من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)
الباب الثاني عشر في الشرب واستطابته وتغنم السرور واستدفاع الغم به
أنشد:
اشرَبْ هنيئاً على وَردٍ وتَوريدِولا تدَعْ طِيبَ موجودٍ بمفقودِ
نحنُ الشهودُ وخَفقُ العودِ خاطِبُنافزوّجِ ابنَ غَمامٍ بنتَ عنقودِ
كأساً إذا أبصرَتْ في القومِ مُحتشِماًقالَ السرورُ له: قُمْ غيرَ مطرودِ
أما ترى الحُسنَ والإحسانُ قد جُمِعافاشرَبْ فإنّكَ في عرسٍ وفي عيدِ
الحسين بن الضحاك:
عاقِرْ عُقارَكَ واصطَبحْوامزُجْ سرورَكَ بالقدَحْ
وافرَحْ بيومِكَ إنّماعُمرُ الفتى يومُ الفرَحْ
ابن المعتز:
شرِبْنا بالصغيرِ وبالكبيرِولم نحفلْ بأحداثِ الدهورِ
فقدْ ركضَتْ بنا خيلُ الملاهيوقد طِرْنا بأجنحةِ السرورِ
أنشد الجاحظ لغيره:
أرى للكأسِ حقاً لا أراهلغيرِ الكأسِ إلاّ للنديمِ
هو القُطبُ الذي دارتْ عليهِرحى اللذاتِ في الزمنِ القديمِ
أبو نواس ويُروى لغيره:
ما العيشُ إلاّ في جنونِ الصِّبافإنْ تولّى فجنونُ المُدامِ
كأساً إذا ما الشيخُ والى بهاخمساً تردّى برداءِ الغلامِ
أخذه من حسان:
إنْ شرخَ الشباب والشعَرَ الأسودَ ما لم يُعاصَ كانَ جنونا
وفي الحديث: الشباب شعبةٌ من الجنون.
العتبيّ:
قالتْ: عهدْتُكَ مجنوناً فقلتُ لها:إنَّ الشبابَ جنونٌ بُرؤُهُ الكِبَرُ
العطوي:
لمّا رأيتُ الدهرَ دهرَ الجاهلِولم أرَ المحزونَ غيرَ العاقلِ
شربْتُ صِرفاً من كرومِ بابلِفصرتُ من عِقلي على مراحِلِ
بشار:
ذَريني أشُبْ همي براحٍ فإنّنيأرى الدهرَ فيهِ غُمّةٌ ومَضيقُ
وما أنا إلاّ كالزمانِ إذا صحاصحوْتُ، وإنْ ماقَ الزمانُ أموقُ
القُطامي:
ألا عَلِّلاني، كلُّ حيٍّ مُعلَّلُولا تعداني الشرَّ والخيرُ مُقبِلُ
فإنّكما لا تدريانِ أما مضىمنَ الدهرِ، أمْ ما قدْ تأخرَ، أطولُ
ابن همّام:
قُومي اصبَحيني فما صِيغَ الفتى حَجراًلكنْ رهينةُ أجداثٍ وأرماسِ
رَوِّي عظامي فإنَّ الدهرَ مُنتكِسٌأفنى لُقَيْماً وأفنى مُلكَ هُرْماسِ
اليومَ خمرٌ ويأتي في غدٍ خبَرٌوالدهرُ ما بينَ إنعامٍ وإبآسِ
فاشرَبْ على حدَثانِ الدهرِ مُرتفِقاًلا يصحبُ الغمُّ قَرْعَ السِّنِّ بالكاسِ
وأخبرني أبو عبد الله المزرباني عن الناجم أن ابن الرومي كان يستعقل قول ابن مقبل:
ما أطيبَ العيشَ لو كانَ الفتى حجَراًتنبو الحوادثُ عنهُ وهوَ مَلمومُ
وقيلَ للأعشى: ما تشتهي؟ فقال: صهباء صافيةً تمزجها غانيةٌ من صوبٍ غادية؛ فاتصل هذا الخبر بالعَطَويّ، فقال: أشتهي غلاماً أحور، وطبخاً أغبر، وشراباً أحمر. واتصل بالخليع فقال: أشتهي أعين الرقباء، وألسن الوشاة، وأكباد الحسّاد. وقيل لامرئ القيس: ما تشتهي؟ فقال: بياضَ رُعبوبة. بالشحم مكروبة، وبالطيب مشبوبة. وقيل لطرفة: ما تشتهي؟ فقال: مشرباً هنيئاً، ومطعماً شهياً، ومركباً وَطِيّاً.
ديك الجن:
ظلَّتْ مطايا الملاهي وهيَ واجِفةٌوظلَّلتْنا مطايا الوردِ والآسِ
باكرْتُها قبلَ إسفارِ الضحى بيديفما تبلَّجَ حتى نكَّستْ راسي
منظور بن زَبّان:
ألا لا أبالي اليومَ ما صنعَ الدهرُإذا ما نأتْ عني مُلَيْكةُ والخمرُ
وما منهما إلاّ شديدٌ فِراقُهُفِراقُ النَّدامى والمُخدّرةُ البِكْرُ
أبو عبادة:
ولا أريحيّةَ حتى يُرىطَروبُ العشيّةِ نَشوانَها
وليستْ مُداماً إذا أنتَ لمْتُواصِلْ معَ الشربِ إدمانَها
شبيبةَ لهوٍ تَلافيتُهافسايرتْ بالراحِ رَيعانَها
يزيد بن معاوية:
أقولُ لصحبٍ ضمّتِ الكأسُ شملَهُمْوداعي صباباتِ الهوى يترنّمُ
خذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذّةٍفكلٌّ وإنْ طالَ المدى يتصرَّمُ
ألا إنَّ أهناَ العيشِ ما سمحتْ بهِصُروفُ الليالي والحوادثُ نُوَّمُ
قال:
ناديتُ في الدَّيرِ بني علقَماأسقيهُم مشمولةً عندَما
كأنَّ ريحَ المسكِ في كأسِهاإذا مزجْناها بماءِ السَّما
علقمُ، ما بالُكَ لم تأتِناأما اشتهَيْتَ اليومَ أن نَنعَما
مَن سرَّهُ العيشُ ولذّاتُهُفلْيجعَلِ الراحَ لهُ سُلّما
آخر، هو أبو نواس:
فاسقِني كأساً على عذَلٍكرهَتْ مسموعَهُ أُذُني
من كُميتِ اللونِ صافيةٍخيرِ ما سلْسلتَ في بدَني
ما استقرتْ في فؤادِ فتىًفدرى ما لوعةُ الحزنِ
أعرابي:
ألم ترَ أنَّ حارثةَ بنَ بدرٍأقامَ بديرِ أبلقَ من كُوارا
مُقيماً يشربُ الصَّهباءَ صِرفاًإذا ما قلتَ تصرَعهُ استدارا
العطوي:
لم أحاكِمْ صُروفَ دهريِ إلى الأقداحِ حتى فقدَتُ أهلَ السَّماحِ
أحمدُ اللهَ صارَتِ الكأسُ تأسودونَ إخوانيَ الثقاتِ جِراحي
ابن المعتز:
خليليَّ اترُكا قولَ النصيحِوقوما وامزُجا راحاً بروحِ
فقدْ نشرَ الصباحُ رداءَ نورٍوهبّتْ بالندى أنفاسُ ريحِ
وحانَ ركوعُ إبريقٍ لكأسٍونادى الديكُ حيَّ على الصَّبوحِ
وحنَّ النايُ من طربٍ وطِيبِإلى ناي يُكلّمهُ فَصيحِ
هلِ الدنيا سوى هذا وهذاوساقٍ لا يفارِقنا مليحِ
أبو نواس:
ألم ترَني أبحتُ اللهوَ عِرضيوعضَّ مراشفِ الظبْيِ المَليحِ
وإنّي عالمٌ أنْ سوفَ ينأىمسافةُ بينَ جُثماني وروحي
ابن المعتز:
إذا سكنَتْ قلباً ترحّلَ همُّهُوطابَتْ لهُ دنياهُ واتَّسعَ الضَّنكُ
وما المُلكُ في الدنيا همومُ وحسرةٌولكنّما مُلكُ السرورِ هوَ المُلكُ
الحكمي وهو أبو نواس:
ومُدامةٍ سجدَ الملوكُ لهابكرْتُها والديكُ قد صدَحا
صِرفاً إذا استنْبطْتَ سَورتَهاأدَّتْ إلى مَعقولِكَ الفرَحا
الخليع:
الراحُ تُفّاحٌ جرى ذائباًوهكذا التفاحُ راحٌ جمَدْ
فاشرَبْ على جامدِها ذَوْبَهاولا تدَعْ لذّةَ يومٍ لغَدْ
آخر:
امدَحِ الكأسَ ومنْ يعملُهاواهْجُ قوماً قتلونا بالعطَشْ
إنّما الكأسُ ربيعٌ حاضرٌوإذا ما غابَ عنّا لم نعِشْ
الحسين بن الضحاك:
مضى من تزَمُّتِنا ما مضىولا بُدَّ منْ دولةٍ للَّعِبْ
سأونِسُ بالراحِ رُوحَيْكُماوللروحِ بالراحِ أُنسٌ عجَبْ
سكنْتُ إلى الراحِ وَجداً بهاسُكونَ المحبِّ إلى منْ أحَبْ
أراها تُولِّدُ لي راحةًتَولَّدُ منْ حيثُ لا أحتسِبْ
أحمد بن أبي كامل:
يا رُبًّ كأسٍ قدْ سبقْتُ بهاعَذْلَ العذولِ وغُرّةَ الشمسِ
فكأنّما الليلُ الطويلُ بهاقِصَراً وطِيباً، قُبلةُ الخَلْسِ
ديك الجن:
وباكرْتُ الصَّبوحَ على صباحٍيلوحُ من السوالفِ والسُّلافِ
وعذراوَيْنِ من حلَبِ الأمانيأدرْتُهما ومن حلَبِ القِطافِ
أدرْنا منهما قمراً وشمساًوشمسُ اللهِ مُسرَجَةُ الغلافِ
خذي حلَبَ الحياةِ ولا تبيعيرجاءَكِ بالمخافةِ لنْ تخافي
ابن الطثرية:
ولولا ثلاثٌ هنَّ منْ عيشةِ الفتىوجدِّكَ لمْ أحفِلْ متى قامَ رامِسُ
فمنهُنَّ سَبقي العاذلاتِ بشَربةٍكأنَّ أخاها مَطلعَ الشمسِ ناعِسُ
ابن الرومي:
وصافيةٍ ما بها من قَذىًلها نفحاتٌ تذودُ الشذى
تُميتُ الهمومَ وتُحيي السرورَوتشفي السقيمَ وتَنفي الأذى
كأنَّ الأماني مثَّلْنَهافقالَ لها اللهُ كوني كذا
تغادرُ عينكَ مطروفةًوأذنَكَ حمراءَ فيها حَذى
ابن المعتز:
مَن لامَني في المُدامِ فهْوَ كمَنْيكتبُ بالماءِ في القراطيسِ
وطالع قول بعض العرب مطالعةً خفيّةً وألطف:
فأصبحتُ من ليلى الغداةَ وذِكرِهاكقابضِ ماءٍ لم تسقْهُ أنامِلُهْ
غيره:
خلِّ الزمانَ إذا تقاعسَ أو جمحْواشْكُ الهمومَ إلى المُدامةِ والقدَحْ
واحفظْ فؤادَكَ إنْ شربْتَ ثلاثةًواحذَرْ عليهِ أن يطيرَ من الفرحْ
ابن المعتز:
عُقاراً تنفَّسُ عن مِسكَةٍترى فوقَها لؤلؤاً جائلا
يصيبُ الفتى كلَّ حاجاتِهِويذهبُ تَفنيدُهُ باطلا
العطوي:
في الراحِ لي راحةٌ من بعضِ ما أجدُفسَقِّنيها سَقاكَ البارِقُ الرَّعِدُ
كأنّني إذْ لثمتُ الكأسَ مُلتَثِمٌخدّاً به خجَلُ التَّجميشِ مُتَّقِدُ
الحسن بن وهب:
باكِرْ صَبوحَكَ بالتيتنفي الهمومَ منَ الفِكَرْ
خُذْ من زمانِكَ ما صفاودَعِ الذي فيهِ الكَدَرْ
فالدهرُ أقصرُ منْ مُعاتبةِ الزمانِ على الغِيَرْ
آخر:
العُمرُ أقصرُ مدّةًمنْ أنْ يُمحَّقَ بالعِتابِ
أو أنْ يُكدَّرَ ما صفامنهُ بهَجرٍ واجْتِنابِ
ابن المعتز:
فتنتْهُ السُّلافةُ العذراءُفلها وُدُّ نفسِهِ والصفاءُ
رُوحُ دَنٍّ لها من الكأسِ جسمٌفهيَ فيهِ كالنارِ وهيَ هواءُ
فإذا مَجَّتِ الأباريقُ ماءَ المُزنِ فيها شابَتْ وشابَ الماءُ
وكأنَّ الحَبابَ إذْ مزجوهاوردة فوق وردة بيضاء
وكأن النديم يلثم منهاكوكباً كَفُّهُ عليهِ سَماءُ
آخر:
لم يُسْعِدِ الدهرُ بآمالِهِفاسْتَعِدِ الكأسَ على الياسِ
وكلّما عادَ لهُ بأسُهُبروعةٍ مالَ إلى الكاسِ
أبو نواس:
باكِرِ الشربَ غداةَ عرفَهْمنْ شَمولٍ جاوزَتْ حَدَّ الصَّفَهْ
بنتُ أحوالٍ إذا ما صُفِّقَتْخِلتَ فيها سُرُجاً مُختلفَهْ
إنّما النُّسكُ لمنْ حَلَّ مِنىًولمنْ أصبحَ بالمُزدلفَهْ
فاشربِ الراحَ ودعْ أقوالَهُمْلا تكونَنَّ قليلَ المعرفَهْ
ابن المعتز:
ولقدْ علمتُ بأنَّ شُربَ ثلاثةٍتِرياقُ هَمّ مُسرعٌ بنجاتي
فاشربْ على مُوقِ الزمانِ ولا تمُتْأسفاً عليهِ دائم الحسَراتِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع