من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)
المآخذ على شرح أبي العلاء المعري الموسوم باللامع العزيزي (٢)
وقد جاء هذا، لبعض شعراء العصر، في أبيات منها قوله:
والدهر من أفعاه لميسلم سلامة فائش
نهشته نهش الحارث الملك الهمام الرائش
وجذيمة الوضّاح أردته بجذم الرّاهش
وثوى النّجاشيّ المليك البرّ بين أحابش
فأقنع من الدّهم الجياد بأدهم من دارش
وقال في قوله:
خذ من ثناي عليك ما اسطيعهلا تلزمنيّ في الثّناء الواجبا
كان ابن سعد، راوية أبي الطّيب، يحكي عه حكاية، معناها إنه قال: ليس في شعري قصر ممدود، إلا في هذا الموضع - يعني قوله:
خذ من ثناي...............
وإنما كان يذكر ذلك لأنه كان يحكى، إنه رأى القصيدة الكافيّة التي في عضد الدولة بخطّ أبي الفتح ابن جني وقد ضبط قوله:
......... وقد فارقت دارك واصطفاكا
وقد كسر الطاء كأنه أراد: واصطفاءك. وليس هذا بحجّة على ابن جني، لأن أبا الطّيب
يجوز أن يكون قصر الممدود، بعد أن قال ذلك القول.
والثناء أكثر ما يستعمل في الخير، وحكى ابن الأعرابي إنه يستعمل في الشرّ وأنشد:
أثني عليّ بما علمت فأنّنيأثني عليك بمثل ريح الجورب
فيقال: لا شكّ في قصر ثناي عليك، لأن الوزن يشهد به، ولا مصرف له إلى سواه. وأمّا قصر اصطفاكا فقد روي بفتح الطاء فعلا ماضيا، (فلا ضرورة. ومحتمل أن يكون ابن جني اخطأ بكسر الطاء، وذلك من بعض تغييراته في القصائد التي نظمها في ابن العميد، وعضد الدولة، لأنه لم وكن في صحبته. وقتل
أبو الطّيب، ولم يجتمع به بعد ذلك، فيقرأها عليه. أو يكون أبو الطّيب، اخبر بذلك قبل هذه القصيدة الكافيّة، وهي آخر ما نظم وما سمع منه.
وأما قوله: إن الثّناء أكثر ما يستعمل في الخير، وقد يستعمل في الشرّ، ورواية ذلك عن ابن الأعرابي، واستشهاده بالبيت الذي عجزه:
......... أثني عليك بمثل ريح الجورب
فلا حجّة فيه، لأنه هزء بها وسخريّ منها، والصّحيح: أن الثّاء لا يستعمل إلا في القول الجميل، والخير دون الشرّ.
وقال في قوله:
وتغبط الأرض منها حيث حلّ بهوتحسد الخيل منها أيها ركبا
غبطت الرّجل: إذا أردت أن يكون لك مثل ماله، ولا يكون غرضك في زوال نعمته.
وحسدته: إذا أردت أن تنال مثل نعمته، وان يزيلها الله عنه.
وفي بعض الحديث: إنه قيل له: هل يضرّ الغبط؟ فقال: كما يضرّ العضاه الخبط أي: أن العضاه لا تحسّ بخبط الورق، كأنه سهّل أمره.
وأقول: قوله: سهّل أمر الغبط لأن العضاه لا تحسّ بالخبط ليس بشيء! لأن غير العضاه من الشّجر مثلها في إنها لا تحسّ. وإنما يريد أن العضاه شجر يأكل المال ورقه، فالضرر له خبطه ونثر ورقه، ويقال له: الخبط. فهذا يدلّ على (أنّ) الغبط ضرب من الحسد، أو يستعمل في موضع الحسد توسّعا.
وأقول: لم يذكر الشّيخ لم خصّ الأرض بالغبط، والخيل بالحسد، وذلك أن التّنافر والتّزاحم والتّقاتل يقع بين الحيوان في كثير من الأشياء التي يقع الاشتراك فيها، فيوجب التحاسد، وهو أن أحدها أخذه والاستيلاء عليه دون الآخر، وليس كذلك الجماد، كالأرض، فخصّها بالغبط دون الحسد، وخصّ الخيل التي هي من الحيوان
بالحسد.
وقول أبي الطّيب من قول أبي نواس:
تتحاسد الامصار وجهك بينهافكأنّهنّ بحيث كنت ضرائر
إلا إنه قصّر عن المثل الذي ضربه أبو نواس، بذكر الضّرائر اللواتي يقع بينهنّ الحسد.
وقال في قوله:
بحر عجائبه لم تبق في سمرولا عجائب بحر بعدها عجبا
السّمر: ظلّ القمر.
ومن كلامهم: لا أكلّمك السّمر والقمر! أي: طول الدّهر.
وقيل للقوم يتحدّثون في ظلّ القمر: سمّار، وقد سمروا يسمرون. ثم كثر ذلك حتى سمّي الحديث باللّيل سمرا، وان لم يكن في القمر.
ويقولون: كنّا في السّامر، أي في الرّهط الذين يتحدّثون في ذلك الوقت، وجعل ابن أحمر السّمر وقتا فقال:
من دونهم أن جئتهم سمراعزف القيان ومجلس غمر
وأقول: كأنّ الشّيخ جعل جلّ مقصوده في هذا الدّيوان شرح كلمة حوشيّة، أو
نادرة غريبة، فقلّما يتعرّض فيه لذكر معنى مشكل، أو ينبّه فيه على صناعة بديعة!
ومعنى هذا البيت، إنه جعل الممدوح بحرا يفضل كلّ بحر، بعجائب ما يأتي منه وما يسمع عنه من أحاديث المكارم، وصفات الجود، وإنما قال: عجائب بحر لأن البحر عجائبه كثيرة غريبة، وكقولهم: كالبحر: حدّث عنه بلا حرج! وكذلك السّمر، لأنه يقع فيه بين القوم، يتحدثون أحاديث عجيبة، وروايات غريبة، فكأن هذا الممدوح لم يترك، بما يسمع عنه، ولما اشتهر به، ومن عجيبة تسمع عن بحر
أو تذكر في سمر.
وقوله: وجعل ابن أحمر السّمر وقتا في قوله: أن جئتهم سمرا، فأنه محتمل أن يكون سمرا مفعولا له، أو مصدرا على تقدير قوله: اسمر سمرا، أو مصدر في موضع الحال، أي: سامرا.
وقال في قوله:
مبرقعي خيلهم بالبيض متّخذيهام الكماة على أرماحهم عذبا
يريد انهم يمدّون أيديهم بالسيوف للضّرب، فتصير أمام وجوه (الخيل)، فكأنّها لها براقع.
ويمكن أن يريد، انهم يضربون أعداءهم بالسّيوف فيمنعونهم من النّظر إلى وجوه خيلهم.
وأقول: هذه عبارة واهية! لا سيّما قوله: يمنعونهم من النظر إلى وجوه خيلهم، وليست براقع الخيل لتمنع من النّظر إلى وجوهها، وإنما جعلت من الحديد لتمنع وجوه الخيل، وتقيها من السّلاح، لا لتمنع من النظر إليها كبراقع النّساء من الثياب، وإنما أراد بقوله:
مبرقعي خيلهم بالبيض............
أي: بضرب البيض (يمنع من الوصول إليها)، كقوله في مكان آخر:
لقوه حاسرا في درع ضرب.........
فجعل الضّرب تارة برقعا، وتارة درعا، تدقيقا في الصّناعة واستعارة ومجازا.
وقال في قوله:
تغيب الشّواهق في جيشهوتبدو صغارا إذا لم تغب
يقال للجبال الطّوال شواهق، مأخوذة من قولهم: شهق الإنسان إذا أخرج نفسه متعاليا، كأنّ الجبل شهق في الهواء.
فيقال: هذا الذي ذكره الشّيخ ضدّ المرويّ في الشّهيق، وهو ضدّ الزّفير، لأنّ الشّهيق ردّ النّفس، والزّفير إخراج النّفس. وكان الصواب أن يقال في الجبل الشّاهق، إنه مأخوذ من قولهم: شهق الرّجل إذا حبس نفسه فأرتفع صدره لذلك، كقول الشاعر:
خيط على زفرة فتمّ ولميرجع إلى دقّة ولا هضم
وهذا البيت، يصحّح أن الزّفير إخراج النّفس، فلمّا خيط عليه، ومنع من اراحته، انتفج جنبه، فصار مجفرا ضليعا.
وقال ابن دريد: الشّهيق ترديد البكاء. فيقال، على هذا، أن الباكي إذا ردّد بكاءه ارتفع صوته، وامتدّ نشيجه فيكون مشتقّا من ذلك
وقال في قوله:
يا ذا المعالي ومعدن الأدبسيّدنا وابن سيّد العرب
الأدب الذي كانت تعرفه العرب، هو ما يحسن من الأخلاق، وفعل المكارم، مثل
ترك السّفه، وبذل الموجود، وحسن اللّقاء،
قال الغنويّ:
لا يمنع الناس منّي ما أردت ولاأعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا
كأنه أنكر على نفسه أن يعطيه الناس ولا يعطيهم. واصطلح الناس، بعد الإسلام بمدة طويلة، على أن يسمّوا العالم بالشّعر والنّحو وعلوم العرب أديبا، وسمّوا هذه العلوم الأدب، وذلك كلام مولّد لأن هذه العلوم حدثت في الإسلام.
وأقول: لا شكّ أن أصل الأدب ما قال الشّيخ، وإنه نقل إلى العلوم التي ذكرها، ولكنّ هذا النقل لم يكن في الإسلام، كما ذكر، بعد مدة طويلة، بل في صدر الإسلام وزمن الفصاحة، من المعتبرين في البلاغة، كما أن اصل الفقه العلم، وهو يطلق على أشياء كثيرة، ثم وضع على علم الشريعة، واختصّ به دون غيره من
العلوم، وذلك الوضع والنقل أيضاً في صدر الإسلام من الفصحاء البلغاء المتقدمين المعتبرين في زمن الفصاحة، المأخوذ بقولهم، والمستشهد بلغتهم وكلامهم نثرا ونظما (في أوان البلاغة)، ولا يقال انهم مولّدون، فكذلك العلماء الذين كانوا في زمانهم، الواضعون اسم الأدب على العربية والشّعر، والواضعون اسم الفقه على علم الشّريعة، لا يقال: انهم مولّدون ولا أن (ما) أخذ عنهم من الأوضاع مولّد غير معتدّ به.
وقال في قوله:
مرّت بنا بين تربيها فقلت لهامن اين جانس هذا الشّادن العربا
شبّهها بالشّادن من الوحش، وهو ولد البقرة، والظّبية إذا قوي واشتدّ. يقال، شادن وشادل فتبدل اللام من النّون. ويقال: وحشية مشدن إذا شدن ولدها، قال الرّاجز:
يا دار عفراء ودار البخدنفيك المها من مطفل ومشدن
البخدن: يقال: العظيمة السّاقين والاعضاد، والصحيح إنه اسم امرأة.
وأقول: إنما رجّح الشّيخ أن تكون البخدن اسما علما لا صفة، فجعل الدّار لامرأتين لا لواحدة لقوله:
فيك المها من مطفل ومشدن
والمها: جمع. ويجوز أن تكون البخدن صفة، فتكون الدار لواحدة، وان كان فيها نساء (جماعة) على معنى الحلّة أو القرية ونحو ذلك.
وقال في قوله:
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرىليث الشّرى وهو من عجل إذا انتسبا
الشّرى: الشّجر الملتفّ، وقيل: اشراء الحرم: نواحيه أو طرقه، وشرى الفرات: ما يقرب منه، قال القطاميّ:
لعن الكواعب بعد يوم لقيننيبشرى الفرات وليلة بالجوسق
وأقول: الشّرى: مكان أو شجر تعرف به وتضاف إليه الأسد (لزيادة شدّتها) كقولهم: ذئب الغضا، وتيس الحلّب، وأفعى الحماط، ومثله: أسد بيشة، وأسد خفّان، وأسد خفيّة، قال:
أسود شرى لاقت أسود خفيّة.........
وقال في قوله:
إليك فأنّي لست ممن إذا اتّقىعضاض الأفاعي نام فوق العقارب
المعنى أنني لست ممن إذا اتّقى الأمور الكبار، صبر على ما هو دونها.
وأقول: ينبغي أن يفسّر هذا البيت، على ما قبله من قوله:
تخوّفني دون الذي أمرت بهولم تدر أن العار شرّ العواقب
أي: تخوّفني السّير الذي عاقبته الهلاك، وتأمرني بالمقام على الضّيم الذي يعقب العار، وعندها أن المقام على الضّيم اسهل من تخوّف الهلاك بالسّير، ولم تعلم أن عاقبة الضّيم شرّ من عاقبة السّير المفضي إلى الهلاك، وإنّ العار شرّ العواقب، فضرب عندها وفي رأيها للهلاك مثلا بالأفاعي لعظمها، وللضّيم مثلا بالعقارب وهو عنده بخلاف ذلك فقال: إليك: أي: تنحّي عنّي فلست ممن إذا خاف عضاض الأفاعي، وهو الهلاك، على رأيك، نام على العقارب، وهو الضّيم الذي دون الأول، على رأيك، بل اترك كلا الأمرين. فهذا البيت مرتّب على ما قبله في التفسير، كما ترى. ولم أعلم من شرّاح الديوان (من) ذكره على هذا الوجه.
وقال في قوله:
وترتع دون نبت الأرض فينافما فارقتها إلاّ جديبا
لما جعل الخطوب مطايا، زعم إنها لا تذلّ لراكبها. وفي هذا مدح لنفسه، لأنه ادّعى ركوبها، وانّ ذلك لا يبغيه أحد، وجعلها ترتع في ركبانها دون النّبت.
وأقول: ليس في هذا مدح لنفسه، ولكن فيه أخبار برقّة حاله، وإعوازه ما يركبه ومخاطرته بنفسه في ركوب المهالك إلى الممدوح، ليلزمه قضاء حقّ قصده، كقول الأعشى:
إلى المرء قيس أطيل السّرىوآخذ من كل حيّ عصم
وقول علقمة:
إليك أبيت اللّعن كان وجيفهابمشتبهات هولهنّ مهيب
وقال في قوله:
جيرانها وهم شرّ الجوار لهاوصحبها وهم شرّ الأصاحيب
قوله:
...... شرّ الجوار لها.........
أي: شرّ أصحاب الجوار، لأنه لا يقال: قوم جوار إلاّ على حذف (المضاف) أو يكون أراد: جوارهم شرّ الجوار.
وأصاحيب: جمع جمع الجمع كأنه في الأصل صاحب، ثم قيل: صحب، ثم قيل أصحاب.............................................
وقال في قوله:
أرى مرهفا مدهش الصّيقلينوبابة كلّ غلام عتا
الصّيقلون: جمع صيقل، وأكثر ما يستعمل الصّياقل، قال خفاف بن ندبة:
جلاها الصّيقلون فأخلصوهاخفافا كلّها يتقي بأثر
وأقول: أن قوله: وأكثر ما يستعمل الصّياقل، ثم ينشد بيت خفاف، وليس فيه دليل على ذلك، ليس بشيء! وقد كان ينبغي أن ينشد قول جعفر بن علبة:
إذا ما ابتدرنا مأزقا فرجت لنابأيماننا بيض جلتها الصّياقل
وقال في قوله:
لا سرت من إبل لو أنّي فوقهالمحت حرارة مدمعيّ سماتها
وحملت ما حمّلت من هذي المهاوحملت ما حمّلت من حسراتها
يقول: لو أنى فوقك يا إبل، لحملت اللّواتي عليك من النساء المشبهات المها، وكان ذلك هينا عليّ:
......... وحملت ما حمّلت من حسراتها
أي: كنت أتولى حملها دونك، فيلحقك لذلك حسرات، فتحملين ما أنا حامل من الحسرات الموجبها هذه المتحملات.
وأقول: قوله: لو أني فوقك راكبا لحملت اللواتي عليك غير سائغ حسن! كيف يكون حمله لهنّ، وهو راكب الحملين، وهنّ في هوادجهنّ، فيفرّق ما بينهنّ وبين الإبل؟ فجعل للإبل حسرات بذلك غيرة منه، فيكون حاملا وهو محمول، وهذا معنى على ما ترى من الغثاثة، وكأنه ينظر إلى قوله:
ويغيرني جذب الزّمام لقلبهافمها إليك كطالب تقبيلا
وقال في قوله:
العارفين بها كما عرفتهموالراكبين جدودهم أمّاتها
لو أن هذا الكلام منثور، لكان الواجب أن يقال: والراكب جدودهم، على التّوحيد، لأن اسم الفاعل إذا تقدّم جرى مجرى الفعل، فيقال: مررت بالرّاكب الخيل جدوده وجدودهم، فإذا ثنّيت أو جمعت فهو على قول من قال: قمن النساء وأكلوني البراغيث وقامتا أختاك.
فيقال له: هذا القول، جائز مستعمل في القرآن الكريم والشّعر الفصيح، نحو: (وأسرّوا النّجوى الذين ظلموا) و:
............ يعصرن السّليط أقاربه
وسواء في ذلك، المنثور وغيره، فأن قال: الواو في أسرّوا، والنون في يعصرن، حرفان موطئان، أن الفاعل جمع، أو إنّهما اسمان، والذين ظلموا وأقاربه بدل منهما، قيل له: في الراكبين كذلك، أي: الذين ركبوا جدودهم، فيكون عائد الذين الضمّير في ركبوا، لا الضّمير في جدودهم وهذا بيّن مذكور.
وقال في قوله:
تكبو وراءك يا ابن أحمد قرّحليست قوائمهن من آلاتها
الهاء في آلاتها راجعة على وراء لأنها مؤنّثة وكذلك قدّام وأمام.
وأقول: محتمل أن يكون الضّمير في آلاتها راجعا إلى قرّح، لأن قوائمها هي التي تعمل بهال الجري بمنزلة الآلة التي يعمل بها، أي: لا تطاوعها في اللحاق بك، وإضافة الآلة إلى الخيل، التي هي حيوان، أقرب من إضافتها إلى وراء، وهو المكان، جماد.
وقال في قوله:
فدتك الخيل وهي مسوّماتوبيض الهند وهي مجرّدات
مسوّمات إذا وصفت بها الخيل، احتملت وجهين:
إنها عليها سمة، والسّمة: العلامة.
والآخر، وهو المراد في هذا الموضع: إنها المرسلات في الغارة، من قولهم: خلّه وسومه، أي: وذهابه حيث شاء.
فيقال: المسوّمة من السّوم لا من السّمة، وهي العلامة، لأن السّمة اصلها وسمة، والوسم غير السّوم. والصّحيح إنها مشنقّة من السّومة، وهي العلامة، ذكرها الزّجّاج وابن فارس. أو من السّائمة، أي: الراعية، وأسميت: أرعيت.
وقال في قوله:
رضينا والدّمستق غير راضبما فعل القواضب والوشيج
الدّمستق: كلمة رومية معرّبة، لا تعرف في شعر فصيح.
فيقال له: وكثير من الأعجميّ الرّومي وغيره، لم يستعمل في كلام العرب، وإذ لم يستعمل في كلامهم، فجائز أن يستعمله الشّعراء المحدثون، لحاجتهم إلى الإخبار عنه، وإلا أدى إلى عدم الكلام، أو عدم الإفهام. وقد استعمل أبو الطّيب أسماء غير تلك، من أسماء الروم (والأرمن) نحو: قسطنطين ولاون لأنه احتاج إلى ذكرهم فأخبر عنهم. وسواء كان الاسم الأعجمي علمّا على وزان العربيّ نحو: يعقوب وإسحاق، أو على غير وزانه كإبراهيم وإسماعيل فأنّه لا ينصرف. وكذلك يقال في الأسماء الأعلام من البلاد التي استعملها أبو الطّيب نحو: سمنين وهنزيط ومرعش وسميساط ونحو ذلك، لعلها غير مستعملة في أشعار العرب. وكثير من الأسماء العربية لم تستعمل في أشعار العرب، وجائز استعمالها للأخبار والبيان.
وقال في قوله:
وعن ذملان العيس ما سامحت بهوإلاّ ففي أكوارهنّ عقاب
الكلام يستغني عن قوله:
وعن ذملان العيس............
ثم ابتدأ كلاما فقال: أن سامحت العيس بذملانها ركبتها، وإلا تسامح، ففي أكوارهنّ عقاب، أي: أنا أقدر من السّير والتّصرّف في الأسفار، على ما لا يقدر عليه العقبان.
وأقول: الكلام لا يستغني عن قوله:
وعن ذملان العيس............
لأنه معطوف على ما قبله وهو قوله:
غنيّ عن الأوطان لا يستفزّنيإلى بلد سافرت عنه إياب
وقد ذكرت ما في هذا في مواضع، وبيّنته بيانا شافيا لم أسبق إليه.
وقال في قوله:
آخر ما الملك معزّى بههذا الذي اثّر في قلبه
جعل التنوين في معزّى به بمنزلة الحروف الصّحاح، لأنه موازن للاّم في قلبه. ولو وقع في موضعه اسم لا ينصرف مثل: حبلى وسكرى لجاز صرفه على الضرورة.
وأقول: هذا الذي (ذكره) الشيخ من تنوين معزّى به في هذه القافية، وجعله من الحروف الصّحاح، احترازا من أن لو جاء في موضع معزّى به: يعزّى به لكان الألف من الحروف المعتلّة ردفا، والقافية في قوله: قلبه غير مردفة فيكون ذلك
سنادا، فبتنوين معزّى خرج به من هذا العيب.
وقوله: ولو وقع موضعه اسم مؤنث لا ينصرف، مثل حبلى وسكرى لجاز صرفه على الضرورة احترازا أيضاً من أن الألف لو بقيت صورتها لكانت ردافا، والقافية غير مردفة. فإذا صرفت حبلى، وسكرى، خرجت بالتنوين من أن يكون ردفا، فكان بذلك معزّى به مع قلبه قافية مجرّدة. ولو جاء مع قلبه: ذابه ونحوه لم يعتدّ بهذه الألف ردفا، لأنها من كلمة ليس اتصال حرف الجرّ (بما) بعدها كاتصال يعزّى به لأن الباء لتعدية الفعل، فهي كالجزء منه، كالهمزة والتّضعيف، وكذلك إذا وقعت الألف في إذا ونحوه موقع ألف التأسيس، لم يعتدّ بها. كقول العجّاج:
فهنّ يعكفن به إذا حجاعكف النّبيط يلعبون الفنزجا
وقول عنترة:
......... والنّاذرين إذا لم القهما دمي
في قوله:
هل غادر الشّعراء من متردّم............
وقال في قوله:
لنا ملك لا يطعم النوم همّهممات لحيّ أو حياة لمّيت
استعمل أبو الطّيب في هذه الأبيات، ضدّ ما استعمله كثير من الشّعراء في لزوم الحرف الذي قبل التاء فقال: ميّت ثم قال فرّت ثم دولتي. وأكثر الشعراء على هذا، لا يلزمون ما قبل التاء. وقد لزم ما قبل التاء كثيّر في قوله:
خليليّ هذا ربع عزّة فأعقلاقلوصيكما ثم انزلا حيث حلّت
وهي اللاّم. وقال عمرو بن معدي كرب:
و) لمّا رأيت الخيل زورا كأنّهاجداول زرع أرسلت فأسبطرّت
فلزم الرّاء. وكذلك قال الضّبّيّ:
حلّت تماضر غربة فاحتلّت.........
فلزم اللاّم.
وأقول: لزوم ما قبل التاء فيما ذكره، ونحوه، غير لازم، لأن التاء هي حرف الرّوي ولا يكون اللام، ولا الرّاء، لأن التاء ليست بحرف وصل، وإنما حروف الوصل الألف، والياء، والواو والهاء. وقد لزم بعض الشّعراء ما قبل الكاف في نحو: المسالك والمآلك وحالك وذلك وهي اللام. ولزم بعضهم الرّاء في نحو: المبارك والمعارك وفارك وبارك كما لزموا ما قبل التاء. والكاف هي حرف الرّوي وليست بوصل، وإنما شبهوا التاء والكاف بحروف الوصل، فالتزموا ما قبلهما لمشاركتهما لهنّ في إنهما ضمائر مثلهنّ. وقصيدة كثيّر قد جاء فيها بيت لم يلزم فيه اللام وهو:
......... وجنّ اللواتي قلن: عزّة جنّت
(كأنه منبهة، على أن ما قبل التاء غير لازم)
ومنهم من روى: جلّت أي كبرت.
وجاء في أبيات عمرو قوله:
وفرّقت بين الحذمرين بطعنةإذا أطّلقت فيها النّساء أرنّت
فجاء بالنّون مع الرّاء، كما جاءت مع اللام في جنّت
وقال في قوله:
فليت هوى الأحبة كان عدلافحمّل كل قلب ما أطاقا
أصل العدل إنه مصدر: عدل عدلا، ثم وصف به الواحد والاثنان والجمع، قال زهير:
متى يشتجر قوم يقل سرواتهمهم بيننا فهي رضى وهم عدل
(وهذا يحتمل على حذف مضاف كأنه قال: ذوو عدل.)
ومن هذا الباب: رجل ضيف، ويقال للجميع، وفي الكتاب العزيز: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) فجاء بالضّيف موحّدّا، ثم جاء بالنّعت على
الجميع،
يعني: المكرمين.
قال: والقياس يوجب أن يقال: امرأة ضيف، إلا أن الشّاعر قال:
لقي ولدته أمّه وهي ضيفةفجاءت بيتن للضّيافة أرشما
فيقال: الأحسن في المصدر، إذا وقع موقع الصفة، أن لا يقدّر فيه حذف المضاف، لأن الحذف على خلاف الأصل. فإذا قيل: رجل عدل، أو صوم أو فطر، فكأنّما جعل الأول كأنه الثاني، على وجه المبالغة، كأنّ الرّجل خلق من عدل أو صوم، ومن ذلك قول الخنساء:
............ فإنّما هي إقبال وإدبار
ويجوز أن يقع المصدر موقع الصّفة توسّعا ومجازا، وقد جاء ذلك في الحال في قولهم: قتلته صبرا، وجاء ركضا. كما وقعت الصفة موقع الحال في قولهم: قم قائما:
............ ولا خارجا من فيّ زور كلام
وأمّا قول الشاعر: وهي ضيفة فأنث المصدر، فإنّما ذلك لأجرائه مجرى الصفة الجارية على الفعل، في نحو قائمة وقاعدة.
وقال في قوله:
تركنا من وراء العيس نجداونكّبنا السّماوة والعراقا
يقال: أسمى الحمار الوحشيّ بأنه، إذا أتى بهنّ السّماوة، قال الأخطل:
كأنّها لاحق الاقراب في لقحأسمى بهنّ وغرّته الاناصيل
فيقال له: أسمى: بمنزلة اعرق واشأم وانجد، إذا أتى تلك الأماكن. فلا يختصّ أسمى بالحمار الوحشيّ دون غيره. وكذلك ما أتى من نحو ذلك، مثل اتهم وايمن إلا غار إذا أتى الغور فأنه بغير الهمزة، وبيت الأعشى يروى:
......... غار لعمري في البلاد وانجدا
بالخرم في النّصف الثاني. ومنهم من روى: أغار قياسا على أخواته.
وقال في قوله:
ولو تبّعت ما طرحت قناهلكفّك عن رذايانا وعاقا
لم يبالغ أبو الطّيب في هذا البيت، لأنه جعل الوحش يتبع الجيش، ليأكل من رذاياه، والرّذايا: جمع رذيّة، وهي الناقة التي حسرها السّير، ولم يقل كما قال الحكميّ:
تتأيّا الطّير غدوتهثقة بالشّبع من جزره
فيقال له: لم يرد هاهنا، أن الوحش تتبع الجيش كما ذكر، وانشد قول الأفوه:
وترى الطّير على آثارنارأي عين ثقة أن ستمار
وقول النابغة:
إذا ما غزا بالجيش حلّق فوقهعصائب طير تهتدي بعصائب
ولكن أراد الجماعة المترافقين اليه، الوافدين عليه، طلبا لمعروفه وعطائه. ويدلّ على ذلك قوله قبل هذا البيت:
أباح الوحش يا وحش الأعاديفلم تتعرّضين له الرّفاقا
أي: قد أباح الوحش أعاديه بقتله لهم في معارك الحرب، فلم تتعرّضين الرفاق إليه في الطريق، وهم أولياؤه ومحبّوه؟ فقد كان في أعدائه غناء لك عن أوليائه.
وقال في قوله:
فلا تستنكرنّ له ابتساماإذا فهق المكرّ دما وضاقا
إذا روي بكسر الرّاء تستنكرنّ، فهو خطاب لمؤنث، مبنيّ على قوله: سلي.... وفتح الراء جائز على خروجه إلى خطاب المذكّر، لأنّ البيتين متباعدان، وذلك كثير في الشعر وغيره.
وفهق: امتلأ، يقال: فهق الحوض بالماء، إذا امتلأ، وكذلك الجفنة بالطعام. قال الأعشى:
تروح على آل المحلّق جفنةكجابية السّيح العراقيّ تفهق
وأقول: الرواية الصّحيحة التي قرأتها: بفتح الرّاء من: تستنكرنّ للمخاطب، ولم أسمع الرواية بالكسر. وإنما كان الفتح هو الصّحيح، لأن المخاطب هو الذي يشهد المكرّ وابتسامه فيه، شجاعة وإقداما، لا المرأة المقدّم ذكرها.
وأمّا استشهاده على: فهق بقول الأعشى:
تروح على آل المحلّق............
فالرواية الصّحيحة:
نفى الذّمّ عن آل المحلّق............
قال: ويروى: الشّيخ، والسيح، فالشّيخ: أحد الشيوخ، والسيح: الماء الجاري على الأرض، ولم يفسّر معناهما.
والذي ذكر فيهما إنه إذا روي: الشّيخ، بالشّين والخاء، فالمراد به أن الشيخ العراقيّ معتاد لكثرة الماء آلف لها، فإذا سافر اتأق جابيته، وهي مزداته، من الماء، إبقاء على نفسه، واحترازا من الهلاك بالعطش، وليس كذلك الإعرابي والبدويّ، لصبرهما عن الماء الذي لم يعتادا كثرته.
وإذا روي: السّيح، بالسّين والحاء، فالمراد به الفرات أو دجلة. والجابية: الحوض، أضافها إلى إحداهما.
وقال في قوله:
تبيت رماحه فوق الهواديوقد ضرب العجاج لها رواقا
استعار الرّواق هاهنا للغبار، لأنهم يركزون الرّماح إلى رواق البيت. والهاء في لها يجوز أن تعود على الرّماح وعلى الهوادي.
وأقول: الرّواق بيت كالفسطاط، يحمل على سطاع واحد في وسطه، وهو العمود، فعلى هذا جعل العجاج في ارتفاعه، وتكاتفه، بمنزلة الرّواق، والرّماح تحمله كالعمد، ولم يرد الرّكز والإسناد إلى رواق البيت، والهاء في لها على هذا التفسير، وهو الصّحيح، تعود على الرّماح دون الهوادي.
ويجوز أن يقال:
......... وقد ضرب العجاج لها رواقا
بنصب العجاج مفعولا، والفاعل الضمير في ضرب عائد على سيف الدولة، وهذا الوجه أقوى من الأول.
وقال في قوله:
تعجّبت المدام وقد حساهافلم يكسر وجاد فما أفاقا
يقول: هذا الممدوح، لا تكسره الخمر، لأنّ عقله لم يرتفع عند ذلك. وهو، مع إنه لا يلحقه من الرّاح، كأنه إذا جاد أخو سكر لا يفيق، لأنهم يصفون أنسهم ببذل أموالهم، في حال الانتشاء، قال عنترة:
فإذا سكرت فأنّني مستهلكمالي وعرضي وافر لم يكلم
وهم يقرّون بتغيّر العقل عند الشّراب، قال المنخّل اليشكريّ:
فإذا شربت فأنّنيربّ الخورنق والسّدير
وإذا صحوت فأنّنيربّ الشّويهة والبعير
وأقول: المعنى: أن العادة جارية بأنّ الخمر تسكر من شربها، وإنه يفيق منها، وإنّ سيف الدولة، بخلاف ذلك، لا تسكره الخمر، وإنما يسكره الجود، فلا يفيق منه. وقول الشّيخ: وهم يقرّون بتغيّر العقل عند الشّراب واستدلّ بأبيات المنخّل على ذلك وليس فيها دليل، لأن قوله:
فإذا شربت فأنّنيربّ الخورنق والسّدير
يريد أن الرّاح تحدث له عظمة في نفسه، وارتياحا وخيلاء، فيظنّ إنه الملك الذي هو النعمان بن المنذر، ويريد بذلك مدحا لها. وكذلك قول حسّان:
ونشربها فتجعلنا ملوكاوأسدا ما ينهنهنا اللقاء
وهم لا يقصدون بذلك تغيّر العقل، وهم يمدحونها ويتمدّحون بذلك. وإنما يريدون، أن الرّاح تفيد مكارم الأخلاق، وتبعث عليها، ألا ترى إلى قول الشّاعر:
أراحت من الهمّ الدّخيل وشجّعتجنانا وسنّت للبخيل التّكرّما
وقال في قوله:
وحاشا لارتياحك أن يبارىوللكرم الذي لك أن يباقى
وقد يخفضون بحاشا، ويقال أن الخفض فيها على تقدير اللام. ويقولون: فعلوا كذا وكذا حاشاي، فيجيئون بالياء، والقياس يوجب أن يقولوا: حاشاني كما
يقال: راعاني،
وأنشد الفرّاء:
في عصبة عبدوا الصّليب تخشّعاحاشاي أني مسلم معذور
فيقال: هذا الذي ذكره، إنما هو على مذهب الكوفيين، ومذهب أبي العبّاس المبرّد، في أن حاشا فعل، وهو حرف جرّ عند سيبويه ومن تابعه من البصريين. وإذا كان حرفا، فلا يحتاج إلى نون الوقاية، فقولهم: حاشاي، يدلّ على إنه حرف كما يقال: إليّ وعليّ.
وقال في قوله:
وأحلو الهوى ما شكّ في الوصل ربّهوفي الهجر فهو الدّهر يرجو ويتّقي
ادّعى أبو الطّيب أن أحلى (الهوى) ما شكّ في الوصل ربّه، وفي الهجر. وليست هذه الصّفة صفة حلو، بل هذا الذي يجب أن يوصف بالمرارة، وإنما حلاوة الهوى، أن يكون سالما من الفراق والهجر، وقد وصف ذلك الشّعراء، قال:
إذ النّاس ناس والأحبّة جيرةجميع وإذ كلّ الزّمان ربيع
وأقول: أن أبا الطّيب فيما نحاه إلى قولهم: كلّ ممنوع حلو، وقول الشّاعر:
واراه يحلو في تمنّعهوالشيء محلول إذا منعا
وإلى قول الآخر، وفيه بعض الإشارة:
إذا لم يكن في الحبّ هجر ولا نوىفأين حلاوات الرّسائل والكتب
وإذا كان الأمر كذلك، فلا شكّ أن هوى الممنوع أحلى من هوى المبذول، والشّيء
إذا امتنع كانت الرّغبة فيه أكثر، والباعث إليه أقوى، وإنّ الرّجاء والخوف، والشّكّ فيهما إنما يكون عند الامتناع. فصحّ على هذا التقدير، قول أبي الطّيب، ولم يكن المعنى الذي ذكره بعكس ما أراده.
وقول الشّيخ: إنما حلاوة الهوى، أن يكون سالما من الفراق والهجر.
فيقال: بل أحلاه ما لم يستعمل منهما! لأنّ تزّعم ذلك، يزيد فيه ولا ينقص منه، والزيادة فيه إنما تكون للإرادة له، والإرادة إنما تكون لاستلذاذه لا لكراهته. وهذا معنى غريب عجيب، لم يسبق إليه أبو الطّيب، ولم أسبق أنا إلى تفسيره!
وقال في قوله:
أدرن عيونا حائرات كأنّهامركّبة أحداقها فوق زئبق
أراد، أنهم يبكون والدّمع يجول في العيون، كأنه زئبق، فشبّه به الدّمع، لأنهم إذا وصفوا الماء بالصّفاء قالوا: كأنه دموع. أراد أن نظرهم لا يثبت لكثرة البكاء.
وأقول: أن الشّيخ خبط في تفسير هذا البيت خبط مثله في قوله: والدّمع يجول في العيون كأنه زئبق، ولم يقصد هاهنا الدّمع فيشبّه بالزئبق، أو يشبّه به الماء لصفائه، على أن الدّمع يكون فوق الاحداق، ولا تكون الأحداق فوقه.
وقوله: إن نظرهم لا يستقرّ لكثرة البكاء خطأ، فإنّما ذلك لكثرة الحيرة لقوله:
أدرن عيونا حائرات..................
والتشبيه إنما هو للعيون دون الدّمع للحيرة بالفراق، جعلها كأنّ أحداقها مركّبة فوق زئبق، والزئبق لا يستقرّ ما وضع عليه (فلا يستقرّ النّظر).
وقال في قوله
ضروب بأطراف السّيوف بنانهلعوب بأطراف الكلام المشقّق
الكلام المشقّق: يجوز أن يريد به الذي اشتقّ بعضه من بعض، فيكون ذلك مدحا للكلام، وصفة للممدوح بأن ما صعب لديه هيّن، فهو كالذي يلعب به. ويحتمل أن
يكون المشقق: الذي كأنّه مكّسر، من قولك: شققت العود وغيره. ويكون هذا الكلام لما ينظمه الشّعراء في مدحه، لأنّ ذمّه لهم قد تكررّ مثل قوله:
............ والشّعر تهذي طماطمه
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء!
وإنما يريد بالمشقّق المنصّف: الذي تساوى شقّاه، أي: نصفاه، وشقّ الشّيء: نصفه، يعني بذلك الشّعر، ويريد بأطرافه قوافيه. يريد أن الشّعر سهل عليه، فهو يتلعّب به بغير كلفة مرتجلا، وكأنه لمّا قال:
ضروب بأطراف السّيوف بنانه.........
أراد: لعوب بأطراف الكلام المشقق لسانه، لدلالة بنانه عليه.
وقال في قوله:
وليلا توسّدنا الثّويّة تحتهكأنّ ثراها عنبر في المرافق
قوله:
......... كأنّ ثراها عنبر في المرافق
يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون مدحا للأرض، يريد إنها طيبة كأنّ ثراها عنبر.
والآخر: أن يكون وصف نفسه وأصحابه بأنهم معيون، فهم، لإيثارهم النزول والرّاحة، كأنّ ثرى الأرض عندهم عنبر، وإن كان الأمر على سوى ذلك.
وقد تمنّت
الشّعراء مباشرة تراب الأرض التي ينزل بها من يحبّون، قال الشّاعر:
وددت وابرق العيشوم أناتكون معا جميعا في رداء
أباشره وقد نديت رباهفألصق صحّة منه بدائي
وقال آخر:
يقرّ بعيني أن أرى من مكانهذرا عقدات الأبرق المتقاود
وإن أراد الماء الذي وردت بهسليمى إذا ما خفّ من كلّ وارد
وألصق أحشائي ببرد ترابهوإن كان ممزوجا بسمّ الأساود
فيقال له: الأحسن الوجه الأول. وذلك أن أبا الطّيب وصف تراب ذلك المكان بالطّيب، ووصف الحصى التي فيه بالحسن، حتى جعلها بمنزلة الدرّ يثقب في المخانق. وما ذكره من وصف نفسه وأصحابه بأنهم معيون، ولإيثارهم النّزول والرّاحة، يرون أن تراب الأرض عنبر، وإن كان بخلاف ذلك فغير سائغ. (بل لو جعل ذلك من محبّة تلك الأرض وطيبها عنده، لأن أبا الطّيب كان من الكوفة، وهذه المواضع التي ذكرها منها، لكان أولى من أن يجعل ذلك من الإعياء. كيف وقد وصف نفسه وأصحابه بالفروسية والشّجاعة، وذلك ينافي الإعياء لأنه دليل الضّعف)...؟ قول الشّاعر:
لله ليل في زرود رقدتهعلى خوف آساد ضجيع غزال
كأنّ حصى المعزاء تحت أضالعييحثّ عن الجنبون زفّ رئال
وقال في قوله:
وما بلد الإنسان غير الموافقولا أهله الأدنون غير الأصادق
هذا البيت، قد ضعف بالتّصريع ضعفا بينا، وهو كالمنقطع من معنى ما قبله. ولم تجر عادة أبي الطّيب بالتّصريع في غير الأوائل.
وأقول: ليس التّصريع مما يضعف الشّعر، وفيه قافيتان ملتزمتان، بل يقويه! فيكون
البيت الواحد كالبيتين، لا سيّما هذا البيت، وقد ذكر في المصراعين مثلين سائرين.
وقوله: وهو كالمنقطع مما قبله ليس الأمر كذلك، بل لمّا ذكر بلده، وهو الكوفة، والعذيب وبارق من أرضها، وإنه كان يجرّ فيه الرّماح ويجري السّوابق، وصحبه
القوم الذين ذكرهم، وقوله:
سقتني بها القطر بّليّ مليحة.........
ووصف الأغيد بما وصفه من الحسن ومن الأدب والظّرف.
قال:
وما الحسن في وجه الفتى...
البيت......
ثم أتبعه بقوله
وما بلد الإنسان...
أراد أن بلده كان موافقا بما ذكره من قبل وعددّه، فليس بالمنقطع مما قبله بل متّصل أحسن اتصال.
وقوله: ولم تجر عادة أبي الطّيب بالتّصريع في غير الأوائل.
فيقال له: بلى قد جاءه في قصيدته الدّالية التي يمدح بها عضد الدولة وهي: (المسرح)
أزائر يا خيال أم عائد............
قوله:
يا طفلة الكف عبلة السّاعدعلى البعير المقلّد الواخد
وفيها:
حكيت يا ليل فرعها الواردفاحك نواها لجفني السّاهد
وفيها:
يا عضدا ربّه له العاضدوسائرا يبعث القطا الهاجد
وهذا التصريع، كما ترى، في قصيدة واحدة!
وقال في قوله:
وجائزة دعوى المحبّة والهوىوإن كان لا يخفي كلام المنافق
المراد: أن (عادة) بني آدم أن يظهروا المودّة، وفي
النفوس غيرها، إلا أن ذلك جائز، لأن العادة جرت به. وادّعى أن كلام المنافق غير خاف، وإنما يظهر نفاقه في بعض الأوقات، وربّ منافق الغرّ، وحسب إنه الصديق المخلص!
وأقول: انظروا إلى كلام هذا الشّيخ وقوله: أن عادة بني آدم أن يظهروا المودة، وفي النّفوس غيرها ودخول الأنبياء والأئمة والصّالحين في ذلك، وهو النّفاق بعينه، ثم أردفه بقوله: إلا أن ذلك جائز، لأن العادة جرت به أي: جائز منهم النفاق، وعلله بجريان عادة النّفاق منهم، وهذا القول جهل بل كفر محض!
وقوله: وادّعى أن كلام المنافق ليس بخاف، وإنما يظهر نفاقه في بعض الأوقات.
فيقال له: بل يظهر نفاقه في أكثر الأوقات (بإمارات تتبيّن) فيه، وقرائن تدلّ عليه، فأطلق بأنّ كلام المنافق لا يخفى مجازا، لما يظهر في أكثر الأوقات. وهذه المآخذ التي أخذها على أبي الطّيب في هذا البيت كان الصواب أن لا تردّ عليه لظهور فسادها، وضعف اعتمادها.
وقال في قوله:
أرادوا عليّا بالذي يعجز الورىويوسع قتل الجحفل المتضايق
الجحفل: الجيش العظيم، وقد اتّسعوا في هذه حتى وصفوا الرّجل بالجحفل، أي إنه يقوم مقام الجيش، قال اوس:
عبيد ذوي المال الكثير يرونهوان كان عبدا سيّد الأمر جحفلا
فيقال: اصل هذه اللفظة، التي هي الجحفل، إنه صفة، وهو العظيم، ثم وصف بها الجيش العظيم فقيل: جيش جحفل، أي: عظيم، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصّفة
مقامه، كما حذف موصوف الأبطح والأجرع، وهو المكان.
فإذا كان (هذا) أصل هذه اللفظة، فقد جرت على الرّجل صفة له، لا على وجه
الاتّساع والمجاز، بل على وجه التّحقيق، فإذا قيل: رجل جحفل فهو على الأصل، أي: رجل عظيم، ولم يرد به إنه قائم مقام الجيش كما ذكر.
وقال في قوله:
توهّمها الأعراب سورة مترفتذكّره البيداء ظلّ السّرادق
السّرادق: ما حول الفسطاط، وليس بعربيّ، ومن أبيات المعاني:
ولمّا ركبنا صعبها وذلولهاإلى أن توارت تحت ظلّ السّرادق
رمتنا بفلذ من سرارة قلبهافطفنا به من بين حاس وذائق
توارت: يعني الشّمس، وذكروا أن السّرادق هاهنا الغبار، والهاء في صعبها وذلولها راجعة على أرض سلكوها. وعن بالفلذ شيئا قليلا من ماء،
والسّرارة: اكرم موضع في الوادي، فطافوا بهذا الماء القليل، فمنهم من حسا حسوة، ومنهم من لم يصل إلى الحسوة، فذاقه باللّسان.
وأقول: الصواب، أن السّرادق هنا الليل، وهو ما تدلّى من ظلامه.
وقوله: فمنهم من حسا منه حسوة، ومنهم من لم يصل إلى الحسوة، فذاقه باللّسان ليس بشيء! والصواب: أن هذا الماء قليل آجن، فمن القوم من ذاقه فلم يشربه لأجونيّته، ومنهم من جهده العطش فحسا منه القليل للضرورة، قال الأعشى:
وأصفر كالحنّاء داو جمامهمتى ما يذقه ماتح القوم يبصق
أي: فهو يبصق.
وقال في قوله:
فهاجوك أهدى في الفلا من نجومهوأبدى بيوتا من أداحي النّقانق
هاجوك: حملوك على أن طردتهم، فوجدوك أهدى في الفلا من النّجوم، لأن الذين يسيرون باللّيل يهتدون بالنجم في المفاوز البعيدة، قال الرّاجز:
قلت له والجدي تحت الفرقدإنك أن لم تزجها بالفدفد
لا ترد الأمواه إلاّ من غد
وقال الآخر:
لوّح خلّيك الأداوى والنّجموطول تخويد المطيّ والسّعم
أراد انهم يهتدون بالنّجم، فقد غيّر جسومهم السّعم، وهو ضرب من سير الإبل.
وأقول: قوله: هاجوك: أي حملوك ليس كذلك، ولكن: هاجوك بمعنى: بعثوك وأثاروك ومنه: هيّجت الشّرّ، أي: أثرته.
وقوله في قول الرّاجز:
لوّح خلّيك الأداوى (والنّجم)
أراد أنهم يهتدون بالنّجم كان يحسن بالشّيخ أن يفسّر قوله:
...... الاداوى والنّجم
فيجمع ما بينهما وما معنى ذلك، فقد روى أبو حاتم عن الأصمعي، وقد قيل لأعرابيّ: ما لوّح جسمك؟ فقال: الأداوى والنّجم! يريد إنه كثير الأسفار فهو يراعي أداوته وكم فيها من الماء، ويراعي النّجم من خوف الهلاك، وأنشد:
له نظرتان فمرفوعةوأخرى تراقب ما في السّقاء
وفسّر الاشنانداني مرفوعة أي: ينظر إلى السّماء مرّة يدعو ربّه أن يسلّمه، وينظر إلى سقائه مرّة. ثم قال: ومثله:
لوّح خلّيك الأداوى والنّجم
ولم يرد الراجز بقوله مرفوعة، إلا نظره إلى النّجم، خوف الهلاك.
وقال في قوله:
واصبر عن أمواهه من ضبابهوآلف منها مقلة للودائق
الودائق: جمع وديقة، وهي: حين تدنو الشّمس من الأرض، يقال: ودق الشيء من الشيء إذا دنا، قال ذو الرّمّة:
كانت إذا ودقت أمثالهنّ لهافبعضهنّ عن الآلاف منشعب
ويجوز أن يكون المطر يسمّى ودقا، لأن قطره يدنو من الأرض، لأن الاشتقاق يدلّ على ذلك.
فيقال له: تفسيرك الوديقة بقولك: حين تدنو الشّمس من الأرض يناقض، في المعنى وفي الرّواية، ما قيل فيها:
أما المعنى، فأنه يراد بها الهاجرة وشدّة الحرّ، والشمس إذا دنت من الأرض قلّ حرّها،
وانكسر حميها.
وأمّا الرواية فقول ابن دريد: وناهيك الوديقة: دومان الشّمس في كبد السّماء في الهاجرة.
وأما تفسيره ودقت في بيت ذي الرّمّة بمعنى دنت، فالأولى أن يكون بمعنى أنست وألفت. قال ابن فارس: يقال: ودقت به ودقا: إذا أنست به.
وقوله: ويجوز أن يكون المطر سمّي ودقا، لأن قطره يدنو من الأرض، لأن الاشتقاق يدلّ على ذلك فليس بشيء! لأن ذلك يقتضي أن يكون الثّلج والبرد سمّي ودقا، لأنه يدنو من الأرض، ولم يقل ذلك أحد! والأقرب أن يكون الودق مشتقا من الأنس، أي: أنس بما يحتفل من المطر بعد، لأن ابن دريد قال: الودق: الذي يخرج من خلل (السحاب) قبل محتفل المطر.
وقال في قوله:
فما حرموا بالرّكض خيلك راحةولكن كفاها البرّ قطع الشّواهق
يقال: جبل شاهق: أي مرتفع في السّماء، ومنه شهق الإنسان لأنه نفس متعال.
فيقال له: قد تقدّم من قبل، ما قيل في الجبل الشاهق.
وقولك: مشتق من الشّهيق، وهو ارتفاع النّفس، فأنه ليس بصواب، لأنّ الشّهيق هو ردّ النّفس، وبين التأويل فيه على ما يوافق المعنى فأغنى عن ذكره هنا.
وقال في قوله:
ألم يحذروا مسخ الذي يمسخ العداويجعل أيدي الأسد أيدي الخرانق
سكّن هذه الياء مرتين في بيت واحد، قال الرّاجز:
كأنّ أيديهن بالقاع القرقأيدي جوار يتعاطين الورق
يريد، أن هؤلاء الجواري، بنات قوم أغنياء، فهنّ يلعبن بالفضّة وأيديهنّ مخضّبات.
وأقول: الذي ذكره ليس بشيء! لأنّ قوله: أيدي جوار مخضّبات، ليس في الشعر دليل عليه، وإنما يريد أن أيدي هذه الإبل، تطير الحصى بشدّة في حال السّير، فيصلّ باصطكاكه، كأيدي جوار يتعاطين الدّراهم فيسمع لها صليل،
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع