من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
عبد الله بن محمد بن أبى عيينة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
يكنى أبا جعفر، وأبو عيينة هو ابن المهلّب بن أبى صفرة.
وكان بينه وبين طاهر دخلل وله به خاصّة، فأتاه زائرا فلم يجد عنده الذى أمّل فكتب إليه:
من آنسته البلاد لم يرمعنها ومن أوحشته لم يقم
ومن يبت والهموم قادحةفى صدره بالزّناد لم ينم
ومن ير النّقص فى مواطئهيزل عن النّقص موطىء القدم
ياذا اليمينين لم أزرك ولمآتك من خلّة ولا عدم
إنى من الله فى مراح غنىومغتدى واسع وفى نعم
زارتك بى همّة منازعةإلى جسيم من غاية الهمم
فإن أنل همّتى فأنت لهافى الحقّ حق الإخاء والرّحم
وإن يعق عائق فلست علىجميل رأى عندى بمتّهم
فى قدر الله ما أحمّلهتعويق أمرى واللّوح والقلم
لم تضق السّبل والفجاج علىحرّ كريم بالصّبر معتصم
ماض كحد السنان فى طرف العامل أو حدّ مرهف خذم
إذا ابتلاه الزّمان كشّفهعن ثوب حرّيّة وعن كرم
وهو القائل:
ياذا اليمينين ما شىء إقامتهعلى الإطالة إقصاء وتقصير
وما شهاب منير قد أضرّ بههمّ ببابك حتّى ما له نور
وهو القائل:
ياذا اليمينين إنّ العتاب يشفى صدورا ويغرى صدورا
وكنت أرى أنّ ترك العتاب خير وأجدر ألا يضيرا
إلى أن ظننت أن قد ظننت أنّى لنفسى أرضى الحقيرا
فأضمرت النّفس فى وهمهامن الهمّ همّا يكدّ الضّميرا
ولا بدّ للماء فى مرجلعلى النار موقدة أن يفورا
ومن أشرب اليأس كان الغنىّومن أشرب الحرص كان الفقيرا
علام وفيم أرى طاعتىلديك ونصرى لك الدّهر بورا
ألم أك بالمصر أدعو البعيدإليك وأدعو القريب العسيرا
ألم أك أوّل آت أتاكبطاعة من كان خلفى بشيرا
ففيم تقدّم جفّالةإليك أمامى وأدعى أخيرا
كأنّك لم تدر أنّ الفتى الحمىّ إذا زار يوما أميرا
يقدّم من دونه قبلهأليس يكون بسخط جديرا
ألست ترى أنّ سفّ التّراببه كان أكرم من أن يزورا
فهل لك فى الإذن لى راضيافإنّى أرى الإذن غنما كبيرا
ثم هجاه فقال:
وما طاهر إلا شفاة تحرّكتبرائحة الفضل بن سهل فمرّت
فأغنت بريح الفضل كلّ غنائهاوبالفضل ساءت حين ساءت وسرّت
ثم فارقه فقال:
هو الصّبر والتّسليم لله والرّضاإذا نزلت بى خطّة لا أشاؤها
إذا نحن أبنا سالمين بأنفسكرام رجت أمرا فخاب رجاؤها
فأنفسنا خبر الغنيمة إنّهاتؤوب وفيها ماؤها وحياؤها
هى الأنفس الكبرى التى إن تقدّمتأو استأخرت فالقتل بالسّيف داؤها
سيعلم ذو العينين أنّ عداوتىله ريق أفعى ما يصاب دواؤها
وهو القائل:
تستقدم النّعجتان والبرقفى زمن سوق أهله الملق
عور وحول ويبذق لهمكأنّه بين أسطر لحق
هذا زمان بالناس منقلبظهرا لبطن جديده خلق
وأخوه أبو عيينة هو الّذى كان يهجو خالد بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب، وكان فى جنده وصحابته.
ويقال إنّ اسم أبى عيينة كنيته، وكان يكنى مع ذلك أبا المنهال.
وهو القائل:
لقد خزيت قحطان طرّا بخالدفهل لك فيه يخزك الله يا مضر
وأنشد الرشيد هذا البيت فقال: بل هو موفّر على قحطان.
وفيها يقول:
له منظر يعمى العيون سماجةوإن يختبر يوما فيا سوء مختبر
أبوك لنا غيث نعيش بسيبهوأنت جراد لست تبقى ولا تذر
له أثر فى المكرمات يسرّناوأنت تعفّى دائما ذلك الأثر
تسىء وتمضى فى الإساءة دائبافلا أنت تستحيى ولا أنت تعتذر
وفيه يقول:
إنّ أضياف خالد وبنيهليجوعون فوق ما يشبعونا
وتراهم من غير نسك يصومون ومن غير علّة يحتمونا
وقال:
لقد جعلت تعرّض لى مصادتعرّض من يريد ولا يراد
فقلت لها كسدت فلا تغتّىكذاك لكلّ نافقة كساد
فإن ترضى فقد قبلتك عينىولكن ليس يقبلك الفؤاد
فما لك إن أقمت علىّ رزقولا لك إن ظعنت علىّ زاد
وقال:
أنا من وجد بدنياى منهاومن العذّال فيها ملقّى
زعموا أنّى صديق لدنياليت ذا الباطل قد صار حقّا
وقال فى آخر:
كم أكلة لو قد دعيت بها إلى كفر كفرتا
ودعاك عامل عسقلان إلى وليمته فطرتا
فأقمت سبتا عندهوأقمت بعد السّبت سبتا
ثمّ انصرفت ببطنةوسرقت إبريقا وطستا
أنت امرؤ لو متّ ثمّ وجدت ريح الخبز عشتا
ويستجاد له قوله:
خالد لولا أبوهكان والكلب سواء
لو كما ينقص يزداد إذا نال السّماء
وقوله:
على سلمه أسد باسلوعن حربه ثعلب مقرد
ويستجاد له قوله:
ضيّعت عهد فتى لعهدك حافظفى حفظه عجب وفى تضييعك
وذهبت عنه فما له من حيلةإلا الوقوف إلى أوان رجوعك
متخشّعا يذرى عليك دموعهأسفا ويعجب من جمود دموعك
إن تفتنيه وتذهبى بفؤادهفبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
وقال فى رجل تزوّج امرأة لمالها:
رأيت أثاثها فطمعت فيهوكم نصبت لغيرك من أثاث
فصيّر أمرها بيدى أبيهاوسرّح من حبالك بالثّلاث
وإلا فالسّلام عليك منّىسأبدأ من غد لك بالمراثى
وقال:
فيا طيب ذاك القصر قصرا ومنزلابأفيح سهل غير وعر ولا ضنك
بغرس كأبكار الجوار وتربةكأن ثراها ماء ورد على مسك
كأنّ قصور القوم ينظرن نحوهإلى ملك موف على منبر الملك
يدلّ عليها مستطيلا بفضلهفيضحك منها وهى مطرقة تبكى
وقال يذكر البصرة:
يا جنّة فاتت الجنان فماتبلغها قيمة ولا ثمن
ألفتها فاتّخذتها وطناإنّ فؤادى لحسنها وطن
زوّج حيتانها الضّباب بهافهذه كنّة وذا ختن
فانظر وفكّر فيما تطيف بهإنّ الأريب المفكّر الفطن
من سفن كالنّعام مقبلةومن نعام كأنّها سفن
ويتمثّل من شعره بقوله:
داود محمود وأنت مذمّمعجبا لذاك وأنتما من عود
ولربّ عود يشقّ لمسجدنصف وسائره لحشّ يهود
فالحشّ أنت له وذاك لمسجدكم بين موضع مسلح وسجود
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع