من «منتهى الطلب من أشعار العرب» لابن ميمون (ت ٥٩٧هـ)
عبيد بن الأبرص
وقال عبيد بن الأبرص بن عوف بن جشم بن عامر بن مرّ بن مالك بن الحارث ابن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة:
أمنْ منزلٍ عافٍ ومنْ رسمِ أطلالِبكيتُ وهلْ يبكي منَ الشَّوقِ أمثالي
ديارهمُ إذ همُ جميعٌ فأصبحتْبسابسَ إلاّ الوحشُ في البلدِ الخالي
فإنْ تكُ غبراءُ الجُنينةِ أصبحتْخلتْ منهمُ واستبدلتْ غيرَ أبدالِ
بما قدْ أرى الحيَّ الجميعَ بغبطةٍبها واللَّيالي لا تدومُ على حالِ
قليلاً بها الأصواتُ إلاّ عوارفاًوإلاّ عراراً منْ غياهبِ آجالِ
أبعدَ بني عمِّي ورهطي وأخوَتيأُرجِّي ليانَ العيشِ ضلاًّ بتضْلالِ
فلستُ وإنْ أضحَوا مضَوا لسبيلهمْبناسيهمْ طولَ الحياةِ ولا سالِ
ألا تقفانِ اليومَ قبلَ تفرُّقٍونأيٍ بعيدٍ واختلافٍ وأشغالِ
إلى ظُعنٍ يسلكنَ بينَ تبالةٍوبينَ أعالي الخَلّ لاحقةَ التَّالي
فلمَّا رأيتُ الحادِيينِ تكشَّماندمتُ على أنْ يذهبَا ناعِمي بالِ
رفعْنا عليهنَّ السِّياط فقلّصتْبنا كلُّ فتلاءِ الذِّراعينِ مرقالِ
خلوجٌ برجْليها كأنَّ فروجَهافيافي سهوبٍ حينَ يُحتثُّ في الآلِ
فألحقْنا بالقومِ كلُّ دِفِقَّةٍمصدَّرةٍ بالرَّحلِ وجناءَ شمْلالِ
فأُبنا ونازعنَ الحديثَ أوانساًعليهنَّ جيشانيَّةٌ ذاتُ أغيالِ
فملنَ إلينا بالسَّوالفِ وانتحىبنا القولُ فيما يشتَهي المرحُ الخالي
كأنَّ صباً جاءتْ بريحِ لطيمةٍمن المسكِ لا تُسطاعُ بالثَّمنِ الغالي
وريحِ الخُزامى في مذانبِ روضةٍجَلا دِمنها سارٍ من المزنِ هطَّالِ
وقال عبيد أيضاً:
تغيَّرتِ الدّيارُ بذي الدَّفينِفأوديةُ اللِّوى فرِمالُ لينِ
فخرْجا ذروةٍ فلِوى ذَيالٍيعفِّي أيهُ مرُّ السَّنينِ
تبيَّنَ صاحبي أترى حُمولاًيشبَّهُ سيرُها عومَ السَّفينِ
جعلنَ الفجَّ منْ رككٍ شمالاًونكَّبنَ الطَّويَّ عن اليمينِ
ألا عتبتْ عليَّ اليومَ عِرسيوقدْ هبَّتْ بليلٍ تشتَكيني
فقالتْ لي كبرتَ فقلتُ حقّاًلقدْ أخلفتُ حيناً بعدَ حينِ
تُريني آيةَ الإعراضِ عنهاوقطَّتْ في المقالةِ بعدَ لينِ
وحطَّتْ حاجبيْها أنْ رأتْنيكبرتُ وأنْ قدِ ابيضَّتْ قُروني
فقلتُ لها رُويدكِ بعضَ عتْبيفإنِّي لا أرى أنْ تزْدهيني
وعِيشي بالذي يُغنيكِ حتَّىإذا ما شئتُ أنْ تنأي فبيني
فإنْ يكُ فاتني أسفاً شبابيوأمسى الرَّأسُ منِّي كاللّجينِ
وكانَ اللهوُ حالفني زماناًفأضحى اليومَ منقطعُ القرينِ
فقدْ ألجُ الخباءَ على العذارَىكأنَّ عيونهنَّ عيونُ عينِ
يملنَ عليَّ بالأقربِ طوراًوبالأجيادِ كالرَّيطِ المصونِ
وأسمرَ قدْ نصبتُ لذي سناءٍيرى منِّي مخالطةَ اليقينِ
يحاولُ أنْ يقومُ وقدْ مضتهُمغابنةٌ بذي خرصٍ قتينِ
إذا ما عادهُ منَّا نساءٌسفحنَ الدَّمعَ من بعدِ الرَّنينِ
وخرقٍ قدْ دعوتُ الجونَ فيهِعلى أدماءَ كالعيرِ الشَّنونِ
وقال عبيد أيضاً:
يا ذا المخوّفنا بقتل أبيهِ إذلالاً وحينا
أزعمتَ أنَّكَ قدْ قتلْتَ سراتَنا كذباً ومينا
لوْما على حجرِ بنِ أُمِّ قطامِ تبكي لا علينا
إنَّا إذا عضَّ الثّقافُ برأسِ صعدتنا لوينا
نحمي حقيقتنا وبعضُ القومِ يسقطُ بينَ بيْنا
هلاّ سألتَ جموعَ كندةَ إذ تولَّوا أينَ أينا
أيَّامَ نضربُ هامهمْببواترٍ حتَّى انحنينا
وجموعُ غسَّانَ الملوكُ أتينهمْ وقد انطوينا
لحقاً أياطلُهنَّ قدْعالجنَ أسفاراً وأينا
ولقدْ صلقنَ هوازناًبنواهلٍ حتَّى ارتوينا
نُعليهمُ تحتَ الضَّبابِ المشرفيَّ إذا اعتزينا
نحنُ الأُلى فاجمعْ جموعكَ ثمَّ وجّههمْ إلينا
واعلمْ بأنَّ جيادناآلينَ لا يقضينَ دينا
ولقدْ أبحنَا ما حميْتَولا مُبيحَ لما حميْنا
هذا ولو قدرتْ عليكَ رماحُ قومي ما انتهيْنا
حتَّى تنوشكَ نوشةًعاداتهنَّ إذا انتوينْنا
نُغلي السِّباءَ بكلِّ عاتقةٍ شمولٍ ما صحوْنا
ونهينُ في لذَّاتهاعظمَ التِّلادِ إذا انتشيْنا
لا يبلغَ الباني ولورفعَ الدَّعائمَ ما بنيْنا
كمْ رئيسٍ قد قتلْناهُ وضيمٍ قد أبيْنا
ولربَّ سيِّدِ معشرٍضخمِ الدَّسيعةِ قد رميْنا
عقبانهُ بظلالِ عقبانٍ تيمَّمُ منْ نويْنا
حتَّى تركنا شلوهُجزرَ السِّباعِ وقد مضيْنا
إنَّا لعمركَ ما يضامُ حليفُنا أبداً لديْنا
وأوانسٍ مثلِ الدُّمىحورِ العيونِ قد استبيْنا
وقال عبيد أيضاً:
يا خليليَّ قفا واستخبرا المنزلَ الدَّارسَ عن أهلِ الحلالِ
مثلَ سحقِ البردِ عفا بعدكَ القطرُ مغناهُ وتأويبُ الشَّمالِ
ولقدْ يغنى بهِ جيرانكَ الممسكو منكَ بأسبابِ الوصالِ
ثمَّ أكدى ودُّهم إذ أزمعوا البينَ والأيَّامُ حالٌ بعدَ حالِ
فانصرف عنهمْ بعنسٍ كالوأى الجأبِ ذي العانةِ أو شاةِ الرِّمالِ
نحنُ قدْنا من أهاضيبِ الملا الخيلَ في الأرسانِ أمثالَ السّعالي
شذَّباً يغشينَ منْ مجهولةِ الأرضِ وعثاً من سهولٍ ورمالِ
فانتجعنا الحارثَ الأعرجَ فيجحفلٍ كالليلِ خطَّارِ العوالي
ثمَّ غادرْنا عديّاً بالقنا الذّبَّلِ بالسُّمرِ صريعاً في المجالِ
ثمَّ عجْناهنَّ خوصاً كالقطا القاربِ الماءَ من أينِ الكلالِ
نحنُ قرصٍ يومَ جالتْ جولةُ الخيلِ قبّاً عن يمينٍ وشمالِ
كم رئيسٍ يقدمُ الألفَ على الأجردِ السَّابحِ ذي العقبِ الطّوالِ
قدْ أباحتْ جمعهُ أسيافنا البيضُ في الرَّوعةِ من حيٍّ حلالِ
ولنا دارٌ ورثْنا عزَّها الأقدمَ القدموسَ عن عمٍّ وخالِ
منزلٌ دمَّنهُ آباؤنا المورثونَ المجَ في أُولى اللَّيالي
ما لنا فيها حصونٌ غيرُ ماالمقرباتِ الجردِ تردي بالرِّجالِ
في روابي عدمليٍّ شامخِ الأنفِ فيه إرثُ عزٍّ وكمالِ
فاتَّبعنا دأبَ أولانا الأولى الموقدي الحربَ وموفٍ بالحبالِ
وقال عبيد أيضاً:
لمنِ الدِّيارُ بصاحةٍ فحروسِدرستْ في الإقفارِ أيَّ دروسِ
إلاّ أواريّاً كأنَّ رسومهافي مهرقٍ خلقِ الدَّواةِ لبيسِ
دارٌ لفاطمة الرَّبيعَ بغمرةٍفقفا شرافٍ فهضبِ ذاتِ رؤوسِ
أزمانَ علّقها وإنْ لمْ تكسهِنكساً وشرُّ الدَّاءِ داءُ نكوسِ
وسبتكَ ناعمةٌ صفيّ نواعمٍبيضٍ غرائرَ كالظِّباءِ العيسِ
خودٌ مبتَّلةُ العظامِ كأنَّهابرديَّةٌ نبتتْ خلالَ غروسِ
أفلا تناسى حبّها بجلالةٍوجناءَ كالأُجمِ المطينِ ولوسِ
رفعَ المرارُ منَ الرَّبيعِ سنامَهافنوتْ وأردفَ نابُها بسديسِ
فكأنَّما تحنو إذا ما أُرسلتْعودَ العضاهِ وروقهُ بفؤوسِ
أفنيتُ بهجتَها وفضلَ سنامِهابالرَّحلِ بعدَ مخيلةٍ وشريسِ
وأميرِ خيلٍ قد عصيتُ بنهدةٍجرداءَ خاظيةِ السَّراةِ جلوسِ
خُلقتْ على عسبٍ وتمَّ ذكاؤهاوأحالَ فيها الصُّنعُ غيرَ بجيسِ
وإذا جهدنَ وقلَّ ماءُ نطافهاوصُلقنَ في ديمومةٍ إمليسِ
تنفي الأواثمَ عنْ سواءِ سبيلِهاشركَ الأحزَّةِ وهي غيرُ شموسِ
أمَّا إذا استقبلتَها فكأنَّهاذبلتْ من الهنديّ غيرَ يبوسِ
أمَّا إذا ما أدبرتْ فكأنَّهاقارورةٌ صفراءٌ ذاتُ كبيسِ
وإذا اقتنصنا لا يخفُّ خضابهاوكأنَّ بركتها مداكُ عروسِ
وإذا رفعنا للحراجِ فنهبُهاأدنى سوامِ الجاملِ المحبوسِ
هاتيكَ تحملُني وأبيضَ صارماًومجرَّباً في مارنٍ مخموسِ
صدقٍ منَ الهنديِّ أُلبسَ جبَّةًلحقتْ بكعبٍ كالنّواةِ مليسِ
في أسرةٍ يومَ الحفاظِ مصالتٍكالأُسدِ لا ينمى لها بفريسِ
وبنو خزيمةَ يعلمونَ بأنَّنامن خيرِهمْ في غبطةٍ وبئيسِ
تُنكي عدوَّهمُ وينصحُ جيبُنالهمُ وليسَ النُّصحُ بالمدموسِ
وقال عبيد أيضاً:
يا دارَ هندٍ عفاها كلُّ هطَّالِبالجوُّ مثلَ سحيقِ اليمنةِ البالي
جرتْ عليها رياحُ الصَّيفِ فاطَّرقتْوالرِّيحُ ممَّا تعفِّيها بأذيالِ
حبستُ فيها صِحابي كيْ أُسائلُهاوالدَّمعُ قدْ بلَّ منِّي جيبَ سربالي
شوقاً إلى الحيِّ أيَّامَ الجميعُ بهاوكيفَ يطربُ أو يشتاقُ أمثالي
وقدْ علا لمَّتي شيبٌ فودعنيمنهُ الغواني وداعَ الصَّارمِ القالي
وقد أُسلِّي همومي حينَ تحضرُنيبحسرةٍ كعلاةِ القينِ شملالِ
زيَّافةٍ بقتودِ الرَّحلِ ناجيةٍتفري الهجيرَ بتبغيلٍ وإرقالِ
مقذوفةٍ بلكيكِ اللَّحمِ عن عرضٍكمفردٍ وحدٍ بالجوِّ ذيَّالِ
هذا وحربٍ عوانٍ قدْ سموتُ لهاحتَّى شببتُ لها ناراً بأشعالِ
تحتي مسوَّمةٌ جرداءُ عجْلزةٌكالسَّهمِ أرسلهُ من كفّهِ الغالي
وكبشِ ملمومةٍ بادٍ نواجذهُشهباءَ ذاتِ سرابيلٍ وأبطالِ
أوجرتُ جفرتهُ خرصاً فمالَ بهِكما انثنى مخضدٌ من ناعمِ الضَّالِ
وقهوةٍ كرفاتِ المسكِ طالَ بهافي دنّها كرُّ حولٍ بعدَ أحوالِ
باكرتهُ قبلَ أن يبدو الصَّباحُ لنافي بيتِ منهمرِ الكفَّينِ مفضالُ
وغيلةٍ كمهاةِ الجوِّ ناعمةٍكأنَّ ريقتها شيبتْ بسلسالِ
قد بتُّ ألعبها طوراً وتلعبُنيثمَّ انصرفتُ وهيَ منِّي على بالِ
بانَ الشَّبابُ فآلى لا يلمُّ بناواحتلَّ بي من ملمِّ الشَّيبِ محلالِ
والشيبُ شينٌ لمنْ أرسى بساحتهِللهِ درُّ سوادِ اللّمَّةِ الخالي
وقال عبيد أيضاً:
تحاولُ رسماً من سُليمى دكادكاخلاءً تعفِّيهِ الرِّياحُ سواهكا
تبدَّلَ بعدي من سُليمى وأهلهانعاماً ترعاهُ وأُدماً ترائكا
وقفتُ بها أبكي بكاءَ حمامةٍأركيَّةٍ تدعو الحمامَ الأواركَا
إذا ذكرتْ يوماً من الدَّهرِ شجوهاعلى فرعِ ساقٍ أذرتِ الدَّمعَ سافكا
سراةَ الضُّحى حتَّى إذا ما صبابتيتجلَّتْ كسوتُ الرَّحلَ وجناءَ تامكا
كأنَّ قُتودي فوقَ جأبٍ مطرَّدٍرأى عانةً تهوي فظلَّ مواشكا
ونحنُ قتلْنا الأجدلينِ ومالكاًأعزّهما فقداً عليكَ وهالكا
ونحنُ جعلْنا الرُّمحَ قرناً لنحرهِفقطَّرهُ كأنَّما كانَ واركا
ونحنُ الأُلى إنْ تستطعكَ رماحُنانقدكَ إلى نارٍ لعمرُ إلاهكا
نقدكَ إلى نارٍ وإنْ كنتَ ساخطاًولا تنتشرْ نفوسُنا لفدائكا
ويومَ الرَّبابِ قد قتلْنا هُمامهاوحجراً وعمراً قد قتلنا كذالكا
ونحنُ صبحنا عامراً يومَ أقبلواسيوفَا عليهنَّ النّجارُ بواتكا
عطفْناهمُ عطفَ الضَّروسِ فأدبرواسراعاً وقدْ بلَّ النَّجيعُ السَّنابكا
ونحنُ قتلنا مرَّةَ الخيرِ منكمُوقرصاً قتلنا كانَ ممَّنْ أولائكا
ونحنُ قتلنا جندلاً في جموعهِونحنُ قتلنا شيخهُ قبلَ ذلكا
وربّكَ لولاهُ لقيتَ الذي لقوافذاكَ الذي نجَّاكَ ممَّا هنالكا
ظللتَ تغنِّي أنْ أخذتَ ذليلةًكأنَّ معدّاً أصبحتْ في حبالكا
وأنتَ امرؤٌ ألهاكَ زقٌّ وقينةٌفتصبحَ مخموراً وتُمسي متاركا
عن الوترِ حتَّى أحرزَ الوتر أهلهُفأنتَ تبكِّي إثرهُ متهالكا
فلا أنتَ بالأوتارِ أدركتَ أهلَهاولا كنتَ إذْ لم تنتصرْ متماسكا
وقال عبيد أيضاً:
أمنْ أمِّ سلمٍ تلكَ لا تستريحُوليسَ لحاجاتِ الفؤادِ مريحُ
إذا ذقتُ فاها قلتُ طعمَ مدامةٍمشعشعةٍ ترخي الإزارَ قديحُ
بماءِ سحابٍ من أباريقِ فضَّةٍلها ثمنٌ في البائعينَ ربيحُ
تبصَّر خليلي هلْ ترى من ظعائنٍيمانيَّةٍ قد تغتدي وتروحُ
كعومِ سفينٍ في غواربِ لجَّةٍيكفِّئها في وسطِ دجلةَ ريحُ
جوانبها تغشَى المتالفَ أشرفتْعليهنَّ صهبٌ من يهودَ جنوحُ
وقد أغتدي قبلَ الغطاطِ وصاحبيأمينُ الشَّظا رخوُ اللّبانِ سبوحُ
إذا حرَّكتهُ السَّاقُ قلتَ مجنَّبٌغضيضٌ غذتهُ عهدةٌ وسروحُ
مرابضهُ القيعانُ فرداً كأنَّهإذا ما تماشيهِ الظِّباءُ نطيحُ
فهاجَ بهِ حيٌّ غداةً فآسدواكلاباً فكلُّ الضَّارياتُ شحيحُ
إذا خافَ منهنَّ اللّحاقَ نمتْ بهِقوائمُ حمشاتُ الأسافلَ روحُ
وقدْ أتركَ القرنَ الكميَّ بصدرهِمشلشلةٌ فوقَ السِّناتِ تفوحُ
دفوعٌ لأطرافِ الأناملِ ثرَّةٌلها بعدَ إنزافِ العبيطِ نشيحُ
إذا جاءَ سربٌ من نساءٍ يعدنهُتبادرنَ شتَّى كلّهنَّ ينوحُ
وقال عبيد أيضاً:
أمنْ رسومٍ آيُها ناحلُومنْ ديارٍ دمعكَ الهامِلُ
قد جرَّت الرِّيحُ بهِ ذيلَهاعاماً وجونٌ مسبلٌ هاطِلُ
حتَّى عفاها صيِّتٌ رعدهُداني النَّواحي مسبلٌ وابِلُ
ظلتُ بها كأنَّني شاربٌصهباءَ ممَّا عتَّقتْ بابِلُ
بلْ ما بكاءُ الشِّيخِ في دمنةٍوقدْ علاهُ الوضحُ الشَّامِلُ
أقوتْ منَ اللاّئي همُ أهلُهافما بها إذْ ظعنوا آهِلُ
وربَّما حلَّتْ سُليمى بهاكأنَّها عطبولةٌ خاذِلُ
لولا تسلِّيكَ جماليَّةٌأدماءُ دامٍ خفّها باذِلُ
حرفٌ كأنَّ الرَّحلَ منها علىذي عانةٍ تحبو لهُ عاقِلُ
يا أيُّها السَّائلُ عن مجدِناإنَّكَ عن مسعاتنا جاهِلُ
إنْ كنتَ لم تسمعُ بإبائنافسلْ تنبَّا أيُّها السَّائِلُ
سائلْ بنا حجراً غداةَ الوغىيومَ تولَّى جمعهُ الحافِلُ
يومَ لقُوا سعداً على مأقطٍوحاولتْ منْ دونهِ كاهِلُ
فأورَدوا سرباً لهُ ذبَّلاًكأنَّهنَّ اللَّهبُ الشَّاعِلُ
وعامراً أنْ كيفَ يعلوهمُإذا الْتقينا المُرهفُ النَّاهِلُ
وجمعُ غسَّانَ لقيناهمُبجحفلٍ قسطلهُ ذائِلُ
قوْمي بنو دودانَ أهلُ الحَجىيوماً إذا أُلقحتِ الحائِلُ
كمْ فيهمُ من أيِّدٍ سيِّدٍذي نفحاتٍ قائلٌ فاعِلُ
من قولهُ قولٌ ومنْ فعلهُفعلٌ ومنْ نائلهُ نائِلُ
القائلُ القولَ الذي مثلهُيمرعُ منهُ البلدُ الماحِلُ
لا يحرمْ السَّائلَ إنْ جاءهُولا يُعفِّي سيبهُ العاذِلُ
الطَّاعنُ الطَّعنةَ يومَ الوغىيذهلُ منهُ البطلُ الباسِلُ
وقال عبيد أيضاً:
أقفرَ منْ أهلهِ ملحوبُفالقُطبيَّاتُ فالذّنوبُ
فراكسٌ فثُعيْلباتٌ فذاتُ فرقينِ فالقليبُ
فعردةٌ فقفا حبِّرٍ ليسَ بها منهمُ عريبُ
وبُدِّلتْ منْ أهلِها وحوشاًوغيَّرتْ حالَها الخطوبُ
أرضٌ توارثُها شعوبٌفكلُّ منْ حلَّها محروبُ
إمَّا قتيلاً وإمَّا هالكاًوالشَّيبُ شينٌ لمنْ يشيبُ
عيناكَ دمعهُما سروبُكأنَّ شأنيهِما شعيبُ
واهيةٌ أو معينٌ مُمعنٌ منْ هضبةٌ دونها لهوبُ
أوْ فلجُ ماءٍ ببطنِ وادٍللماءِ منْ تحتيهِ قشيبُ
تصبو وأنَّى لكَ التَّصابيأنَّى وقدْ راعكَ المشيبُ
إنْ يكُ حُوِّلَ منها أهلُهافلا بديءٌ ولا عجيبُ
أو يكُ أقفرَ منها أهلُهاوعادَها المحلُ والجدوبُ
فكلُّ ذي نعمةٍ مخلوسُهاوكلُّ ذي أملٍ مكذوبُ
وكلُّ ذي إبلٍ موروثُهاوكلُّ ذي سلبٍ مسلوبُ
وكلُّ ذي غيبةٍ يؤوبُوغائبُ الموتِ لا يؤوبُ
أعاقرُ كذاتِ رحمٍأو غانمٌ كمنْ يخيبُ
أفلحْ بما شئتَ فقدْ يُدرَكُ بالضَّعفِ وقد يُخدعُ الأريبُ
لا يعظُ النَّاسُ منْ لا يعظُ الدَّهرَ ولا ينفعُ التَّلبيبُ
لا ينفعُ اللُّبُّ عن تعلُّمِإلاّ السَّجيَّاتُ والقلوبُ
ساعدْ بأرضٍ إذا كنتَ بِها ولا تقلْ إنَّني غريبُ
منْ يسألِ النَّاسَ يحرموهُوسائلُ اللهَ لا يخيبُ
قد يوصلُ النَّازحُ النَّائيويُقطعُ ذو السُّهمةِ القريبُ
بلْ إنْ تكنْ قد علَتني كبرةٌ والشَّيبُ لمنْ يشيبُ
والمرءُ ما عاشَ في تكذيبٍطولُ الحياةِ لهُ تعذيبُ
بلْ ربَّ ماءٍ وردتهُ آجنٍسبيلهُ خائفٌ جديبُ
ريشُ الحمامِ على أرجائهِللقلبِ من خوفهِ وجيبُ
قطعتهُ غدوةً مُشيحاًوصاحبي بادنٌ خبوبُ
عيرانةٌ أُجدٌ فقارُهاكأنَّ حاركَها كثيبُ
أخلفَ ما بازلاً سديسُهالاحقَّةٌ هي ولا نيوبُ
كأنَّها منْ حميرِ غابٍجونٍ بصفحتهِ ندوبُ
أو شببٌ يحتفرُ الرُّخامىتلفُّهُ شمألٌ هبوبُ
فذاكَ عصرٌ وقد أرانيتحملُني نهدةٌ سُرحوبُ
مضبَّرٌ خلقُها تضبيراًينشقُّ عنْ وجهِها السَّبيبُ
زيتيَّةٌ ناقمٌ أبجلُهاوليِّنٌ أسرُها رطيبُ
كأنَّها لقوةٌ طلوبٌتخرُّ في وكرِها القلوبُ
باتتْ على إرمٍ رابيةً كأنَّها شيخةٌ رقوبُ
فأصبحتْ في غداةٍ قرَّةٍيسقطُ عنْ ريشِها الضَّريبُ
فأبصرتْ ثعلباً منْ ساعَةٍ دونَها سبسبٌ جديبُ
فنفضتْ ريشَها وانتفضَتْ وهي منْ نهضةٍ قريبُ
فاشْتالَ وارتاعَ منْ حسيسَها وفعلهُ يفعلُ المذؤوبُ
يدبُّ من رؤيتِها دبيباًكأنَّ حملاقَها مقلوبُ
فأدركتْهُ فطرحتْهُ والصَّيدُ منْ تحتِها مكروبُ
فرنَّحتهُ ووضعتهُ فكدَّحتْ وجههُ الحبوبُ
يضغو ومخلبُها في دفِّهِلا بدَّ حيزومهُ مثقوبُ
وقال عبيد أيضاً:
أمنْ دمنةٍ بجوَّةِ سرغدِتلوحُ كعنوانِ الكتابِ المجدَّدِ
لسعدةَ إذ كانتْ تُثيبُ بودِّهاوإذْ هيَ لا تلقاكَ إلاّ بأسعدِ
وإذْ هي حوراءُ المدامعِ طفلةٌكمثلِ مهاةٍ حرَّةٍ أمِّ فرقدِ
تُراعي به نبتَ الخمائلِ بالضُّحىوتأوي بهِ إلى أراكٍ وغرقدِ
وتجعلهُ في سربِها نصبَ عينِهاوتثني عليهِ الجيد في كلِّ مرقدِ
فقدْ أورثتْ في القلبِ سقماً يعودهُعياداً كسمِّ الحيَّةِ المتردِّدِ
غداةَ بدتْ منْ سترِها وكأنَّمايحفُّ ثناياها بحالكِ إثمدِ
وتبسمُ عن عذبِ اللّثاثِ كأنَّهُأقاحي الرُّبى أضحى وظاهرهُ ندي
فإنِّي إلى سُعدى وإنْ طالَ نأيُهاإلى نيلِها ما عشتُ كالحائمِ الصَّدي
إذا كنتَ لا تعبأ برأيٍ ولا تطعْإلى اللُّبِّ أو تُرعي إلى قولِ مرشدِ
فلا تتَّقي ذمَّ العشيرةِ كلِّهاوتدفعُ عنها باللِّسانِ وباليدِ
وتصفحُ عن ذي جهلِها وتحوطُهاوتقمعُ عنها نخوةَ المتهدِّدِ
وتنزلُ منها بالمكانِ الذي بهِيُرى الفضلُ في الدُّنيا على المتحمِّدِ
فلستَ وإنْ علَّلتَ نفسكَ بالمنىبذي سؤددٍ بادٍ ولا كربِ سيِّدِ
لعمركَ ما يخشى الجليسُ تفحُّشيعليهِ ولا أنأى على المتودِّدِ
ولا أبتغي ودَّ امرئٍ قلَّ خيرهُوما أنا عنْ وصلِ الصَّديقِ بأصيدِ
وإنِّي لأُطفي الحربَ بعدَ شبوبِهاوقد أُوقدتْ للغيِّ في كلِّ موقدِ
فأوقدتُها للظَّالمِ المصطَلي بهاإذا لمْ يرعهُ رأيهُ عنْ تودّدِ
وأغفرُ للمولى هناةً تريبُنيفما ظلمهُ ما لمْ ينلْني بمحقدِ
ومنْ رامَ ظُلمي منهمُ فكأنَّماتوقَّصَ حيناً من شواهقِ صنددِ
وإنِّي لذو رأيٍ يُعاشُ بفضلهِوما أنا منْ علمِ الأمورِ بمبتدِ
إذا أنتَ حمَّلتَ الخؤونَ أمانةًفإنَّكَ قدْ أسندْتها شرَّ مسندِ
وجدتُ خؤونَ القومِ كالعرِّ يُتَّقىوما خلتُ غمَّ الجارِ إلاّ بمعهدِ
ولا تظهرنْ ودَّ امرئٍ قبل خبرهِوبعدَ بلاءِ المرءِ فاذممْ أوِ احمدِ
ولا تتبعنَّ الرَّأيَ منهُ تقصُّهُولكنْ برأيِ المرءِ ذي اللُّبِّ فاقتدِ
ولا تزهدنْ في وصلِ أهلِ قرابةٍلذخرٍ وفي صرمِ الأباعدِ فازهدِ
وإنْ أنتَ منَ الدُّنيا متاعاً فإنَّهُعلى كلِّ حالٍ خيرُ زادِ المزوَّدِ
تمنَّى مُريءُ القيسِ موتي وإنْ أمتْفتلكَ سبيلٌ لستُ فيها بأوحدِ
لعلَّ الذي يرجو ردايَ وموْتتيسفاهاً وحبْناً أن يكونَ هو الرَّدي
فما عيشُ منْ يرجو خِلافي بضائريولا موتُ منْ قدْ فاتَ قبلي بمُخلدي
وللمرءِ أيَّامٌ تعدُّ وقدِّمتْحبالُ المنايا للفتى كلَّ مرصدِ
منيَّتهُ تجري لوقتٍ وقصرهُمُلاقاتها يوماً على غيرِ موعدِ
فمنْ لمْ يمتْ في اليومِ لا بدَّ أنَّهُسيعلقهُ حبلُ المنيَّةِ من غدِ
فقلْ للَّذي يبغي خلافَ الذي مضىتهيَّأ لأُخرى مثلَها فكأنْ قدِ
فإنَّا ومنْ قدْ بادَ منَّا لكالَّذييروحُ وكالقاضي البتاتِ ليغْتدي
وقال عبيد أيضاً:
لمنْ جِمالٌ قبيلَ الصُّبحِ مزمومهُميمِّماتٍ بلاداً غيرَ معلومَهْ
عالينَ رقماً وأنماطاً مظاهرةًوكلَّةٍ بعتيقِ العقلِ مرقومَهْ
من عبقريٍّ عليها إذ غدوْا صبحٌكأنَّها منْ نجيعِ الجوفِ مدمومَهْ
كأنَّ ظعنهمُ نخلٌ موسَّقةٌسودٌ ذوائبها بالحملِ مكمومَهْ
فيهنَّ هندٌ وقدْ هامَ الفؤادُ بهابيضاءُ آنسةٌ بالحسنِ موسومَهْ
في إنَّها كمهاةِ الجوِّ ناعمةٌتُدني النَّصيفَ بكفٍّ غيرِ موشومَهْ
كأنَّها ريقتها بعدَ الكرى اغتبقتْصهباءَ صافيةً بالمسكِ مختومَهْ
ممَّا يغالي بها البيّاعُ عتَّقهاذو شاربٍ أصهبٌ يُغلى بها السِّيمَهْ
يا منْ لبرقٍ أبيتُ الليلَ أرقبهُفي مكفهرٍّ وفي سوداءَ ديمومَهْ
فيرقُها حرِقٌ وماؤها دفِقٌوتحتها ريّقٌ وفوقَها ديمَهْ
فذلكَ الماءُ لو أنِّي شربتُ بهِإذاً شفا كبداً شكاءَ مكلومَهْ
هذا ودويَّةٍ يعيا الهُداةُ بهاناءٍ مسافتُها كالبُردِ ديمومَهْ
جاوزتُ مهمهَ يهماها بعيْهمةٍعيرانةٍ كعلاةِ القينِ معقومَهْ
أرمي بِها عرُضَ الدَّويِّ ضامزةًفي ساعةٍ تبعثُ الحرباءَ مسمومَهْ
ولعبيد وما تدخل في القصائد:
سقى الرَّبابَ مُجلجلُ الأكنافِ لمَّاحٌ بروقُهْ
جونٌ تكفكفهُ الصَّباوهناً وتَمريهِ خريقُهْ
مَريَ العسيفِ عشارهُحتَّى إذا درَّتْ عروقُهْ
ودنا يُضيءُ ربابهُغاباً يضرِّمهُ حريقُهْ
حتَّى إذا ما ذرعهُبالماءِ ضاقَ فما يطيقُهْ
هبَّتْ لهُ منْ خلفهِريحٌ شآميَّةٌ تسوقُهْ
حلَّتْ عزاليهُ الجنوبُ فثجَّ واهيةً خروقُهْ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع