من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد العزيز بن القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد المحسن بن محمد بن منصور بن خلف الأنصاري، الأوسي، أبو محمد شرف الدين
شيخ الشيوخ بحماه. علم زهد، ومجنى شهد، وسلالة أجداد جادوا، وآباء فعلوا فعل آبائهم وزادوا. من جرثومة سجعت، وأرومة سبقت، ومجد لم يقنع، باق منه لوارثه بل لبس برده حتى أبلاه، وأنفق رفده حتى أفناه، تمتع بمفاخره، وجمع فضله ثم ذهب عن آخره.
وكان له عند ملوك حماة جد مقبل، وسعد ذيله عليه مسبل، وتبع طريقه المسلوك.
وأخذ بالأدب والتأديب عنه الملوك، وكانت قريحته غمامة مطر، وكمامة زهر، ونظام درر، وغرر أيام وطرر ليال في سالفة غلام
وله شعر ما طرزت مثل سطوره الخدود، ولا نقشت شبه طروسه الرداح الرود، أرقّ من دمعه الدلال، ومعاتبة الأحباب للملال.
كان كأنه إيماء اللحاظ المراض، وسقيط الطل على الرياض، ومنه قوله:
ولو سلّمت ليلى غداة لقيتهابسفح اللوى كادت لها النفس تخشع
ولكن جرمي ما علمت ولو بهالبداوة تأبى أن ألين وتمنع
ولست امرءا أشكو إليك صبابةولا مقلة إنسانها الدهر يدمع
ولكنني أطوي الضلوع على الجوىولو أنها مما بها تتقطّع
وقوله:
أحدّث النفس أحيانا فأطمعهازورا وتأيس أحيانا وتكتئب
وأستريح إلى صهباء صافيةكأنها شعلة في الكاس تلتهب
ولي كتائب أشواق أجهّزهاإلى جنابك إلا أنها كتب
ولي أمانيّ من نفس أسرّ بهاإذا ذكرتك إلا أنها كذب
وقوله:
عاينت إنسان عيني في تسرّعهفقال لي: ﴿خُلِقَ اَلْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾
يا عاذلي ليس مثلي من تخادعهفليس مثلك مأمونا على عذلي
ما دمت خلوا فلا تنفك مرتهنافاعشق وقولك مقبول عليّ ولي
وقوله:
لها معاطف تغريني برقّتهاولينها أن أقاسي قلبها القاسي
باتت موسّدة رأسي على يدهاعطفا وكانت يدي منها على راسي
وقوله:
وليلة راح ساعدتني عجوزهاعلى نوم بين لا ينادي وليده
خلوت بها أبكي الأسى وأجدهوأصبغ بالدمع الثرى وأجوده
وأشربها صرفا كأن حبابهالها من جبيني ثغرة وعقوده
فمن مال نجد أو زر ورد محلهفدعه فقلبي بحده ووروده
وقوله:
عذب شربي في حياتي أجاجفرماني والعلى في ضجاج
كلما حاولت من صرفه حاجةيصرّفني باحتجاج
لأطيلنّ لجاجي وقد ينفعالإنسان طول اللجاج
ساليا رشف رضاب الدّمىقاليا حب حباب اللجاج
ساحبا في الدار سمر القناواهبا للجو كدر العجاج
قائدا نحو الغنى جحفلابرءوس الأكم منه شجاج
راجيا إيقاعه بالعدة وقعةللأرض منها ارتجاج
خاطبا بكر الغلى خاطرابين خرصان الغنى والزجاج
كارها للعيش ما لم أنلسالكا للعز خير الفجاج
وقعة ترضى بها ذو الحجىأو مماتا قاطعا للحجاج
وقوله:
قد طال بالحلم عن أعدائك الأمدفاعمد لعزم مزيل ما له عمدوا
وكن على رأيك الميمون معتمدافليس غيرك للعلياء معتمد
لا تصرفن عن بني همدان واقرهمضربا إذا ما تغشى أمة همدوا
ضربا تجمد موار الدماء إذاما مار منه هامهم في الماقط الجمد
هم من علائك في هم وفي كمدفدام للقوم ذاك الهمّ والكمد
وليس تخمد نار في قلوبهممن الحقود الألى إلا إذا خمدوا
في ليل يقع لهنيض الظبي شهبكسقف دجن له سمر القنا عمد
وقد مددت له حبلا إلى أمدوالآن حين يداني ذلك الأمد
فانهض تعب المعالي غير متئدوارع الأنام رعاك الواحد الصمد
وقوله:
متيم في عينيه لو جاكما ذا يضرك لو عرفته نباك
لله درّك ما ألهاك عن دنفما ردّ أمرك في حال ولا دراك
بريت جسمي بالإعراض منك وعطفت أبراني سبحان من براك
أدميت خدك إذ أدميت لي كبديأنصف وقل لي ترى من بالسر بداك
قد قلت للسجف لما أن حجبت بهيا سجف لبيك قد أحميت أمراك
ويا منمنم خطي عارضيه لقدقراك مهجته الرائي وما قراك
وأنت يا من يساميني إلى شرفيلقد وسعت إذن أضعاف ما ملاك
هذا وسرحك يرعى في حمى كلأيفلا رعى سرحك الباري ولا كلاك
جحدت حق فتى ما زلت ترزؤهفيما يحل وفيما مل ما رزاك
من وهن رأيك أصبحت منتصرابمن [ …]
لم يدر قدرك من قد يرى ولاعرفت جهلك النامي ولا ملاك
قل ما بدا لك من لوم لذي كرمفلم تجب طوال الدهر ما حساك
وقوله:
يا رشا لم يطق فؤاديتخلفا عنه وهو داعي
إن كان لا بد من فراقفاسمح بتقبيلة الوداع
وقوله:
قد فؤادي بحسن قدّكالغصن في بانه الرطيب
ووجنة ما أتم ربحي وقدغدا وردها نصيبي
وقوله:
تقنّع بالكفاف من المعيشهودرع شرها يذل أسود بيشه
ولا تهتمّ في الدنيا برزقليوم لا تؤمّل أن تعيشه
وقوله:
وأرماح نفت مهج الأعاديكما ينفي الزيوف الصيرفيّ
تكن صدورها منهم صدورتضيق بها فتظهرها القفيّ
وقوله:
ونحن معاشر نأبى الدناياونلبس من صوان العرض سردا
نعانق من رماح الحظ باناوننشق من سيوف الهند وردا
وقوله:
إذا قنع الملوك بدون عيشفدون مرامك الأمد القصيّ
أبوك محمد داعي البراياإلى الجدوى وأنت له وصيّ
وقوله:
مهّد لجنبك قبل مضجعكوانظر طريقك قبل منتجعك
راجع فؤادك في فوارطهتجد الإبانة قبل مرتجعك
واصبر لإنجاع النصيح ففي عقباه ما يشفيك من وجعك
وقوله:
ضحك العوادي إذ بكيتكفشغلني عنهم فديتك
لا كان من يلحى عليك وعاش عيشي إذ نأيتك
أطمعتني بلطيف وعدكفي وصالك فاقتصيتك
وصرفت عن كل الورى عيني فكيف دنت رأيتك
ومتى ذكرت بصالح أحداسواك فقد عنيتك
ونزلت قلبي فاحتكم فيه فإن البيت بيتك
أخشى سطاك ولو أطعت وارتجيتك وإن عصيتك
ما كان أربح صفقتي مذ بعت روحي واشتريتك
وقوله:
جنح اللئيم إلى العنادوغرّه مني السكون
والراح عند وقارهافي الدنّ أبرق ما تكون
وقوله: "ويروى للبهاء زهير وهي بقوله أشبه، وعبقها أنسب بزهير إذا تنبّه":
رفقا بروحي فهي لكوعلى السخي بما ملك
إني أغار إذ الأراكدنا إليك فقبّلك
ويروعني واشي النسيمإذا ثناك وميّلك
ما أقبح الصبر الجميل بعاشقيك وأجملك
وقوله:
يمهل من عارضهلكنّه لا يهمل
كم للعفاة نحوهفي السد حرف يعمل
وقوله:
من منصفي من عاذل جاهليخون باللوم من لا يخون
إن قلت ما يضحك إلا إذاقال وما عشقك إلا جنون
وقوله:
سيندم الملحد في دينهيوما إذا صار إلى اللاحد
أقررت بالرب وخالفتهما أشبه المثبت بالجاحد
وقوله:
لا تنس وجدي بك يا شادنا بحبه أنسيت أحبابي
مالي على هجرك من طاقةفهل إلى وصلك من باب؟
وقوله:
سألته من ريقه شربةيطفى بها من ظمئي حره
فقال أخشى يا شديد الظماأن تتبع الشربة بالجره
وقوله:
مات أبو بكر ومن لي بأنلو متّ من قبل أبي بكر
أخ تحللت له أنعماتفضل عن حمدي وعن شكري
وقوله مما كتبه على جرن حمام كان يدخله السلطان بحماة:
كملت لطفا ووقارا علىما حزت من أوصافي الحلوه
من أجل هذا صرت أهلالأن أجالس السلطان في الخلوه
وقوله:
قالوا فلان من القضاة فما بالك في سبّ عرضه مجاهد
فقلت لا تحفلوا به أبدافذاك قاض يقول بالشاه
وقوله:
إن قوما يلحّون في حب سعدىلا يكادون يفقهون حديثا
سمعوا وصفها ولاموا عليهاأخذوا طيبا وأعطوا خبي
وقوله:
انظر بصائب رأيمستكسب وعزيزي
ولا تعيش ذليلاوأنت عبد العزيز
وقوله:
تيقّظ بفكرك فيما إليهعواقب كل الورى آيله
ولا تتعرضن لخزي الجحيمومالك صبر على القابله
وقوله:
وقاض تصدّى لإسخاطنافليس لنا عيشة راضيه
يجور وقد عدلت غرسهفيها فيا ليتها كانت القاضيه
وقوله:
ولي صاحب لست أكفى أذاهإلا إذا ما حواه الجدث
له لحية لا سقاها الحياإليها يساق حديث الحدث
وقوله:
تقرب إلى إله السما بما يرضىودع عرض الدنيا تعش وافر العرض
ووفّ بني الدنيا الوداد فإن وفواوإلا فقد أقرضتهم أحسن القرض
وقوله:
قذفت صميم فؤاده بشواظشعل أرته نصائح الوعاظ
وأطلت في ليل الشبيبة رقدتيفأجد صبح الشيب في إيقاظي
وقوله:
لعلك ترثي لذي لوعةإذا ضحك العاذلون انتحب
أآمل من عبرتي نصرتيمتى كشفت كرب بالكرب
ولو لم أدع في هواك الوقارلما صار يأخذني الطرب
ولا صرت أفهم عنك الحديث بنقر الدفوف ونفخ القصب
وقوله:
وكم لائم يلحي إلي أنتأمل من هويت فما تنحنح
نفى عني المنام بسحر عينإلى سلم المتيم ليس يجنح
له حدق بقول الحرب أولىولي قلب يقول الصلح أصلح
وقوله:
يا سلم الله جيرانا بذي سلملبينهم بان خسراني بعد أرباحي
كانوا شموسي وأقماري وقد حجبواعني فأظلم إمسائي وإصباحي
إذا خشيت مزيد البعد زدت جوىمباعدا بين أجساد وأرواح
وقوله:
أرقت لبارق مزنا أضاء علىالأثلات بذات الأضا
فأذكرني حبره بالغضا تولواوأصليت جمر الغضا
وطول في جهنم لائميفعرض قلبي لما عرّضا
فلم يجد نفعا سوى أنهعلى النفع إذ لامني حرّضا
وقوله:
وغريم شيب لا يدافع خصمهوافى وحق شبيبتي لم أقضه
فلئن أصخت إلى العذول فطالماأعرضت عن طول الملام وعرضه
وكسرت رمان النهود بعصرةوأكلت تفاح الخدود بعضه
فالآن توّجني الزمان بأسوشمط تنافر بعضه من بعضه
وتباينت أوصافه فألفى فيمسودة والرشد في مبيضه
وكذاك حالي في الهوىما همت في إبرامه إلا هممت بنقضه
وقوله:
وجاؤوا عشاء يهرعون وقد بدتبجسمي من داء الصبابة ألوان
فقالوا وكل معظم بعض ما رأىأصابتك عين قلت إن وأجفان
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع