من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الشام ونواحيها لا زالت طيبة العرار والبشام (٢)
وقوله:
أيا قمراً من وجهه طلعة البدرويا رشأً من لحظه صنعة السِّحرِ
حكيت القنا والبيض لحظاً وقامةًفمن أجل ذا أرتاح للبيض والسُّمرِ
وحقَّك لولا البدر يحكيك طلعةًلما طمحت عيني إلى رؤية البدرِ
ولو لم يكن للخمر في فيك نسبةٌلما كنت أصبو عند ذكراه للخمرِ
ولولاك في قصر المصلَّى وحاجرٍلما شاقني ذكر المصلَّى ولا القصرِ
فيا نازحاً عن مقلتي وهو حاضرٌبقلبي لقد أفرطت في الصَّدِّ والهجرِ
ويا فاتكاً عيناه قد طلًتا دميوأسلمتا قلبي إلى نوب الدَّهرِ
ترفق بدمعٍ طرفه فيك مطلقٌوقلبٍ من الأشواق في أوثق الأسرِ
وقوله:
قلبي من الأشواق لاهفوالدَّمع من عينيَّ ذارفْ
أبكي ودمعي لم يدعأحداً بحالي غير عارفْ
ولقد أقول لمن يراني في طريق الذُّلِّ واقفْ
لولا المحبَّة يا رفيقيلم يكن قلبي لعاطفْ
كلاَّ ولا أبصرتنيللسقم والبلوى محالفْ
أرعى النُّجوم ولي فؤادٌ من دواعي البين خائفْ
أصبو إذا علنَّى علىأعلى غصون الدَّوح هاتفْ
ويشوقني برقٌ بدامن جانب الأحباب خاطفْ
فَوَحَقَّ أغصان القدود ولين هاتيك المعاطفْ
وصباح مُبيَصِّ الجبين وليل مسودِّ السوالفْ
ولواحظٍ فتَّاكةٍفي جفنها هاروت عاكفْ
ومرشفٍ عسَّالةٍيا حبَّذا تلك المراشفْ
ورقيق هاتيك الخصور وتحتها ثقل الرَّوادفْ
ومواقف الذُّلِّ التيعرَّفني ذلَّ المواقفْ
أشكو الغرام وأرتجيمن متلفي حسن العواطفْ
ما حلت عنك وليس يصرفني عن الأشواق صارفْ
وإذا أسأت فإنَّهاعندي تعدُّ من اللَّطائفْ
فسقى الإله زمانناورعى ليالينا السَّوالفْ
أيام كنت لعاذليوللائمي فيها أخالفْ
وقوله:
ورُبَّت ليلةٍ قد زار فيهاخيالٌ في الدُّجى منه طروقُ
وبات تشوُّقي يدنيه منِّيويبعده من القلب الخفوقُ
فلا أروى الحشا منه اعتناقٌولا بلَّ الجوى لي منه ريقُ
وقوله مضمِّناً:
أرَّقتني الأشجان والأشواقوبسهم النَّوى رماني الفراقُ
ونما الشَّوق في فؤادي فضاقتفيك عن وصف ما بي الأوراقُ
ثم أنشدت داعياً ولدمعيفيك من لوعة الفراق انطلاقُ
جمع الله شمل كلِّ محبٍّوبدا بي لأنني مشتاقُ
وقوله:
يا مولعاً بصدوديأفنى الجفا مستهامكْ
أعرضت عنِّي دلالاًلمَّا عرفت مقامكْ
ضيَّعتني بالتَّجافيلمَّا حفظت ذمامكْ
فلو شهدت سهاديوهبت جفني منامكْ
فعاذلي مذ رآنيرثى لحالي ولامكْ
يكفيك لحظك سيفاًفلا تجرِّد حسامكْ
طوبى لبدر الدَّياجيلو ترتضيه غلامكْ
ويا سعادة غصنٍيحكي اعتدالاً قوامكْ
جلَّ الذي يا حبيبيفي ذا المقام أقامكْ
إلى متى يا فؤادييذكي هواهم ضرامكْ
ويا عذولي إلى كمتطيل فيهم ملامكْ
قد كلَّ بالعذل قلبيوملَّ سمعي مرامكْ
وقوله:
ولي قلبٌ أليمٌ منصدودك دائم الضَّرمِ
بودَّي لو أقطِّعهفإنَّ وجوده عدمي
ولكنَّ قطعي العضو الأليمَ يزيد في ألمي
وقوله، يصف ليلة مضت له في روضة أريضة، وساعفته بها آمالٌ من الوصال عريضة:
لله ليلة أنسٍ قد ظفرت بهاقضَّيتها سهراً أحلى من الوسنِ
قد بتُّها وعيون الدَّهر غافلةٌعنِّي ولم أخش فيها حادث الزَّمنِ
في روضةٍ رحبة الأكناف عاطرة الأنفاس قد جلِّيت في منظرٍ حسنِ
والوُرقُ في دوحها باتت تطارحنيشجواً لِما عَلِمتْ في الحبِّ من شجني
فتارةً فرط أشواقي يرنِّحهاوتارةً طول مبكاها يرنِّحني
وبات ظبيٌ تناجينا لواحظهبين الورى هي كانت منشأ الفتنِ
تُعزى الشُّمول إلى معنى شمائلهوالَّلاذُ يشبه منه رقَّة البدنِ
بتنا كغصنين في روضٍ يرنِّحناريح الصَّبا فَحَنا غصنٌ على غصنِ
وبات عندي شكٌّ في معانقتيإياه حتى حسبت اللُّطف صاحبني
يا ليلةً منه أرضاني الزَّمان بهاعنه على أنَّه ما زال يسخطني
ومن مقاطيعه قوله:
كلَّما حدَّثت قلبي سلوةٌعن هواهم قال لي لا يمكنُ
وإذا ذكَّرته أنَّهمقد أساءوا قال لا بل أحسنوا
وقوله:
قد وقفنا بعد التَّفرق يوماًفي مكانٍ فدَّيته من مكانِ
نتشاكى لكنْ بغير كلامٍنتحاكى لكنْ بغير لسانِ
يوسف أبي الفتح إمام الأئمة، ومن ألقت إليه مقاليد الحظوة الأزمَّة. فتميز على أترابه وأخدانه، تميُّز سميَّه على إخوانه.
وذلك أنه من منذ ناست عذبة ذؤابته، وأومضت للمتفرِّس مخيلة نجابته.
تطلَّع في أعلا المصلَّى كأنماتطلَّع في محراب داودَ يوسفُ
فرقي منبر المسجد الجامع خطيباً، وملأه مسكاً فلم يدر أضمَّ خطيباً، أم ضَمِّخَ طيباً.
وأتى بما يقرط الأسماع لؤلؤاً، ويملأ الأفواه طيباً والمحافل تلألؤاً. فطار صيته في الآفاق، ووقع على تفرُّده في أسلوبه الاتفاق.
حتى تطلبه السلطان فصيَّره إمامه، وتوجه من التقدمة بتلك العمامة. فقامت الأماني خلفه صفوفاً، واستوعب من المعالي أنواعاً وصنوفاً. وما زال من حين خروجه، يتنقَّل تنقُّل القمر في بروجه. إلى أن صار ثالث القمرين، وفاز برتبة قضاء العسكرين.
وكان مع ما أعطيه من الرتبة التي لا تنال إلا بالتمني، والحرمة التي ترمى لنيلها المطايا بالتعَّني. لم يبرح يحن إلى مواطن إيناسه، ويرتاح إلى مراتع غزلان صريمه وكناسه.
هذا، وله الفضل الذي تليت سور أوصافه، وجليت صور اتسامه بالتفوُّق واتصافه.
والتصانيف التي ما جعلت الأقلام ساجدةً إلا لمّا رأت محاريب قرطاسها، وما سميت خرساء إلا قبل أن ينفث في روعها روائع أنفاسها.
وأما الأدب فهو إمامه الذي به يقتدى، وسابقه الذي بذكره يبتدى.
وله الشعر الذي اقتبس ألفاظه من ذوات الأطواق، واختلس معانيه من حنين العشاق تكابد الأشواق. يطرب من لم يكن يطرب، ويكاد لفظه من العذوبة يشرب.
وها أنا أورد منه ما تتباهى به حروف الرقاع، ويلذ في السمع لذة الغناء من كل شكلٍ حسنٍ على الإيقاع.
فمنه قوله من قصيدة أولها:
هذا الحمى أين الرَّفيق المنجدقد يمَّم الخيف الفريق المنجدُ
بانوا فلا داري بجلَّق بعدهمداري ولا عيشي لديها أرغدُ
وعلى الأكلَّة فتيةٌ لعبت بهمراح السُّرى والعيس فيهم تسجدُ
يتهافتون على الرِّحال كأنهمقضبٌ على كثب النقا تتأوَّدُ
واهاً على وادي منًى والهفتيلو لهفتي تجدي وآهي تسعدُ
كانت عروس الدهر أياماً لنافيه ثلاثٌ ليتها لي عوَّدُ
عهدي به مغنى الهوى تستامهعينٌ مسهَّدةٌ وقلبٌ مكمدُ
ما باله بعد الثلاثة أقفرتمنه معالمه وأقوى المعهدُ
يا هل لليلاتٍ بجمعٍ عودةٌأم هل إلى جمع المعرَّف موعدُ
جسمي بأكناف الشآم مخيِّمٌوهواي بالرَّكب اليماني مصعدُ
تالله هاتيك الليالي أسأرتفي مهجتي ناراً تقوم وتقعدُ
وكأنَّ مرمى كلِّ موقع جمرةٍفي القلب والأحشاء منِّي موقدُ
لله أيامي بجرعاء الحمىوالدهر مصقول الحواشي أملدُ
أيام ظلُّ الدهر غير مقلَّصٍعنِّي وعيشي طاب فيه الموردُ
في حيث ريحان الشَّبيبة باسقٌوالخيف مغنًى للحسان وموعدُ
إذ منتداه مراد كلِّ خريدةٍيصبو إليها الخاشعون العبَّدُ
مرَّت كسقط الزَّند أعقب جمرةًفي القلب يذكيها الغرام ويوقدُ
مالي إذا برقٌ تألَّق بالحمىأودى بمهجتي المقيم المقعدُ
وإذا نسمت رويحةً من طيبةٍجعلت زفيري بالحشا يتوقدُ
وإذا نسيم الروض هبَّ تبادرتوفق الصبابة أدمعٌ تتردَّدُ
ومتى ظفرت من الزمان بناصرٍأخذت تفنِّده عليَّ الحسَّدُ
وقوله من أخرى، أولها:
سقى أثَلاثٍ بالعذيب نميرله من أفاويق الغمام سميرُ
سحابٌ تزجيه الرياح وراءهنسيمٌ له المسك الفتيق عبيرُ
ولا برحت تسدي يد القطر فوقهامن النور موشيَّ السَّدى وتنيرُ
وخلنا دراري الأفق فيه تساقطتوآن لها أن النجوم تغورُ
عهدنا بها غصن الشَّبيبة باسقاًيرفُّ رفيف البان وهو نضيرُ
كأنَّ أزاهير الشَّقيق بدوحهاخدودٌ ونور الأقحوان ثغورُ
كأنَّ نديَّ النرجس الغضِّ فوقهاعيون الغواني مسَّهنَّ فتورُ
كأن غصون البان تندى غضارةًمعاطف غيدٍ حشوهنَّ خمورُ
سقتها دموعي بل سقاها على البلىملِثٌّ من الأنواء وهو غزيرُ
فآه لها كم لذةٍ تحت ظلِّهانعمنا بها حيث الكؤوس تدورُ
ولهفي على عيشٍ بجوِّ سُويقةٍتولي وعيش الغانيات قصيرُ
وواهاً لأيامٍ بشرقيِّ ضارجٍتقضَّت عشايا تحتها وبكورُ
فمرَّت ولم تعقب سوى جمرة الأسىيشبُّ لها تحت الضلوع سعيرُ
خليليَّ مالي إن تألق بارقٌيكاد فؤادي كالشَّرار يطيرُ
وإن خطرت من سفح نجدٍ نسيمةٌفلي أنَّةٌ تحت الدُّجى وزفيرُ
وإن ذكرت أيام رامة أنثنيوفي القلب من فرط الغرام هجيرُ
ألا يا نسيم الريح من بطن لعلعٍتحدَّث فقلبي بالغرام أسيرُ
ويا برق نجدٍ هات عن أيمن الحمىحديثاً ففي بثِّ الغرام سرورُ
هل الجيرة الغادون من جنبِ حاجرٍأناخوا لوى الجرعاء وهو مطيرُ
وهل أثلاث الجِزع يندى ظلالهاوأرض الحمى فيْنانُ وهو مطيرُ
وهل هاجعات البان نبَّه خوطهاهبوب نسيمٍ هبَّ وهو عطيرُ
وهل درست من بطن فجٍّ مسارحٌومحَّت جنوبٌ رسمها ودبورُ
فما بنت غصنٍ فوق أفنان إلفهاوإلفي خليطٌ منجدٌ ومغيرُ
تراها إذا وُرق العشايا ترنَّمتتهيِّج من داء الهوى وتثيرُ
تذكِّرني وهناً أفانين سجعهاليالي زرودٍ والمحبُّ ذكورُ
بأبرح مني أن تقول بثينةٌلقد ضربت لي بالعقيق خدورُ
عذيريَ في هذا الهوى من مؤَنِّبٍوهيهات في هذا الغرام عذيرُ
يلوم فؤادي في هواه أما درىبأن فؤاد العاشقين صبورُ
يقول عجيبٌ منك أنت مجرِّبٌفكيف وأني يعتريك غرورُ
فقلت له خفِّض عَدَتكَ صبابتيفكلُّ معنًّى يهتدي ويثورُ
سأركب من شوس القوافي شِمِلَّةًتسير في النعماء حيث تسيرُ
أقامت بسفح الصَّالحيَّة برهةًوحشو حشاها لوعةٌ وزفيرُ
بها من هواء الغوطتين نسيمةٌومن عذب ماء النَّيربين غديرُ
إذا هبطت من ربع جِلِّقَ منزلاًوقد نام حادٍ واستقال مثيرُ
أمرنا بها طوع القياد توجهتركائبها وهو المراد تزورُ
تزور فتًى من آل منجك ماجداًعلى كل من يدعى الأمير أميرُ
وقوله من أخرى، مبتدؤها:
تذكَّر من أكناف رامة مربعاًومغنًى به غصن الشبيبة أينعا
فبات على جمر الغضا يستفزُّهغرامٌ فيذري الدمع أربعَ أربعا
كئيباً لليلات الغميم متيَّماًمعنًّى بأيام الحجون مولَّعا
يخالف بين الراحتين على الحشاويلوي على القلب الضُّلوع توجُّعا
فمن صبواتٍ تستفزُّ فؤادهومن زفراتٍ أضرمت فيه أضلعا
ألا في سبيل الحبِّ مهجة عاشقٍتولَّع فيه الحبُّ حتى تولعا
وعينٌ أبت بعد الأحبة سَحَّهاوفاءً بحقِّ الربع أن تتقشَّعا
سقى الله من وادي منًى كل ليلةٍهي العمر كانت والشباب المودَّعا
ويا جادَ أياماً بها قد تَصرَّمتثلاثاً ومن لي أن أراهنَّ أربعا
وحيَّى مقامي بالمقام وأربعاًلدى عرفاتٍ يا سقاهنَّ أربُعا
فلله ما أبهى بمكَّة مشعراًولله ما أحلى لزمزم مشرعا
ألا ورعى دهراً تقضَّى بجلِّقٍولولا الهوى ما قلت يوماً لها رعى
ويا عاقب الله الغرام بمثلهلكي يعذر العشاق فيمن تولَّعا
خليليَّ مالي كلما لاح بارقٌتكاد حصاة القلب أن تتصدَّعا
وإن نسمت من قاسيون رويحةٌأجد أدمعاً مني تساجل أدمعا
وحتَّى مَ قلبي يستطيع إذا شداحمام اللِّوى بالرَّقمتين ورجَّعا
وكم ذا أقاسي سورة البين والأسىولا يرحم العذَّال منِّي توجُّعا
ألا هكذا فعل الغرام بأهلهومن بات في صنع الهوى ما تصنَّعا
عذيرِيَ من هذا الزمان وأهلهومن لي بمن يصغي لشكواي مسمعا
يخوِّفني منه العدوُّ قطيعةًويظهر لي منه الصديق تفجُّعا
ولم يدر أني للقضاء مفوِّضٌوما كان قلبي للقضاء ليجزعا
وقوله من أخرى، راجع بها أحمد بن شاهين:
حيَّتكِ يا دار الهوى بالأبرقِوطفاء من نوء السِّماك المغدقِ
وغدت تفتِّق في نواحيك الصَّباأرجاً يغصُّ رُباكِ مهما يعبقِ
وتكفَّلت أيدي الرَّبيع بمطرَفٍلتراك تخلعه وبردٍ مونقِ
حتى ترى منك المغاني جنةًمن سندسٍ تزهي ومن إستبرقِ
كم لذَّةٍ في جبهتيك خلسَتُهاوهناً وعين الدهر لمَّا ترمقِ
واهاً لها إن كان فرطُ تأوُّهييجدي على شحط النَّوى وتحرُّقي
لله أيامي بجوِّ سويقةٍسلفت بمصطبحٍ ولذَّةِ مغبقِ
أيام ريحان الشَّبيبة باسقٌيندي وماء هواي غير مرنَّقِ
في حيث ظلُّ اللهو ضافٍ والنَّقامهوًى لجارحةٍ وقلبٍ شيِّقِ
إذ منتداه مراد كل خريدةٍبسوى خيالات الهوى لم تعلقِِ
رودٌ يرنحها الغرام فتنثنيسكرى كخوط نقاً تأود مورقِ
كم ليلةٍ بتنا بأكناف اللوىنلهو بذات الحجل ذات القرطقِ
بتنا على الوادي يراودنا الهوىطوعاً وغير الطرف لمَّا يفسقِ
وكواكب الجوزاء ترنو حسرةًلنظام مجلسنا بطرفٍ محدقِ
والبدر في أفق السماء كزورقٍصافي الُّلجين على رداءٍ أزرقِ
وكأنما نجم الثُّريا إذ بداكفُّ الخريدة ضمَّ لم يتفرقِ
بانت وما بدَلت النَّوىونأت وما حلَّت عقود تفرقي
يا ميُّ حتى مَ الدموع تشي بناوإلى مَ في مضناك لم تترفَّقي
يا ميُّ أنفقت الغرام على النوىإلا هواك ذخرت لما أنفقِ
ما آن أن تتذكرين عهودناوليالياً سلفت بجو الأبرقِ
ما آن أن ترعى عشيَّات الحمىومواسماً مرت بغوطة جلِّقِ
الله يا لمياء في قلب امرئٍلم يألُ ما عنَّ ادِّكارك يخفقِ
الله يا هيفاء في ذي عبرةٍطفقت متى في الفكر خلتِ ترقرقِ
هذا أما وهواك وهو أليَّتيبأعزَّ من قسمٍ وأكرم موثقِ
لم تستمل طرفي رعابيب الحمىكلا ولا أبصر سواك فأعشقِ
ناجزت كل أخي غرامٍ فارعوىأهل الهوى عنِّي ولست بمملقِ
وكتمت سرَّ هواك وهو ذخيرتيعند اللقاء وربما أن نلتقي
يا ربع جلِّقَ لا أغِبَّك عارضٌيهمي عليك بكل أسحم مبرقِ
وسرت تصافح من مغانيك الصباملمومةً فيها هواي ومعشقي
فيها مسامرتي ومعظم صبوتيفيها معاقرتي وفرط تشوُّقي
وله يصف وادي التل: أحد متنزهات دمشق، البلدة التي صورت بها الجنان، وأضحى وقفاً على القلب والجنان. وهو وادٍ مربع النبات، ومسرحٌ مخضر الجنبات.
زهرةٌ وأختها، وشجرةٌ وبنتها. وجرية ماءٍ ورنة صادح، ونشاط واصفٍ وروحة مادح.
إلى رياضٍ كبرود الخمصانة الرود، وحياضٍ كورود الثغر البرود.
وكان مضى له به عهدٌ فارقه وهو عليه واجد، مع فتية صدقٍ هم والحظ المرافق شيءٌ واحد.
أقمنا بوادي التل نستجلب البسطابحيث دنا منا السرور وما شطَّا
وجئنا لروضٍ فتَّقت نسماتهروائح يبعثن الألوَّة والقسطا
وقد ضربت أفنان أغصانه لناستائر إذ مدت خمائله بسْطا
يباري به الورق الهزار كراهبٍيحاكي بعبرانيِّ ألفاظه القبطا
ويعطف ما بين الغصون نسيمهكما اجتمع الإلفان من بعد ما شطَّا
وتملي أحاديث الغرام لحوظُهافترويه لكن ربما نسيت شرطا
جلسنا على الرَّضراض فيه هنيئةًوقد نظمت كالدُّرِّ حصباؤُّه سمطا
به من لجين الماء ينساب جدولٌتجعِّده أيدي النسيم إذا انحطَّا
حكى مستقيم الخطِّ عند انسيابهفنقَّط منه الوجه زهر الرُّبى نقطا
سقى الله دهراً مرَّ في ظله لقدأصاب بما أولى وإن طال ما أخطا
وحيَّ على رغم النَّوى كل ليلةٍتقضَّت به لا بالغوَير وذي الأرطا
ليالي لا ريحانة العمر صوَّحتولا وجدت في أرضها الجدب والقحطا
صحبت بها مثل الكواكب فتيةًأحاديثهم في مسمعي لم تزل قرطا
يفضُّون مختوم الصبابة والهوىويرعون حب القلب لا البان والخمطا
إذا نثروا من جوهر اللفظ لؤلؤاًأودُّ ولو بالسَّمع ألقطه لقطا
يديرون من كأس الحديث سلافةًوربَّما تحكي الأحاديث إسفنطا
ومن نتفه قوله:
يا من هواه بقلبي ليس يبرح منبين الترائب ترب الشوق والأسفِ
أليَّةً بليالينا التي سلفتوبالغرام وإن أدَّى إلى تلفي
وبالدموع التي أجريتها غدراًومدمعٍ فيك لم يطعم كرى ذرفِ
لأنت أنت على ما فيك حبُّك فيجوانحي كامنٌ كالدرِّ في الصدفِ
وكتب إلى صدر الشام وعالمها، ومن به قامت دعائم معالمها عبد الرحمن العمادي المفتي:
رحمة العلم والفتاوى عليهوصلاة الأقلام في الأوراق
وقوله:
القلب أصدق شاهدٍعدلٍ على صدق المحبه
ومن القلوب إلى القلوب مواردٌ للحب عذبه
طوبى لمن يسقى بكاس رحيقها المختوم شربه
فراجعه بقوله:
الحبُّ أظهر من إقامة شاهدٍ بين الأحبه
ومحبةٌ برهانهاعينٌ العيان تعدُّ حبَّه
وإذا ارتضى المولى بفتوى القلب فليستفت قلبه
ومن شعره ما قاله عاقداً فيه حديث: أحبب حبيبك هونامَّا فعسى أن يكون بغيضك يومامَّا، وأبغض بغيضك هونامَّا فعسى أن يكون حبيبك يومامَّا:
بين المحبة والتباغض برزخٌفيه بقاء الود بين الناسِ
بخلاف أقصى الحب أو أقصى الذيهو ضدُّه من كل قلبٍ قاسي
فمآل كلٍّ منهما ندمٌ علىتفريطه ندماً بغير قياسِ
ومن مقاطيعه قوله:
إذا ما أزمع الأحباب ظعناًوثار لدى الوداع حنين وجدي
فقل لهم بعبرة ذي ولوعٍتمتَّع من شميم عرار نجدِ
تتمته:
فما بعد العشيَّة من عرار
قال أبو هلال في كتاب المعاني: الألوان، يعني من النساء، تعتريها بالعشية صفرةٌ مستحسنة، كما قال:
... وصفراء العشيَّة كالعراره
قال الشهاب: أقول: العرار زهر بري أصفر، ومن هنا يفهم معنى قوله:
فما بعد العشيَّة من عرار
وقوله مضمناً:
إن هبَّ ريح التنائيبين الرفاق عصوفا
فقل حشاشة نفسٍوقل خلقت ألوفا
يريد بيت المتنبي:
حشاشة نفسٍ ودَّعت يوم ودَّعوافلم أدر أيَّ الظاعنين أشيِّعُ
وبيته الآخر:
خلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصِّبالفارقت شيبي موجع القلب باكيا
وقوله:
إن رحَّل القوم عناركابهم ظاعنينا
فقل لهم بانكسارٍيا من يعزُّ علينا
تتمته:
أن نفارقهموجداننا كل شيءٍ بعدكم عدمُ
وقوله:
أحببتها هيفاء يزري قدُّهابالغصن رنَّحه النسيم وحرَّكا
مرت فضاع المسك من أردانهافوددْتُ بالأردان أن أتمسَّكا
وقوله:
يا ويح قلبي من هوى شادنٍيجرحه اللَّحظ بتكراره
أدنو فتغدو وردتا خدِّهبنفسجاً يزهو بنواره
وقوله:
أفٍّ لدُنيا لم تزلعن وجه ذلٍّ سافره
تعميرها مستلزمٌتخريب دار الآخره
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع