من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض
فمما جاء في الشكر
حقيقة الشّكر: قيل: الشكر ثلاثة: شكر لمن فوقك بالطاعة قال الله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً
، ولمن فوقك بالإفضال قال الله تعالى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ
، ولنظيرك بالمكافأة قال الله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
وقيل: الشكر ثلاث منازل، ضمير القلب وثناء اللسان والمكافأة بالفعل. وقال عمر بن عبد العزيز: ذكر النعم شكر.
إيجاب الشكر: قال النبي ﷺ: من كان عليه يد فليكافأ عليها فإن لم يفعل فليثنين عليه فإن لم يفعل فقد كفر النعمة. وقيل: إذا قصرت يدك بالمكافأة فليطل لسانك بالشكر.
قال شاعر:
أعليّ لوم إن مدحت معاشراخطبوا إلى المدح بالأموال
يتزحزحون إذا رأوني مقبلاعن كلّ متكامن الإجلال
ذمّ الكفران: خطب نصر بن سيار فقال: قال النبي ﷺ من أنعم على قوم فلم يشكروه فدعا الله
عليهم استجيب له فيهم، اللهم إني قد أحسنت إلى آل سام فلم يشكروه اللهم فاذقهم حر الحديد فما دار عليهم الحول حتى قتلوا جميعا. وقال الله تعالى: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ
إذا قلّ الشكر حسن المن. روي عن النبي ﷺ أنه قال لعن الله قاطعي سبل المعروف فقيل: من هم؟ قال: من أزهد في المعروف لكفران النعمة.
الحثّ على استزادة النّعمة وارتباطها بالشكر: قال الله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
وقال عمر ﵁: أهل الشكر في مزيد من الله تعالى لهذه الآية، قيل: لا زوال للنعمة إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت.
الشكر نسيم النعم، النعمة وحشية فاشكلوها بالشكر.
وقال النبي ﷺ: أوطد الناس نعمة أشدهم شكرا، وقال النبي ﷺ: أشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك فإنه لا زوال للنعمة إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت وإذا كانت النعمة وسيمة فاجعل الشكر لها تميمة.
وقال ابن المقفع: استوثقوا عز النعم بالشكر. وقيل: النعم إذا شكرت قرت وإذا كفرت فرت. قال ابن سقلاب: رأيت البحتري فقلت ما خبرك فأنشد بديهة:
يزيد تفضّلا وأزيد شكراوذلك دأبه أبدا ودأبي
الحثّ عن الإسداء إلى من لا يشكر: قال عمرو بن مسعدة قيل: لا تصحب من يكون استمتاعه بمالك وجاهك أكثر من امتاعه لك بشكر لسانه وفوائد عمله. وقيل: اصنع المعروف إلى من يشكره ويذكره واطلبه ممن ينساه.
من تكفّل لمسترفده بشكره: قال دعبل:
لأشكرنّ لنوح فضل نعمتهشكرا تصادر عنه ألسن العرب
وقال البحتري:
فإن أنا لم أشكرك نعماك جاهدافلا نلت نعمى بعدها توجب الشّكرا
وقال عمارة بن عقيل:
فلأشكرنّك بالذي أوليتنيما بلّ ريقي للكلام لساني
وقال أبو تمّام:
لئن جحدتك ما أوليت من حسنإنّي لفي اللؤم أحظى منك في الكرم
ولبعض المتأخرين:
لأملأنّ لسان الشّكر فيك فقدأطلقته بفعال ملؤه كرم
المظهر عجزه عن شكر المنعم عليه: قال أبو الوفاء:
أيادي لا أستطيع كنه صفاتهاولو أن أعضائي جميعا تكلّم
وقال بعضهم:
شكري لا يقع من نعمه المتظاهرهموقع النقطة من الدائره
وقال شاعر:
ولو أنّ لي في كلّ منبت شعرةلسانا يبثّ الشكر فيك لقصّرا
وقال آخر:
وأسكتتي نعمى كأنّي مفحمولم أر مثلي مفحما وهو مقول
وقال آخر:
أيادي منهم ليس يبلغها الشّكر
وقال الغسّاني:
أثقلت بالشّكر كلّ عاففراقب الله في الرّقاب
وقال آخر:
ما زلت تحسن ثمّ تحسن عائداوأعود شاكر نعمة فتعود
فتزيدني نعما وأشكر جاهدافكذاك نحن تزيدني وأزيد
وقال آخر:
فإن يك أربى عفو شكرك عن يديأناس فقد أربى نداه على شكري
من لا يخفي أياديه: أياد تتضوع ونعم تسطع وآلاء تتطلع.
قال الشمردلي:
أياديك لا تخفى مواقع صوبهافتعفو إذا ما ضيّع الحمد والشكر
وهل تستطيع الأرض من بعد ما انطوتعلى ريّها إنكار ما فعل القطر
وقال نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقال آخر:
هب الروض لا يثني على الغيث نشرهأمنظره تخفى مآثره الحسنا
وقال أبو الحسين الحسني:
وكيف بكفراني صنائعه التيإذا جحدت يوما أقرّ بها جلدي
ذكر الحال بأنّها منبئة عن المقال: في المثل: لسان الحال أفصح من لسان الشكر. وقال الجاحظ: نحن نزخرف باللسان والناس يقضون بالعيان وفي أمرنا أثر ينطق عنا ويتكلم إذا سكتنا.
وقال الموسوي:
وإذا سكتّ فإنّ أنطق من فميعنّي يد المعروف والإحسان
المسلف شكره قبل النّعم: وقال محمد بن عمران:
شكرتك قبل الخير أن كنت واثقابأني بعد الخير لا شكّ شاكر
عتبك من شكرته ولما يستوجب: وقال مسلم:
فما من يد قدمتها كنت مثنياعليك ولكنّي هززتك للمجد
وإن شئت ألقيت التفاضل بينناوقلنا جميلا واقتصرنا على الحمد
وقال آخر:
وشكر الفتى من غير عرف ولا يدولا منّة توليه هزة عاتب
وقال الصاحب:
وإذا الصديق أدام شكري للّتيلم آتها إلّا على التّقدير
أيقنت أن العتب باطن أمرهفسكّت محتشما على التقصير
وقال آخر:
إذا ما المدح صار بلا ثوابمن الممدوح كان هو الهجاء
وقال دعبل:
لا يقبلون الشكر ما لم ينعموانعما يكون لها الثناء تبيعا
وقيل: من رضي بالثناء قبل الاستحقاق تبين ضعف عقله.
الحثّ على الشكر بقدر الاستحقاق: قال أمير المؤمنين ﵁ الثناء من غير الاستحقاق ملق والتقصير عن الاستحقاق عيّ وحسد. وقال رجل لابن الأعرابي: إن نصيبا يقول إنما تمدح الرجال على قد ثوابها، فقال: إن العرب تقول: على قدر ريحكم تمطرون.
شكر من همّ بإحسان وإن لم يفعله: من لم يشكر على حسن النية على إسداء العطية، وكتب الصاحب: إن شكرت فاشكر النية لا العطية، قال شاعر:
لأشكرنّك معروفا هممت بهإن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا أذمّك إن لم يمضه قدرفالشيء بالقدر المحتوم مصروف
ثقل الحمد وتفضيله على الرفد: قال محمود:
فما بلغت أيدي المنيلين بسطةمن الطول إلا بسطة الشكر أطول
ولا رجحت في الوزن يوما صنيعةعلى المرء إلا منّة الشكر أثقل
وقال آخر:
تبهج لي بعرف تشتريهبشكرك أنه بالشكر غال
وقال أبو تمّام:
والحمد شهد لا ترى مشتارهيجنيه إلا من نقيع الحنظل
غل لحامله ويحسبه الذيلم يوه عاتقه خفيف المحمل
ومن باب ثقل الشكر ما روى عن بعض الصالحين، وقد قيل له: مالك لا تطلب الدنيا، فقال: من خاف السؤال عن الشكر طابت نفسه عن المال.
المستغني عن رفد من استغنى عن الشّكر: قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
لئن طبت نفسا عن ثنائي إننيلأطيب نفسا عن نداك على عسري
وقال أبو العتاهية:
ما فاتني خير امرىء وضعتعنّي يداه مؤونة الشّكر
ومما جاء في المدح ومستحقيه والهجو وذويه
التحذير من ألسنة الشعراء وذمّهم: قيل: اتقوا ألسنة الشعراء فإنها سمة لائحة، وأنشد:
وللشعراء ألسنة حدادعلى العورات موفية دليله
إذا وضعت مكاويهم عليهاوإن كذبوا فليس لهن حيله
ومن عقل الفتى أن يتقيهمويدفعهم مدافعة جميلة
فضل الشكر على الوفر والحمد على الرّفد: قال عمر بن الخطاب ﵁ لابنة هرم: ما وهب أبوك لزهير فقالت أموالا فنيت وأثوابا بليت وأشياء انتسيت، فقال عمر ﵁: لكن ما أعطاكموه زهير لا يفنى ولا ينسى وكتب أرسطوطاليس إلى الإسكندر أن كل عقيلة يأتي عليه الدهر فيخلق أثره ويميت ذكره إلا ما رسخ في القلوب من الذكر الحسن يتوارثه الأعقاب.
التخويف من فعل يورث قبح الذكر: قال بعضهم: فلان حافظ من اليوم أعقاب الأحاديث في غد.
قال عوف بن محلم:
فتى يتّقي أن يخدش الذمّ عرضهولا يتّقي حد السيوف البواتر
وقال أبو لحاد:
حذار الأحاديث التي يوم غيّهاعقدن بأعناق الرجال المخازيا
حثّ محبّ الحمد على أسداء النعم: قال حكيم: من أحب الثناء فليصبر على بذل العطاء وليوطن نفسه على الحقوق المرة على احتمال المؤونة.
وقال شاعر:
ما أعلم النّاس أن الجود مكسبةللحمد لكنّه يأتي على النّشب
وقال:
أي أحدوثة تحب فكنها
فضل استقبال الإنسان بممادحه: خياركم من ملئت مسامعه من حسن الثناء وهو يسمع وشراركم من ملئت مسامعه من قبح الثناء وهو يحذر. وقال خالد بن سالم دخلت عليّ أسامة بن زيد فأثنى عليّ ثناء حسنا، ثم قال لي: إنما حملني على أن أمدحك وجهك لأني سمعت النبي ﷺ يقول: إذا مدح الإنسان في وجهه ربا الإيمان في قلبه، وقال رجل لرسول الله ﷺ: إني أحب أن أمدح، فقال: وما عليك أن تعيش حميدا وتموت فقيدا. وروي عنه ﷺ أنه قال: ما أحد أحب إليه المدح من الله ﷿ فقد مدح نفسه وأمر العباد بمدحه.
كراهية ذلك: سمع النبي ﷺ رجلا يثني على آخر فقال: قطعت مطاه لو سمع ما أفلح. وقال عمر بن الخطاب ﵁: المدح ذبح. وقيل إن الإطراء يدعو إلى الغفلة. ولما جرح عمر رضي الله تعالى عنه أثنى عليه الناس، فقال: المغرور من غررتموه لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع. وقيل: استحياء الكريم من المدح أكثر من استحياء اللئيم من الذم. وأثنى رجل على هشام بن عبد الملك فقال: إنا نكره المدح، فقال: لست أمدحك ولكني أحمد الله فيك.
استحسان المدح بين الإخوان واستقباحه: قيل: إذا قدم الإخاء سمج الثناء.
قال كشاجم:
ومستهجن مدحي له إن تأكدتلنا عقد الإخلاص والحقّ يمدح
وما بي الذي في القلب إلا تبيّناوكلّ إناء بالذي فيه يرشح
التحذير ممّن يمدحك في وجهك تصنّعا: قيل: أعوذ بالله من صديق يطري وجليس يغري. وكان رجل يكثر الثناء على أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، وعلم من قلبه خلاف قوله، فقال له: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك. قال الجاحظ: شر الشكر ثناء المواجه لك المسرف في مدحك وخيره ثناء الغائب عنك المقتصد في وصفك.
وصف العتابي رجلا بالمداهنة، فقال: ذلك إن وجد مادحا مدح وإن وجد قادحا قدح وإن استودع سرا افتضح.
قال أبو فراس:
ولا تقبلنّ القول من كل قائلسأرضيك مرأى لست أرضيك مسمعا
التحذير ممّن يتجاوز الحدّ في مدحك: قيل: كن ممن أفرط في تزكيتك أحذر ممن أفرط في الزراية بك. وقيل: من مدح الرجل بما ليس فيه فقد بالغ في ذمه. وفي المثل: من حفنا أو رفنا فليقتصد. وقيل: من أحب أن يمدح بما ليس فيه استهدف للسخرية.
من وضع نفسه وكره الثناء: لما ولي أبو بكر ﵁ خطب فقال: إني وليتكم ولست بخيركم فلما بلغ الحسن قوله قال: بلى ولكن المؤمن يهضم نفسه. وقال الفضيل: لو شممتم رائحة الذنوب مني ما قربتموني، وأثنى على زاهد فقال: لو عرفت مني ما عرفت من نفسي لأبغضتني.
قال المتنبيّ:
يحدّث عن فضله مكرهاكأنّ له منه قلبا حسودا
ما يقول الفاضل عند مدح الناس له: كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول إذا مدح: اللهم أنت أعلم مني بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون. وقيل لأعرابي: ما أحسن الثناء عليك، فقال: بلاء الله عندي أحسن من وصف المادحين وإن أحسنوا وذنوبي إلى الله أكثر من عيب الذامين وإن أكثروا.
النهي عن المدح قبل الاختبار: قيل: لا تهرف قبل أن تعرف. وقيل: لا تحمدنّ أمة عام شرائها ولا حرة قبل بنائها.
وقال رجل لعمر ﵁: إن فلانا رجل صدق فقال: هل سافرت معه أو ائتمنته، قال
لا. فقال: إذا لا تمدحه فلا علم لك به لعلك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد.
عتب من يمدح نفسه: قيل: خطب معاوية خطبة حسنة فقال: هل من خلل فقال رجل: من عرض الناس خلل كخلل المنخل فاستدعاه، وقال: ما ذاك الخلل فقال: إعجابك به ومدحك له. وقيل لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقا قال مدح الرجل نفسه.
وقال معاوية لرجل: من سيد قومك فقال: أنا، فقال له: لو كنت كذلك لم تقله.
وسئل الشاعر الأهوازي كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت والله أظرف الناس وأشعر الناس وآدب الناس، فقال السائل: اسكت حتى يقول الناس ذلك، فقال: أنا منذ ثلاثين سنة انتظر الناس وليسوا يقولون ومدح أعرابي نفسه فعوتب في ذلك، فقال: أكله إليكم إذا لا تقولون أبدا.
الرخصة في ذلك: قال النبي ﷺ: أنا سيد العرب ولا فخر. وحكى الله تعالى عن يوسف الصديق ﵇ أنه قال: إني حفيظ عليم ولم يستقبح ذلك من الشعراء، إذ قالوه نظما.
عذر من يحوج إلى مدح نفسه ومن عرّض بذلك: قد أحسن ابن الرومي في ذلك حيث يقول:
وعزيز عليّ مدحي لنفسيغير أني جشّمته للدّلاله
وهو عيب يكاد يسقط فيهكلّ حرّ يريد يظهر حاله
ووصف للمنصور مشير بن ذكوان فأمر بإشخاصه إليه، فلما دخل قال له: أعالم أنت؟ فقال: أكره أن أقول نعم وفيه ما فيه أو أقول لا فأكون جاهلا، فأعجب المنصور بجوابه وألزمه المهدي. وسأل المأمون عبد الله بن طاهر عن ابنه، فقال ابني: إن مدحته ذممته وإن ذممته ظلمته إلا أنه نعم الخلف لسيده من عبده إذا اخترمته منيته.
من عجز الشعراء عن استيعاب مدحه: قال المالكي:
جهدت ولم أبلغ مداك بمدحةوليس مع التقصير عندي سوى العذر
وفي شعر آخر:
وليس على من كان مجتهدا عتب
وقال آخر:
يزيد على شأوي زياد وجرولوقد غودر ابن العبد في نظمه عبدي
وقال أشجع:
مدحناهمّ فلم ندرك بمدحمآثرهم ولم نترك مقالا
وقال المتنبيّ:
وقد وجدت مكان القول ذا سعةفإن وجدت لسانا قائلا فقل
وقال ابن الحجّاج:
هو البحر إن حدثت عن معجزاتهضعفت عن استغراق تلك العجائب
وإن رام شعري بأن يحيط بوصفهأحاط بشعري العجز من كلّ جانب
من أحيا بأفضاله طريقة الشعر: قال أبو تمّام:
ملك إذا ما الشعر حار ببلدةكان الطريق لطرفه المتحيّر
وله:
وحياة القريض إحياؤك الجود فان مات الجود مات القريض
وقال المتنبّي:
يا أيها المحسن المشكور من جهتيوالشكر من قبل الإحسان لا قبلي
وقالت عابدة المهلبية:
إليّ إليّ أيتها القوافيسيغلي مهرك الملك الجليل
ويروى للخوارزمي:
خذي ثأر الكساد من اللّياليلكل صناعة يوما مديل
وقيل لذي الرمّة: لم خصصت بلالا بمدحك؟ قال: لأنه وطأ مضجعي وأكرم مجلسي فاستولى بذلك على شكري ومدحي.
المستفاد منه ما يمدح به: قال أحمد بن إسماعيل:
وإني وإن أحسنت في القول مرةفمنك ومن إحسانك امتارها جسمي
وقال آخر:
تعلّمت ممّا قلته وفعلتهفأهديت حلوا من جناي لغارس
وقال ابن طباطبا:
لا تنكرنّ إهداءنا لك منطقامنك استفدنا حسنه ونظامه
والله ﷿ يشكر فعل منيتلو عليه وحيه وكلامه
وقال آخر:
إن جدّ معنى فمن جدواه معتصرأو جلّ لفظا فمن علياه مهتصر
المعني بكلّ مدح حسن
متى ما أقل في آخر الدهر مدحةفما هي إلا في ليالي المكرم
قال المتنبيّ:
فظنّوني مدحتهم كثيراوأنت بما مدحتهم مرادي
من يليق به مدحه: قال المتنبّي:
وأصبح شعري منهما في مكانهوفي عنق الحسناء يستحسن العقد
وقال ابن الرومي:
خذها هديا ولم أنكحكها عزبايا ابن الوزير وكم أنكحت من عزب
وقال عليّ بن عبد العزيز:
وأرى المديح إذا عداك نقيصةفأعافه ولو أنّه في حاتم
فإذا امتدحت سواك قال الشعر ليلم ترع حقّي إذ أبحت محارمي
من يستطاب مدحه: قال أبو تمّام:
عذبت ممادحه بأفواه الورىفثناؤه ينتاب كلّ مكان
وقال المتنبّي:
ألذّ من الصّهباء بالماء ذكرهوأحسن من يسر تلقاه معدم
المجمع على مدحه: ذكر أعرابي رجلا فقال: كأن الألسن والقلوب ريضت له فما تعقد إلا على ودّه ولا تنطق إلّا بحمده. وقيل: غاية المدح أن يمدحك من لا معرفة له بك ضرورة إلى مدحك، وأن يسلفك حسن الثناء من عسى أن لا يصل منك إلى نفع.
وقال البحتري:
وأرى الخلق مجمعين على فضلكمن بين سيّد ومسود
عرف الجاهلون فضلك بالعلم وقال الجهال بالتقليد
وقال ابن أبي طاهر:
وما أنا في شكري عليّا بواحدولكنّه في الفضل والجود واحد
من لا يجد أحد عن مدحه محيصا: قال أبو عمر: وغاية المدح أن يمدحك من لا يريد مدحك وغاية الذم أن يذمك من
لا يريد ذمك، وكتب بعضهم: الجاحد فضلك كمن سمى النهار ليلا والشمس ظلا.
قال ابن الرومي:
يا من إذا قلت فيه صالحةعند عدو أقرّ واعترفا
وقال آخر:
ليس يستطيع أن يقول المعاديفيك إلا الذي يقول الموالي
وقال السلامي:
فما عثرت لكم تهم الأعاديعلى خلق ولا خلق قبيح
من مدحه صدق غير منحول: قال الأحوص:
وما أثني من خير عليك فإنّههو الحق معروفا كما عرف الفجر
وقال ابن الرومي:
إذا امتدحوا لم ينحلوا مجد غيرهموهل ينحل الأطواق ورق الحمائم
وكتب بعضهم: مما يبسط لسان مادحك أمنه من تحمل الإثم فيه وتكذيب السامعين.
من يتزيّن بممادحه المدح والمدّاح: قال ابن الرومي:
أنت زنت القلائد الزّهر قدماضعف ما زانت القلائد جيدك
وقال الرفاء:
إذا القوافي بذكره اشتملتعطّرها ذكره وحلّاها
وقال آخر:
وتزينت بصفاته المدح
وقال آخر:
على تطيب بريّاها مدائحناكالمسك تأخذ منه الريح أعرافا
المستغني عن المدح لكثرة فضله: كتب بعضهم: إذا أنا تعاطيت مدحك فكالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر وهل يخفى ذلك على الناظر.
قال البحتري:
جلّ عن مذهب المديح فقدكاد يكون المديح فيه هجاء
وقال المتنبّي:
تجاوز قدر المدح حتّى كأنّهبأكثر ما يثنى عليه يعاب
من ذكر أن أحدا لا يستغني عن الشّكر: وقال شاعر:
فلو كان يستغني عن الشكر ماجدلعزّة ملك وارتفاع مكان
لما أمر الله العباد بشكرهفقال اشكروا لي أيّها الثقلان
مدحك محسنا لم ينلك إحسانه: قال أبو تمّام:
وحسبي أن أطري الحسام إذا مضىوإن كان يوم الروع غيري حامله
وقال عمارة بن عقيل:
أرى الناس طرّا حامدين لخالدوما كلّهم أفضت إليه صنائعه
ولن يترك الأقوام أن يحمدوا الفتىإذا كرمت أعراقه وطبائعه
المعتذر إلى رئيس لمدحه غيره: كان ابن الزيات عاتب أبا تمام في مدحه سواه فاعتذر إليه بقوله:
أما القوافي فقد عضلت عذرتهافما يصاب دم منها ولا سلب
ولو منعت من الأكفاء أيّمهاولم يكن لك في إظهارها أرب
كانت بنات نصيب حين ضنّ بهاعن العوالي ولم تحفل بها العرب
وقال بعض الأكابر لأبي هفان مالك لا تمدحني، فقال:
لسان الشكر تنطقه العطاياويخرس عند منقطع النوال
بخيل راغب في مدح بلا صلة: قال الغفالي:
عثمان يعلم أن المدح ذو ثمنلكنّه يبتغي حمدا بمجّان
والناس أكيس من أن يمدحوا رجلاحتّى يروا عنده آثار إحسان
وقال علي بن الجهم:
أردت شكرا بلا برّ ومرزيةلقد سلكت طريقا غير مسلوك
وقال البحتري:
خطب المديح فقلت خلّ طريقهليجوز عنك فلست من أكفائه
أخذه أبو تمّام حيث يقول:
تزحزحي عن طريق المجد يا مضر
عذر من يغتاب مسيئا: قال المتوكل لأبي العيناء: إلى كم تمدح الناس وتذمهم؟ فقال: ما أحسنوا وأساؤوا، وذلك دأب الله ﷿ رضي عن عبد فمدحه. وقال: نعم العبد أنه أواب، وغضب على آخر فزناه فقال: ويلك وكيف زناه؟ قال: إنه قال في الوليد عتل بعد ذلك زنيم، والزنيم هو الداخل في القوم وليس منهم، ثم أنشد:
إذا أنا بالمعروف لم أثن صادقاولم أذمم الحيس اللئيم المذمّما
ففيم عرفت الخير والشر باسمهوشق لي الله المسامع والفما
وقال ابن أبي عيينة:
أنا ما عشت عليهأسوأ النّاس ثناء
إنّ من كان مسيئالحقيق أن يساء
من ردّ إليه مدحه: مدح ابن الرومي بعض الكتاب بشعر وتردد إليه طالبا جائزته، فدفع شعره إلى غلامه وقال: أمدح به غيري فلست أرغب فيه، فقال:
رددت عليّ شعري بعد مطلوقد دنّست ملبسه الجديدا
وقلت امدح به من شئت غيريومن ذا يقبل المدح الرّديدا
وما للحيّ في أكفان ميتلبوس بعد ما امتلأت صديدا
من استردّه لمّا حرم الجدوى: قال ابن الرومي:
ردّوا عليّ صحائفا سوّدتهافيكم بلا حقّ ولا استحقاق
وله:
إن كنت من جهل حقّي غير معتذروكنت من ردّ مدحي غير متّئب
فأعطني ثمن الطرس الذي كتبتفيه القصيدة أو كفّارة الكذب
من لا يليق به المدح: قال البحتري:
خطب المديح فقلت خلّ طريقهليجوز عنك فلست من أكفائه
وقال منصور بن باذان:
نبت المدائح عن طبائعهولقد يليق بوجهه القذف
وقال سلم الخاسر:
فإن تعطني جرم لأني أمتدحتهافما علمت جرم لها مادحا قبلي
ومدح أبو خليفة رجلا فلم يكن منه ما يحب، فقال: لله در الكميت حيث يقول:
وقرّظتكم لو أن تقريظ مادحيواري عوارا من أديمكم النغل
وقال أبو نواس لما مات جعفر بن يحيى. لا يكون في الدنيا أكرم منه هجوته وقلت فيه:
فلست وإن أطنبت في مدح جعفربأوّل إنسان خرى في ثيابه
فأمر لي بعشرة آلاف درهم وقال اغسل بهذا ثيابك التي خريت فيها.
قال الموسوي:
مدحتهم فاستقبح المدح فيهمألا ربّ عنق لا يليق به العقد
من لا يهتزّ لمدح ولا يغتمّ لهجو: قال رجل لحكيم: لا أبالي مدحت أم هجيت، فقال: استرحت من حيث تعب الكرام. وقيل: من لا يبالي سخط الكرام وشكية الأحرار فطوقه سوءة الحمار. وقيل: ليعد ميتا من لم يهتز لمدح ولا يرتمض من ذم.
قال ابن الرومي:
فما يرتاح للمدحولا يرتاح للذّم
وله:
لا يبالي الشتم عرضكلّه شتم وذمّ
وقال إبراهيم بن المدبر:
أحقّ النّاس كلّهم بعيبمسيء لا يبالي أن يعابا
وقال أبو نواس، وقد تبجح بقلة مبالاته وبما يقال فيه، ويعني بذلك في باب تعاطيه الخسارة:
جريت مع الصّبا طلق الجموحوهان عليّ مأثور القبيح
من يشرّف بالهجو: قال أبو نواس:
أصبح فضل ظاهر التّيهوذاك مذ صرت أهاجيه
كم بين فضل منذ هاجيتهوبينه قبل هجائيه
من يصدق هاجيه ويكذب مادحه: قال مثقال:
ما قلت فيك هجاء خلته كذباإلا بدت لك سوآت تحقّقه
وقال ابن الرومي:
خير ما فيهم ولا خير فيهمأنهم غير آثمي المغتاب
وقال منصور بن باذان:
أبا دلف يا أكذب النّاس كلّهمسواي فإنّي في مديحك أكذب
ونظر رجل إلى أبي هفان يحدث آخر فقال: فيم تكذبان؟ فقالا: في مدحك.
من لا يأثم هاجيه: ورد في الحديث: اذكروا الفاسق بما فيه. وقيل: لا غيبة للفاسق.
قال عبدان:
وقالوا في الهجاء عليك إثموليس الإثم إلا في المديح
لأنّي إن مدحت مدحت زوراوأهجو حين أهجو بالصحيح
المهجوّ بكلّ لسان: ذكر أعرابي قوما، فقال: قد سلخت أقفاؤهم بالهجاء ودبغت جلودهم باللؤم.
لباسهم في الدنيا الملامة وزادهم في الأخرى الندامة.
الداعي على هاجيه وعائبه: نظر الفرزدق إلى رجل ذي عمة، فقال:
قبحت العينان تحتّ العمّة
فقال:
بل قبّح الهاجي وناك أمّه
قال البسامي:
من هجاني من البريّة طرّاوسعى في مساءتي أو لحاني
فاللواتي عليه حرمهنّ اللهفي سورة النساء زواني
وقال أخو دعبل:
بنيت قافية قيلت تناشدهاقوم سأترك في أعراضهم ندبا
ناك الذين رووها أمّ قائلهاوناك قائلها أمّ الذي كتبا
ذمّ قبيح الكلام: قيل: قبيح الكلام سلاح اللئام. وسمع المهلب رجلا يسبّ آخر، فقال: اكفف فو الله لا ينقى فوك من سهكها أبدا. وقال يزيد: إياك وشتم الأعراض فإن الحرّ لا يرضيه من نفسه شين.
الحثّ على قطع مادّة الذمّ بالسّكوت عنه: قيل: من سمع كلمة كرهها فسكت عنها انقطعت، وإلا سمع أكثر منها. وما أحسن ما قال الشاعر:
وتقلق نفس المرء من أجل شتمةفيشتم ألفا بعدها ثمّ يصبر
وقيل: إذا سمعت كلمة تؤذيك فتطأطأ لها تتخطاك.
قال شاعر:
كلّما خفت من لئيم جوابافأطلت السّكوت عنه غممته
وشتم الحسن رجل وأكثر، فقال: أما أنت فما أبقيت شيئا وما يعلم الله أكثر.
من لا يخاف لكونه ممتنعا بغيره: قيل: وقف جدي على سطح فمر به ذئب فأقبل الجدي يشتمه، فقال الذئب: لست تشتمني وإنما يشتمني المكان الذي تحصّنت به.
قال منصور بن باذان:
لو كنت أجسر أن أقولالشفيت من نفسي الغليلا
لكن لساني صارمملئت مضاربه فلولا
وقال آخر:
وما جهلت مكان الآمريك بذايا من هويت ولكن في فيّ ماء
من قصد مدحا فاتفق منه هجو: عيب على جرير قوله:
تعرضت تيم لي عمدا لأهجوهاكما تعرّض لإست الخارىء المدر
فقيل: جعل نفسه إست الخارىء ولو هجى بهذا لكان كثيرا. وقد تقدم في هذا المعنى باب في كتاب الشعر.
التهديد بالهجاء: لما هجا جرير حنيفة بقوله:
إن اليمامة أضحت لا أنيس بهاإلا حنيفة تفسو في مناحيها
لقيه عطية بن دعبل الحنفي، فقال يا جرير: إنك قد عرفت نصرة الفخم وإن لي سيفا يختصم الجزور فو الله لئن عدت لهجاء قومي لأسيلنه منك بشرطين، فقال: لا أنطق بعد هذا فاعف هذه المرة.
وتهدد الفرزدق رجلا بالهجاء فقال له: قل واصدق فقال: إذا أقول خيرا.
قال أبو القاسم بن أبي العلاء:
دع الفضائح تخفىوالليث في الغيل رابض
وله:
لا تخرجني من خيسي فتنكرنيوتؤذي النّاس أحياء وأمواتا
كأنني بك قد ضيّعت موعظتيوجئتني نادما والأمر قد فاتا
ومما جاء في الغيبة والنميمة
حقيقة الغيبة: قال محمد بن عبيدة: الغيبة أن تغتابه إذا أقلع لا أن تغتابه وهو مقيم على فسقه، ولذلك قال النبي ﷺ: ليس للفاسق غيبة. وقال ﵊: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فقد بهته. وقيل: ما قلته في وجه الرجل ثم تقوله من ورائه فليس بغيبة. وقال بعض الفقهاء: الغيبة أن تذكر الإنسان بما فيه من العيب من غير أن تحوج إليه، وفي ذلك احتراز مما يقول الشاهد عند الحاكم.
من امتنع أن يجعل مغتابه في حلّ: قال رجل لابن سيرين: قد نلت منك فاجعلني في حلّ، فقال لا أحل ما حرم الله
عليك. وقيل للحسن: إن الحجّاج كان يذكرك بسوء، قال: علم ما في نفسي له فنطق وعلمت ما في نفسي له فسكت، وكل امرىء بما كسب رهين.
من سمحت نفسه بأن يجعل في حلّ: كان أبو الدرداء ﵁ إذا خرج يقول: اللهم إني قد تصدّقت بعرضي على عبادك، وقد روي عن النبي ﷺ ذلك. وقال كثيّر:
هنيئا مريئا غير داء مخامرلعزّة من أعراضنا ما استحلّت
وقيل لرجل: فلان شتمك واغتابك، فقال: هو في حلّ. فقيل: اتحل من يغتابك وبه يقل ميزانك، فقال: لا أحب أن أثقل ميزاني بأوزار إخواني.
ذمّ ناقص يغتاب فاضلا: قيل: كفى بالمرء شرا أن لا يكون صالحا، وهو يقع في الصحالين.
قال شاعر:
عثيثة تقرض جلدا أملسا
وقال المتنبّي:
وإذا أتتك مذمّتي من ناقصفهي الشهادة لي بأنّي كامل
وقال الموسوي:
عادات هذا الدّهر ذمّ مفضلوملام مقدام ونقص جواد
وكأنه من قول الآخر:
وما زالت الأشراف تهجى وتمدح
ونحوه قول الآخر:
إنما الغيبة تلقيح الشّرف
من رمى غيره بعيبه: رمتني بدائها وانسلت عير بجير بجره، نسي بجير خيره. وقيل: أتبصر القذاة في عين أخيك وتدع الجذع المعترض في حلقك.
اغتياب المرء غيره يدلّ على عيبه: قيل: من وجدتموه عيّابا وجدتموه معيبا، لأنه يعيب الناس بفضل عيبه، وفي ذلك قال:
ويأخذ عيب المرء من عيب نفسهمراد لعمري ما أراد قريب
قال أبو العيناء: ما قطعني أحد كما قطعني المهدي، فإنه قال: بلغني أنك تغتاب الناس، فقلت له: يبطل ما قيل في شغلي بعيبي، فقال: والله ذاك أشد لغيظك على أهل العافية، أعرف الناس بعوار الناس المعور.
تشهّي الغيبة واستطابتها: قال قتيبة لرجل يغتاب آخر: لقد تلمظت بما يعافه الكرام، فقال: لو تلمظت به ما صبرت عنه. وقال رجل لبنيه: إذا اجتمعتم فعليكم حديث أنفسكم ودعوا الاغتياب، فقال أحدهم: نحن نحتاج في هذه السنة إلى كذا وكذا ونفعل ونصنع كذا وكذا، فقد فرغنا من حديثنا فبماذا نشتغل؟ وقيل: الغيبة فاكهة النساك والقرّاء. وقصد رجل ابن عمه مسترفدا لحق له فأحسن إليه فلما عاد سئل فقال: منعني التلذذ بالغيبة والشكوى. ونحوه قول الآخر:
فقضت حاجتي معجلةفجعتّني بلذّة الشّكوى
من اغتاب فاغتيب: قيل: من رمى الناس بما فيهم رموه بما ليس فيه، وقيل: بحثك عن عيوب الناس
يدعو إلى بحثهم عن عيوبك، وقال آخر:
ومن دعا النّاس إلى ذمّهذمّوه بالحقّ وبالباطل
وقال الكلوشي:
تحللت بالسبّ لما رأيتأديمك صحّ ومن سبّ سبّ
فإن لم نجد فيك من مغمزسلكنا إليك طريق الكذب
وقال الشطني:
لا تكشفنّ مساوىء النّاس ما ستروافيهتك الله سترا عن مساويكا
النهي عن استماع الغيبة: قال عمرو بن عبيد لرجل يستمع إلى آخر يغتاب: ويلك نزّه أذنك عن استماع الخنا كما تنزه لسانك عن النطق به. قال شاعر:
وسمعك صن عن سماع القبيحكصون اللسان عن النّطق به
وقال آخر:
والسامع الذمّ شريك لهوالمطعم المأكول كالآكل
وقال: الفضيل الرجل يقول سبحان الله وأخشى عليه بذلك النار وهو الذي يستمد بذلك الغيبة إذا سمعها وقيل: إذا رأيت من يغتاب الناس فاجهد جهدك أن لا يعرفك، فاشقى الناس به معارفه.
قال إبراهيم بن المهدي:
من نمّ في النّاس لم تؤمن عقاربهعلى الصّديق ولم تؤمن أفاعيه
الممدوح بصيانة مجلسه عن الغيبة: مدح بعضهم رجلا فقال: ينزه مجالسه عن الغيبة ومسامعه عن النميمة.
قال كعب الغنوي:
إذا ما تراآه الرجال تحفّظوافلم تنطق العوراء وهو قريب
ومثله قول البهلول:
نبئت أن النار بعدك أوقدتواستبّ بعدك يا كليب المجلس
الحثّ على التثبّت فيما يسمع من السعاية: وشي برجل إلى بلال فلما أتى به، قال: قد أتاك كتاب من الله في أمرنا فاعمل به،
قال الله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
، فقال: صدقت. وأبلغ ملك عن رجل منكرا فأمر بقتله، فقال: إن قتلتني ومن سعى بي كاذب يعظم وزرك، وإن تركتني وهو صادق قلّ وزرك، وأنت من وراء ما تريد، والعجلة موكل بها الزلل فأمر بإبقائه والفحص عن أحواله.
قال كثيّر:
وإن جاءك الواشون عنّي بكذبةفروها ولم يأتوا لها بحويل
فلا تعجلي يا عزّ أن تتبيّنيبنصح أتى الواشون أم بحبول
من سأل صاحبه أن لا يصغي إلى الساعي: لما أراد عند الملك بن صالح الهاشمي الخروج إلى الشأم استدعى حوائجه من جعفر بن يحيى، فقال: أسألك أن تكون لي كما قال ابن الدّمينة:
فكوني على الواشين لداء شغبةكما أنا للواشي ألدّ شغوب
فقال له جعفر أكون كما قال الآخر:
وإذا الواشي أتى يسعى بهايقع الواشي بما جاء يضرّ
من بكّت الساعي به ودلّ على بطلان قوله: سعى رجل بالليث بن سعد إلى والي مصر فأحضره، فقال: إن رأيت أن تسأله أمرا ائتمنته عليه فخانه أم كذب بقوله فالخائن والكاذب لا يقبل قولهما. ووشى واش إلى زياد بن همام وقال: إنه هجاك فاحضره واعلمه، فقال: كلا. فقال: أخبرني بذلك الثقة، فقال: الثقة لا يكون نماما فأحضر الساعي وجبهه بذلك، فقال:
وأنت امرؤ ما ائتمنتك خاليافخنت وإما قلت قولا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننابمنزلة بين الخيانة والإثم
وقال الواثق لأحمد بن أبي دؤاد: فلان قال فيك كذا، فقال: الحمد لله الذي أحوجه إلى الكذب فيّ ونزّهني عن الصدق فيه.
قلّة التخلّص من اغتياب النّاس وذمّهم: سأل بعض الأنبياء ربه ﷿ أن يدفع عنه ألسنة الناس باغتيابه وذمه، فقال: هذه خصلة لم أجعلها لنفسي فكيف أجلعها لك. وقيل: ليس إلى السلامة من ألسنة الناس سبيل فانظر إلى ما فيه صلاحك فالزمه. قال شاعر:
إذا كنت مليحا مسيئا ومحسنافغشيان ما تهوى من الأمر أكيس
ذمّ ناقل الغيبة: قيل: الرواية أحد الشاتمين، وقيل من بلّغك فقد سبك، قال:
مبلغك السوء كباغيه لكا
وقيل لحكيم: فلان عابك بكذا، فقال: لقد لقيتك نفحتني بما استحى الرجل من استقبالي به. وقيل: ما ضرّت كلمة ليس لها مخاطب. ويدخل في هذا الباب قول الشاعر:
وأنت امرؤ ما ائتمنتك خاليا
البيتين وقد تقدما.
وكان أبو ضمضم إذا قعد للحكم يقوم بإزائه رجل يعلق نوادره فعلم بذلك أبو ضمضم فرماه يوما بلوح في يده فشجّه، فقال له بعضهم: ما أصاب فقال استرق السمع فاتبعه شهاب ثاقب.
من اغتاب غيره فرآه: اغتاب أعرابي رجلا فالتفت فرآه، فقال: لو كان خيرا ما حضرته. ويقال لمن حضر إذا ذكر غائبا نزه: اذكر الكريم وافرش له اذكر الكلب وهيىء له العصا.
الحثّ على التحرّز ممّا يقتضي الغيبة: قال الحسن ﵁: من دخل مداخل التهمة لم يكن له أجر الغيبة. وقيل: من عرّض نفسه للتهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن واغتابه.
من لا يحرّم اغتيابه: قال النبي ﷺ: للفاسق غيبة، وقال: اذكروا الفاسق بما فيه. وقال: لا غيبة لثلاثة فاسق مجاهر وإمام جائر ومبتدع فاجر.
نوع من ذلك: روي فيما أظن عن ابن عمر ﵄ أنه قال: سعى رجلان بمؤمن آل فرعون إليه وقالا إن فلانا لا يقول إنك ربه، فأحضره فرعون وقال للساعيين: من ربكما فقالا:
أنت، وقال للمؤمن: من ربّك فقال: ربّي ربهما، فقال: سعيتما برجل على ديني لأقتله، لأقتلنكما، وأمر بهما فقتلا، فذلك قول الله ﷿: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ
. جرى بين عتبة بن رؤبة وبين بشار شيء، فقال عتبة:
أتقول لي كذا وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟ فقال: أقول لك ذلك ولو كنت من الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
ومما جاء في التحية والأدعية والتهنئة
الحثّ على التحيّة ووصف فضلها: قال النبي ﷺ: إذا التقيتم فابدؤا بالسلام قبل الكلام، ومن بدأ بالكلام فلا تجيبوه وقال ﷺ: بلوا أرحامكم ولو بالسلام. وقال بعضهم: بثوا السلام فهو رفع للضغينة بأيسر مؤنة واكتساب أخوة بأهون عطية.
قال شاعر:
كيف أصبحت كيف أمسيت ممّايزرع الودّ في قلوب الكرام
عنى تحية فقال هدية فلانا وقال رجل لآخر: أبلغ حسنة ومحمل خفيف.
الحثّ على الجواب: روي أن التحية نافلة والجواب فريضة ويدل على ذلك قوله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
. ومر رجل بقوم فسلم فلم يردّوا عليه، فقال: يا عجبا ممن خولتهم نافلة فمنعوا عني واجبا. وسلم نصراني على الشعبي فقال: وعليك السلام ورحمة الله، فقيل: أتقول ذلك لنصراني؟ فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟ وقال ﷺ: أطعموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام.
ذمّ تحية من لا نفع لديه: قال شاعر:
وما مرحب إلا كريح تنسّمتإذا أنت لم تخلط نوالا بمرحب
وقال آخر:
إذا كان ردّ المرء ليس بزائدعلى مرحبا أو كيف أنت وحالكا
فلم يك إلا كاشرا ومواريافأفّ لودّ ليس إلا كذلكا
التسليم: دخل رجل على أمير المؤمنين كرّم الله وجهه فقال: السلام عليك سلاما تتصل آماله بسمعك أبدا ما بقيت من وليك بطوع قلبه وصادق ودّه، ومن عدوك برغم أنفه وذل خدّه.
في التّلبية
لبيك إذ دعوتني لبّيكاأحمد ربّا ساقني إليكا
حمد المصافحة والحثّ عليها: قال النبي ﷺ: إذا لقي المؤمن المؤمن فصافح أحدهما الآخر تناثرت الخطايا بينهما كما يتناثر ورق الشجر. وكان ﷺ إذا صافحه إنسان لم ينزع يده حتى يكون هو الذي ينزع يده وقيل: المصافحة تزيد في المودّة.
قال شاعر:
تصافحت الأكفّ وكان أشهىإلينا أن تصافحت الخدود
نعيش إذا التقى كفّ وكفّفكيف إذا التقى جيد وجيد
وقال آخر:
وصافحت من لاقيت في البيت غيرهاوكلّ الهوى منّي لمن لا أصافح
وقال القصاني:
قد أحدث النّاس ظرفاأربى على كلّ ظرف
كانوا إذا ما تلاقواتصافحوا بالأكفّ
فأحدثوا اليوم لثم الخدود واللثم يشفي
فصرت ألثم خدّيهـ من طريق التحفّي
بقية باب حمد المصافحة والحثّ عليها: قيل لرجل من قريش: كيف حالك؟ فقال: حال من يهلك ببقائه ويسقم بصحته ويؤتى من مأمنه. قال الربيع الحاجب لأبي العتاهية: كيف أصبحت؟ فقال:
أصبحت والله في مضيقهل من دليل إلى طريق
ولها باب في غير هذا الموضع.
الدعاء بالرحب والسّعة: قال رجل للأصمعي: مرحبا وأهلا وسهلا، فقال: أرحب الله بلدك وأهلّ رحلك وسهل أمرك. وقال رجل لخالد بن صفوان: مرحبا بك، فقال: رحب واديك وعزّ ناديك.
الدعاء بإطالة البقاء: قيل: ليس في الدعاء مثل أطال الله لك البقاء وأدام لك العلاء، ومثل ذلك: عش ما شئت كما شئت.
وقال المتنبّي:
بقيت بقاء ما تبني فإنّيأراه بقاء يذبل أو أبان
وقال آخر:
فلا زالت الشمس التي في سمائهمطالعة الشمس التي في لثامه
ولا زال تجتاز البدور بوجههفتعجب من نقصانها وتمامه
وقال عمارة:
فذا العرش زد في عمره من صلاتناوأعمارنا حتّى يطول له العمر
وقد نسب قوم: أطال الله بقاءك وجعلني فداءك إلى الإحالة. وقد روي أن أول من خاطب بذلك أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه.
الدعاء بصبّحك الله بخير: كانت العرب تتحيا في الجاهلية بقولهم:
صبّحك الله بخير فاخرولحم طير وشراب خازر
قبل طلوع الشمس للمسافر
صبّحك الافلاح بكل خير ونجاح، صبحك الخير وجنّبك الضير وقوّى منك الأير.
وقال رجل لآخر: كيف أصبحت؟ فقال بخير، فقال: هلا قلت: أحمد الله وأستغفره فكان أوله شكرا وآخره عبادة، صبحتك الأنعمة بطيّبات الأطعمة.
الدعاء بكبت العدا والحسّاد والإعاذة من شماتتهما: قال أعرابي: أراك الله في عدّوك ما يعطفك عليه وقالت امرأة لرجل كبت الله كلّ عدو لك إلا نفسك، وإنما أرادت بذلك قول النبي ﷺ: أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، أعاذك الله تعالى مما يقلق قلب الصديق ويضحك سنّ العدو، أعاذك الله من خيبة الرجاء وشماتة الأعداء وزوال النعمة وفجاءة النقمة.
قال الصاحب لا زال أعداؤه في قل وذل وأمر منحل مضمحل وقال الخوارزمي:
ولا زالت عداك بكلّ أرضلهم من سوء ظنّهم نذير
قصير نهارهم خوف طويلبهم وطويل عمرهم قصير
وقال المتنبّي:
وأراك دهرك ما تحاول في العدىحتّى كأنّ صروفها الأقدار
الدعاء ببلوغ الأمل: قال شاعر:
أنالك ربّك ما تأملهوحقّ لك الله ما تسأله
قال الموسوي:
ظفرت بما اشتهيت من اللياليوأعطيت المراد من الأماني
الدعاء بأن جعل الله له النعم وأدامها عليه: زادك الله كما زاد نابك وأعطاك أكثر مما أعطانا منك، وقال ابن القرية: لا زلت في رحب من البال وثروة من المال في غبطة وسرور وبعد من المكروه والشرور. أعطاك تعالى حتى ترضى وزادك بعد الرضا وتوفر لك من سعته ما لا تهتدي لمسألته ولا يحيط قلبك بمعرفته، وجعل ذلك موصولا بالثواب المدّخر للمحسنين. أنعم الله عليك بما يعجز عنه شكرك ولا أبلاك بما يضيق عنه صدرك، منحكم الله منحة لا تغار ليست بجداء ولا نكراء ولا ذات داء جعل الله نعمك هبة مخلّدة لا عارية مستردة.
قال المتنبّي:
أتمّ سعدك من لقاك أولهولا استردّ هبات منك معطيها
وقال عليّ بن الجهم:
أتم الله نعمته علينافإنّ تمامه نعم علينا
الدعاء بزيادة النعماء والعلاء: قال المتنبّي:
إن كان فيما نراه من حسنفيك مزيد فزادك الله
وقال أبو تمّام:
إسمع أقامت في ديارك نعمةخضراء ناعمة ترفّ رفيفا
وقالت عنان جارية الناطفي:
نعم إذا النعم انتقلن تخيّمتوإذا نفرن عدت عليك ألوفا
وقال آخر:
أيا رب زده نعمة وكرامةعلى غيظ أعداء وإرغام حاسد
الدعاء بأن يقيه الله من الفقر ويجعل له سعة من اليسر: جعل الله لك في الخير جدا ولا جعل معيشتك كدّا، أعاذك الله من القنوع والخضوع والخنوع، أعاذك من بطر الغنى ومذلة الفقر، جعل الله لك رزقا واسعا وجعلك به قانعا، وهب الله من غناه ما لا يقدر عليه سواه. قال رجل لمسروق بن الأجدع: أعاذك الله من خشية الفقر وطول الأمل ولا جعلك ردية السفهاء وشينا على الفقهاء.
وقال أعرابي: رزقك الله من غير طلب شديد ولا سفر بعيد، جعلك الله في الرزق حولا لغيرك.
تهنئة بولاية: أهنىء بك العمل الذي وليته ولا أهنئك به، لأن الله تعالى أصاره إلى من يورده موارد الصواب ويصدره مصادر الحجّة. لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ دخل عليه شاب من الأنصار، فقال: ما طيبتك الخلافة ولكن طيّبتها
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع