من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها (٢)
وهو صلب العصا أي قوي. وقولهم: أنك خير من تفاريق العصا، فالعصا تقطع ساجورا ثم يجعل الساجور أوتادا، والأوتاد شظاظا، والشظاظ مهار البخاتي، أو تشق العصا فتجعل قوسا للبندق، وتجعل القوس سهاما والسهام حظاء والحظاء مغازل، والمغازل قداحا.
الكرة والصولجان: وقال أبو قريش بن أسوط، وكان من بطارقة أرمينية يصف كرة:
يحبّ دنوّها إذا مادنت منه بكدّ أي كدّ
قلاها ثم أتبعها بضربوأعقب قربها منه ببعد
وقال بشّار:
كأنّ فؤاده كرة تترىحذار البين لو نفع الحذار
وقال السيّد الحيمري:
وكأنّها كرة بكفّ حزورعبل الذراع دحا بها في ملعب
البوق: : قال الببغا:
ومسمع ليس بذي لسانمحكم في صمم الآذان
سرّ يؤدّيه إلى إعلان
التعيير بترك الثأر والحثّ على أخذه: قيل لأعرابي: أيسرك أنك من أهل الجنة وأنك لا تدرك ثارا قط؟ قال: بل يسرني إن أدرك الثار وأنفى العار وأدخل مع فرعون النار.
قدم هدبة بن الخشرم العذريّ ليقتاد بابن عمه فأخذ ابن المثؤر به السيف فضو عفت له الدية حتى بلغت مائة ألف، فأبت أم الغلام أن يقبل الدية وقالت: أعطى الله عهدا لئن لم تقتله لأتزوجنه فيكون قد قتل أباك وناك أمك. قال عبد الرحمن بن شافع:
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكمفكونوا نساء للخلوق وللكحل
ويبيعوا الردينيّات بالحلى واقعدواعلى الذلّ وابتاعوا المغازل بالنبل
ونحوه، قول عمرة بنت وقدان:
فإن أنتم لم تطلبوا بأخيكمفذروا السلاح ووحشوا بالأبرق
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوانقب النساء فبئس رهط المرهق
من حلّ له الطيبّات لإدراكه الثأر: قال شاعر:
اليوم حلّ لي الشراب وماكان الشراب يحلّ لي قبل
قال جابر:
وحل لي التدهين والخمر بعد ماشفيت غليلي من ثويد المراثد
المبجّح بإدراك ثأره: قال المهلهل في إدراك ثأر كليب:
فلو نبش المقابر عن كليبفتخبر بالذنائب أيّ زير
بأنّي قد تركت بوارداتبحيرا في دم مثل العبير
هتكت به بيوت بني عبيدوبعض القول أشفى للصدور
قالت صفية بنت الجذع:
وقد قتلنا شفاء النفس لو قنعتوما قتلنا به إلا امرأ دونه
قال زبان وكانت قد هجاه بعض أعاديه فقتله وقطع لسانه ودسّه في إسته:
وإن قتيلا بالهباءة في إستهصحيفته إن عاد للظلم ظالم
متى تقرؤها تهدكم من ضلالكموتعرف إذا ما فضّ عنها الخواتم
من نزع ثوب العار وانطلق لسانه: قال أخو ساف بن عباد اليشكري:
ألم يأتها أنّي صحوت وأنّنيشفاني من دائي المخامر شاف
فأصبحت ظبيا مطلقا من أديمهصحيح الأديم بعد داء أساف
وكنت مغطّى في قناعي خيفةكشفت قناعي وأعتطفت عطافي
قال غالب:
وقد كنت محرور اللسان ومفحمافأصبحت أدري اليوم كيف أقول
من لا يفوته الثأر: قال عبد الله بن العتابي:
وقد ضمنت أسيافهم ورماحهملمن جاوروا أن لا يضيع لهم وتر
قال البحتري:
تذم الفتاة الرود شيمة بعلهاإذا بات دون الثأر وهو ضجيعها
حمية شعب جاهلي وغيرةكليبية أعيا الرجال خضوعها
وقال المتنبّي:
إذا طلب النيل لم يثأهوإن كان دينا على ماطل
من يفيت الثأر ولا يفوته: قال الحرعي:
وإذا طلبت الوتر لم تسبق بهوتفوت مطلوبا به فتبرح
وقال آخر:
تحف أغرّ لا قود عليهولا دية تساق ولا اعتذار
من قتل بعض ذويه اقتصاصا: قال قيس بن زياد:
شفيت النفس من قيس بن بدروسيفي من حذيفة قد شفاني
فإن أك قد برّدت بهم غليليفلم أقطع بهم إلّا بناني
ونحوه للحارث بن وغلة:
قومي هم قتلوا أميم أخيفلئن رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفونّ جللاولئن سطوت لأوهننّ عظمي
قال البحتري:
تقتل من وتر أعز نفوسهاعليها بأيد ما تكاد تطيعها
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤهاتذكرت القربى ففاضت دموعها
وقال أعرابي:
أقول للنفس تعزاء وتسليةإحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف عن فقد صاحبههذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
ومما جاء في التحذير من الحرب وطلب الصلح
إصابة الحرب جانيها وغير جانيها: العرب تقول: الحرب غشوم لأنها قد تنال غير جانيها، قال شاعر:
لم أكن من جناتها علم اللهوإنّي لحرّها اليوم صال
وقال آخر:
وليس يصلى بحرّ الحرب جانيها
وقال آخر:
وأصبح من لم يجن فيها كذي الذنب
قال أبو حيّة:
أصابوا رجالا آمنين وربّماأصاب بريئا من يكن غير ذا ذنب
قال ابن الرومي:
رأيت جناة الحرب غير كفّانهاإذا اختلفت فيها الرماح الشواجر
كذاك زناد الحرب عنها بنجوةولكنّما يصلى صلاها المشاعر
التفادي من محاربة الأنذال: قصد الإسكندر موضعا فحاربته النساء فكفّ عنهن فقيل له في ذلك، فقال: هذا جيش إذا غلبناه فما لنا به من فخر وإن غلبنا فتلك فضيحة الدهر. قال شاعر:
قبيل لئام إن ظفرنا عليهموأن يغلبونا يوجدوا شرّ غالب
الممتنع من الصلح: قال عبد الرحمن بن سليمان:
فلا صلح حتّى تخبط الخيل في القناوتوقد نار الحرب في الحطب الجزل
وقال آخر:
فلا صلح ما دامت هضاب أبان
قال حرملة بن المنذر:
طلبوا صلحنا ولات أوانفأجبنا أن ليس حين بقاء
فلحا الله طالب الصلح منّاما أطاف الميس بالدهماء
وقال عمرو بن الأهيم:
ليس بيني وبين قيس عتابغير طعن الكلى وضرب الرّقاب
وقال الزبرقان:
فلن أصالحهم ما دمت ذا فرسواشتدّ قبضا على الأسياف إبهامي
تبكيت من عرض عليه صلح فلم يقبله واستوخم عاقبته: قال ابن قيس:
ومولىّ دعاه الغيّ والغيّ كاسمهوللجبن أسباب تصدّ عن الحزم
أتاني يشبّ الحرب بيني وبينهفقلت له لا بل هلمّ إلى السّلم
ولما أبى أرسلت فضلة ثوبهإليه فلم يرجع بحزم ولا عزم
فكان صريع الجهل أوّل مرةفيا لك من مختار جهل على علم
ضارع يطلب الصلح: قال المتنبّي:
من أطاق التماس شيء طلاباواغتصابا لم يلتمسه سؤالا
ومما جاء في الهزيمة والخوف وأن الفرار لا يقي من الموت: قال الله تعالى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ
وقال أمير المؤمنين يوم الجمل: إن الموت طالب حثيث لا يعجزه المقيم ولا يفوته الهارب، وإن لم تقتلوا تموتوا وإن أشرف الموت القتل. والعرب تقول: أجرأ من خاصي خصّاف وكان جبارا فشهد حربا فوقف حجزه فجاء سهم فغرز في الأرض وجعل يهتز فبحث فرآه قد أصاب يربوعا، فقال:
لا المرء في شيء ولا اليربوع
ولا أقتل إلا بأجلي. ثم حمل فخرق الصف، فأنكى في القوم. قال شاعر:
إن الفرار لا يزيد في الأجل
تفضيل القتل على الهرب: قال سقراط لرجل هرب من الحرب: الهرب من الحرب فضيحة. فقال الرجل: شر من الفضيحة الموت. فقال سقراط: الحياة إذا كانت صالحة فسلم فإذا كانت رديئة فالموت أفضل منها. ولما قتل الإسكندر ملك الهند قال لحكمائه: لم منعتم الملك من الطاعة؟
قالوا: ليموت كريما ولا يعيش تحت الذلّ.
الممتنع من الفرار: قالت امرأة من عبد القيس:
أبوا أن يفرّوا والقضاء في نحورهمولم يرتقوا من خشية الموت سلّما
ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّةولكن رأوا صبرا على الموت أحزما
تعيير من أثار الحرب فهرب: قال عمارة بن عقيل:
ما في السويّة أن تجرّ عليهموتكون في الهيجاء أول صادر
وقال هدبة بن الخشرم:
وليس أخو الحرب ثم الغليظة بالذيإذا زيّنته الحرب للسلم أخضعا
قال الحصيفي:
جنيتم علينا الحرب ثم ضجعتمإلى السلم لمّا أصبح الأمر مبهما
من وصف قوما هزمهم: قال قيس بن عطية:
وتكرّ أولاهم على أخراهمكرّ المخلى عن حياض المصدر
وقال منحناهم الهزيمة ونفضنا عليهم العزيمة. قال بكر بن النطاح:
ولقيتهم لقي الأعاجم كالجراد المرتدف
فقطعت أصلهم وقطع الأصل أقطع للطّرف
قال الموسوي:
إذا ما لقيت الجيش أفنيت جلّهردى ورددت الفاصلين نواعيا
ويقال تركت لهم شقّ الشمال إذا هزمتهم. وقيل ذلك لأجل أن المنهزم يأخذ طريق الشمال. قال شاعر:
إذ حاربوا لم ينظروا عن شمالهمولم يمسكوا فوق القلوب الخوافق
ترك أنباع المنهزم: أوصى الإسكندر صاحب جيش له فقال: حبب إلى أعدائك الهرب قال: كيف أصنع؟ قال: إذا ثبتوا جد في قتالهم وإذا انهزموا لا تتبعهم.
وقيل لأمير المؤمنين: أنت رجل محرب وتركب بغلة فلو اتخذت الخيل. فقال أنا لا أفرّ ممن كرّ ولا أكرّ على من فرّ. وعاتب المهلب الحجّاج في تركه أتباع الخوارج لما انهزموا فكتب إليه: أما علمت أن الكلب إذا أحجر عقر.
المتأسف على من نجا ولم يؤسر: قال عوف بن عطية:
ولولا علالة أفراسنالزادكم القوم خزيا وعارا
قال امرؤ القيس:
وأفلتهن علباء جريضاولو أدركته صفر الوطاب
قال أبو تمّام:
لولا الظلام وعلّة علقوا بهاباتت رقابهم بغير قلال
فليشكروا جنح الظلام ودرودافهم لدرود والظلام موال
قال عنترة الكلبي:
فلولا الله والمهر المفدّىلابت وأنت غربال الإهاب
الفارّ في وقت الفرار والثابت في وقت الثبات: قال يوما معاوية ﵁: لقد علم الناس أن الخيل لا تجري بمثلي فكيف؟
قال النجاشي:
ونجّى ابن حرب سابح ذو علالةأجشّ هزيم والرماح دواني
فقال عمر: وأعياني أشجاع أنت أم جبان؟ فقال: شجاع إذا ما أمكنتني فرصة وإن لم تكن لي فرصة فجبان. وقيل: الهرب في وقته خير من الصبر في غير وقته وقيل: من هرب من معركة فعرف مصيره إلى مستقره فهو شجاع.
تفضيل الإحجام حيث يكون أوفق على الإقدام: قال المهلّب: الإقدام على الهلكة تضييع كما أن الإحجام عن الفرصة عجز. وقال المتوكل لأبي العيناء: إني لأفرق من لسانك. فقال: يا أمير المؤمنين الكريم ذو فرق وإحجام واللئيم ذو وقاحة وإقدام. قال مالك الأنصاري:
أقاتل حتّى لا أرى لي مقاتلاوأنجو إذا غمّ الجبان من الكرب
من هرب لمّا علم قلّة غنائه: قال هبيرة القرشي:
لعمرك ما وليت ظهرا محمداوأصحابه جبنا ولا خشية القتل
ولكنّني قلّبت أمري فلم أجدلسيفي غناء إن ضربت ولا نبلي
وقفت فلّما لم أجد لي مقدماصدرت كضرغام هزبر إلى الشبل
ثنى عطفه عن قرنه حيث لم يجدما غاله عند التّصرّف والختل
وقال آخر:
أعاذل ما ولّيت حتّى تبددترجال وحتّى لم أجد لي مقدما
وحتّى رأيت الوريد يدمى لبانهوقد هزم الأبطال وانتثل الدّما
المتفادي من حضور الحرب: قيل لبعضهم لم لا تغزو؟ فقال: إني أكره الموت على فراشي فكيف أسعى إليه برجلي. ورأى المعتصم في بعض منتزهاته أسدا فنظر إلى رجل أعجبه زيه وقوامه وسلاحه فقال له: أفيك خير؟ فعلم الرجل مراده فقال: لا. فقال: لا قبّح الله سواك وضحك.
واجتاز كسرى في بعض حروبه برجل قد استظل بشجرة وألقى سلاحه وربط دابّته.
فقال له: يا نذل نحن من الحرب وأنت بهذه الحالة، فقال: أيها الملك إنما بلغت هذا السن بالتوقي، فقال: زه وأعطاه مالا.
المؤثر الدّعة على الحرب: قال أبو العتاهية: دخلت أنا وأبان على عنان وهي في خيش، فقلت: إن العيش خيش، فقالت: لا قتال وجيش.
قال زيد الخيل
تذكر حصنه لما رآنيأقلّب آلة مثل الهلال
قال الهذلي:
عقوا بسهم فلم يشعر به أحدثم استفاؤوا وقالوا حبّذا الوضح
الهارب من قومه: قيل: الشجاع يقاتل من لا يعرفه، والجبان يفرّ من عرسه، والجواد يعطي من لا يسأله، والبخيل يمنع من نفسه.
قال شاعر:
يفرّ جبان القوم عن أمّ نفسهويحمي شجاع القوم من لا يناسبه
قال حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:
إن كنت كاذبة الذي حدثتنيفنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبّة أن يقاتل دونهمونجا برأس طمرة ولجام
قال أبو تمّام:
أجدى قرابيسه صرف الردى ونجابحيث أنجى مطاياه من الهرب
وله:
ونجا ابن خانية البعولة لو نجابمهفهف الكشحين والآطال
ترك الأحبّة ساليا لا ناسياعذر النسيّ خلاف عذر السالي
من نجا وقد استولى عليه الخوف: قال شاعر:
فإن ينج منها الباهليّ فإنّهقطيع نياط القلب دامي المقاتل
وقال أبو تمّام:
من مشرق دمه في وجهه بطلأو ذاهل دمه في الرعب قد نزفا
فذاك قد سبقت منه القنا جرعاوذاك قد سبقت منه القنا نطفا
وقال غيره:
وما نجا من شفار البيض منفلتنجا ومنهنّ في أحشائه فزع
وقيل لمنهزم: كيف فلان؟ قال: قتل. قيل: ففلان؟ قال قتل. قيل: هل لك في سويق تشربه؟ فقال: السويق قتل.
وقيل لرجل تعرض له الأسد فأفلت منه كيف حالك؟ قال: سلمت غير أن الأسد خرئ في سراويلي. قالت عابدة المهلبيّة:
فإن ثبتوا فعمرهم قصيروإن هربوا فويلهم طويل
المتبجّح بإثارة الحرب والانهزام: قال شاعر:
وكتيبة لبستها بكتيبةحتّى إذا التبست نفضت لها يدي
فتركتهم نفض الرماح ظهورهممن بين منجدل وآخر مسند
فقال أبو القاسم الدميري: هذا كقول الله ﷾: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ
الآية
المتبجّح بأنه عدا لما رأى العدى: قال تميم بن أسد الخزاعي:
لما رأيت بني نفاسة أقبلوايغشون كلّ وتيرة وحجاب
ونشيت ريح الموت من تلقائهموخشيت وقع مهنّد قرضاب
رفعت رجلا لا أخاف عثارهاونبذت بالمتن العراء ثيابي
تسلية المنهزم: لما انهزم أمية بن عبد الله لم يدر الناس كيف يهنئونه أو يعزّونه فدخل عبد الله بن الأهتم فقال: الحمد لله الذي نظر لنا عليك، ولم ينظر لك علينا فقد تقدمت للشهادة بجهدك ولكن علم الله حاجة الإسلام إليك فأبقاك له.
قال المتنبّي يعتذر عن سيف الدولة في هزيمة وقعت له:
قل للدمستق إنّ المسلمين لكمخافوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمقفليس تأكل إلا الميت الضبع
وإنّما عرض الله الجنود لكملكي يكونوا بلا فشل إذا رجعوا
فكلّ غزو إليك بعد ذا فلهوكلّ غاز لسيف الدولة التبع
المظهر الشجاعة خارج الحرب والجبن فيها: قيل: فلان يتثعلب في الهيجاء ويتنمّر في الرخاء. قال شاعر:
يفرّ بحيث تختلف العواليوإن يأمن فذو كبر وتيه
وقال دعبل:
أسود إذا ما كان يوم كريهةولكنّهم يوم اللقاء ثعالب
وله:
عير رأى أسد العرين فراعهحتّى إذا ولّى تولّى ينهق
الخائف من أعدائه الجسور على أوليائه: قيل لبعضهم: ما النذالة؟ قال: الجراءة على الصديق، والنكول عن العدو ولهذا باب في غير هذا الموضع.
من ذكر خور نفسه: أتى الحجاج برجل من أصحاب ابن الأشعث فقال له: أسألك أن تقتلني وتخلّصني.
فقال له الحجاج: لم؟ فقال: إني أرى كل ليلة في المنام أنك تقتلني وقتلة واحدة خير فضحك وخلّى سبيله. قال شاعر:
لقد خفت حتّى لو تمرّ حمامةلقلت عدو أو طليعة معشر
قال آخر:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوىوصوّت إنسان فكدت أطير
ولما قال عرابة بن سلامة:
وددت مخافة الحجّاج أنّيمن الحيتان في لجّ أعوم
قيل له: أقويت فقال الإقواء بين عقلي ونفسي أكبر من ذلك
من ضاقت عليه الدنيا من المخافة: قال لبيد:
كأنّ بلاد الله وهي عريضةعلى الخائف المطلوب كفة حابل
قال دعبل:
كأنّ نفسه من طول حيرتهامنها على نفسه يوم الوغى رصد
المغلوب: كتب مروان إلى بعض الخوارج إني وإياك لك الزجاجة والحجر إن وقع عليها رضّها وإن وقعت عليه قضّها. قال: واستضعف ابن شبرمة رجلا، فقال: أنت حجة خصمك وسلاح عدوك وفريسة قرنك.
المتكلّح من المخافة: الخائف إذا أفرط به خوفه تقلّصت شفته. قال الأعشى:
وإذا العوالي أخرجت أقصى ألمكلح الفتى جزعا ولم يتبسّم
شيوع المخافة في الناس: قال الله تعالى: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
(الآية)، وقال حسّان:
تشيب الناهد العذراء منهاويسقط من مخافتها الجنين
ومما جاء في التلصص وما يجري مجراه
السرقة: قيل: فلان أسرق من ذبابة ومن عقعق ومن شظاظ وهو رجل موصوف بالسرقة.
وقيل: فلان لو خلا بالكعبة لسرقها. وقيل: لص شص على الإتباع.
ومن الموصوف بالسرقة شيبان بن شهاب كان يجمع القراد في دبة فيأتي بها عطن الابل إذا استقرت فيه فيفتحها ثم يرسلها فتتبدد الإبل فيسرقها، ومنه قال الشاعر:
وأوصى جحدر قدما بنيهبإرسال القراد على البعير
تحسين التلصّص والتبجّح به: قال عثمان الخيّاط: لم تزل الأمم يسبي بعضهم بعضا ويسمون ذلك غزوا وما يأخذونه غنيمة وذلك من أطيب الكسب وأنتم في أخذ مال الغدر والفجرة أغدر فسمّوا أنفسكم غزاة كما سمّى الخوارج أنفسهم سراة وأنشد:
سأبغي الفتى إما جليس خليفةيقوم سواء أو مخيف سبيل
وأسرق مال الله من كلّ فاجروذي بطنة للطيّبات أكول
وقالوا: اللص أحسن حالا من الحاكم المرتشي، والقاضي الذي يأكل أموال اليتامى.
التجسير على التلصص: قال عثمان الخياط: جسّروا صبيانكم على المحارجات وعلّموهم الثقافة وأحضروهم ضرب الأمراء أصحاب الجرائم لئلا يجزعوا إذا ابتلوا بذلك وخذوهم برواية الأشعار من الفرسان وحدّثوهم بمناقب الفتيان وحال أهل السجون، وإياكم والنبيذ فإنها تورث الكظة وتحدث الثقل وتدعو إلى البول والنوم ولا سيما بالليل ولا بد لصاحب هذه الصناعة من جراءة وحركة وفطنة وطمع، وينبغي أن يخالط أهل الصلاح ولا يتزيّا بغير زيّه.
المفتخر بصعود المراقب: قال ربيعة بن مقروم:
قال ربيعة بن مقروم:
ومزبأة أوفيت جنح أصيلهعليها كما أومى القطامي مرقبا
ربيبة جيش أو ربيبة مقنبإذا لم يقد وغد من القوم مقنبا
قال أبو نواس:
ربّ فتيان ربأتهممسقط العيّوق من سحره
فاتّقوا بي ما يريبهمإنّ تقوى الشرّ من حذره
حدّ السرقة: قال الله ﵎: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
وقال النبي ﷺ:
يقطع السارق في ربع دينار. وروي لا قطع إلّا في عشرة وقال أيضا لا قطع في ثمر ولا كثر. وروى جابر عن النبي ﷺ: ليس على المختلس والمنتهب والخائن.
وأتى صفوان حضرة النبي ﷺ برجل قد سرق رداءه فأمر بقطعه قال صفوان أتقطعه في ردائي؟ قال: نعم. قال: قد تصدقت به عليه. قال: هلا قبل أن تأتيني به.
وأتى معاوية ﵁ بسارق فأمر بقطعه فجاءته أمه وسألته أن يعفو عنه فقالت:
هو واحدي وكاسبي فقال إنّه حدّ من حدود الله تعالى لا نقدر على إبطاله. فقالت: اجعله بعض ذنوبك التي تستغفر الله منها فأمر بتخليته.
من تخلّص بسخف أو رقاعة: خرج داود المصاب وكان معه دراهم فتبعه قوم فصاحوا به: ألق ما معك يا مجنون فقال نعم فجلس وخرىء وقال ما معي وحياتكم غير هذا. وأخذ لصوص قوما في طريق فقالوا أنتم بعلتم الدنانير فاجلسوا وأخرؤا فأعجز أحدهم الخراء فرأى سرقينا يابسا فجلس عليه فقالوا له أنت تخرأ سرقينا فقال الغريب مسكين أيش يمكنه أن يخرأ الأمثل هذا فضحكوا وخلوا سبيله.
ومما يدخل في الفصل قول جرير بن عبد الحميد: سرقت من شيخ أوزة فشكا ذلك إلى سليمان بن داود ﵉ فخطب الناس فقال ما بال أحدكم يسرق أوزة جاره وريشها على رأسه فمد رجل يده إلى رأسه كأنه يمسحه فدعاه وقال له: أدّ أوزّة صاحبك.
ومما جاء في الحبس والقيد والضرب وغيرها
الشماتة بمقيّد: قال المعدل:
وقد سرّني أن بات في الكبل راسفاتغنيه في داجي الظّلام صلاصله
فإن يظفر الإسلام منه بثأرهفقدما إلى الإسلام دبّت غوائله
معرفة أهل السجون بالأخبار: حكي أن يوسف ﵇ دعا لأهل السجون، فقال: اللهم اعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تخف عليهم الأخبار، فببركته ﵇ هم أعلم الناس بكل خير في كل بلد.
الهارب من السجن: كان الكميت في سجن بني أمية فلما هرب قال:
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبلعلى الرغم من تلك النوائح والمسلي
على ثياب الغانيات وتحتهاعزيمة رأي أشبهت سكة النّصل
قال الفرزدق في ابن هبيرة حين نقب سجن خالد بن عبد الله:
ولما رأيت الأرض قد سدّ ظهرهاولم تر إلا بطنها لك مخرجا
دعوت الذي ناداه يونس بعد مانوى في ثلاث مظلمات ففرّجا
خرجت ولم تمنن عليك شفاعةسوى ربد التقريب من آل أعوجا
استطلاق أسير أو محبوس والرغبة في الحبس: قال الحطيئة لما حبسه عمر ﵁ في سبب الزبرقان وهجائه إياه:
ماذا تقول لأفراخ بذي طلحزغب الحواصل لا ماء ولا شجر
حبست كاسبهم في قعر مظلمةفاغفر عليك سلام الله يا عمر
وقال الحارثيّ:
أفكك أسيرك والتمس بفكاكهحسن الجزاء بصالح الأعمال
وقال الصّابي في المطهر لما قيّد وحبس:
لساني في نشر المدائح مطلقوساقي في قبر المحابس موثق
وحلمك يأبى الجمع ما بين ذا وذافحتّى متى بين الفريقين أفرق
وأتى المنصور برجل جان فأمر بقتله فقال: إن الله أعظم سلطانا منك وعاقب بالخلود لا بالفناء، فأمر بحبسه.
كتب أبو ثوابة إلى قوقارة يقول: ما رأيك أبقاك الله في المصير إلى الحبس موفق إن شاء الله فكتب قوقارة تحته لا رأي لي في ذلك.
تهنئة مطلق من الحبس: قال البحتري:
وما هذه الأيام إلا مراحلفمن منزل رحب إلى منزل ضنك
وقد هذّبتك النائبات وإنّماصفا الذهب الأبريز قبلك بالسبك
أما لك في الصّديق يوسف إسوةلمثلك محبوس على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهةفآل به الصبر الجميل إلى الملك
المضروب بالسياط: قال الفرزدق:
لعمري لقد صبّت على ظهر خالدشآبيب ما استهللن من سبل القطر
وقال آخر:
كأنّما جلده والسوط يأخذهقطن تطاير عن قضبان ندّاف
قال الببغا في لصّ جعل على رأسه برنس فطوق به:
وبدّل من تاج العمامة برنسايبالغ في تقويمه وهو مائل
أمال به طولا سوى الجسم وهو منزيادته في طوله متضائل
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع