من «حماسة البحتري» للبحتري (ت ٢٨٤هـ)
الباب الثاني والعشرون والمائة فيما قيل فِي الكبر والهرم
قَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ الْعَامِرِيُّ:
يَا حُرَّ أَصْبَحْتُ شَيْخاً قَدْ وَهَى بَصَريوَالْتَاثَ مَا دُونَ يَوْمِ الْوَقْتِ منْ عُمُرِي
يَا حُرَّ مَنْ يَعْتَذِرْ مِنْ أَنْ يُلِمَّ بِهِرَيْبُ الزَّمَانِ فَإِنّي غَيْرُ مُعْتَذِرِ
يَا حُرَّ أَمْسَى سَوَادُ الرَّأْسِ خَالَطَهُشَيْبُ الْقَذَالِ اخْتِلاطَ الصَّفْوِ بِالْكَدَرِ
يَا حُرَّ أَمْسَتْ تَلِيَّاتُ الصِّبَا انْقَطَعَتْفَلَسْتُ مِنْهَا عَلَى عَيْنٍ وَلا أَثَرِ
قَدْ كُنْتُ أَهْدِي وَلا أُهْدَى فَعَلَّمَنِيحُسْنُ الْمَقَادَةِ أنِّي فَاتَنِي بَصَرِي
كَانَ الشَّبَابُ لِحَاجَاتٍ وَكُنَّ لَهُفَقَدْ فَزِعْتُ إِلَي حَاجَاتِيَ الأُخَرِ
رَامَيْتُ شَيْبِي كِلانَا قَائِماً حِجَجاًسِتِّينَ ثُمَّ انْتَضَلْنَا أَقْرَبَ الْقُتَرِ
أرْمِي النُّجُومَ فَأَشْوِيهَا وَتَثْلِمُنِيثَلْمَ الِإنَاءِ فَأَغْدُو غَيْرَ مُنْتَصِرِ
قَالَتْ سُلَيْمَى بِجَنْبِ الْقَاعِ مِنْ مَرَخٍلا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ الشَّيْبِ وَالْكِبَرِ
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ:
كَأَنِّي وَقَدْ جَاوَزْتُ تِسْعِينَ حِجَّةًخَلَعْتُ بِهَا عَنِّي عِذَارَ لِجَامِي
عَلَى الرَّاحَتَيْنِ مَرَّةً وَعَلَى الْعَصَاأَنُوءُ ثَلاثاً بَعْدَهُنَّ قِيَامِي
رَمَتْنِي صُرُوفُ الدَّهْرِ مِنْ حَيْثُ لا أَرَيفَمَا بَالُ مَنْ يُرْمَي وَلَيْسَ بِرَامِ
فَلَوْ أَنَّنِي أُرْمَى بِنَبْلٍ رَأَيْتُهَاوَلكِنَّنِي أُرْمَى بِغَيْرِ سِهَامِ
وَأَفْنَى وَمَا أُفْنِي مِنَ الدَّهْرِ لَيْلَةًوَلَمْ يُفْنِ مَا أَفْنَيْتُ سِلْكَ نِظَامِي
وَأَهْلَكَنِي تَأْمِيلُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍوَتَأْمِيلُ عَامٍ بَعْدَ ذَاكَ وَعَامِ
قَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ الجُشَمِيُّ:
أصْبَحْتُ أَقْذِفُ أَهْدَافَ الْمِئِينَ كَمَاتُرَمى الذَّرِيَئةُ أَدْنَى فُوقَه الوَتَرِ
فِي سَرْبَخٍ بَيْنَ تِسْعِينٍ إِلَي مَائَةٍكَرَمْيَةِ الْكَاعِبِ الْحَسْنَاءِ بِالْحَجَرِ
فِي مَعْرَكٍ منْ بُيُوتِ الْحَيِّ قَاصِيَةًكَمَرْبَطِ الْعَيْرِ لا أُوْدَى عَلَى خَبَرِ
كَأَنّنِي خَرَبٌ جُزَّتْ قَوَادِمُهُأَوْ جُثَّةٌ مِنْ بُغَاثٍ فِي نَدًى خَضِرِ
يَقْضُونَ أَمْرَهُمُ دُوني وَمَا فَقَدُوامِنِّي عَزِيمَةَ أَمرٍ مَا عَدَا كِبَرِي
وَنَوْمَةٍ لَسْتُ أَقْضِيهَا وإِنْ مَنَعَتُوَحَادِثٍ رَابَ مِنْ سَمْعِي وَمِنْ بَصَرِي
وَإِنِّنِي رَابَنِي قَيْدٌ حُبِسْتُ بِهِوَقَدْ أَكُونُ وَمَا يُمْشَي عَلَى أَثَرِي
إِنَّ السِّنِينَ إِذَا قَارَبْنَ مِنْ مِائَةٍيَلْوِينَ مِرَّةَ أَحْوَالٍ عَلَى مِرَرِ
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعٍ الْفَزَارِيُّ:
أَصْبَحَ منِّي الشَّبَابُ مُبْتَكَراًإِنْ يَنْأَى عَنِّي فَقدْ ثَوَى عُصُرَا
وَدَّعَنِي قَبْلَ أَنْ أُوَدِّعَهُلَمَّا قَضَى مِنْ مَقَامِه وَطَرَا
أَصْبَحُ لا أَحْمِلُ السِّلاحَ وَلاأمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إِنْ نَفَرَا
وَالذِّئْبَ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْتُ بِهِوِحْدِيَ وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا
مِنْ بَعِدِ مِا قُوَّةٍ أُسَرُّ بِهَاأصْبَحْتُ شَيْخاً أُعَالِجُ الْكِبَرَا
ها أَنَذَا أَرْتَجِي الْخُلُودَ وَقَدْأدْرَكَ عَقْلِي وَمَوْلِدِي حُجُرًا
أبَا امْرِئِ الْقَيْسِ؛ ذُو سَمِعْتَ بِهِهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ طَالَ ذَا عُمُرَا
وَقَالَ أَيْضاً:
أَلا أَبْلِغْ بَنِيَّ بَنِي رَبِيعٍفَأَشْرَارُ الْبَنِينَ لَكُمْ فِدَاءُ
فَإِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَدَقَّ عَظْمِيفَلا تَشْغَلْكُمُ عَنِّي النِّسَاءُ
إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَأَدْفِئُونِيفَإِنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ
فَأَمَّا حِينَ يَذْهَبُ كُلُّ قُرٍّفَسِرْبَالٌ خَفِيفٌ أَوْ رِدَاءُ
قَالَ مَعْقِلُ بْنُ جَنابٍ التَّمِيميُّ:
وَمَا رَغْبَتِي فِي آخِرِ الْعَيْشِ بَعْدَ مَاأكُونُ رَقِيبَ الْبَيْتِ لا أَتَغَيَّبُ
إِذَا مَا أَرَدْتُ أنْ أَقُومَ لحَاجَةٍيَقُولُ رَقِيبٌ قَاعِدٌ أَيْنَ يَذْهَبُ
فَيُرْجِعُهُ الْمُوصَى بِهِ عَنْ سَبِيلِهِكَمَا رُدَّ فَرخُ الطَّائِرِ الْمُتَرَقَّبُ
وَقَالَ أَبُو الطَّمَحَانِ الْقَيْنِيُّ:
حَنَتْنِي حَانِيَاتُ الدَّهْرِ حَتَّىكَأَنِّي حَابلٌ يَدْنُو لِصَيْدِ
قَرِيبُ الْخَطوِ يَحْسِبُ مَنْ رَآنِيوَلَسْتُ مُقَيَّداً أَنِّي بِقَيْدِ
وَقَالَ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ:
ذَهَب الشَّبَابُ وَطَالَ بِي الْعُمْرُحَتَّى غَدَوْتُ كَأنَّنِي نَسْرُ
يُوفِي النَّهَارَ عَلَى مَرَاقِبِهِوَيبِيتُ وَهْوَ كِنَاسُهُ الْوَكْرُ
وَطَوَى الْجَنَاحَ عَلَى جَآجِئِهِوَشَكَا الْعِظَام وَمَا بِهِ كَسْرُ
وَلَقَد أَرَى أَنْ سَوْفَ يُدْرِكُنِيأمْرٌ وَيَحْدُثُ بَعْدَهُ أَمْرُ
إمَّا بِلًى لِي فِي حَيَاتِيَ أَوْزَوْرَاءُ فيهَا الْمَوْتُ وَالنَّشْرُ
وَالْمَرْءُ لَيْسَ بِزَائِلٍ أَبَداًيَرْجُو الْغِنَى وَيَهُمُّهُ الْفَقْرُ
حَتَّى يُلاقِي مَا يُعَدُّ لَهُمِمَّا يُقَدَّرُ وَالْفَتَى غُمْرُ
وَقَالَ عُمَيْرَةُ بْنُ هَاِجرٍ:
بَلِيتُ وأَفْنَانِي الزَّمَانُ وَأَصْبَحَتْهُنَيْدَةُ قَدْ أَنْضَيْتُ مِنْ بَعْدِهَا عَشْرَا
فَأَصْبَحْتُ مِثْلَ الْفَرْخِ لا أَنَا مَيِّتٌفَأُسْلَي وَلا حَيٌّ فَأُصْدِرَ لِي أَمْرَا
وَقَدْ عِشْتُ دَهْراً مَا تُجِنُّ عَشِيرتيلَهَا مَيِّتاً حَتَّى أَخُطَّ لَهُ قَبْرَا
وَقَالَ الْمْستَوغِرُ بْنُ رَبِيعَةَ:
إِذَا مَا الْمرْءُ صَمَّ فَلَمْ يُكَلَّمْوَأَوْدَى سَمْعُهُ إِلَّا نِدَاءَ
وَلاعَبَ بِالْعَشِيَّ بَنِي بَنِيهكَفِعْلِ الْهِرِّ يَحْتَرِشُ الْغَطَاءَ
يُلاعِبُهُم وَوَدَّوا لَوْ سَقَوْهُمِنَ الذِيقَانِ مُتْرَعَةً مِلاءَ
فَلا ذَاقَ النَّعِيمَ وَلا يَبَاباًوَلا يَلْقَى مِنَ الْمَرَضِ الشِّفَاءَ
وَقَالَ الرَّبِيِعُ بْنُ ضَبُعٍ الفَزَارِيُّ:
أَلا يَا لَقَومْيِ قَدْ تَبَدَّدَ إِخْوانِينَدَامَايَ فِي شُرْبِ الْخُمُورِ وَأَخْدَانِي
أُضحِّي قَلِيلاً ثُمَّ آتِي سَبِيلَهُمْفَتَبْلَى عِظَامِي يَالَ سَعْدٍ وَأَكْفَانِي
وَأَفْنَى وَيَبْقَى مَنْطِقِي وَمَآثِرِيوَكُلُّ امْرِئٍ إِلاَّ أَحَادِيثَهُ فَانِي
سَيُدْرِكُنِي مَا أَدْرَكَ الْمَرْءَ تُبَّعاًوَيَغْتَالُنِي مَا اغْتَالَ أُسْرَةَ لُقْمَانِ
كِلا الرَّجُلَيْنِ كَانَ جَلْداً مُشَيَّعاًكَثِيرَ الَأدَاةِ مِنْ بَنِينَ وَأَعْوَانِ
وَقَالَ غُوَيَّةُ بْنُ سُلْمَى بُنِ رَبِيعَةَ الضَّبِّيُّ:
هَزِئِتْ أُمَامَةُ أَنُ رَأَتْ هَرَمِيوَأَنِ انْحَنَى لِتقَادُمِي ظَهْرِي
مِنْ بَعْدِ مَا عَهِدَتْ فَأَدْلَفَنِييَوْمٌ يَمُرُّ وَلَيْلَةٌ تَسْرِي
حَتَّى كَأَنِّي حَابِلٌ قَنَصاًوَالْمَرْءُ بَعْدَ تَمَامِه يَحْرِي
لا تَهْزَئِي مِنِّي أُمَامَ فَمَافِي ذَاكَ مِنْ عَجَبٍ وَلا سَخْرِ
أوَ لَمْ تَرَيْ لُقْمَانَ أَهْلَكَهُمَا اقْتَاتَ مِنْ سَنَةٍ وَمِنْ شَهْرِ
وَبَقَاءُ نَسْرٍ كَلَّمَا انْقَرَضَتْأيَّامُهُ عَادَتْ إِلَى نَسْرِ
مَا عَادَ مِنْ أَمَدٍ عَلَى لُبَدٍعَادَتْ مَحُورَتُهُ إِلَى قَصْرِ
وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ الصَّامِتِ الْعَبَدِيُّ:
أرَى الدَّهْرَ يَرْمِينِي بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍوَيَرْصُدُنِي بِالْغَيْبِ مِنْ حَيْثُ لا أَرَى
يُقَلِّبُ رَوْقَيْهِ وَيَنْقُضُ رَأْسَهُلِيُورِدَنِي كَرْهاً شَريعَةَ مَنْ هَوَى
أَلا هَلْ لِمَنْ وَفَّى ثَمَانِينَ حِجَّةًبَقَاءٌ إِذَا أَوْدَى عَلَى شَرَفِ الْمَدَى
وَمَا زَالَتِ الأَيَّامُ تَرْمِي صَفَاتَهُوَنَبْعَتَهُ حَتَّى تَضَعْضَعَ وَانْحَنَى
وَبُدِّلَ مِنْ طِرفٍ جَوَادٍ حَشِيَّةًوَمِنْ قَوْسِهِ وَالرُّمْحِ وَالصَّارِمِ الْعَصَا
وَقَالَ المُخَبَّلُ الضَّبِّي رَبِيعَةُ بْنُ مَقْرُومٍ:
وَإِنِّي حَنَى ظَهْرِي خُطُوبٌ تَتَابَعَتْفَمَشْيي ضَعِيفٌ فِي الرِّجَال ِدَبِيبُ
إِذَا قَالَ صَحْبِي يَا رَبِيعَ أَلا تَرَىأرَي الشَّخْصَ كَالشَّخْصَيْنِ وَهْوَ قَرِيبُ
وَقَالَ أَيْضًا: (بالكامل)
وَمَشَيْتُ بِالْيَدِ قَبْلَ رِجْلٍ خَطْوُهَارَسْفُ الْمُقَيَّدِ تَحْتَ صُلْبٍ أَحْدَبِ
وَإِذَا رَأَيْتُ الشَّخْصَ قُلْتُ ثلاثةٌأوْ وَاحِدٌ وَإِخَالُهُ لَمْ يَقْرَبِ
وَقَضَى بَنِيَّ الأَمْرَ لَمْ أَشْعُرْ بِهِوَإِذَا شَهِدْتُ أَكُونُ كَالْمُتَغَيِّبِ
وَقَالَ حَرْبُ بْنُ غَنمٍ الْفَزَارِيُّ:
أَلم تَرَ أَنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَرَابَنِيقِيَامِي وَأَنِّي قَدْ أُحِمُّ رَوَاحِلِي
وَأَنِّي أَرَى الشَّخْصَيْنِ أَرْبَعَةً مَعاًفَسُقْياً لِلَذَّاتِ الشَّبَابِ الْمُزَايِلِ
وَأَنِّي مُلاقٍ بَعْدَ مَا غَالَ وَالِدِيوَأَنِّي مُلاقٍ غُولَ عَمْرِو بْنِ كَاهِلِ
وَقَالَ عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ الْعَدْوَانِيُّ:
أصْبَحتُ شَيْخاً أَرَى الشَّخْصيْنِ أَرْبَعَةًوَالشَّخْصَ شَخْصَيْنِ لَمَّا شَفَّنِي الكِبَرُ
لا أَسْمَعُ الصَّوْت حَتَّى أَسْتَدِيرَ لَهُلَيلاً طَوِيلاً وَلَوْ عَانَانِيَ الْقَمَرُ
وَكُنْتُ أَمْشِي عَلَى الرِّجْلَيْنِ مُعْتَدِلاًفَصِرْتُ أَمْشِي عَلَى مَا تَنْبِتُ الشَّجَرُ
وَقَالَ ذُو الإِصْبَعِ الْعَدْوَانِيُّ:
أرَي شَعَرَاتٍ عَلَى حَاجِبِينَبَتْنَ جَمِيعاً تُؤَاماً تُؤَامَا
ظَلِلْتُ أُهَاهِي بِهِنَّ الْكِلابَ أحْسِبُهُنَّ صُوَاراً قِيَامَا
وَأحسِبُ أَنفِي إِذَا مَا مشيْــتُ شَخصاً أَمامِي رَآنِي فَقَامَا
وَقَالَ جَهْمَةَ بْنُ عَوْفٍ الدَّوسيُّ*:
وَمَا الْمَوُتُ أَفْنَانِي وَلكِنْ تَتَابَعَتْعَلَيَّ سِنُونٌ مِنْ مَصِيفٍ وَمَرْبَعِ
ثَلاثُ مِئِينَ قَدْ مَرَرْنَ كَوَامِلاًوَهَا أنَا هَذَا أَرْتَجِي مَرَّ أَرْبَعِ
فَأَصْبَحْتُ مِثْلَ النَّسْرِ طَارَتْ فِرَاخُهُإِذَا رَامَ تَطْياراً يُقَالُ لَهُ قَعِ
أُخَبِّرُ أَخْبَارَ الْقُرُونِ الَّتِي مَضَتْوَلابُدَّ يَوْماً أَنْ يُشَارَ بِمَصْرَعِي
وَقَالَ رَبِيعَة بْنُ كَعْبٍ الْبَجَلِيُّ:
أرَانِي قَدْ نَحِلْتُ وَصِرْتُ حِلْساًلِقَعْرِ الْبَيْتِ مُفْتَقِرَ الشَّبَابِ
وَقَدْ رَحَلَ الَّذِيِنَ وُلِدْتُ فِيهِمْوَقَدْ زُمَّتْ لأَتْبَعَهُمْ رِكَابِي
وَقَالَ مَسْعُودُ بْنُ سَلامَةَ الْعَبْدِيُّ:
أقِلِّي عَلَيَّ اللَّوْمَ إِنِّي صَائرٌإِلَى جَدَثٍ تَسْفِي عَلَيْه ِالأَعاصِرُ
أَلمْ تَعْلَمِي أَنْ قَدْ تَرَحَّلَ إِخْوَتِيجَمِيعاً وَإِخْوَانِي الَّذِينَ أُعَاشِرُ
إِذَا سَارَ مَنْ خَلْفَ الْفَتَى وَأَمَامَهُوَأُوحِشَ مِنْ حُدَّاثِهِ فَهْوَ سَائِرُ
وَقَالَ الْحُطَيْئَةُ الْعَبْسِيُّ:
لَعَمْرُكَ مَا رَأَيْتُ الْمَرْءَ تَبْقَىطَرِيقَتُهُ وَإِنْ طَالَ الْبَقَاءُ
يَصَبُّ إِلَى الْحَيَاةِ وَيَشْتَهِيهَاوَفِي طُولِ الْحَيَاةِ لَهُ عَنَاءُ
فَمِنْهَا أَنْ يَنُوءَ عَلَى يَدَيْهوَيَبْدُو فِي قَوَائِمِهِ انْحِنَاءُ
وَيَأْخُذُهُ الْهُدُاجُ إِذَا هَدَاهُوَلِيدُ الْحَيِّ فِي يَدِهِ الذِّكَاءُ
وَيَحْلِفُ حَلْفَةً لِبَنِي بَنِيهِلأَنْتُم مُعطِشُونَ وَهُمْ رِوَاءُ
تَقُولُ لِيَ الظَّعِينَةُ أَغْنِ عَنِّيبَعِيرَكَ حِينَ لَيْسَ بِهِ غَنَاءُ
وَقَالَ مَعْنُ بْنُ أَوْسٍ الْمُزْنِيُّ:
فَإِنْ تُنْسِيَ الآمَالُ نَفْسِي حِمَامَهَافَإِنَّ وَرَائِي أَنْ يُقَيِّدَنِي أَهْلِي
وَيُصْبِحُ هَادِيَّ الْعَصَا حِينَ أَغْتَدِيوَيُسْلِمُنِي مِنْ بَعْدِ حُنْكَتِهِ عَقْلِي
وَقَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَامِريُّ:
ألَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِيلُزُومُ الْعَصَا تُحْنَي عَلَيْهَا الأَصَابِعُ
أُخَبِّرُ أَخْبَارَ الْقُرُونِ الَّتِي مَضَتْأَدِبٌّ كأَنِّي كُلَّمَا قُمْتُ رَاكِعُ
وَقَالَ الأَخْيَفُ بْنُ مُلَيْلٍ الْكَلْبِيُّ:
أنْكَرْتُ مِنْ نَفْسِي وَقَدْ أَلْفَيْتُهَاغَرْضاً مُتَابَعَتِي ثلاثَ خِلالِ
شَمَطاً تَفَرَّعَ مَفْرِقِي وَذُؤَابَتِيبَعْدَ اسْوِدَادٍ حَالِكٍ مَيَّالِ
وَتَزَايُلاً بِمَفَاصِلِي وتَسادُراًبِالْعَيْنِ بَعْدَ تَشَوُّقٍ وَخَيَالِ
وَمَنَحْتُ كَفِّي مِحْجَناً وَلَقَدْ أَرَىرِجْلِي تُتَابِعُنِي بَغَيْرِ عِقَالِ
وَقَالَ أَيْضًا:
هَلْ لِي مِنَ الْكِبَرِ الْمُبِينِ طَبِيبُفَأَعُودَ شَابًّا وَالشَّبَاُب عَجِيبُ
ذَهَبَتْ لِدَاتِي والشَّبَابُ فَلَيْسَ لِيفِيمَنْ بَقِي فِي الْغَابِرِينَ ضَرِيبُ
ذَهَبُوا وَخَلَّفَنِي الْمخَلِّفُ بَعْدَهُمْفَكَأَنَّنِي فِيمَنْ بَقِيتُ غَرِيبُ
أَشْقَى وَأَلْعَبُ قَاعِداً فِي قُبَّةٍفَمِنَ ايْنَ يَبْلُغُنِي هُنَاكَ لُغُوبُ
فَإِذَا تَكَلَّفْتُ الْقِيَامَ لِحَاجَةٍعَرَضَتْ فَمَشْيي إِنْ مَشَيْتُ دَبِيبُ
وَإِذَا نَهَضْتُ إِلَى الْقِيَامِ بِأَرْبَعٍفَأَقُومُ أُرْعَدُ لِلْفُؤَادِ وَجِيبُ
وَلَقَدْ تَمَايَلَ بِي الشَّبَابُ إِلَى الصِّبَاحِيناً فَأَحْكَمَ رَأْيِيَ التَّجْرِيبُ
وَيْلِي بَلِيتُ وَكُلَّ صَاحِبِ لَذَّةٍلِبِلًى يَصِيرُ وَذلِكَ التَّتْبِيبُ
وَإِذَا السِّنُونُ طَلَبْنَ تَهْرِيمَ الْفَتَىلَحِقَ السِّنُونُ وَأُدْرِكَ المَطْلُوبُ
حَتَّى يَصيرَ مِنَ الْبِلَى وَكَأَنَّهُفِي الْكَفِّ أَفْوَقُ نَاصِلٌ مَعْصُوبُ
مُرُطُ الْقِذَاذ فَلَيْسَ فِيهِ مَصْنَعٌلا الرِّيشُ يَنْفَعُهُ وَلا التَّعْقيبُ
لا المَوْتُ مُحْتَقِرُ الصَّغِيرَ فَعَادِلٌعَنْهُ وَلا كِبَرُ الْكَبِيرِ مَهِيبُ
يَسْعَى الْفَتَى لِيَنَالَ أَقْصَى عِيشَةٍهَيْهَاتِ ذلِكَ دُونَ ذَاكَ خُطُوبُ
يَسْعَى وَيَأْمُلُ وَالْمنِيَّةُ إِثْرَهُفَوْقَ الَأَكامِ لَهَا عَلَيْهِ رَقِيبُ
وَقَالَ سَاعِدَة ُبْنُ جُؤَيَّةَ الْهُذلِيُّ:
يَا لَيْتَ شِعْرِي وَلا مَنْجَي مِنَ الْهَرَمِوَهَلْ عَلَى الْعَيْشِ بَعْدَ الشَّيْبِ مِنْ نَدَمِ
فَالشَّيْبُ دَاءٌ شَدِيدٌ لا دَوَاءَ لَهُوَلا لِصَاحِبِه بُرْءٌ مِنَ السَّقَمِ
فِي مَنْكِبَيْهِ وَفِي الأَوْصَالِ وَاهِنَةٌوَفِي مَفَاصِلِهِ غَمْرٌ مِنَ الْعَسَمِ
تَرَاهُ تَرْعُدُ كَفَّاهُ بِمِحْجَنِهِوَإِنْ خَطَا فَهْوَ نِضْوٌ طَائِشُ الْقَدَمِ
وَقَالَ جِرَانُ الْعَوْدِ النُّمَيْرِيُّ:
لَمَّا أَتَيْتُ عَلَى السَّبْعِينَ قُلْتُ لَهُيَا ابْنَ الْمُسَحَّجِ هَلْ تَكْوِي مِنَ الْكِبَرِ
شَيْخٌ تَحَنَّى وَأَرْدَي لَحْمُ أَعْظُمِهِتَحَنِّيَ النَّبْعَةِ الْعَوْجَاءِ فِي الْوَتَرِ
كَأَنَّ لِمَّتَهُ الشِّعْرَاءُ إِذْ طَلَعَتْمِنْ آخِرِ اللَّيْلِ تَتْلُو دَارَةَ الْقَمَرِ
وَقَالَ آخَرُ:
إِذَا أَنْتَ وَفَّيْتَ الثَّمَانِينَ لَمْ يَكُنْلِدَائِكَ إِلاَّ أَنْ تَمُوتَ طَبِيبُ
وَقَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ:
شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ تَخَدَّدَ لَحْمُهُأفْنَى ثلاثَ عَمَائِم أَلْوَانَا
سَوْدَاءَ دَاجِيَةً وَسَحْقَ مُفَوَّفٍوَدُرُوسَ مُخْلِقَةٍ تَلُوحُ هِجَانَا
ثمَّ الْمَنِيَّةُ بَعْدَ ذلِك كُلِّهِوَكَأَنِّمَا يُعْنَى بِذَاكَ سِوَانَا
وَقَالَ الْمُثَلِّمُ النَّخَعِيُّ:
أَلا لَيْتَنِي عُمِّرتُ يَا ابْنَةَ خَالِدٍكَعمْرِ أَمانَاةِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَيْبَانِ
أماناة بن قيسٍ بن الحارثِ بن شيبانَ بن العاتكِ بن معاويةَ الكندي. يقال إِنه عاش ثلاثمائة وعشرين سنة.
لَقَدْ عَاشَ حَتَّى قِيلَ لَيْسَ بِمَيِّتٍوَأَفْنَى فِئَاماً مِنْ كُهُولٍ وَشُبَّانِ
فَحَلَّتْ بِهِ مِنْ بَعْدَ حَرْسٍ وَحِقْبَةٍدُوَيْهِيَةٌ حَلَّتْ بِنَصْرِ بْنِ دُهْمَانِ
وَقَالَ بَلْعَاءُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنَانِيُّ:
أمَا تَرَيْنِي الْيَوْمَ مِنْ لَحْمِي الضَّبُعْ وَرَخَمَاتٌ وَبَغَاثٌ قَدْ طَمِعْ
قَدْ أَخْصِمُ الْخَصْمَ وَآتِي بِالرُّبُعْ وَأَرْفَعُ الْجَفْنَةَ بِالْهَيْدِ الرُّقُعْ
مِنْ قَيْسٍ عَامِرٍ وَمِنْ شَجَعْ
وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ حُبَيْبِ الْبَاهِلِيُّ، وَيُرْوَي لِغَيْرِه:
فَنِيتُ وَأَفْنَانِيَ الزَّمَانُ وَأَصْبَحَتْلِدَاتِي بَنُو نَعْشٍ وَزُهْرُ الْفَرَاقِدِ
وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ:
أصْبَحتْ لا أَنْفَعُ الصَّدِيقَ وَلاأمْلِكُ ضَرًّا لِلشَّانِئِ الشَّرِسِ
وَإِنْ عَدَا بِي الْكُمَيْتُ مُنْطَلِقاًلَمْ تَمْلِكِ الْكَفُّ رَجْعَةَ الْفَرَسِ
أصْبَحْتُ حُشًّا مُمَيَّتاً خَلَقاًقَلْبِي لِحُبِّ الْحَيَاةِ فِي لَبَسِ
وَقَالَ عُمَيْرةُ بْنُ وَاقِدٍ الطَّائِيُّ:
فَوَ اللهِ مَا أَدْرِي أَأَدْرَكْتُ أُمَّةًعَلَى عَهْدِ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَمْ كُنْتُ أَقْدَمَا
مَتَى تَخْلَعَا عَنِّي الْقَمِيصَ تَبَيَّنَاجَآجِئَ لَمْ يُكْسَيْنَ لَحْماً وَلا دَمَا
وَقَالَ هُبَيْرةُ بْنُ عَمْروٍ النَّهْدِيُّ:
وَيَفْرَحُ الْمَرْءُ إِنْ طَالَتْ سَلامَتُهُوَدُونَ ذَاكَ بَيَاضُ الرَّأْسِ وَالصَّلَعُ
حَتَّى يَعُودَ كَفَرْخِ النِّسْر ِفِي ظَعَنٍوَقَدْ يُعَاشُ بِه دَهْرًا وَيُنْتَفَعُ
يَنْمِي إِلَى الْقَوْم ِأَحْيَاناً إذَا جَلَسُواكَمَا يُطَفِّلُ تَحْتَ الْعَائِدِ الرُّبَعُ
قَد ْرَكَّبُوهُ قَنَاةً مِنْ نَحِيَّتِهِمْيَمْشِي عَلَيْهَا كَأَنَّ الظهْرَ مُنْخَزِعُ
النص من طبعة هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (١٤٢٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع