصابي إلا أرى فيهِ جرحا
ومريضِ اللِّحاظِ ساهمَ قلبيسقم طرفيهِ واستزدْت فشحَّا
علَّمتني جفونُه الوجدَ لماأن تلت للحَشا من السِّحرِ شرحا
عارضتني والوجدَ منها عيونٌما نبا العضبُ لو أعارته صفحا
وله يصف يوماً أطربه فيه الفرح، ونال فيه من اللذة ما اقترح. مع فتية مسامرتهم ألذ من الكأس إذا احتبك المجلس، وأوقعوا من المبلغ النقدِ إذا تملكه المفلس:
يا ربَّ يومٍ قطعته فرحَافي روضِ أنسٍ هزاره صدحَا
صفا بهِ العيش لي وجادَ بهِدهرٌ وآمالُ مهجتي منَحا
مع فتيةٍ دام لي الفخارُ بهمومعشرٍ صبحُ فضلهم وضحَا
من كلِّ ندبٍ شهاب فِكرتِهلو قابل البدرَ نوره افتضحَا
يومٌ كعهدِ الصِّبا لرقتِهِنالَ بهِ القلب وفقَ ما اقترحَا
طالبت دهري بيومنا زمناًفالآن دهري بهِ لقد سمحَا
أذكرني طيبُ يومِنا زمناًكنت بريمِ الصريمِ مفتضحَا
أيَّام لا أسمع الملامَ ولاأصغي للاحٍ إذا صبوت لحَى
رشأٌ غدا يفضح الظِّباء بَهَاًبدرُ سناً طلعت الشُّموسِ محَا
عجِبت من فعلِ سهمِ مقلتهأردَى عميدَ الهوى وما جرحَا
محجَّب الحسنِ شمسُ وجنتِهِزان بَهَاها الحَيَا لمن لمحَا
حديثُ وجدي هو القديم بهِوالحالُ حالي بهِ ومَا برِحَا
يا قلب للغيرِ لا تمل أبداًفما يداويكَ غير من جرحَا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع