من «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
حلة امرئ القيس
(حلَّة امْرِئ الْقَيْس) تضرب مثلا للشئ الْحسن يكون لَهُ أثر قَبِيح والمبرة يكون فى ضمنهَا عقوق والكرامة يحصل مِنْهَا إهلاك وَذَلِكَ أَن امْرأ الْقَيْس بن حجر لما خرج إِلَى قَيْصر يستعينه على قتلة أَبِيه ويستنجده فى الِاسْتِيلَاء على ملكه أكْرمه وأمده بِجَيْش ثمَّ لما صدر من عِنْده وشى الوشاة بِهِ إِلَيْهِ وَأَخْبرُوهُ بِمَا يكره من شَأْنه وخوفوه عَاقِبَة أمره فندم على تَجْهِيزه ثمَّ أتبعه بحلة مَسْمُومَة عزم عَلَيْهِ أَن يلبسهَا فى طَرِيقه فَلَمَّا لبسهَا تقرح جلده وتساقط لَحْمه وَاشْتَدَّ سقمه ففى ذَلِك يَقُول
وبدلت قرحا داميا بعد صِحَةوبدلت بالنعماء وَالْخَيْر أبؤسا
وَلَو أَن نوما يشترى لأشتريتهقَلِيلا كتغميض القطا حَيْثُ عرسا
فَلَو أَنَّهَا نفس تَمُوت صَحِيحَةوَلكنهَا نفس تساقط أنفسا
ثمَّ لما نزل أنقرة مَاتَ بهَا وَإِنَّمَا سمى ذَا القروح لهَذِهِ الْقِصَّة
(يَوْم عبيد) يضْرب مثلا لليوم المنحوس الطالع وَكَانَ عبيد بن الأبرص تصدى فِيهِ للنعمان بن الْمُنْذر فى يَوْم بؤسه الذى كَانَ لَا ينحو مِنْهُ من لقِيه فِيهِ كَمَا كَانَ لَا يخيب من لقِيه فى يَوْم نعيمه فَقَالَ لَهُ يَا عبيد إِنَّك مقتول فأنشدنى قَوْلك
(أقفر من أَهله ملحوب ...) فأنشده
أقفر من أَهله عبيدفاليوم لَا يبدى وَلَا يُعِيد
ثمَّ أَمر بِهِ فَقتل فَسَار يَوْم عبيد مثلا كَمَا قَالَ أَبُو تَمام
لما أظلتنى سماؤك أَقبلتتِلْكَ الشُّهُود على وهى شهودى
من بعد مَا ظن الأعادى أَنهسَيكون لى يَوْم كَيَوْم عبيد
(حكم لبيد) يضْرب مثلا فى الْمَيِّت يبكى عَلَيْهِ وَالْغَائِب يخترم لَهُ سنة وَاحِدَة لِأَن لبيدا يَقُول
إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَاوَمن يبك حولا كَامِلا فقد اعتذر
وَإِلَى هَذَا الْمثل يُشِير أَبُو تَمام فى قَوْله
ظعنوا فَكَانَ بكاى حولا بعدهمْثمَّ ارعويت وَذَاكَ حكم لبيد
(حوليات زُهَيْر) يضْرب بهَا الْمثل فِي جيد الشّعْر وبارعه وهى أُمَّهَات قصائده وغرر كَلِمَاته الَّتِي كَانَ لَا يعرض وَاحِدَة مِنْهَا حَتَّى يحول عَلَيْهَا الْحول وَهُوَ يجْتَهد فى تصحيحها وتنقيحها وتهذيبها وَكَانَ يَقُول خير الشّعْر الحولى النقح المحكك
وعهدى بالخوارزمى يَقُول من روى حوليات زُهَيْر واعتذارات النَّابِغَة وأهاجى الحطيئة وهاشميات الْكُمَيْت ونقائض جرير والفرزدق وخمريات أَبى نواس وزهديات أَبى الْعَتَاهِيَة ومرائى أَبى تَمام ومدائح البحترى وتشبيهات ابْن المعتز وروضيات الصنوبرى ولطائف كشاجم وقلائد المتنبى وَلم يتَخَرَّج فى الشّعْر فَلَا اشب الله تَعَالَى قرنه
(صحيفَة المتلمس) تضرب مثلا لمن يحمل كتابا فِيهِ حتفه وَكَانَ طرفَة بن العَبْد وخاله جرير بن عبد الْمَسِيح الْمَعْرُوف بالمتلمس ينادمان عَمْرو بن هِنْد الْملك فَبَلغهُ أَنَّهُمَا هجواه فَكتب لَهما إِلَى عَامله بِالْبَحْرَيْنِ كتابين أوهمهما أَنه أَمر لَهما فيهمَا بجوائز وَقد كَانَ أمره بِقَتْلِهِمَا فَخَرَجَا حَتَّى إِذا كَانَا بالنجف إِذا هما بشيخ فى الطَّرِيق يحدث وَيَأْكُل من خبز فى يَده ويتناول الْقمل من ثِيَابه فيقصعه فَقَالَ لَهُ المتلمس مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ شَيخا احمق فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ وَمَا رَأَيْت من حمقى أخرج خبيثا وَأدْخل طيبا وأقتل عدوا وأحمق منى وَالله من يحْتَمل حتفه بِيَدِهِ فاستراب المتلمس بقوله وطلع عَلَيْهِ غُلَام من أهل الْحيرَة فَقَالَ لَهُ أَتَقْرَأُ يَا غُلَام قَالَ نعم ففك صَحِيفَته وَدفعهَا إِلَيْهِ فَإِذا فِيهَا
أما بعد فَإِذا أَتَاك المتلمس بكتابنا هَذَا فاقطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وادفنه حَيا فَأَخذهَا المتلمس وقذفها فى نهر الْحيرَة ثمَّ قَالَ لطرفه إِن فى صحيفتك وَالله مافى صحيفتى فَقَالَ طرفَة كلا لم يكن ليجترئ على ثمَّ أَخذ المتلمس نَحْو الشَّام فنجا بِرَأْسِهِ وَتوجه طرفَة نَحْو الْبَحْرين وأوصل الْكتاب إِلَى عاملها فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ لَهُ إِن الْملك قد أمرنى بقتلك فاختر أى قتلة تريدها فَسقط فى يَده وَقَالَ أَن كَانَ لَا بُد من الْقَتْل فَقطع الأكحل فَأمر بِهِ ففصد من الأكحل وَلم تشد يَده حَتَّى نزف دَمه فَمَاتَ وفى ذَلِك يَقُول البحترى ويجريه مثلا فى اخْتِيَار خير الشرين
وَلَقَد سكنت إِلَى الصدود من النَّوَىوالشرى أرى عِنْد طعم الحنظل
وكذاك طرفَة حِين أوجس ضَرْبَةفى الرَّأْس هان عَلَيْهِ قطع الأكحل
وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بِصَحِيفَة المتلمس من قَالَ للفرزدق وَقد أَخذ كتابا من بعض الْمُلُوك إِلَى عَامله بصلَة لَهُ
ألق الصَّحِيفَة يَا فرزدق لَا تكننكداء مثل صحيفَة المتلمس
وَكتب شُرَيْح إِلَى مؤدب ابْنه يشكوه وَيذكر لعبه بالكلاب ويأمره بتعزيره
ترك الصَّلَاة لأكلب يسْعَى بهَانَحْو الهراش مَعَ الغواة الرجس
فليأتينك غاديا بِصَحِيفَةنكداء مثل صحيفَة المتلمس
فَإِذا أَتَاك فخصه بملامةوأنله موعظة اللبيب الأكيس
فَإِذا هَمَمْت بضربه فبدرةوَإِذا ضربت بهَا ثَلَاثًا فاحبس
وَاعْلَم بأنك مَا فعلت فنفسهمَعَ مَا تجزعني أعز الْأَنْفس
وَقَالَ يَعْقُوب بن الرّبيع فى مرثية جَارِيَته ملك
حَتَّى احْتبسَ إِذا اللِّسَان وأصبحتللْمَوْت قد ذبلت ذبول النرجس
وتكاءبت مِنْهَا محَاسِن وَجههَاوَعلا الأنين تحثه بتنفس
رَجَعَ الْيَقِين مطامعى يأسا كَمَارَجَعَ الْيَقِين مطامع المتلمس
(قدح ابْن مقبل) يضْرب مثلا فى حسن الْأَثر ويروى أَن عبد الْملك بن مَرْوَان كتب إِلَى الْحجَّاج مَا أَن أرى لَك مثلا إِلَّا قدح ابْن مقبل فَلم يعرف مَعْنَاهُ واغتنم لذَلِك حَتَّى دخل عَلَيْهِ قُتَيْبَة بن مُسلم وَكَانَ راوية للشعر حَافِظًا لَهُ عَالما بِهِ فَسَأَلَهُ عَنهُ فَقَالَ أبشر أَيهَا الْأَمِير فَإِنَّهُ قد مدحك أما سَمِعت قَول ابْن مقبل وَهُوَ يصف قدحا لَهُ
غَدا وَهُوَ مجدول وَرَاح كَأَنَّهُمن الصَّك والتقليب فى الْكَفّ أفطح
خُرُوج من الغمى إِذا صك صَكَّةبدا والعيون المستكفة تلمح
ويحكى عَنهُ أَنه كتب إِلَيْهِ مرّة أُخْرَى أما بعد فَإنَّك سَالم وَالسَّلَام فَلم يدر مَا مَعْنَاهُ حَتَّى نبه على أَنه أَرَادَ قَول عبد الله بن عمر بن الْخطاب رضى الله عَنْهُمَا فى أبنه سَالم رضى الله عَنهُ
يديروننى عَن سَالم وأديرهموجلدة بَين الْعين وَالْأنف سَالم
هَكَذَا وجدته فى غير كتاب وَاحِد ثمَّ وجدت نُسْخَة رقْعَة للصاحب إِلَى الْعَامِل بجرجان فى الْوَصِيَّة بأبى سعد الإسماعيلى أَولهَا أخبرنى يَا سيدى وخليلى أَطَالَ الله بَقَاءَك الصَّقْر قَالَ أخبرنى أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد قَالَ قلت للعتبى كنت أحب أَن أعرف موقعى من قَلْبك قَالَ موقع سَالم يعْنى سَالم بن
عبد الله بن عمر بن الْخطاب رضى الله عَنْهُم وموقعه من أَبِيه فقد كَانَ يُكَلف بِهِ حَتَّى إِنَّه كَانَ يقبله وَقد شاخ الابْن وَيَقُول شيخ يقبل شَيخا وَسَالم الآخر مولى هِشَام الْمَقُول فِيهِ
يديروننى عَن سَالم وأديرهموجلدة بَين الْعين وَالْأنف سَالم
وَالْأَخ الْفَقِيه أَبُو سعد أدام الله عزه عندى كسالم وَسَالم بل هُوَ كالسلامة فهى أخص موقعا واشرف موضعا
(منديل عَبدة) قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان يَوْمًا لجلسائه وَكَانَ يتَجَنَّب غير الأدباء أى المناديل أفضل فَقَالَ قَائِل مِنْهُم مناديل الْيمن كَأَنَّهَا أنوار الرّبيع
وَقَالَ آخر مناديل مصر كَأَنَّهَا غرقئ الْبيض فَقَالَ عبد الْملك مَا صَنَعْتُم شَيْئا أفضل المناديل منديل عَبدة يعْنى عَبدة بن الطَّبِيب فى قَوْله من قصيدة
لما نزلنَا نصبنا ظلّ أخبيةوفار للْقَوْم بِاللَّحْمِ المراجيل
وردا وأشقر لم يهنئه طابخهمَا غير الغلى مِنْهُ فَهُوَ مَأْكُول
ثمت قمنا إِلَى جرد مسومةأعرافهن لأيدينا مناديل
وَالْأَصْل فى هَذَا الْمَعْنى قَول امْرِئ الْقَيْس
(نمش بأعراف الْجِيَاد أكفنا ... إِذا نَحن قمنا عَن شواء مضهب) (لِسَان حسان) يضْرب بِهِ الْمثل فى الذلاقة والطول والحدة وَيُقَال شكره شكر حسان لآل غَسَّان
وَلما هجا النبى ﷺ شعراء الْمُشْركين كَابْن الزِّبَعْرَى وَكَعب بن
مَالك قَالَ ﷺ أَلا رجل يرد عَنَّا فَقَالَ حسان بلَى يَا رَسُول الله وَأَشَارَ إِلَى نَفسه فَقَالَ لَهُ اهجهم وروح الْقُدس مَعَك فو الله إِن هجاءك اشد عَلَيْهِم من وَقع السِّهَام فى غلس الظلام والق أَبَا بكر يعلمك تِلْكَ الهنات فَلَمَّا قَالَ ذَلِك النبى ﷺ أخرج حسان لِسَانه ثمَّ ضرب بطرفه أَنفه وَقَالَ وَالله يَا رَسُول الله مَا يسرنى بِهِ مقول من معد
وَالله إنى لَو وَضعته على شعر لحلقه أَو على صَخْر لفلقه قَالَ الجاحظ فَلَا ينبغى ان يكون مَا قَالَ حسان إِلَّا حَقًا وَكَيف يَقُول بَاطِلا والنبى ﷺ يَأْمُرهُ وَجِبْرِيل يسدده وَالصديق يُعلمهُ وَالله يوفقه
وَقَالَ غَيره من ظريف أَمر حسان أَنه كَانَ يَقُول الشّعْر فى الْجَاهِلِيَّة فيجيد جدا ويغبر فى وُجُوه الفحول ويدعى أَن لَهُ شَيْطَانا يَقُول الشّعْر على لِسَانه كعبارة الشُّعَرَاء فى ذَلِك فَلَمَّا أدْرك الْإِسْلَام وتبدل الشَّيْطَان بِالْملكِ تراجع شعره وَكَاد يَرك قَوْله هَذَا ليعلم أَن الشَّيْطَان أصلح للشاعر وأليق بِهِ وأذهب فى طَرِيقه من الركاكة وَأَنا اسْتغْفر الله من هَذَا القَوْل فَأنى أكرهه
(سيف الفرزدق) يضْرب مثلا للسيف الكليل بيد الجبان وقصته أَن جَرِيرًا والفرزدق وَفْدًا على سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَهُوَ خَليفَة وَأمه ولادَة بنت الْعَبَّاس العبسية وأخواله بَنو عبس وَكَانُوا يتعصبون على الفرزدق ويبغضونه لهجائه قيس بن عيلان وَيُحِبُّونَ جَرِيرًا لمدحه إيَّاهُم فقرظوا جَرِيرًا عِنْد سُلَيْمَان وذموا الفرزدق وَكَانَ سُلَيْمَان عَازِمًا على قتل أسرى من أعلاج الرّوم فجَاء رجل من بنى عبس إِلَى الفرزدق وَقَالَ لَهُ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ سيأمرك غَدا بِضَرْب عنق أَسِير من أسرى الرّوم وَقد علمت أَنَّك وَإِن كنت
تصف السيوف وتحسن فَإنَّك لم تمرن بهَا وَهَذَا سيفى إِنَّمَا يَكْفِيك ان تومئ بِهِ فيأتى على ضريبته وَأَتَاهُ بِسيف مثلم فَقَالَ لَهُ الفرزدق مِمَّن أَنْت فخشى أَن يَقُول من بنى عبس فيتهمه فَقَالَ من بنى ضبة أخوالك فَعمل الفرزدق على ذَلِك ووثق بِهِ فَلَمَّا كَانَ من الْغَد وَحضر الفرزدق والوفود دَار سُلَيْمَان وجئ بالأسرى أَمر سُلَيْمَان وَاحِدًا مِنْهُم هائل المنظر أَن يروع الفرزدق إِذا أَخذ السَّيْف ويلفت إِلَيْهِ ويفزعه ووعده أَن يُطلقهُ إِذا فعل ذَلِك ثمَّ قَالَ للفرزدق قُم فَاضْرب عُنُقه فسل سيف العبسى فَضَربهُ بِهِ فَلم يُؤثر فِيهِ وكلح الرومى فى وَجهه فارتاع الفرزدق فَضَحِك سُلَيْمَان وَالْقَوْم فجَاء جرير وَقَالَ يعيره
بِسيف أَبى رغوان سيف مجاشعضربت وَلم تضرب بِسيف ابْن ظَالِم
ضربت بِهِ عِنْد الإِمَام فأرعشتيداك وَقَالُوا مُحدث غير صارم
فَأَجَابَهُ الفرزدق بقصيدة مِنْهَا
وَلَا نقْتل الأسرى وَلَكِن نفكهمإِذا أثقل الْأَعْنَاق حمل المغارم
فَهَل ضَرْبَة الرومى جاعلة لكمأَبَا ككليب أَو أبات مثل دارم
وَقَالَ أَيْضا فى الِاعْتِذَار من بَنو السَّيْف
أيعجب النَّاس أَن أضحكت سيدهمخَليفَة الله يستسقى بِهِ الْمَطَر
لم ينب سيفى من رعب وَلَا دهشمن الْأَسير وَلَكِن أخر الْقدر
وَلنْ يقدم نفسا قبل ميتتهاجمع الْيَدَيْنِ وَلَا الصمصامة الذّكر
وَقَالَ أَيْضا
فَإِن يَك سيفى خَان أَو قدر أَبىلمقدار يَوْم حتفه غير شَاهد
فسيف بنى عبس وَقد ضربوا بِهِنبا بيدى وَرْقَاء عَن رَأس خَالِد
كَذَاك سيوف الْهِنْد تنبو ظباتهاوتقطع أَحْيَانًا منَاط القلائد
وقرأت فى رِسَالَة لِابْنِ العميد إِلَى ابْن سَمَكَة جرب جعلت فداءك مَا قلته واختبرنى فِيمَا ادعيته فَإِن لم أفعل فدمى حَلَال لَك فاقتلنى بِسيف الفرزدق وكلنى بخل وخردل وَالسَّلَام
(بَنَات نصيب) كَانَ نصيب عبدا أسود لبنى كَعْب بن ضَمرَة وَكَانَ شَاعِرًا مفلقا ولشعره ديباجة وَلما سُئِلَ عَنهُ جرير قَالَ هُوَ أشعر أهل جلدته وَلَا يُقَال أشعر أهل بلدته وَقد يُقَال لمثله هُوَ اشعر النَّاس وَإِن كَانَ فيهم من هُوَ أشعر مِنْهُ وَكَانَ لنصيب بَنَات نفض عَلَيْهِنَّ من لَونه فهن يشبهنه فى الأدمة والدمامة وَكَانَ يحبهن جدا وفيهن يَقُول
وَلَوْلَا أَن يُقَال صبا نصيبلَقلت بنفسى النشأ الصغار
بنفسى كل مهضوم حشاهاإِذا ظلمت فَلَيْسَ لَهَا انتصار
وَكَانَ يربأ بِهن عَن الْعَجم وَلَا يرغب فِيهِنَّ الْعَرَب فبقين معنسات وصرن مثلا للْبِنْت يضن بهَا أَبوهَا فَلَا يرضى من يخطبها وَلَا يرغب فِيهَا من يرضاه لَهَا وَقد ضرب بِهن الْمثل أَبُو تَمام فى شعره حَيْثُ قَالَ
أما القوافى فقد حصنت عذرتهافَمَا يصاب دم مِنْهَا وَلَا سلب
منعت إِلَّا من الْأَكفاء منكحهاوَكَانَ مِنْك عَلَيْهَا الْعَطف والحدب
وَلَو عضلت عَن الْأَكفاء أيمهاوَلم يكن لَك فى إطهارها أرب
كَانَت بَنَات نصيب حِين ضن بهَاعَن الموالى وَلم تحفل بهَا الْعَرَب
(غزل ابْن أَبى ربيعَة) هُوَ عمر بن عبد الله بن أَبى ربيعَة المخزومى أغزل خلق الله وأحلاهم شعرًا فى الْغَزل وأرقهم طبعا فى النسيب وَلَيْسَ لَهُ شعر فى الْمَدْح والهجاء وَالْفَخْر وَإِنَّمَا قصر شعره كُله على ذكر النِّسَاء وَصرف مُعظم شعره إِلَى الشرائف وَبَنَات الخلائف لَا سِيمَا إِذا حججن واعتمرن وَظهر المستور من محاسهن وَكَانَ يذهب فى طَرِيق من قَالَ إنى لأعشق الشّرف كَمَا يعشق غيرى الْجمال
ويروى أَنه ولد فى اللَّيْلَة الَّتِي قبض فِيهَا عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ فَسمى باسمه فَكَانَ النَّاس يَقُولُونَ أى حق رفع وأى بَاطِل وضع
وَقَالَ لَهُ عبد الْملك بن مَرْوَان يَوْمًا وَقد سمع شعره بئس جَار الْغَيْر أَنْت
وَكَانَ طَاوس يَقُول إِذا سمع شعره مَا عصى الله تَعَالَى بِشعر كَمَا عصى بِشعر عمر
وَلما قَالَ لَهُ هِشَام مَا يمنعك عَن مَدْحنَا قَالَ إنى أمدح النِّسَاء لَا الرِّجَال
وَمن ظريف مَا حكى عَنهُ أَن نعمى إِحْدَى صواحباته اغْتَسَلت فى غَدِير فَأَقَامَ عَلَيْهِ يشرب مِنْهُ حَتَّى جف
وَكَانَ أَخُوهُ الْحَارِث بن عبد الله بن أَبى ربيعَة لَا يقاره على تغزله ومجنونه فَبَيْنَمَا هُوَ ذَات يَوْم فى منزل عمر قد اسْتلْقى فى مقيلة إِذْ دخلت عَلَيْهِ صاحبته الثريا فَأَلْقَت نَفسهَا عَلَيْهِ وهى تظنه عمر فَقَامَ الْحَارِث مغضبا يجر رِدَاءَهُ وَأَرَادَ أَن يخرج فَتَلقاهُ عمر وَسَأَلَهُ عَن حَاله فَأخْبرهُ بِحَدِيث الْمَرْأَة وإلقائها نَفسهَا عَلَيْهِ فَقَالَ أبشر يَا أخى فَلَا تمسك النَّار بعْدهَا أبدا
وَلما أنْشد عمر قَوْله
وَيَوْم كتنور الطواهى سجرنهوألقين فِيهِ الجزل حَتَّى تضرما
قذفت بنفسى فى أجيج سمومهوَلَا زلت حَتَّى ابتل مشفرها دَمًا
فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ الله أكبر قد أخذت فى فن آخر من الشّعْر فَلَمَّا اتبعهما بقوله
أُؤَمِّل أَن ألْقى من النَّاس عَالمابإخباركم أَو أَن ألم مُسلما
وَقَالَ لَهُ إِنَّك لفى ضلالك الْقَدِيم
وَقد ضرب بِهِ الصاحب الْمثل حَيْثُ قَالَ رِسَالَة لَهُ أَنْت أغزل من عمر إِذا حج وَاعْتمر
(عين بشار) كَانَ بشار بن برد من عجائب الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَنه كَانَ أعمى أكمه لم يبصر شَيْئا قطّ وَهُوَ الْقَائِل
كَأَن مثار النَّقْع فَوق رءوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وَهُوَ الْقَائِل فى وصف ذكره
عجل الرّكُوب إِذا اعتراه نافضوَإِذا أَفَاق فَلَيْسَ بالركاب
وتراه بعد ثَلَاث عشرَة قَائِمامثل الْمُؤَذّن شكّ يَوْم سَحَاب
وفى عين بشار يَقُول مخلد بن على السلامى وَهُوَ يهجو إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر وَيَدْعُو عَلَيْهِ
رَأَيْتُك لَا تحب الود إِلَّاإِذا مَا كَانَ من عصب وَجلد
أرانى الله عزك فى انحناءوعينك عين بشار بن برد
(طبع البحترى) يضْرب بِهِ الْمثل لِأَن الْإِجْمَاع وَاقع على أَنه فى الشّعْر أطبع الْمُحدثين والمولدين وَأَن كَلَامه يجمع الجزالة والحلاوة والفصاحة
والسلاسة وَيُقَال إِن شعره كِتَابَة معقودة بالقوافى لِأَن فِيهِ مثل قَوْله
فَالله يبقيه لنا ويحوطهويعزه وَيزِيد فى تأييده
وَقَوله
بقيت أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنَّمَابقاؤك حسن للزمان وَطيب
وَلَا كَانَ للمكروه نَحْوك مَذْهَبوَلَا لصروف الدَّهْر فِيك نصيب
وَقَوله
مَا ضيع الله فى بَدو وَلَا حضررعية أَنْت بِالْإِحْسَانِ راعيها
أمة كَانَ قبح الْجور يسخطهادهرا فَأصْبح حسن الْعدْل يرضيها
فَانْظُر إِلَى شرف هَذَا الْكَلَام وسهولته وصعوبته على من يقْصد تعاطى مثله وَمِمَّنْ ضرب بطبعه الْمثل السلامى حَيْثُ قَالَ
وَأعْطيت طبع البحترى وشعرهفَمن لى بِمَال البحترى وغمره
وَقَالَ بعض العصريين
يَا لابسا لنقاب ورد أَحْمَريَا فارشا وجهى بورد أصفر
حتام تنحلنى بخصر ناحلوتعلنى بعليل طرف أحور
يَا وَاحِدًا فى الْحسن هأنا وَاحِدفى الْحزن أصلى نَار وجد مُضْمر
وأظل بَين تذلل وتحيرإِذْ أَنْت بَين تدلل وتجبر
مالى بوصفك سيدى من طَاقَةوَلَو اننى استمليت طبع البحترى
(أير أَبى حكيمة) ذكر الْأَعْضَاء لَا يؤثم وَإِنَّمَا الْإِثْم فى ذكرهَا عِنْد شتم الْأَعْرَاض وَقَول الرَّفَث فى أكل لوم النَّاس وَقذف الْمُحْصنَات قَالَ النبى ﷺ (من تعزى بعزاء الْجَاهِلِيَّة فأعضوه بِهن أَبِيه وَلَا تكنوا) \ ح \
وَقَالَ أَبُو بكر رضى الله عَنهُ لبديل بن وَرْقَاء حِين قَالَ للنبى ﷺ إِن هَؤُلَاءِ إِن مسهم حر السِّلَاح أسلموك اعضض ببظر أمك أَنَحْنُ نسلمه
وَقَالَ على رضى الله عَنهُ من يطلّ اير ابيه ينتطق بِهِ
وأير أَبى حكيمة رَاشد بن إِسْحَاق فى كَثْرَة مَا قَالَ فى مدحه سالفا وذمه آنِفا وَوَصفه بالضعف والوهن والفشل يجرى مجْرى الْمثل وينخرط فى سلك طيلسان ابْن حَرْب وضرطة وهب وحمار طياب وشَاة سعيد وَلَقَد استفرغ شعره فى ذَلِك وأتى بالنوادر وَالْملح السوائر وَيُقَال إِنَّه كَانَ يكْتب لإسحاق ابْن إِبْرَاهِيم المصعبى فاتهمه بِغُلَام لَهُ فَأخذ فى هَذَا الْفَنّ من الشّعْر تَنْزِيها لنَفسِهِ عَن التُّهْمَة حَتَّى صَار عَادَة لَهُ فَمن ملحه قَوْله
لم تكتحل عيناى مذ شقتابِمثل أيرى بَين رجلى أحد
أير ضَعِيف الْمَتْن رث القوىلَو شِئْت أَن أعقده لانعقد
إِن يمس كالبقلة فى لينهافطالما أصبح مثل الوتد
وَقَوله
كَأَن أيرى من لين مقبصهخريطة قد خلت من الْكتب
كَأَنَّهُ حَيَّة مطوقةقد جعلت رَأسهَا مَعَ الذَّنب
وَقَوله
أير تعقد وَاسْتَرْخَتْ مفاصلهمثل الْعَجُوز حناها شدَّة الْكبر
يقوم حِين يُرِيد الْبَوْل منحنياكَأَنَّهُ قَوس نداف بِلَا وتر
وَلَا يقوم إِذا نبهته سحرًاكَمَا تقوم أيور النَّاس فى السحر
وَقَوله
ينَام على كف الفتاة وَتارَةلَهُ حركات مَا تحس بهَا الْكَفّ
كَمَا يرفع الفرخ ابْن يَوْمَيْنِ رَأسهإِلَى أَبَوَيْهِ ثمَّ يُدْرِكهُ الضعْف
وَأَرَادَ كشاجم أَن يتعاطى فن أَبى حكيمة فَمَا شقّ غباره على ارْتِفَاع مِقْدَاره فى الشعرحيث قَالَ
اصبح أيرى للضعف مُنْضَمًّاكَأَنَّمَا فِيهِ نافض الْحمى
أصفى فأشفى على الردى وَغداأَصمّ عَمَّا أرومه أعمى
وَكَانَ كالزير فى توترهفَانْحَطَّ حَتَّى حسبته بِمَا
لم يبْق فِيهِ حَظّ تؤلمهسعدى وَلَا تستلذه سلمى
(تشبيهات ابْن المعتز) يضْرب الْمثل بهَا فى الْحسن والجودة وَيُقَال إِذا رَأَيْت كَاف التَّشْبِيه فى شعر ابْن المعتز فقد جَاءَك الْحسن وَالْإِحْسَان
وَلما كَانَ غذى النِّعْمَة وربيب الْخلَافَة ومنقطع القرين فى البراعة تهيا لَهُ من حسن التَّشْبِيه مالم يتهيأ لغيره مِمَّن لم يرَوا مَا رَآهُ وَلم يستحدثوا مَا استحدثه من نفائس الْأَشْيَاء وطرائف الْآلَات وَلِهَذَا الْمَعْنى اعتذر ابْن الرومى فى قصوره عَن شأو ابْن المعتز فى الْأَوْصَاف والتشبيهات فَمن أنموذج تشبيهاته الملوكية قَوْله فى وصف الْهلَال
وَأنْظر إِلَيْهِ كزورق من فضَّةقد أثقلته حمولة من عنبر
وَقَوله
ونسيم يبشر الأَرْض بالقطركذيل الغلالة المبلول
ووجوه الْبِلَاد تنْتَظر الْغَيْثانْتِظَار الْمُحب رَجَعَ االرسول
وَقَوله فى الْخمر
وأمطر الكأس مَاء من أبارقهفانبت الدّرّ فى أَرض من الذَّهَب
وَسبح الْقَوْم لما أَن رَأَوْا عجبانورا من المَاء فى نَار من الْعِنَب
وَقَوله فى الآذريون
كَأَن آذريونهاوَالشَّمْس فِيهَا عالية
مداهن من ذهبفِيهَا بقايا غَالِيَة
وَمن تشبيهاته الَّتِي تفرد بهَا قَوْله
وَالرِّيح تجذب أَطْرَاف الرِّدَاء كَمَاافضى الشَّقِيق إِلَى تَنْبِيه وَسنَان
وَقَوله فى المعتضد
مَا يحسن الْقطر أَن ينهل عَارضهكَمَا تتَابع أَيَّام الْفتُوح لَهُ
وَقَوله
أَطَالَ الدَّهْر فى بَغْدَاد همىوَقد يشقى الْمُسَافِر أَو يفوز
ظللت بهَا على رغمى مُقيماكعنين تضاجعه عَجُوز
وقلائد تشبيهاته ولطائف تمثيلاته أَكثر من أَن تحصى
(عتاب جحظة) يشبه بِهِ كل مارق ولطف لقَوْله
ورق الجو حَتَّى قيل هَذَاعتاب بَين جحظة وَالزَّمَان
وللبديع الهمذانى من رِسَالَة لَهُ إخوانية بَيْننَا عتاب لَحْظَة كتاب جحظة واعتذارات بَالِغَة كاعتذارات النَّابِغَة
(غُلَام الخالدى) يضْرب بِهِ الْمثل فى الكياسة والشهامة والنفاذ فى سنّ الْخدمَة وَجمع محَاسِن المماليك ومناقب العبيد وَهُوَ غُلَام أَبى عُثْمَان الخالدى أحد الْأَخَوَيْنِ الخالديين اللَّذين يهجوهما السرى الموصلى ويدعى عَلَيْهِمَا سَرقَة شعره
وحدثنى أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الفارسى النحوى أَن اسْم هَذَا الْغُلَام رشأ وَأَنه رَآهُ بعد موت مَوْلَاهُ أَبى عُثْمَان فى نَاحيَة أَبى الْقَاسِم عبد الْعَزِيز بن يُوسُف قَالَ وَهُوَ الْيَوْم وَزِير قراد العقيلى وَإِلَى الْبَلَد والجامعين وَالْقصر
قَالَ مؤلف الْكتاب قَرَأت أَنا بِخَطِّهِ أى بِخَط الْغُلَام فى مَجْمُوع من شعر الخالديين بِخَط اُحْدُ الْأَخَوَيْنِ فى دفتر أعارنية أَبُو نصر سهل بن الْمَرْزُبَان كتب ابْن سكرة الهاشمى إِلَى أَبى عُثْمَان يسْأَله عَنى فَكتب إِلَيْهِ
مَا هُوَ عبد لكنه ولدخولنيه الْمُهَيْمِن الصَّمد
وَشد أزرى بِحسن صحبتهفَهُوَ يدى والذراع والعضد
صَغِير سنّ كَبِير معرفَةتمازج الضعْف فِيهِ وَالْجَلد
معشق الطّرف طرفه كحلمعطل الْجيد حلية جيد
وغصن بَان إِذا بدا وَإِذاشدا فقمرى بانة غرد
ثقفه كيسه فَلَا عوجفى بعض أخلاقه وَلَا أود
ماغاظنى سَاعَة فَلَا صخبيمر فى منزلى وَلَا حرد
مسامرى إِن دجا الظلام فلىمِنْهُ حَدِيث كَأَنَّهُ الشهد
خَازِن مافى يدى وحافظهفَلَيْسَ شئ لدي يفتقد
يصون كتبى فَكلهَا حسنيطوى ثيابى فَكلهَا جدد
وحاجبى فالخفيف محتبسعندى بِهِ والثقيل مطرد
وصيرفى القريض وازن دِينَارالْمعَانى الْجِيَاد منتقد
وَيعرف الشّعْر مثل معرفتىوَهُوَ على أَن يزِيد مُجْتَهد
وحافظ الدَّار إِن ركبت فَمَاعلى غُلَام سواهُ أعْتَمد
ومنفق مُشفق إِذا أَنا أسرفتوبذرت فَهُوَ مقتصد
وَأبْصر النَّاس بالطبيخ فكالمسكالقلايا والعنبر الثرد
وواجد بى من الْمحبَّة والرأفةأَضْعَاف مابه أجد
إِذا تبسمت فَهُوَ مبتهجوَإِن تنمرت فَهُوَ مرتعد
ذى بعض أَوْصَافه وَقد بقيتلَهُ صِفَات لم يحوها الْعدَد
الْبَاب السَّادِس عشر فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الْبلدَانِ والأماكن
عَزِيز مصر
أَسْقُف نَجْرَان
أبدال اللكام
ملكا بابل
جنَّة عبقر
حجام ساباط
قاضى منى
قاضى جبل
سحرة الْهِنْد
شيخ الْعرَاق
ظريف الْعرَاق
صوفية الدينور
لصوص الرى
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع