من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها
ما جاء في الشجاعة وأحوالها، حقيقة الشجاعة: حقيقة الشجاعة
قيل: الشجاعة صبر ساعة، وكتب زياد إلى ابن عباس: صف لي الشجاعة والجبن والجود والبخل فقال: الشجاع من يقاتل من لا يعرفه والجبان يفر من عرسه والجواد يعطي من لا يلومه حقه والبخيل يمنع من نفسه، قال شاعر:
يفرّ جبان القوم عن أم نفسهويحمي شجاع القوم من لا يناسبه
وسئل فيلسوف عن الشجاعة فقال: جبلة نفس أبية وقيل: الرجال ثلاثة: فارس وشجاع وبطل. فالفارس الذي يشد إذا شدوا والشجاع الداعي إلى البراز، والمجيب داعية والبطل الحامي لظهورهم إذا انهزموا.
الأسباب المشجعة: قال الجاحظ: الأسباب المشجعة قد تكون عن الغضب والشراب والهوج والغيرة والحمية. وقد تكون من قوة النفخ وحب الأحدوثة وربما كان طبعا كطبع الرحيم والسخي والبخيل والجزوع والصبور وربما كان للدين، ولكن لا يبلغ الرجل للدين ما لم يشيعه بعض ما تقدم لأن الدين مجتلب مكتسب ولا يكاد يبلغ الطبيعة.
وقيل: لا يصدق القتال إلا ثلاثة: متديّن وغيران وممتعض من ذلّ.
الحثّ على استعمال الخدعة والحيلة والتحرّز في الحرب: قال النبي ﷺ الحرب خدعة وقيل إذا لم تغلب فأخلب وقال بعضهم: كن بحيلتك أوثق منك بشدّتك، وبحذرك أفرح منك بنجدتك، فإن الحرب حرب للمتهوّر وغنيمة للمتحذّر.
وقيل: المكر أبلغ من النجدة، ومما كتب معاوية إلى مروان لما بلغه قتل عثمان رضي الله تعالى عنه: إذا قرأت كتابي فكن كالفهد لا يصطاد إلّا بغليلة ولا يناور إلا عن حيلة وكالثعلب لا يغلب إلا روغانا. وأخف نفسك عنهم إخفاء القنفذ رأسه عن لمس الأكف وامتهن نفسك إمتهان من ييأس القوم من نصره وأبحث على أخبارهم بحث الدجاجة عن حب الدخن عند نفاسها وقيل حازم في الحرب خير من ألف فارس.
لأن الفارس يقتل عشرة وعشرين، والحازم قد يقتل جيشا بحزمه وتدبيره.
حث من دعي إلى المبارزة على الإجابة: قال أمير المؤمنين ﵁ لبعض بنيه: لا تدعونّ أحدا إلى البراز ولا يدعونّك أحد إلّا أجبته، فالداعي باغ والباغي مصروع.
وقال طرفة:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أننيدعيت فلم أكسل ولم أتبّلد
وقال:
إن كان في الألف منّا واحد فدعوامن فاز خالهم إيّاه يعنونا
قال دعبل:
من معشر إن تدعهم لملمّةوصلوا الحياة إلى العلا بحديد
المنازل وقت المنازلة: قال المهلهل:
لم يطيقوا أن ينزلوا فنزلناوأخو الحرب من يطيق النزولا
وقال:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اعتنقواضارب حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا
وقال:
جعلت يدي وشاحا لهوبعض الفوارس لا يعتنق
الحثّ على الثبات والنهي عن الإحجام والفكر في العواقب: قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ
وقال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا
وقيل: السلامة في الإقدام والحمام في الأحكام، قال قطري:
لا يركننّ أحد إلى الأحكاممتخوفا يوم الوغى لحمام
قال الكلبي:
إذا المرء لم يغش الكريهة أو شكتحبال الهوينا بالفتى أن تقطعا
وقال أبو بكر لخالد بن الوليد ﵄: لما أخرجه لقتال أهل الردّة: أحرص على الموت توهب لك الحياة. وقيل: من تفكر في العواقب لم يشجع، ولما أحست امرأة ربيعة بن مكدم بهر به قالت:
مساءة ترك الفتى نساءهحتّى يبلّ من دم أنسائه
الحثّ على التفكر قبل التقدم: قيل: الإتيان بالتندم لا يغني بعدم التقدم. وقيل: من قاتل بغير نجدة وخاصم
بغير حجة وصارع بغير قوة فقد أعظم الخطر وأكبر الغرر:
إذا ما أردت الأمر فاذرعه كلّهوقسه قياس الثوب قبل التقدّم
لعلّك تنجو سالما من ندامةفلا خير في أمرأتى بالتندّم
المتبجّح بثباته: قيل: لأمير المؤمنين ﵁ أنت محرب مطلوب فلو اتخذت طرفا. فقال: لا أفرّ عمن كرّ ولا أكرّ على من فرّ، فالبغلة تكفيني.
وقيل لعباد بن الحصين: إن جالت الخيل فأين نطلبك؟ قال: حيث تركتموني.
وقيل لبعض بني المهلب بن نلتم؟ ما نلتم قال بصبر ساعة، وقال هدبة:
أخو الحرب من لا يجتويها إذا اجتوتولا يظهر الشكوى وإن كان موجعا
وقال:
قوم إذا نزلوا الوغى لم يسألواحذر المنيّة عن طريق الهارب
وقال آخر:
ولا يرتقي من خشية الموت سلّما
قال أبو فراس:
صبور ولو لم تبق منّي بقيةقؤول ولو أن السيوف جواب
وقور وأحداث الليالي تنوشنيوللموت حولي جيئة وذهاب
المتوصل إلى الشدة بالرخاء: قيل: نيل المعالي هول العوالي، ودرك الأحوال في ركوب الأهوال. بالصبر على لبس الحديد تتنعم في الثوب الجديد، في الصبر على النوائب إدراك الرغائب ربّ قعدة تمنع قعدات وأكلة تمنع أكلات، قال الطائي:
ولم تعطني الأيام يوما مسهّداألذّ به إلا بنوم مشرّد
وقال يزيد بن المهلب يوما لجلسائه: أراكم تعنّفوني في الإقدام فقالوا: أي والله أنك لترمي نفسك. فقال إليك عنّي فو الله لم آت الموت من حبّه ولكني آتيه من بغضه ثم تمثّل:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجدلنفسي حياة قبل أن أتقدّما
المخوف منه: قيل: كانت قريش إذا رأت أمير المؤمنين في كتيبة تواصت خوفا منه. ونظر إليه رجل وقد شقّ العسكر فقال: قد علمت أن ملك الموت في الجانب الذي فيه عليّ.
تأثير الجيش: بعث أمير في طلب قوم رجلا، فما لبث أن جاءه برجل أطول ما يكون فقال: كيف تمكنت منه؟ فقال: وقع في قلبي أن آخذه ووقع في قلبه أنه مأخوذ فنصرني عليه خوفه وجراءتي. وقيل لأمير المؤمنين بم غلبت الأقران؟ قال: بتمكّن هيبتي في قلوبهم.
المؤتمر له الوغى والردى: قال كلثوم
قداح المنايا في يديه يجيلها
قال الفرزدق:
أظلّه منك حتف ظلّ يرقبهحتّى يؤامر فيه رأيك القدر
وقال دعبل:
هم المتخيّرون على المنايانفوس ذوي الرياسة باقتراح
قال سلم الخاسر:
كأن المنايا جاريات بأمره
وقال المتنبّي:
ويستعظمون الموت والموت خادمه
المشبه بالأسد: هو أشد صولة من أسد وأبلغ منعة من الحصن الحصين:
كالليث لا يثنيه عن إقدامهخوف الأذى وقعاقع الأعداء
وقال ابن الأعرابي أحسن بيت في الحرب قول الشاعر:
كأنّ الجوّ محفوف بناروتحت النار آساد تزور
وقال زهير:
ليث بعثر يصطاد الرجال إذاما الليث كذب عن أقرانه صدقا
وصف أعرابي آخر فقال: هو أشد إقداما من أسد وتوثبا من فهد، واختطافا من حدأة ومن عقاب ملاح.
جلد ابتلي بمثله: في المثل:
إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا
وقيل:
إن الحديد بالحديد يفلح
المتشمر في الشدائد: قال علقمة:
فلا يغرّنك منّي الثوب أسحبهإني امرؤ فيّ عند الجدّ تشمير
وقال:
طيّات طاوي الكشح لايرخي لمظلمة إزاره
المتحمّل للشدائد الصابر لها: وصف رجل آخر فقال: كان ركوبا للأهوال غير ألوف للظلال. قال أعرابي لوال:
اجعلني زماما من أزمتك التي تجرّبها العدو فإني ممن يتخذ الليل جملا في أثر العدو وأتدرع ظلامه لا نكول ولا أكول. وقيل فلان شديد الحجزة أي الصبر على الشدة، قال الأقرع:
ونكبة لو رمى الرامي بها حجراأصمّ من حجر الصوّان لانصدعا
مرت عليّ فلم أطرح لها سلبيولا استكنت لها وهنا ولا جزعا
وقال الموسوي:
وكم عجموني فانسللت مهذّباوأثّر عودي في نيوب الأعاجم
الممدوح بقوة نفسه دون جسمه: قيل: الكرام اصبر نفوسا واللئام أصبر أبدانا. ومنه أخذ أبو تمام قوله:
والصّبر بالأرواح يعرف فضلهصبر الملوك وليس بالأجسام
وقال:
وإني لأقوى على المعاليوما أنا بالقويّ على الصّراع
وقال:
لا قوّتي قوّة الرّاعي قلائصهيأوي فيأوي إليه الكلب والربع
وقال معاوية ﵁: ما كان في الشبان شيء إلا وكان في منه مستمتع إلا أني لم أكن نكحة ولا صرعة.
من لا يتألم من شدّة: قال:
لا يألم الشرّ حتى يألم الحجر
المتبرم للحرب: قال شاعر:
يا بؤس للحرب التيوضعت أراهط فاستراحوا
وقال:
ما ذاق همّا كالشّجاع ولا خلابمسرّة كالعاجز المتواني
وقال سيف الدولة:
كأنّما لغزو مفروض على سرىمن يملك الأرض أوساطا وأطرافا
فرسان العرب: قال أبو عبيد: فرسان العرب المجمع عليهم: دريد بن الصمة وعنترة العبسي وعمرو بن معدي كرب.
وقد عد من أكابرهم عامر بن الطفيل وعتيبة وعنبسة بن الحارث وزيد الفوارس والحراث بن ظالم وعباس بن مرداس وعروة بن الورد.
ومن فتّاك الجاهلية: الحارث بن ظالم والبراض بن قيس وتأبط شرا وحنظلة بن فاتك الأسدي.
ومن رجالاتهم أوفى بن مطر المازني وسليك بن السلكة والمنتشر بن وهب الباهلي.
وكل واحد منهم كان أشد عدوا من الظبي وربما جاع أحدهم فيعدو إلى الطبي فيأخذ بقرنه ولا يحملون زادا. وكان أحدهم يأخذ بيض النعام في الربيع فيجعل فيه ماء ويدفنه في الفلاة حيث يغزو، حتى يكون له في الصيف إذا سلك ذلك الطريق. ومنهم الشنفرى.
المتفادى من التعرض له: قال عبد الله بن عباس ﵄: فلان مضغني فلما ضرسته لفظني
طوال قنى تطاعنها قصاروقطرك في وغى وندى بحار
وقال:
إنّ الرماح وإن طالت ذوائبهامن العدى تتواصى عنه بالقصر
من لا يخضع في شدة: قيل لأعرابي اشتد به المرض: لو ثبت. قال: لست أعطي على الذلّ إن عافاني الله تبت، وإلا أموت هكذا:
لا يخرج القسر منّي غير معصيةولا ألين لمن لا يبتغي ليني
وقال شدّاخ:
أبينا فلا نعطي مليكا ظلامةولا سوقة إلا الوشيج المقوّما
وسأل عمر بن عبد العزيز ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير فقال: ما رأيت نفسا أثبت من نفسه، مر حجر من المنجنبق وهو قائم يصلّي بين جنبه وصدره فما خشع له بصره ولا قطع قراءته ولا ركع دون الركوع. وعن أمه أنّها دخلت عليه في بيته وهو قائم يصلّي فسقطت حية فتطوّقت بابنه هاشم فتصايح أهل البيت بها حتى قتلوها وعبد الله قائم يصلّي فما التفت ولا عجّل. فلما فرغ قال: ما بالكم؟
المتأنّي: قال خارجة:
قوم إذا شومسوا لجّ الشماس بهمذات العناد وإن ياسرتهم يسروا
النهي عن مخافة القتل والحثّ على تصوّر الموت والتمدّح بذلك: قيل لعلي ﵁: أتقاتل أهل الشأم بالغداة وتظهر في العشيّ في ثوب ورداء؟
فقال: أبالموت أخوّف؟ والله ما أبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت عليّ. وقد أحسن المتنبّي في قوله:
إذا غامرت في أمر مرومفلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقيركطعم الموت في أمر عظيم
وفي قوله:
ترى الجبناء أنّ العجز عقلوتلك خديعة الطبع اللئيم
وقوله:
فلو أن الحياة تبقى لحيّلعددنا أضلّنا الشجعانا
وإذا لم يكن من الموت بدّفمن العجز أن تموت جبانا
قال أبو فراس:
تهون علينا في المعالي نفوسناومن خطب العلياء لم يغله المهر
قوم تسلّط عليهم القتل فلم يفنهم: قال المهلّب: ليس شيء أنمى من سيف. فوجد الناس تصديق ذلك فما نال السيف أنمى عددا وأكرم ولدا منهم قال الله تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب. وقال الحجاج لامرأة من الخوارج: والله لأحصدّنكم حصدا فقالت: أنت تحصد والله يزرع.
فأنظر أين قدرة المخلوق مع قدرة الخالق. ولم يظهر من عدد القتلى ما ظهر في آل أبي طالب وآل المهلب وفيهم من الكثرة ما ترى. قال شاعر:
إذا فرّج القتل عن غيظهمأبى ذلك الغيظ إلا التقافا
وقيل: أربعة يسرع الخلف إليها الحرق والقتل والتزويح والحج.
الجواد بنفسه في الحرب المستعد للموت: قال بعض بني نهشل:
أنّا لنرخص يوم الرّوع أنفسناولو نسام بها في الأمن أغلينا
وقالت الخنساء:
نهين النفوس وهون النفوسيوم الكريهة أوفى لها
ونحوه للموسوي:
ولا تبذلنّ النفس حتّى أصونهاوغيري في قيد من الذلّ يرسف
وقال آخر:
رخيص عنده المهج الغواليكأنّ الموت في فكيّه شهد
وقال أبو تمام:
يستعذبون مناياهم كأنّهملا يخرجون من الدنيا إذا قتلوا
وقال عبد الله بن أبي عيينة:
وإني لمن قوم كأنّ نفوسهمبها أنف أن تسكن اللحم والعظما
تصبّر النفس في الحرب: قال شريح العبسي:
أقول لنفس لا يجاد بمثلهاأقلّي نزاعا إنّني غير مدبر
وقال الفرزدق وقد لقيه أسد:
لما سمعت له هماهم أجهشتنفسي إليّ تقول أين فراري؟
فربطت نفرتها وقلت لها: إصبريوشددت في ضنك المقام إزاري
وقال أبو تمّام:
وحنّ للموت حتّى ظنّ مبصرهبأنه حنّ مشتاقا إلى وطن
لو لم يمت تحت أسياف العدا كرمالمات إذ لم يمت من شدّة الحزن
وقال البحتري:
تسرع حتّى ظنّ من شهد الوغىلقاء أعاد أم لقاء حبائب
المستأنف من موته حتف أنفه: قال بكر بن عبد العزيز:
إنّ موت الفراش ذلّ وعاروهو تحت السيوف فضل شريف
وقال عبد الملك الحارثي وأجاد:
وما مات منّا سيد حتف أنفهولا طلّ منّا حيث كان قتيل
تسيل على حدّ السيوف نفوسناوليس على غير السيوف تسيل
وقال أبو فراس:
متى ما يدن من أجل كتابيأمت بين الأسنّة والأعنّه
وقال الموسوي:
ويستحسنون الموت والموت راحةوأتعب ميت من يموت بداء
مخاوض الحرب مقتول لا محالة: قال تأبّط شرا:
ومن يغرّ بالأعداء لا بدّ أنّهسيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا
وقال آخر:
ومن يكثر التطواف في جند خالدلدى الروم مصبوبا عليه دروعها
فلا بدّ يوما أن تحدث عرسهإذا حدثت يوما حديثا يروعها
قال ابن الرومي:
ومن لا يزل ستين يوما فريسةيرى قمنا أن لا يرى منه سالما
وقال آخر:
إن الشجاعة مقرون بها العطب
قصد العدا مجاهرة: أشار على الإسكندر أصحابه أن يبيت الفرس، فقال: ليس من الإنصاف أن أجعل غلبتي سرقة.
قال المتنبّي:
إذا انتقموا أعلنوا أمرهموإن أنعموا أنعموا باكتتام
وقال السريّ:
ويجعل بشره نذر الأعاديفيبعثها يمينا أو شمالا
ولم ينذرهم مقة ولكنترفّع أن ينالهم اغتيالا
الفتك
وما أنفكّ ما شاورت فيه ولا الذيتخبر من لاقيت أنّك فاعله
قال الحارث بن ظالم:
علوت بذي الحيّات مفرق رأسهوهل يركب المكروه إلا الأكارم
فتكت به لمّا فتكت بخالدوكان سلاحي يحتويه الجماجم
المتعوّد ملازمة الحرب والأمكنة: قال أبو تمّام:
لحياضها متورّد ولخبطهامتعوّد وبدرّها ملبون
قال ربيعة بن مقروم:
وثغر مخوف أقمنا بهيخاف به غيرنا أن يقيما
الضاحك في الحرب والعابس فيها: توصف الحرب تارة ببشاشة الوجه وطلاقته نحو قول النميري:
يفتّر عند لقاء الحرب مبتسماإذا تغيّر وجه الفارس البطل
وقول صاحب البصرة:
كأنّ دنانيرا على قسماتهمإذا الموت للأبطال كان نخّاسا
وقال الموسوي:
إذا عصفر الخوف ماء الوجوهتراها من الخوف حمر الوسام
وتوصف تارة بالعبوس، قال أبو تمّام:
قد قلصت شفتاه من حفيظتهفخيّل من شدّة التعبيس مبتسما
سدّ الثغور: قال دعبل:
هو الجاعل البيض القواطع والقناكعاما لأفواه الثغور الفواغر
قصد الغارات بالإبل والإفراس: كان العرب إذا قصدوا غارة ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فإذا انتهوا إلى المعركة ركبوا الخيل، قال شاعر:
أولى فأولى بامرئ القيس بعد ماخصفن بآثار المطيّ الحوافر
وذكر أعرابي قوما تبعوا ناسا أغاروا عليهم فقال: احتثوا كل جمالية عيرانة.
فما زالوا يخصفون أخفاف المطيّ بحوافر الخيل حتى أدركوهم بعد ثلاثة فجعلوا المران أرشية الموت فاستقوا به أرواحهم، قال الشريف الموسوي:
إذا مشق الحتف فوق البطاح وقع فيهنّ بالحافر
المعاود للغارات الجاني للحروب: قال الحارث بن أبي شمر:
ما إن تجفّ لبودها من غارةحتّى تعاود للحروب غوائرا
وقيل: فلان يلقح الحرب الكشاف ويمتري من درّها السمّ الرعاف.
قال بشّار:
إذا الحرب قامت بهم شمّرواوكانوا أسنّة خرصانها
المستنكف من السلب: قال أعشى همدان:
وأرى مغانم لو أشاء حويتهافيصدّني عنها حيا وتعفّف
وقتل أمير المؤمنين رجلا فأراد قنبر أن يأخذ سلبه فقال: يا غلام لا تعر فرائسي، قال عنترة:
أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم
وقال آخر:
يغشى العوالي ولا يلوي على سلب
قال أبو تمام:
إن الأسود أسود الغاب همّتهايوم الكريهة في المسلوب لا السلب
العاجز أعاديه عن إصلاح ما أفسده وعكسه: قال علي بن جبلة:
يأسو الذي يجرح أعداؤهوما لهم من جزحه آس
قال الكميت:
لا يهدم الناس ما تبني أكفّهممن الفعال ولا يبنون ما هدموا
قال المتنبّي:
لا يجبر الناس عظما أنت كاسرهولا يهيضون عظما أنت جابره
قال أشجع:
ولا يرفع الناس من حطّهولا يضع الناس من يرفع
وصف الشبان والكهول في الحرب: قال رجل لرجل: لأغزونّك بمرد على جرد، فقال: لألقينّك بكهول على فحول
تفضيل الشبان في الحرب: قال طاهر بن الحسين:
هيب إذا لم يكن جرب بمكتهلمجرب قوله يكفي من العمل
واغشى اللقاء إذا كان اللقاء بهسفك الدما بحديث السنّ مقتبل
فإنّ ذا السنّ يلقى حتفه أبداممثّلا بين عينيه من الوجل
وذو الشباب له شأو يماطلهفلا يزال بعيد الهمّ والأمل
الخيول السريعة في الحرب: قال بعضهم:
جنّ الرجال على ظهور سعالي
قال كثيّر:
صقور على أثباج جرد قوابسوأسد إذا ما كان يوم نزولها
وقال المتنبّي:
إيّاهم جثوا العجاجة والقناسنابكها تحشو بطون الحمالق
تعويد الفرس في حبسه في المعركة: قال النابغة:
ونحن أناس لا نعود خيلناإذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الرّوع ألوان خيلنامن الطعن حتّى تحسب الجون مشقرا
فلا نحن معروفّ لنا أن نردّهاصحاحا ولا مستنكر أن تعقرا
وقال أبو تمّام:
تقاسمنا بها الجرد المذاكيسجال الكرّ والدأب العتيد
إذا خرجت من الغمرات قلناخرجت حبائسا إن لم تعودي
كثرة الجيش
كجنح الليل أردف بالغيومآخر بجمهور يحار الطّرف فيه
يظل معضلا فيه الفضاء
قال صاحب البصرة:
بجمع مثل سدل الليل منظوم من الربد
وقال المتنبّي:
بجيش لهام يشغل الأرض جمعهعن الطير حتّى ما يجدن منازلا
وقال السريّ:
ومثلومة الأقطار حشو فجاجهاعناق المذاكي والوشيج المقوّم
قال المتنبّي:
قشير وبلعجلان فيها خفيةكراءين في ألفاظ ألثغ ناطق
وقيل: زحف ككرّ العارض المنهلّ وكدفاع الاتيّ المرسل فهو يتطالع من غور وأنجاد ويظهر من اقتراب وابتعاد
وكالسيل أو كاللّيل أو عدد الحصىسالت بطاحهم بالجرد اللهاميم
كثرة الجيش والأسلحة: بذي لجب أزبّ من العوالي
قال النجاشي:
وعراصة برّاقة ضوؤها دميكشف عن برق لها الأفقان
وقال قيس بن الحطيم:
إنك تلقى حنظلا فوق بيضناتدحرج عن ذي ساحة المتقارب
وقال المتنبّي:
يمنعها أن يصيبها مطرشدّة ما قد تضايق الأسل
ومما جاء في التهديد
من هدّده السلطان فاستعان بالله: لقي الحجّاج محمد بن الحنفية فقال له: نفسك فلأريقنّ دمك، فقال محمّد: إنّ لله في كل يوم كذا كذا ألف نظرة يقضي في كل نظرة كذا كذا ألف أمر فعسى أن يشغلك بأمره.
من هدده سلطان فاعتذر وأظهر المخافة: كتب ذو الرياستين إلى طاهر بن الحسين: يا نصف إنسان، والله لئن أمرت لأنفذنّ، ولئن أنفذت لأبرمنّ، ولئن أبرمت لأبلغنّ. فأجابه طاهر: أنا أعزّك الله كالأمة السوداء إن حمل علينا تدمدمت وإن رفّه عنها أشرت، وإن عوقبت فباستحقاق، وإن عفي عنها فبإحسان.
حثّ من تعرض لك أن يجر بك: قال جرير يخاطب عياش بن الزرقاني:
أعياش قد ذاق المنون مرارتيوأوقدت ناري فادن ويلك فاصطل
قال ابن أبي عيينة:
سيعلم إسماعيل أنّ عداوتيلها ريحق أفعى لا يصاب دواؤها
قال سنان بن أبي حارثة:
قل للمقوم وابن هند بعدهإن كنت رائم عزّنا فاستقدم
تلقى الذي لاقى العدوّ وتصطبحكأسا صبابتها كسمّ العلقم
من أوعد وقدّم الأنذار: كتب إبراهيم بن العباس الصولي إلى أهل حمص: أما بعد فإنّ أمير المؤمنين يرى من حق الله تعالى استعمال ثلاث تقوم بعضهن على بعض: الأولى تقديم تنبيه وتوقيف ثم ما يستظهر به من تحذير وتخويف، ثم التي لا ينفع لحسم الداء غيرها:
أناة فإن لم تغن عقب بعدهاوعيد فإن لم يجد أغنت عزائمه
وقال آخر:
لئن عدت والله الذي أنا عبدهمنحتك مصقول الغرارين أبرقا
فإن دواء الجهل أن تضرب الطلىوأن يغمس العريض حتّى يغرقا
قال الموسوي:
فهذا دواء سطوتي من ورائهوعنوان ناري أن يبين دخاني
من أوعد صاحبه على أن يحمله على حالة صعبة: قال سنان بن أبي حارثة:
وإنّي لشرّ النّاس إن لم أبثّهمعلى آلة حدباء ناتئة الظهر
قال ابن أبي عيينة:
دعني وأبا خالدفلأقطعن عرى نياطه
قال عبد المدان:
ولست لحرّة إن لم ترونيأمرّ لكم قوى أمر جسيم
وقال آخر:
ذروني ذروني ما كففت فإنّنيمتى ما تهيجوني تميد بكم أرضي
وأنهض في سرد الحديد عليكمكتائب سودا طالما انتظرت نهضي
من يناوبه من لا يبالي به: أبرق رجل لآخر وأرعد فلما زاد أنشد:
قد هبّت الريح طول الدّهر واختلفتعلى الجبال فما نالت رواسيها
وقال الفرزدق:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتهاأم بلت حيث تناطح البحران
وقال:
وكان ككلب حين ينبح كوكبا
وقال ابن المعتز:
وكنت كرامي كوكب ببصاقهفردّ عليه وبله ومواطره
قلّة غناء الوعيد: قيل: الصدق ينبئ عنك لا الوعيد، قال شاعر:
مهلا وعيدي مهلا لا أبا لكمإنّ الوعيد سلاح العاجز الحمق
قال النجاشي:
أبلغ شجاعا أبا خولان مألكةأنّ الكتائب لا يهزمن بالكتب
وقيل: من علامات العاقل ترك التهدد قبل إمكان الفرص وعند إمكانها الوثوب مع الثقة بالظفر.
ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة: قال النبي ﷺ: إعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. وقيل: السيف حرز إذا جرّد وهيبة إذا أغمد. وقيل: الشرف مع السيف.
وقال جعفر بن محمد السيف مفتاح الجنة والنار، ووصفه بعضهم فقال: رئيس لهوه قطف الرؤوس ضحوك عبوس وهزله خطف النفوس، قال أبو تمّام:
وليس يجلي الكرب رأي مسددإذا لم تؤانسه بسيف مهنّد
قال المتنبّي:
ومن طلب الفتح الجليل فإنّمامفاتيحه البيض الخفاف الصوارم
وقال:
والمشرفيّة- لا زالت مشرفة- دواء كلّ كريم داؤه الوجع
تفضيل السيف على القلم: قال المتنبّي:
حتّى رجعت وأسيافي قوائل ليالمجد للسيف ليس المجد للقلم
أكتب بنا أبدا بعد الكتاب بهفإنّما نحن للأسياف كالخدم
قال أبو تمّام:
السيف أصدق أنباء من الكتبفي حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
وفي ضده قيل للكاتب: إلى م تدل بهذه القصبة فقال: هو قصب ولكنه يقطع العصب إن القلم يرد قضاء السيف ويفسخ حكم الحيف ويؤمن مسالك الحوف.
من في سيفه ورمحه الموت: قال صاحب البصرة:
حسام غداة الرّوع ماض كأنّهمن الموت في قبض النّفوس رسول
وقال ابن حاجب:
لو قيل للموت انتسب لم ينتسبيوم الوغى إلّا إلى صمصامه
قيل في وصف رجل: سيفه تؤمن ثنايا الموت إليه ويعوّل في قبض الأرواح عليه:
سيوفهم يوم الوغىيلعبن بالأرواح
وقال ربيعة بن مقرم:
وإني لمن قوم تكون رماحهملأعدائهم في الحرب سمّا مقشبا
وقال ابن المعتز:
لنا صارم فيه المنايا كوامنفما ينتضى إلّا لسفك دماء
السيوف الماضية: قيل: كيف وجدت سيفه؟ فقال: هو على الأرواح كالأجل المتاح.
قال إسحاق بن خلف:
ألقى بجانب أخضرأمضى من الأجل المتاح
وكأنّما ذرّ الهباء عليه أنفاس الرّياح
وقال يعقوب الأخطل:
بكلّ حسام كالعقيقة صارمإذا قدّ لم يعلق بصفحته دم
قال المتنبّي:
قواض مواض نسج داود عندهاإذا وقعت فيه كنسج الخزرنق
قال البحتري:
يغشى الوغى والترس ليس بجنّةمن حدّه والدرع ليس بمعقل
مصغ إلى حكم الردى فإذا مضىلم يلتفت وإذا قضى لم يعدل
وإذا أصاب فكلّ شيء مقتلوإذا أصيب فما له من مقتل
السيوف المصقولة: قال بعضهم:
وإذا ما سللته بهر الشمسشعاعا فلم تكد تستبين
وكأنّ الفرند والرونق البادي على صفحتيه ماء معين
غير المصقولة: كأنّ في متنه ملحا وقد نثرا
وقال آخر:
كأن على مواقعه غبارا
السيوف اللامعة المهتزة: قال قيس:
بسيف كأنّ الماء في جنباتهمحادير غيم أو قرون جنادب
وقال المتنبّي:
فكأنّ برقا في متون غمامةهنديّة في كفّه مسلولا
وقال ابن هرمة:
شهاب زهته الريح في كفّ قابس
وقال سلم الخاسر:
وكأن السيوف والنّقع عالشهب نار في ساطع ودخان
وقال ابن المعتز:
في كفّه عضب إذا هزّهحسبته من خوفه يرتعد
السيوف المتفللة من الضرب: قال النابغة:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهمبهنّ فلول من قراع الكتائب
قال دعبل:
إذا النّاس جلوا باللجين سيوفهمرددت السيوف بالدّماء حواليا
وبضدّه هجاء عمارة بن عقل:
ولا عيب فيه غير أن جيادهمسلمة ليست بهنّ كلوم
وأسيافه لم تدر ما طعم ضربةفهنّ صحاح ما بهنّ ثلوم
السيوف المتضرّجة بالدم: قال علي بن عاصم:
سمر وبيض إن عرّين تسربلتبدل الجفون جماجم الأبطال
أوردتهنّ تواضعا لجج الرّدىفصدرن في قمص من الجريال
السيوف المتضرجة بدم المحارب المترشّحة مسكا من يد المحارب: وقال بشّار:
وبيض بها مسك للمسن أكفّهمعلى أنّها ريح الدّماء تضوّع
وقال ابن المعتز:
مقابضها مسك وسائرها دم
وقال آخر:
بسيفه مسك وتامور
وقال الرفاء:
يكسوه من دمه ثوبا ويسلبهثيابه فهو كاسيه وسالبه
مشاهير السيوف: قال عبد الملك بن عمير: أهدت بلقيس إلى سليمان ﵇ سبعة أسياف: ذا الفقار وذا النون، وضرس الحمار، والكشوح، والصمصامة، ومخذما، ورسوبا. فأمّا ذو الفقار فصار لرسول الله ﷺ وكان لمنبه بن حجّاج، فقتل يوم بدر فاصطفاه النبي ﷺ.
والصمصامة وذو النون لعمرو بن معدي كرب، ومخذم ورسوب، للحارث بن جبلة الغساني ولم يذكر الكشوح.
طول الرماح: قال طرفة:
كأنّ رماحهم أشطان بئربعيد بين حاليها صرور
وقال امرؤ القيس:
ومطّرد كرشاء الحزوّر من خلب النخلة الأجرد
وقال عدي:
رشاء دم على أنابيبه دم
صلابة الرماح ولدونتها: قال ابن أحمر:
فهزّ ردينيا كأنّ كعوبهنوى القسب نقى التمر عند العواجم
وقال المزرّد:
ومطرد لدن الكعوب كأنّماتغشّاه منباع من الزيت سائل
وقالت عابدة المهلبية، ويروى للخوارزمي:
كأن السمر والزانات فيهنخيل قد نحلن من الفسيل
الرمح المتأطر: ويستجاد للمتنبي قوله:
ولربّما أطر القناة بفارسوثنى فقوّمها بآخر منهم
أخذه من قول ابن الرومي:
همام إذا اعوجّت صدور قناتهغدت بين أحناء الضّلوع تقوّم
وقال يزيد بن أبان:
يكره الرمح مقدما فتراهراعف الأنف واهي الأنبوب
الرمح المتكسر: قال عمرو بن معدي كرب:
ومنزلة فيها العوالي كأنّهاهشيم شجار كسرتها الحواطب
وقال الرفاء:
ينثر بالطّعن أنابيب القناكما وهى سلك الفريد المنتظم
وقال المتنبّي:
ورمح تركت مبادا مبيدا
هو من قول الطائيّ:
وربّ يوم كأيّام تركت بهمتن القناة ومتن القرن منتصفا
الرمح المتكسر في المطعون: وقال الموسوي:
وتقعقعت بين الكلى قصد القنافكأنّ كلّ حشار بابة ميسر
وقال ابن نباتة:
يجرّ العوالي والسهام بجسمهكمحتطب للحمل ليس يطيق
الرماح اللامعة الأسنة: قال امرؤ القيس:
دفعت ردينيّا كأنّ سنانهسنا لهب لم يستعر بدخان
وقال النميري:
تحكي أسنته النّجوم أو الذبالا
وقيل أيضا:
كأنّ هلالا فوق قناته
وقد أحسن المتنبّي ما شاء في قوله:
تهدي نواظرها والحرب قائمةمن الأسنّة نار والقنا شمع
الكتابة بالطعن والضرب: قال بعض الكتّاب: جبينه طرس بالصفّاح منمّق مجندر، وبالرماح معجم محبّر.
وقال آخر:
خطّ ينمّقمه الحسام على جبينه
وقال أبو تمّام:
كتبت أوجههم مشقا ونمنمةطعنا وضربا ففات الهام والصّلفا
فإن ألظوا بإنكار فقد تركتوجوههم بالذي أوليتهم صحاف
وقال المتنبّي:
وكنت إذا كاتبته قبل هذهكتبت إليه في قذال الدمستق
وقال غيره:
الكاتبون إلى الأعداء في قلل الأعداء كتبا نرى الأمي والفهما
أمسى الرّدى أصلها والدهر ممليهاوالسيف كاتبها والكاغد القمما
وقالت عابدة المهلبية ويروى للخوارزمي:
كتبت على وجوههم سطوراغرائب حبّرهنّ دم هتول
يترجمها الأعادي للأعاديويقرأها على الحيّ القتيل
وما لك غير جمجمة رسولوما لك غير صاحبها رسيل
تناول الرؤوس بالرماح: قال البحتري:
قوم إذا شهدوا الكريهة صيّرواضمّ الرماح جماجم الفرسان
وقد أخذه من مسلم:
يكسو السيوف رؤوس الناسكين بهويجعل الهام تيجان القنا الذّبل
وقال جرير:
كأنّ رؤوس القوم فوق رماحناغداة الوغى تيجان كسرى وقيصر
طعن الأحداق والفؤاد: قال أبو تمّام:
سنان بحبّات القلوب ممتّع
وأجاد المتنبّي:
كأنّ الهام في الهيجا عيونوقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنّة من همومفما يخطرن إلا في فؤاد
وقال ابن معدي:
الضاربين بكلّ أبيض مرهفوالطّاعنين مجامع الأضغان
وقال آخر:
قوم ترى أرماحهم تحت الوغىمشغوفة بمواطن الكتمان
وقال الشريف أبو الحسين علي بن الحسين الحسني:
فأصبح أغماد السيوف عيونهموأكبادهم حلى الرماح الذّوابل
شدّة الطعن والضرب وسعتهما: قال شاعر:
هم الدعو هم حماة الرّماحولدّوهم بالظّبا البيض لدّا
وقال بعضهم:
وطعن كأفواه المزاد المخرّق وقال أبو كثيّر الهذلي:
عجلت يداك لخيرهم بمرشّةكالعطّ وسط مزادة المستخلف
قال امرؤ القيس:
كجيب الدفنس الورهاء ريعت وهي تستغلي
وقال آخر:
وطعن كأذيال القباء المفرج
وقال ضرار في وصف ضربة:
دفوع لأطراف الرماح كأنّهاإذا سيّروها فرخ خرقاء دعبل
وقال المتنبّي:
كأنّما تتلقاهم لتسلكهمفالطعن يفتح في الأجواف ما يسع
وسمع بعضهم قول الشاعر:
لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها ...
فقال: هذا درب لا طعن.
ويروى لخلف الأحمر:
وأطعن السحساحة المسلسلهعلى عشاش دهش وعجله
وأضرب الحدباء ذات الرعلهتردّ في نحر النّيب قتله
الحاذق بالطعان والضرب: قال عبد يغوث:
ليبق بتصريف القناة بانيا
وقال المتنبّي:
يضع السّنان بحيث شاء مجاولاحتّى من الآذان في أخراتها
وقال الموسوي:
وأسمر يهتّز في راحتيكما هزّت القلم الأصبع
سقى الرماح والصفاح دم الأعداء: قال شاعر:
وعامل الرمح أرويه من العلق
وقال آخر:
نهلت قناتي من مطاه وعلّت
قال يحيى بن علي المنجم:
يروي السيوف دما إذا شكت الصدىيوم الوغى بأسا وصدق ضراب
فتمجّ إن خفضت على أعقابناوتمجّ إن رفعت على الأعقاب
قال دعبل:
فأصبحت تستحيى القنا أن تردّهاوقد وردت حوض المنايا صواديا
قال السري:
إذا الحسام غدا سكران منتشيامن الدّماء سقوه أنفسا فصحا
الجاعل قواضبه بدل المعاتبة: قال عمرو بن إبراهيم:
ليس بيني وبين قيس عتابغير طعن الكلى وضرب الرّقاب
وقال آخر:
دلفت له بأبيض مشرفيّكما يدنو المصافح للسلام
وقال بعض البغليين:
نزلوا منزل الضيافة منّافقرى القوم غلمة الأعراب
وصل السيوف بالخطا: يروى أن فتى من الأزد دفع إلى المهلّب بن أبي صفرة سيفا له وقال: كيف ترى سيفي يا عم؟ فقال المهلب: سيفك جيد إلا أنه قصير. فقال: أصله بخطوة، فقال: يا ابن عم المشي إلى الصين على أنياب الأفاعي أسهل من تلك الخطوة. ولم يقل المهلّب هذا جبنا وإنما أراد توجيه الصورة.
قال شاعر:
نصل السيوف إذا قصّرن بخطوناقدما ونلحقها إذا لم تلحق
وقال آخر:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلهاخطانا إلى أعدائنا فنضارب
وصف شجاع ذي رماح: سئل أعرابي عن قوم فقال: أسود الغاب يحمل غابها.
قال البحتري:
إذا بدوا في حرجات القناترى أسود الأرض في غابها
قال الرّفّاء:
أسد لها من بيضها أو سمرهاجداول مطّردات بأجم
من جعل معاقله الأسلحة والخيول: قال شاعر:
إن السيوف معاقل الأشراف
وقال أبو الغمر:
إذا لاذ منه بالحصون عدوّهفليس له إلّا السيوف حصون
وقال آخر:
إن الخيول معاقل الأشراف
وقال آخر:
وليس لنا إلا الأسنّة معقل
من لاذ بالقواضب واستعان بها
أبي قومنا أن ينصفون فأنصفتقواضب في أيماننا تقطر الدّما
وقال آخر:
ترى السيف أدنى من أقاربه رحمي
وقال الشنفري:
وإنّي كفاني فقد من ليس جازيابحسنى ولا في قربه متعلّل
ثلاثة أصحاب: فقلب مشيعوابيض إصليت وصفراء عيطل
وقال الموسوي:
ألف الحسام فلو دعاه لغارةعجلان لبّاه بغير نجاد
وقال:
ربّ ليل جعلته طيلسانيمؤنسي صارمي وقلبي مجنّي
وقال طاهر بن الحسين:
سيفي رفيقي ومسعدي فرسيوالكاس أنسي وقينتي خدني
من استطاب تناول الأسلحة: قال البحتري:
ملوك يعدّون الرمح خواصراإذا زعزعوها والدروع مخاصرا
وقال المتنبّي:
متعوّدا لبس الدروع يخالهافي البرد خزّا والهواجر لاذا
وقال أبو الغمر:
واعتاد حمل القنا لا الراح راحتهوضاجع البيض لا البيض الرعابيبا
الأبقع الوجه من صدأ الحديد: وقال الفرزدق:
يمشون في حلق الحديد كما مشتجرب الجمال بها الكحيل المشعل
طيب صدر المغفر: وطيبهم صدأ المغفر
وقال سلم بن قحفان:
فطيب الصدا المسود أطيب عندنامن المسك ذافته كفّ ذوائف
النابي سيفه عن الضريبة: قال ورقاء بن زهير وقد ضرب فنبا سيفه:
رأيت زهيرا تحت كلكل خالدفأقبلت أسعى كالعجول أبادر
فشلّت يميني يوم أضرب خالداويحصّنه منّي الحديد المظاهر
وكان الفرزدق قد دفع له سيف بحضرة سليمان بن عبد الملك ليقتل به روميا فضربه فلم يعمل فيه، فقال جرير:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشعضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
فهل ضربة الروميّ جاعلة لكمأبا ككليب أو أخا مثل دارم
فأجابه:
فسيف بني عبس وقد ضربوا بهنبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتهاوتقطع أحيانا مناط القلائد
قلّة غناء الدرع عند حضور الأجل: سئل ابن الحسين: في أي الجنن تحب أن تلقى عدوك؟ قال في أجل مستأخر وقيل لبعضهم: أي الجنن أوقى؟ قال: العافية. وقيل لآخر: لو احترست فقال: كفى بالأجل حارسا.
وصف الدروع: قال شاعر:
كسيل الأتيّ على الحديد
وقال آخر:
ومفاضة كالنهي ينسجه الصّبا
وقال آخر:
كأنّ قتيرها حدق الجراد
وقال المتنبّي:
يخطّ فيها العوالي ليس ينفذهاكأن كلّ سنان فوقها قلم
وقال مزرّد:
ومنسوجة فضفاضة تبعيةوآها القتير تجتويها المعابل
ويستحسن لابن المعتز:
كأنّها ماء عليه جرىحتّى إذا غاب فيه جمد
قال كلثوم:
كأن سنا الماذي فوق متونهممواقد نار لم تشب بدخان
المستغني بجلادته عن التدرّع والتقنّع: قال أبو تمّام:
إذا رأوا للمنايا عارضا لبسوامن اليقين دروعا ما لها زرد
وقال مسلمة:
على درع تلين المرهفات لهمن الشّجاعة لا من نسج داود
إنّ الذي صور الأشياء صوّرنينارا من البأس في بحر من الجود
وصف المغتفر والمغفر: قال بشر:
كأن سنا قوانسهم ضراممرته الريح في أعلى يفاع
وقال أبو تمّام:
كأنّ نعام الدوّ باض عليهم
وله:
مثل النجوم تضيء إلا أنّهمقد قلنسوا من بيضهم بنجوم
وقال أبو قيس:
قد حصّت البيضة رأسي فماأطعم نوما غير تهجاع
المجيد من الرماة: قيل: خرج بهرام إلى الصيد ومعه جارية فعرض له ظبي فسألته الجارية أن يجمع ظلف الظبي وأذنه بنشابة واحدة فرمى أصل أذن الظبي ببندقة فأهوى الظبي بيده إلى أذنه ليحتك فرماه بنشابة فوصل ظلفه بإذنه، وهذا إن كان صحيحا فعجيب.
قال امرؤ القيس:
فهو لا تنمي رميّتهماله لا عدّ من نفره
وقال إسماعيل بن عليّ:
إذا تمطّى قائما ثمّ انثنىومدّها أحسن مدّ وانثنى
أرسل منها نافذا مسناسيّان منه ما نأى وما دنا
يسوق أسباب النّحوس والفنا
وقد أوغل المتنبّي في قوله:
إذا نكبت كنانته استبنّابأنصلها لأنصلها ندوبا
يصيب ببعضها أفواق بعضفلولا الكسر لاتّصلت قضيبا
الرديء الرمي: نظر فيلسوف إلى رام سهامه تذهب يمينا وشمالا فقعد في موضع الهدف وقال: لم أر موضعا أسلم من هذا. ورمى المتوكل عصفورا فأخطأه فقال له ابن حمدون: أحسنت فقال تهزأ بي؟ فقال: أحسنت إلى العصفور. قال كشاجم:
مستهتر بالرّمي واه عضدهأحسن شيء حين يرمي طرده
كأنّه فؤاده أو كبده
المجنّ: قال شاعر:
يريك شعاع الشمس في جنّة الدّجى
قال أبو فراس:
أواقد لا آلوك إلا مهنّداوجلد أبي عجل وثيق القبائل
وصف جماعة الأسلحة: سأل عمر بن الخطاب عمرو بن معدي كرب فقال: ما تقول في الرمح؟ قال أخوك
وربما خانك. قال: فالنبل؟ قال: منايا تخطئ وتصيب. قال: فالدرع قال مشغلة للفارس متعبة للراجل، وإنّها لحصن حصين. قال فالترس؟ قال: مجن وعليه تدور الدوائر. قال:
فالسيف؟ قال: عنده ثكلتك أمك. قال عمر: بل أنت.
الاستنكاف من المحاربة بالحجر والرخصة فيه: قال أبو النجم:
إنّي وجدّك لا يكون سلاحناحجر الأكام ولا عصا الطرفاء
أوصى بعض الأعراب ابنه وقد أرسله إلى محاربة بعض أقرانه فقال: يا بني كن بذّا لأصحابك على ما فاتك وإياك والسيف فإنّ ظله الموت، وألق الرمح فإنه رسول المنية ولا تقرب السهام فإنها رسل لا تؤامر مرسلها قال: فيم أقال؟ قال: بما قال الشاعر:
جلاميد أملاء الأكفّ كأنّهارؤوس رجال حلقت في المواسم
قال الحنفي:
فوادخ بذا الصخر الأصم رؤوسهمإذا القلع الهنديّ عنها تثلّما
أصوات الأسلحة: يقال للطعن الشفشفة وللضرب هيعقة وللقسي أزملة وغمغمة.
قال الحارث بن حلّزة:
وحسبت وقع سيوفنا برؤوسهموقع السّحاب على الطّراف المشرج
وقال هلال:
تصيح الرّدينيّات فينا وفيهمصياح بنات الماء أصبحن جوّعا
وقال آخر:
تنقّ عواليهم نقيق الضّفادع
إيجاب المحاربة على المتسلّح وتبكيته لتقصيره فيها: قال ابن مرداس:
فعلام إن لم أشف نفسا حرّةيا صاحبي أحيد حمل سلاحي
وقال جرير:
تصف السيوف وغيركم يعصى بهايا ابن القيون وذاك فعل الصيقل
قال ابن الرومي:
رأيتكم تبدون في الحرب عدّةولا يمنع الأسلاب منكم مقاتل
فأنتم كمثل النخل يسرع شوكهولا يمنع الجرام ما هو حامل
قال المتنبّي:
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّةفلا تستعدنّ الحسام اليمانيا
ولا تستطيلنّ الرماح لغارةولا تستجيدنّ العتاق المذاكيا
الاستظلال بالأسلحة: قال امرؤ القيس:
ففئنا إلى بيت بعلياء، مردحسماوية منها الحمى معصب
فأوتاده ماذيّة وعمادهردينيّة فيها أسنّة قعضب
وقال أعرابي من بني أسد:
وفتيان ثنيت لهم ردائيعلى أسيافنا وعلى القسيّ
وقال:
وما اتّخذوا إلا الرماح سرادقاوما استتروا إلا بضوء اللهاذم
ذمّ العزل في الحرب: في المثل: عند النطاح يغلب الكبش الأجم
فمن يك معزال اليدين فإنّهإذا كشّرت عن نابها الحرب حامل
وقال ابن الحطيم:
نبّهت زيدا ولم أفزع إلى وكلرثّ السلاح ولا في الحرب مكثور
من صاحبته الطيور والسباع: أول من وصف ذلك النابغة الذبياني فقال:
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهمعصائب طير تهتدي بعصائب
وقال أبو تمّام:
وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحّىبعقبان طير في الدّماء نواهل
أقامت مع الرايات حتّى كأنّهامن الجيش إلا أنّها لم تقاتل
وقال بشّار:
إذا ما غزا بشّرت طيرهبفتح وبشّرنا بالنّعم
وقال المتنبّي:
وأنبتّ فيهم ربيع السّباعفأثنت بإحسانك الشامل
وقال عمرو بن مامة:
إذا ألحمت قيس لحرب تباشرتضباع الفيافي والنّسور الكواسر
وقالت جنوب أخت عمرو:
تمشي النسور إليها وهي لاهيةمشي العذارى عليهنّ الجلابيب
المتزيّن بالجراحات: قال يعقوب بن يوسف:
وخيل تعجز الأرسال عنهامزينة بأنواع الجراح
وقال سلم الخاسر:
ولا خير في الغازي إذا آب سالماإلى الحيّ لم يجرح ولم يتحدّد
المتضرّج بالدم: قال البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهممحمرّة فكأنّهم لم يسلبوا
وقال آخر:
تضرّج منهم كلّ خدّ معفّروعفّر منهم كلّ خدّ مضرّج
المتلطّخ بالدم المتسربل بالغبار: قال السريّ:
مفقودة شية الجواد عليهموحجول أربعة لخوض دمائه
وقال المتنبّي:
وعجاجة ترك الحديد سوادهازنجا تبسّم أو قذالا شائبا
الغبار: قال الحجّاج: اتّقوا الغبار فإنه سريع الدخول بطيء الخروج، وقال:
غفار كما فارت دواخن غرقد
وقال أوس:
فانقضّ كالدرّى يتبعهنقع يثور تخاله طنبا
يخفى وآونة يلوح كمارفع المنير بكفّه لهبا
العصا: تسمى المنسأة: قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ
وعصا موسى حالها ظاهرة. وقيل ألقى فلان عصاه إذا نزل، وشقّ العصا إذا خرج عن الطاعة، وعبيد العصا أي ينقادون بالعصا وسمى الصغير الرأس رأس العصا
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع