من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ التاسع عشر في ذمّ الدنيا ونوبها
أسماء الدنيا: يسمّى الدهر أبا العجب والدنيا أم دفر وأم شميل. قال شاعر:
ما الدّهر في فعله إلا أبو العجب
وقيل: الدهر اسم لزمان متصل، والزمان اسم لدهر منفصل، وقال بندار الصوفي:
الدنيا ما دنا من القلب وشغل عن الحق.
قلّة لبث الإنسان في الدنيا: قال النبي ﷺ: فيم أنا من الدنيا ومالي ولها وإنما مثلي ومثلها كراكب سار في يوم صائف، فرفعت له شجرة فقال تحتها ساعة من نهار ثم راح وتركها.
قال الموسوي:
وكأنّ طول العمر دوحة راكبقضى اللّغوب وجدّ في الإسراء
وقال المسيح: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمّروها. وقال أمير المؤمنين: الدنيا دار ممر لا دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها ورجل ابتاع نفسه فأعتقها.
وقال أبو يعقوب:
لعمرك ما الدّنيا بدار إقامةولكنّها دار انتقال لمن عقل
وقيل لنوح ﵇: كيف وجدت الدنيا؟ قال: كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر.
وكتب أبو زيد الطائي إلى صديق له: اجعل الدنيا كيوم صمته عن شهوتك، واجعل فطرك الموت.
قلّة متاع الدّنيا: قال الله تعالى: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
وقال تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
وقال المنصور لما حضرته الوفاة: بعنا الآخرة بنومة. وقال شاعر:
إنّما الدنيا كرؤيا ساعةمن رآها فرّحته وانقضت
وقال آخر:
أراها وإن كانت تحبّ فإنهاسحابة صيف عن قليل تقشع
وقال أعرابي: ما كانت الدنيا على بني فلان إلا طيفا لما انتبهوا ولى عنهم.
وقال العلوي الكوفي:
مررت بدور بني مصعببدور السرور ودور الفرح
فشبّهت سرعة أيامهمبسرعة قوس يسمّى قزح
تلوّن معترضا في السّماءفلمّا تمكّن منها نزح
الماضي من الحياة والحاضر والمستقبل: قال حكيم: أمسك ماض ويومك ممثّل وغدك مبهم. وقال الحسن: أمس أجل واليوم عمل وغدا أمل.
وقال أبو العتاهية:
أرى الأمس قد فاتني ردّهولست على ثقة من غد
وقال أبو حازم: بيني وبين الملوك يوم واحد أما أمس فلا يجدون لذّته ولا أجد شدته، وأما غد فإني وإياهم منه على خطر، وما هو إلا اليوم فما عسى أن يكون.
التحذير من تضييع الأيام: قال عبد الله بن المبارك في قوله تعالى: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
أي اعمل في الدنيا لآخرتك. وقيل: من لعب في عمره ضيّع أيام حرثه وإذا ضيع أيام حرثه ندم عند حصاده.
وقال الحسن: ما وعظني شيء مثل ما وعظني كلام الحجّاج في خطبته: إن امرأ ذهبت عنه ساعة من عمره في غير ما خلق له لحقيق أن تطول حسرته يوم القيامة. وقال حكيم: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما وقال رجل لداوود الطائي: ما ترى أن أتعلم الرمي؟ فقال: حسن ولكن إنما هي أيامك فافنها فيما شئت.
البقاء في الدّنيا سبب الفناء: قال بعضهم: انصرفت من مجلس حمّاد الراوية فقال أبي ما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن النبي ﷺ أنه قال: لو لم يكسب ابن آدم إلا الصحة والسلامة لكفى بهما داء. فقال أبي: قاتل الله حميدا حيث قال:
أرى بصري قد رابني بعد صحّةوحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وقال:
ودعوت ربّي بالسلامة جاهداليصحّني فإذا السلامة داء
وقال:
لو لم يوكل بالفتىإلا السلامة والنّعم
فتداولاه لا وشكاأن يسلماه إلى الهرم
قال معدي كرب:
أراني كلّما أبليت يوماأتاني بعده يوم جديد
يعود شبابه في كلّ فجرويأبى لي شبابي ما يعود
وقال الصّلتان:
إذا ليلة هرمت يومهاأتى بعد ذلك يوم فتي
قلّة السرور وكثرة الغموم: روي عن الأمام الشافعي ﵁، قوله:
محن الزمان كثيرة لا تنقضيوسرورها يأتيك كالأعياد
وقال:
تأتي المكاره حين تأتي جملةوترى السرور يجيء في الفلتات
وقال ابن نباتة:
وما خير عيش نصفه سنة الكرىونصف به نعتلّ أو نتوجّع
مع الوقت يمضي بؤسه ونعيمهكأن لم يكن والوقت عمرك أجمع
سرعة المكاره وتباطؤ المحاب: وقال شاعر:
ألم تر أنّ سير الخير ريثوإن الشرّ راكبه يطير
وكان لسفيان جار مخنّث فمرض فعاده سفيان بأصحابه، فقال: كيف تجدك؟ فقال:
إن العلل والآفات تجيء في الدنيا باقات والعافية تجيء طاقات، فقال سفيان: ما خرجنا إلا بفائدة.
وقال الحارثيّ:
تقضّاك دهر ما سلفاوكدّر عيشك بعد الصّفا
فلا تنكرنّ فإنّ الزمانرهين بتشتيت ما ألفا
وقال أبو الوليد:
وليس الدهر مؤتمناعلى تفريق ما جمعا
وقال:
إلا إنّما الدنيا مطيّة بلغةعلا راكبوها فوق أعوج أحدبا
شموس متى أعطتك طوعا زمامهافكن للأذى من عسفها مترقّبا
التحذير من النّقصان عند التّمام: قيل: من بلغ غاية ما يحبّ فليتوقع غاية ما يكره. وقال الأصمعي: وجدت لبعض العرب بيتين كأنهما أخذا من قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
وهما قول سعيد بن وهب:
أحسنت ظنّك بالأيام إذ حسنتولم تخف غبّ ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بهاوعند صفو الليالي يحدث الكدر
ومن دعاء بعضهم: صرف الله عنك آفات التّمام.
وكتب الإسكندر إلى أرسطاطاليس: أكتب إليّ موعظة تردع وتقنع، فكتب إليه: إذا استوت بك السلامة فجدّد ذكر العطب وإذا اطمأنّ بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية أملك فاذكر الموت. وقال شاعر:
إذا تمّ أمر بدا نقصهتوقّع زوالا إذا قيل تمّ
عرض الدنيا عارية: قال ابن مسعود: عرض الدنيا عارية ومن فيها ضيف، والعارية مؤداة والضيف مرتحل.
والمال في الأقوام مستودععارية والشرط فيها الأداء
وقال:
وما المال والأهلون إلّا ودائعولا بدّ يوما أن تردّ الودائع
وقال:
أبدا تستردّ ما تهب الدّنيافيا ليت جودها كان بخلا
فكفى كون فرحة تورث الهمّ وخلّ يغادر الوجد خلا
وقال:
لم يظلم الدّهر ولكنّهأقرضني الإحسان ثم اقتضى
الدّنيا متقلّبة: من أمثالهم: الدنيا طرفة عين لا تثبت على حالة. دخل أعرابي عمّر مئة وعشرين سنة على معاوية فقال له: صف لي الدنيا. فقال: سنيات بلاء وسنيات رخاء يولد مولد ويهلك هالك، ولولا المولود باد الخلق ولولا الهالك ضاقت الأرض.
وقال شاعر:
هل الدهر إلا ضيقة وانكشافهاوشيكا وإلا ترحة وانفراجها
وقال:
وحادثات أعاجيب خسا وذكاما الدهر في فعله إلا أبو العجب
وقال:
الدهر من شأنه أن لا يدوم لهما يحتويه الفتى منه وما يمق
وقال:
وما حالة إلّا ستطرف حالهاإلى حالة أخرى وسوف تزول
وقال آخر:
ومن عادة الأيام أنّ صروفهاإذا ساء منها جانب سرّ جانب
وقال:
إنما الدنيا هباتوعوار مستردّه
شدّة بعد رخاءورخاء بعد شدّه
الدّنيا لا يدوم فيها فرح ولا ترح: قال شاعر:
وما اكتأبت نفس فدام اكتئابهاولا ابتهجت نفس فدام ابتهاجها
وقال آخر:
هل الدهر إلا ساعة ثم تنقضيبما كان فيها من بلاء ومن خفض
فهونك لا تحفل إساءة عارضولا فرحة تأتي فكلتاهما تمضي
ويروى عن أبي الفتح بن العميد لما قبض عليه، قال: الفلك أحد والدوار أجد من أن يبقي أحدا على أحد.
إعتبار الباقي بالماضي: قال الحجّاج: والله إن الذي بقي من عمري لأشبه بما مضى من التمرة بالتمرة ومن الماء بالماء.
الدهر آخره شبه بأوّلهيوم بيوم وأيام بأيام
وقال حارثة بن بدر:
وما الدهر إلا مثل أمس الذي مضىومثل الغد الجائي وكلّ سيذهب
وقال أعرابي: جعلنا الله ممّن يعتبر ممن يعبر الدنيا أي يعتبر بمن يقطعها.
وصف الدنيا بأنّها غرّارة: قال أمير المؤمنين: الدنيا تغرّ وتضرّ وتمرّ. وقيل الدنيا غرور حائل وزخرف زائل وظلّ آفل ومسند مائل. وقال يحيى: الدنيا جارية زانية وتتهم بمن يقرب منها:
يغرّ الفتى مرّ الليالي سليمةوهنّ به عما قليل عواثر
وقال آخر:
وما زالت الأيام تستدرج الفتىوتملي له من حيث يدري ولا يدري
وقال آخر:
لقد غرّت الدنيا رجالا فأصبحوابمنزلة ما بعدها متحوّل
وقال آخر:
يعللّنا هذا الزمان من الوعدويخدع عمّا في يديه من النّقد
وقال آخر:
فذي الدار أخدع من مومسوأخون من كفّة الحابل
وهذا مثل ما قيل: الدنيا قحبة، يوما عند عطار ويوما عند بيطار.
تصوّر الدنيا يزيد الغموم: قال الشاعر:
ومن عرف الأيام لم ير خفضهانعيما ولم يعدد تصرّفها بلوى
الدّنيا واعظة: قال أمير المؤمنين: أيها الذام الدنيا بم غرتك؟ بمصارع آبائك تحت الثرى، أم بمضاجع أمهاتك في البلى. كم مرّضت بيديك وغسلت بكفيك فلم يغن عنك. وقيل: ما ضمنت الدنيا لأحد المتاع بها، بل نادت فصرخت إنها ميراث الدول وصبابة الأزمنة وأوعية الفجائع ومفرقة الآلات.
وقال عبد الله بن عيينة:
إن الليالي والأيام لو بحثتعن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا
وقال أبو تمّام:
عمري لقد نصح الزمان وأنهلمن العجائب ناصح لا يشفق
وقال أبو العتاهية:
نحن في دار تخبرناببلاء ناطق لسن
قال المسيح ﵇: الدنيا مزرعة إبليس وأهلها له حرّاث. وقيل: كل قتيل يقتص له يوم القيامة إلا قتيل الدنيا يقتص منه.
مدح الدنيا بأنّها يتوصّل بها إلى الآخرة: ذمّ رجل الدنيا بحضرة أمير المؤمنين فقال: أسكت فإن الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار غناء لمن تزوّد منها ودار عافية لمن فهم عنها، مسجد أبينا آدم ومهبط وحيه، متجر أوليائه فاكتسبوا منها الرحمة وادّخروا منها الجنة.
وقيل: الدنيا دار تجارة والويل لمن تزوّد منها الخسارة.
الدّنيا محبوبة وإن كانت معيوبة: قال الشعبي: ما أعلم لنا وللدنيا كقول كثيّر:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةلدنيا ولا مقليّة إن تقلّت
وقال المأمون: لو نطقت الدنيا لم تصف نفسها بأجود مما قال أبو نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفتله عن عدوّ في ثياب صديق
وقال:
يذمون دنيا لا يرجّون درّهاولم أر كالدنيا يذمّ ويحلب
وقال سابق البربري:
النفس تكلف بالدنيا وقد علمتأن السلامة منها ترك ما فيها
وقال أبو العتاهية:
كلّنا يكثر المذمّة للدنيا وكلّ بحبّها مفتون
وقال الموسوي:
دنيا تضرّ ولا تسرّ وذا الورىكلّ يجاذبها وكلّ عائب
تبكيت النّفس في الميل إلى الدّنيا مع المعرفة بها: قال شاعر:
ومن عجب الدنيا ركوني وصبوتيإليها على سنّي كأني وليدها
أجاري الليالي ليلة بعد ليلةمشيحا كأنّي تربها وطريدها
وتنقصني في كلّ يوم وليلةونفسي على نقصانها تستزيدها
وقال:
وإن امرأ يبتاع دنيا بدينهلمنقلب منها بصفقة خاسر
وقال الموسوي:
نرجو البقاء كأنّنا لم نختبرعادات هذا العالم المشهود
الدنيا غير مستغنى عنها: قال العتبيّ: كنت قاعدا في دهليزي عقب علّة فدخل مجنون يدعى بالغيث فقلت: أنا منه بين لطمة وشتمة فنظر إليّ ساعة، ثم أنشأ يقول:
نظرت إلى الدنيا بعين مريضةبفكرة مغرور وتأميل جاهل
فقلت هي الدار التي ليس مثلهاونافست فيها في عناء وباطل
وقال:
كفلت بنا الدّنيا ولاطفل يعيش بغير ظئر
وذكر لأمير المؤمنين قوم يحبون الدنيا فقال: هم أبناؤها أفيلام الرجل على حب والديه؟
بنو الدّنيا غرض لأنواع البلاء: قيل للحسن: كيف أصبحت؟ فقال: كيف يصبح من هو غرض لثلاثة أسهم، سهم رزيّة وسهم بليّة وسهم منيّة.
وقال ابن المعتز:
أرى كلّ نفس للمنايا دريّةوللعيس يمسي كدحها ودؤبها
تناضلها الآفات من كلّ جانبفتخطئها يوما ويوما تصيبها
وقال الربيع لأبي العتاهية كيف أصبحت؟ فقال:
أصبحت والله في مضيقفهل سبيل إلى طريق
أفّ لدنيا تلاعبت بيتلاعب الموج بالغريق
وقيل: من أخطأه سهم المنيّة لم يخطئه سهم الرزيّة.
الدّهر يتراذل: قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: معروف زماننا منكر زمان قد فات ومنكره معروف زمان لم يأت. وسمع زياد امرأة تقول: اللهم أعزل عنا زيادا، فقال لها: زيدي في دعائك وأبدي لنا خيرا منه فإن الأخير أبدا شر.
وقال بعض العلماء: آخر الناس شرارهم الذين تقوم عليهم القيامة.
حمد ماضي الزّمان وذمّ حاضره: كانت عائشة ﵂ تنشد قول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب
وتقول: رحم الله لبيدا كيف لو عاش إلى زماننا. وكان ابن الزبير ينشده ويقول:
رحم الله عائشة كيف لو عاشت إلى زماننا. وقال بعضهم: كان الناس ورقا بلا شوك، فصاروا شوكا بلا ورق.
وقال شاعر:
لم أبك من زمن شكوت صروفهإلّا بكيت عليه حين يزول
وقال:
ننسى أيادي الزمان فينا ومانذكر من دهرنا سوى نوبه
من أشرف على الهلاك ففرّج الله تعالى عنه: أتى يزيد بخارجي فأراد قتله، فقال:
عسى فرج يأتي به الله إنهله كلّ يوم في خليقته أمر
فقال: والله لأضربنّ عنقك أقتلوه. فدخل الهيثم بن الأسود فقال أمسكوه قليلا، فدنا منه فقال: يا أمير المؤمنين هب مجرم قوم لوافدهم، فقال: هو لك، فخرج الخارجي وهو يقول: تأبّى على الله فأبى إلا أن يكذبه وغالبه فأبى إلا أن يغلبه.
وأحضر رجل ليقتل في أيام نازوك فدعا بطعام فأخذ يأكل ويضحك، فقيل: تضحك وأنت مقتول؟ فقال: من الساعة إلى الساعة فرج فسمعت صيحة فقيل: مات نازوك، فخلوا الرجل.
وشدّ بعض العمال رجلا إلى أسطوانة يريد ضربه، فقال: حلّني من هذه إلى هذه فحله فما حله إلا وقد عزل وشدّ إلى الاسطوانة بعينها.
مستضعف أعانه الله فقوّاه: قال الله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
وقال أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ
حث الممتحن على مصابرة الزمن إلى انقضاء زمن المحن: قال النبي ﷺ: للمحن أوقات ولها غايات، واجتهاد العبد في محنته قبل إزالة الله لها زيادة فيها. قال تعالى: إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ
. وقيل: الممتحن كالمختنق كلما ازداد اضطرابا إزداد اختناقا. وقيل: إذا أراد الله خلاص غريق عبر البحر على سارية. وقيل: حامل الدهر إلى أن يحمل وأقبل منه إلى أن يقبل.
من زال غمّه فنسى صنع الله تعالى: قال الله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
، وقال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
الآية، وقال الله تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
الآية، شكا يوسف ﵇ طول الحبس فأوحى الله تعالى إليه أنت حبست نفسك حيث قلت السجن أحب إليّ. وقيل: من سبح في النهر الذي فيه التمساح عرض نفسه للهلكة. وقيل: ما صاحب البلاء الذي طال بلاؤه بأحق بالدعاء من المعافى.
من ذكر إحسان الزمان إليه بعد إساءته: قال شاعر:
أيّها الدهر حبّذا أنت دهراقف حميدا ولا تزول حميدا
كل يوم تزداد حسنا فما تببعث يوما إلا حسبناه عيدا
وقال آخر:
رقّ الزمان لفاقتيورثى لطول تحرّقي
فأنالني ما أرتجيوأجار ممّا أتّقي
فلأغفرنّ له الكبيرمن الذّنوب السّبق
حتّى جنايته بمافعل المشيب بمفرقي
وقال آخر:
ربّما أحسن الزمان وإن كان قد أسا
وقال وهو الصدق:
وآخر إحسان الليالي إساءةعلى أنّها قد تتبع العسر باليسر
أصحاب الرّجاء والخوف: قال شاعر:
في كلّ شيء أرتجي مخافةفي كلّ شيء أشتهيه آفه
فضل العافية وسلامة الدين: قال النبي ﷺ: من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا. وقيل: أراني غنيّا ما كنت سويّا. وقيل: من أوتي العافية فظنّ أن أحدا أوتي أكثر منه فقد قلّل كثيرا وكثرّ قليلا.
وقيل: صلاح الآخرة بخلّة واحدة وهي التقوى وصلاح الدنيا بثلاث: العافية والغنى والعمر.
وقيل: العافية الملك الخفيّ الهنيء. وقيل: الدنيا بحذافيرها الأمن والعافية.
لا تأس من دنيا على فائتوعندك الإسلام والعافيه
إن فات شيء كنت تسعى لهففيهما من خلف كافيه
معرفة فضل السلامة عند فوتها: قيل: لا يعرف طعم النعمة إلا من نالته يد العلّة والبلاء:
فبضدها تتميّز الأشياء
وقيل: شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما الغنى والعافية. وقال أبو تمّام:
وليس يعرف طيب الوصل صاحبهحتى يصاب بنأي أو بهجران
وقلب المتنبّي هذا المعنى فقال:
ولولا أيادي الوصل في الجمع بينناغفلنا فلم نشعر له بذنوب
وقال حكيم: كم من نعمة عرفت ببليّة نزلت ونعمة جهلت بسلامة لبثت.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع