من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض (٢)
وما زينتك الولاية بل زينتها، فأنت كما قال:
وتزيدن أطيب الطيب طيبا
وقال إبراهيم بن العباس:
ما حددت لك من نعمى وإن عظمتإلا يصغرها القدر الذي فيكا
لا زلت مستحدثا نعمى تسرّ بهاعلى الليالي ولا زلنا نهنّيكا
وقال ابن الرومي:
قل لك الملك ولو أنهمجموعة فيه الأقاليم
والله يبقيك لنا سالمايأتيك تبجيل وتعظيم
وقال أبو الغمر:
ليهنك الفتح مشفوعا حسا وزكاوصاحبتك الليالي غضّة ضحكا
تهنئة بنيروز: قال شاعر:
أنعم بنيروزك وابهج بهمتّعت ألفا مثله بعده
أهدي بعض الأدباء يوم نيروز وردة وسهما ودينارا ودرهما فقال:
لا زلت كالورد لذيذ المنسمونافذا مثل نفاذ الأسهم
في عزّ دينار ونجح درهم
تهنئة بمهرجان: قال المهلّب بن مالك:
جاءك المهرجان يختال طلقافي هواء صاف وفي زعفرانه
نلت فيه الذي به نال افريدون من رغم حاسد وهوانه
تهنئة بزفاف: نهى النبي ﷺ أن يقال بالرفاء والبنين، وكان يقول: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينما بخير. وهنأ ابن القرية الحجّاج، فقال: أقرّ الله عينك ورزقك ودها وولدها وجعلك الباقي بعدها.
قال ابن الرومي:
سيدة زفت إلى سيّدأبدلنا اليسر من العسره
ألّف بالتوفيق شملاهمافي نعمة تمّت وفي خيره
عمّره الله وأبقى لهركنيه من عزّ ومن قدره
تهنئة بولد: قال شبيب بن شبة للمهدي: أراك الله في بنيك ما رأيته في أبيك. وقال رجل عند الحسن: ليهنك الفارس، فقال: لعله يكون بغالا، قل شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب ورزقت رشده وبلغ أشده. ونظر رسول الله ﷺ إلى رجل معه صبي فقال: أهذا ابنك؟ قال: نعم. قال: أمتعك الله به. وقال إسحاق الموصلي للفضل بن الربيع:
مدّ لك الله الحياة مدّاحتّى يكون ابنك هذا جدّا
ثم يفدّى مثلما تفدىأشبه منك سنّة وقدّا
وقال الرفّاء:
تملّ فارسك المذكور في شيمبمثلها الذكر الصمصام مذكور
وافى ومولده الوافي يخبرنابأنه ناصر للمجد منصور
فعاش ما نشر الديجور حلّتهوما انطوى بضياء الفجر ديجور
حتّى تراه وقدح السيف في يدهمثلم وسنان الرّمح مأطور
تهنئة بابنة: كانوا يقولون: أمّنكم الله منها العار وكفاكم منها المؤونة.
قال الصاحب:
إيّاك أن تنكر الإناث فكمأنثى غدت في فخارها ذكرا
الدعاء للمسافر: قال النبي ﷺ لرجل أراد سفرا: اللهم أطوله البعيد وهوّن عليه العسير. وكانوا يقولون: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل.
قال السري الرفاء:
الله جارك ظاعنا ومقيماوظهير نصرك حادثا وقديما
إن تغن كان لك النجاح مصاحباأو تثو كان لك السرور نديما
وقال المتنبّي:
وإذا ارتحلت فشيّعتك سلامةحيث اتجهت وديمة مدرار
وصدرت أغنم صادر عن موردمرفوعة لقدومك الأبصار
وقال الخبزارزي:
رعاه الله حيث غدا وساروأعقبه الغنيمة والإيابا
وقال أبو المعافاة:
ردّك الله إلينا سالمابعد غنم واغتباط وظفر
الدعاء للقادم من سفر قال أبو العتاهية
: لا زلت من غنم إلى راحةتقدّم يا خير فتى قادم
وقال ابن الرومي:
لا زلت من غنم إلىدعة وأمن قادما
وله:
قدوم سعادة وقفول يمنهو البشر المخفّف كلّ حزن
وقيل لما دخل النبي ﷺ المدينة كان نساؤها يقلن:
طلع البدر علينامن ثنيّات الوداع
وجب الشكر عليناما دعا لله داع
تهنئة بالصوم: قال الصنوبريّ:
نلت في ذا الصّيام ما ترتجيهووقاك الإله ما تتّقيه
أنت في النّاس مثل ذا الشهرفي الأشهر بل مثل ليلة القدر فيه
تهنئة بالعيد: قيل: قبل الله منك الفرض والسنّة واستقبل بك الخير والنعمة.
وقال ابن خلاد:
بأسعد طالع عيّدت يا منبطلعته سعادة كلّ عيد
وقال المتنبّي:
هنيئا لك العيد الذي أنت عيدهوعيد لمن سمّى وضحّى وعيّدا
ولا زالت الأعياد لبسك بعدهاتسلّم مخروقا وتعطى مجدّدا
وقال آخر:
البس النعماء ما أومض برق في غمام
واصلا عيدا بعيدودواما بدوام
تهنئة بخلعة: قال أبو بكر الصولي:
خلع خلعت بها قلوب عداكاملأت سرورا كلّ من يهواكا
لا زلت تلبس كلّ يوم مثلهاأبدا على إرغام من عاداكا
ووقاك ربّ النّاس ما تخشاه منعنت الزّمان وظلمه وكفاكا
تهنئة بدار: قال ابن الرومي:
دار أمن وقرارواعتلاء واقتدار
أسست والطير باليمن وبالسّعد جوارخير دار حلّ فيها
خير أرباب الدّياروقديما وفق الله خيار الخيار
وقال القاضي علي بن عبد العزيز:
ليهن ويسعد من به سعد الفضلبدار هي الدنيا وسائرها فضل
دعاء لتناول شيء من لحيته: نزع رجل من لحية الحسن قذاة، فقال: لا بك السوء، وقال آخر: لا عدمت ربك نافعا. وتناول بعضهم من لحية رجل شيئا فقال: صرف الله عنك السوء. فقال إليك لا عاد. ورأى الفتح شيئا في لحية المتوكل فلم يمد يده إليه ولا قال له شيئا، بل قال يا غلام هات مرآة أمير المؤمنين فجيء بها ونظر فيها فأخذه بيده.
وعلى العكس من هذا الباب: قال الأصمعي: نزع رجل من لحية آخر شيئا فقال: نزع الله ما بك من نعمة. وتناول
بشّار من لحية رجل شيئا فقال: لا يمنعني أن أقول صرف الله عنك السوء إلا مخافتي أن يذهب الله بوجهك إنه سوء. ومن هذا الباب قال أبو الأسود: لا يفض الله فاك أي لا يجعله فضاء بذهاب الأسنان. وقال بعضهم: طاب طيبك وعاش حبيبك ولا زال خير ينوبك. وقال رجل لآخر: رحمك الله فقال له مجيبا له: يغفر الله لي ولكم، فقال ما أنصفتنا آثرناك على أنفسنا بالدعاء وجعلتنا علاوة على نفسك.
ومما جاء في الدعاء على الإنسان
حذق اللئيم بالسّباب وعجز الكريم عنه: قال أمير المؤمنين علي ﵁: ما تساب اثنان قط إلّا غلب ألأمهما. أخذه الشاعر، فقال:
وإنّك قد ساببتني فغلبتنيهنيئا مريئا أنت بالسبّ أحذق
ونازع رجل المهلب فأربى عليه، فقيل له: لم سكتّ عنه؟، قال: استحييت من سخف المسابة ورغبت عن غلبة اللئام، وكان إذا سبني تهلل وجهه واستنار لونه وتبجحت
نفسه فإن غلب فبفضل القحة ونبذ المروءة وخلع ربقة الحياء وقلة الاكتراث بسوء الثناء.
ما جعلته العرب تعجّبا من الشّتّم: تقول العرب: قاتله الله. قال ابن الأعرابي: إذا قيل قتله الله لا يكون إلا شتما وإذا قيل قاتله الله يكون تعجبا. وماله، لا عد من نفره وتربت يداه وثكلته أمه وهوت أمه كل ذلك يستعمل على طريق التعجب واستعظام القول فيه، ولهذا قال بعض الشعراء:
أسب إذا أجدت القول ظلماكذاك يقال للرجل المجيد
الحثّ على التعريض بالشتم دون التصريح: قال أبو عمرو بن العلاء: أحسن الشتم ما يتذاكره ذوو المروآت في مجالسهم ولا يتحاشى من روايته أهل الأديان.
الدعاء على إنسان بالمرض: قال أعرابي لرجل: إن كنت كاذبا فبعث الله عليك داء ليس له دواء. وقال آخر: رماه الله من الداء بما يصير به رحمة للأطباء. وقيل: ماله خرب وحرب وذرب، معنى ذرب فسدت معدته. ماله وراه الله الورى سعال يقيء منه الدم، قال عبد بني الحسحاس:
وراهنّ ربّي مثل ما قد وريننيوأحمى على أكبادهن المكاويا
وقيل: بفيه الثرى وحمى خيبرا. فإنه خيسرى ابن خاسر أبرد الله مخّه، أي أهزله.
ماله ال وغل وسل كساه الله عصابة رمد ورداء نكد وإزار جذام.
الدعاء عليه بفقدان الجوارح
جذعه الله جذعا مرعبا،أشل الله عشره
فلا استقلّت أبداسوطا من الأرض يده
وقالت جارية الناطفي:
فليت من يضربها ظالماتيبّس يمناه على سوطه
الدّعاء عليه بذهاب المال: شرب باردا وجلب قاعدا. أي لا كان له لبن حتى يشرب الماء القراح، وعوّض من الإبل غنما يحلبها قاعدا ونحوه. أباد الله رواغيه وأبقى ثواغيه. رماه لله بقرع الفناء وصفر الإناء. قرع مراحه وساف ماله. لا طلبته الخيول ولا تكاءدته المحول، أي لا جعل الله له مالا تطلبه الخيول للغارة أو يتكاءه جدب الزمان. فعلى هذا حمل قول الشاعر:
وجنّبت الجيوش أيا زينبوجاد على منازلك السّحاب
الدعاء عليه بالهلاك: رماه الله حيث لا يرى بفاقرة الثرى، أي الأفعى. كقولهم: رماه الله بأفعى عادية ورماه الله ببليّة لا أخت لها، وتقول: ثل عشره وجذ ثدي أمه وهوت أمه، وزال زواله ولا
عد من نفره، رماه الله بثالثة الأثافي ورياح عاصفة وسيول جارفة. ويقال: مالكم تفاقدتم فجع الله به وادا ودودا واشمت به حاسدا حسودا، وسلّط عليه هما يضنيه وجارا يؤذيه وعدوا يرديه، أقام الله عليه ناعيه وأشمت به أعاديه.
قالت امرأة:
ارم بسهمين على فؤادهواجعل حمام نفسه في زاده
وفي معنى أفقدنيه الله
فقدت خيالك لا من عمىوصوت كلامك لا من صمم
قال الحميري:
ربّ قد أعطيتناهوهو من شرّ عطاء
فارجعنه ربّ عنّابإزار ورداء
الدعاء بإزالة الدولة: قال أبو هفّان:
أزال الله دولتهم سريعافقد ثقلت على عنق الزّمان
وقال جحظة البرمكي:
سألت الله تعميرا طويلاليبهجني بخطب يعتريكم
أخاف بأن أموت ولن ترينيصروف الدّهر ما أهواه فيكم
الدعاء على ظاعن: ودعت امرأة زوجها ورمته بروثة ونواة وحصاة، وقالت: راث خبرك وتناءت دارك وانحصى أثرك، ثم أنشدت:
اتبعته إذ رحل العيس ضحىبعد النواة روثة حيث انتوى
للروثة الريث وللنأي النّوى
وقال علي بن عاصم:
أمّا وقد ضمّه الفرارفلا يضمنّه القرار
ولا اطمأنت به الفيافيولا استقرّت به الدّيار
وقال ابن حازم:
وداع دون أوبته النّشورونأي لا يقربه مسير
وقال غير ميمون ولكنبأنكد ما يدور وما يطير
وقال أبو هفّان:
في عذاب يطلب الطالب من أدناه موته
ونحوس قاطعاتلك عما قد نويته
الدعاء على متزوّج: قال بعضهم: المتزوج بالبيت المهدوم والطائر المشؤوم والرحم المعقوم.
قال أبو الفرج الكاتب:
بالرّزايا والطائر المنكوسكان يوم الزفاف والتعريس
واصل الله باتصالك هذانكبات مبيدة للنفوس
دخلت رجلها دخول قداروطويس ومنشم والبسوس
وتبدلت بالجلاء جلاءوبرحب الديار ضيق الحبوس
الدعاء على باني دار: قال البسّامي:
شدت دارا خلتها مكرمةسلط الله عليها الغرقا
وأرانيك فقيرا وسطهاوأرانيها صعيدا زلقا
ومما جاء في الهدايا
الحثّ على قبول الهدية: قال النبي ﷺ: إن الهدية رزق الله فمن أهدى إليه شيء من غير سؤال ولا إسراف فليقبله فإنما هو رزق ساقه الله إليه، وقال: من سألكم بالله فاعطوه ومن استعاذكم فأعيذوه ومن أهدى إليه كراع فليقبله. وقال: لو أهدي إليّ كراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت.
الحثّ على المقابلة: قال الله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
، فسّره بعضهم بالهدية وجعل الثواب بها واجبا وروي أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية ويثيب عليها ما هو خير منها.
أنشدني بعضهم:
رأيت النّاس طرّا في الهداياكبيع السوق خذ منّي وهات
طلب الهدية ومعاتبة من تركها: روي أن رجلا أهدى إلى الحسن والحسين ﵄ ولم يهد إلى ابن الحنفية فأنشأ أمير المؤمنين علي ﵁ يقول:
وما شرّ الثّلاثة أم عمروبصاحبك الذمي لا تصحبينا
وكتب رئيس إلى بعضهم: لا تهدين ما يجحف بحالك فإنه لا يزيد في مالي ولا يمنعك من ملاطفتي بيسير، واللطف استعظامك لمكاني فالكثير منك يسير واليسير عندنا كثير والسلام.
قال المعيطي:
أتاني أخ من غيبة كان غابهاوكنت إذا ما غاب أنشده الركبا
فجاء بمعروف كثير فدسّهكما دسّ راعي السوء في حضنه رطبا
فقلت له: هل جئتني بهديةفقال: بنفسي قلت: أطعمتها الكلبا
هي النفس لا أرثي لها من ملمةولا أتمنّى إن نأيت لها قربا
الهديّة مشتركة: قال النبي ﷺ: إذا أتى أحدكم بهدية فجلساؤه شركاؤه فيها. وكان الهيثم بن عدي يحدث بهذا الحديث فما تمم حتى طلعت هدية فقال: ما خلا هذه.
نهي الولاة عن قبول الهديّة: صعد النبي ﷺ المنبر فقال: ما بال أقوام استعملتهم على الصدقات فيجيء أحدهم فيقول هذا ما لكم وهذا أهدي إليّ، هلّا جلس في حفش أمه فينظر أيهدى إليه، والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقّه إلا لقي الله يحمله فليأتين أحدكم وعلى رقبته بعير له رغاء بقرة لها خوار وشاة لها ثغاء، ثم رفع يده وقال: اللهم قد بلغت.
وروي: إياكم والهدية فإنها ذريعة الرشوة. ولعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي.
قال الشيخ وقد ذكرت خبر أنوشروان مع غيره في مثل هذا الباب في الولايات.
استرداد ظروف الهدايا وتركها: قال الغنوي: استديموا الهدايا برد الظروف، وقال إسحاق بن إبراهيم: كنت مع الرشيد بالكوفة في شهر رمضان، فقال لموسى بن عيسى: يا أبا عيسى. حلواؤنا عليك، وكان يوجه إليه كل ليلة عشر صحاف. فلما كان بعد عشر ليال قطعها، فقال له الرشيد أصغوت فقطعت الحلواء، فقال: ما قطعها غيرك إن أنصفت. قال: كيف؟ قال: إن من يأخذها منا لا يريد صحفة ولا منديلا ولا طبقا، قال: بئس ما عمل إن الهدايا تستدام برد الظروف فإذا صرت المتقاضي وأنت القاضي فلا تحتشم أحدا في استرداد الظروف.
للصاحب وقد أهدى دنانير على طبق فضة فكتب بأبيات فيها:
والظرف يوجب أخذه مع ظرفه
المقتصر في الهديّة على الشّكر: قال المازني: أظرف من اعتذر للفقر واقتصر على الشكر في الإهداء أحمد بن إبراهيم
كتب إليه ابن ثوابة:
إنّي جعلت هديّتيفي المهرجان إليك شكري
لمّا تعذّر واجبفسح التعذر فيه عذري
فإذا مررت بذكر منجاءت هديّته ببرّ
فادر على اسمي دارةواكتب عليه أتى بعذر
وقال محمد بن أبي حكيم:
رأيت كثير ما يهدي قليلالعبدك فاقتصرت على الدّعاء
وقال آخر:
وافق المهرجان والعيد منّيرقّة الحال وهي داء الكرام
فاقتصرنا على الدعاء وفيهعون صدق على قضاء الذّمام
المقتصر على إهداء النفس: اقتصد المتوكل فلم يبق أحد من جواريه وحشمه إلا أهدى إليه، فأخبرت قبيحة بذلك، وكانت معشوقته فتزينت ودخلت عليه فأنشدته:
طلبت هديّة لك باحتيالعلى ما كان من حسّي وبسّي
فلمّا لم أجد شيئا نفيسايكون هديّتي أهديت نفسي
فقال المتوكل: نفسك والله أحب إليّ.
قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
حبيبي فصدت العرق من أجل علّةفلم تهد لي فيه وصالا مجدّدا
فأهديت نفسي يوم فصدي بوصلهاإليك فخذها كي تكون لك الفدا
استهداء النفس: كتب أبو العباس بن رشيد إلى صديق كان مشغوفا به:
النّاس يهدون إلى المفتصدأحسن ما يلقونه في البلد
فاهد لي وجهك يا سيّديفإنّه أحسن شيء يرد
ذكر الهديّة بأنها أمارة لفضل صاحبها أو نقصه: قيل: يعرف فضل المرء بفضل هديته وسخافته بسخافة بره. وقيل: ثلاثة تدل على عقول أربابها الهدية والرسول والكتاب. وقد حكى الله تعالى عن بلقيس أنها قالت وإني مرسلة إليه بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون، فجعلت جواب الهدية دلالة.
قال كشاجم:
إنّ هدايا الرجال مخبرةعن قدرهم قلّلوا أو احتفلوا
الشاكر المهدي إليه
أتتنا هدايا منه أشبهن فضلهومنّ عليّ منعما متفضّلا
ولو أنه أهدى إليّ وصالهلكان إلى قلبي ألذّ وأوصلا
ومما جاء في الطب والمرض والعيادة: قيل: حد الطب دفع الضد بالضد، وقيل: هو معرفة الداء وتلقيه بالدواء. وأصل الطب العلم والطبيب صار اسما للعالم بمداواة أبدان الناس. وقيل: هو استدامة الصحة ومرمة السقم. وقال عبد الله بن المعتز: المرض حبس البدن والهم حبس الروح.
مدح طبيب حاذق: حكي أن سلمويه طبيب المأمون، وكان قد أسنّ وذهب بصره، كان دخل على
المأمون يتكىء على صبية تقوده، فلما قام المأمون قام ثم رجع، فرجع سلمويه إلى حضرته واتكأ على تلك الصبية، فقال للمأمون: هذه الصبية كانت بكرا وخرجت من عندي الساعة وعادت ثيبا فاستخبرها، فقالت: إن العباس ابن أمير المؤمنين دعاني إلى نفسه لما خرجت فافتضني، فقال له المأمون: وكيف علمت ذلك؟ فقال: كنت أخذت مجستها فوجدتها قوية ثم جسستها فوجدت نقصانها فعلمت ذلك، فتعجب المأمون من حذقه ونحو ذلك في التنجيم.
ذمّ طبيب: رأى أفلاطون إنسانا مدعيا للصراع ضعيفا في دعواه ثم تحول طبيبا، فقال له: الآن أحكمت الصراع، تهيأ لصراع من شئت فإنك تصرعه. ترك لافس التصوير وتطبب فقيل له في ذلك فقال: الخطأ في التصوير تدركه العيون وتلحقه العيوب وخطأ الطبيب تواريه القبور. ورأى فيلسوف طبيبا جاهلا، فقال: هذا مستحث للموت.
قال الخبزارزي في طبيب اسمه نعمان:
أقول لنعمان وقد ساق طبّهنفوسا نفيسات على ساكني الأرض
أيا منذر أفنيت فاستبق بعضناحنانيك بعض الشرّ أهون من بعض
صعوبة الحمية ومدح تركها: قيل: الحمية إحدى العلتين، فمن احتمى فهو على يقين من المكروه وفي شك من المحبوب.
قال عبد الصمد بن المعدّل:
وقالوا شفاؤك في حميةتعود عليك بها النّضره
فأصبحت في بلد مخصبببلقعة جدبة قفره
وقال الرشيد للفضل: ما أطيب ما في هذه الدنيا؟ فقال: رفض الحشمة وترك علم الطب، فلا عيش لمحتشم ولا لذة لمحتم. وقيل: من عرف ما يضره مما ينفعه فهو مريض. وقال أفلاطون: الموت موتان طبيعي وإرادي، فالطبيعي مفارقة الروح البدن والإرادي منع الأبدان الشهوات. وقيل: الأبدان المعتادة للحمية آفتها التخليط والأبدان المعتادة للتخليط آفتها الحمية.
مدح القليل من الطّعام وذمّ الإكثار: اجتمع أربعة من الأطباء عند المأمون عراقي ورومي وهندي وسوادي، فقال: ليصف كل منكم الدواء الذي لا داء معه، فقال الرومي حب الرشاد، وقال الهندي الهليلج الأصفر، وقال العراقي الماء الحار، وقال السوادي وهو أبصرهم حب الرشاد يورث الرطوبة والماء الحار يرخي المعدة والهليلج يرقق البطن، ولكن الدواء الذي لا داء معه أن تجلس على الطعام وأنت تشتهيه. وتقوم عنه وأنت تشتهيه وقيل لطبيب كم آكل فقال خوف الجوع ودون الشبع.
مضرّة الشبع فوق مضرّة الجوع: قال أبقراط: الإكثار من المنافع شر من الإقلال من المضار. وقال أرسطوطاليس:
المطعم والمشرب إذا كثرا على المعدة أطفآ نارها، فجرت الأغذية في البدن غير نصيحة فصار ذلك نقصانا للبدن يورث الفترة كالشجرة إذا كثر ماؤها عفنت وإن قل جفت، وكالسراج إذا قل دهنه أو كثر انطفأ.
وقال محمد بن عبد الله بن جعفر: من تغدى وتعشى ولم يأكل فيما بينهما سلم من الأوجاع لقول الله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
. وقال بعض الأطباء: أحب الناس إلينا الرغيب البطن لكثرة حاجاتهم إلينا. وقد ذكر بعض هذا الباب في كتاب الأكلة.
نفع النّوم ومضرّة السهر: قال المأمون: قد أصبت دواء يمرىء ولا يؤكل ولا يشرب فقيل ما هو؟ قال: النوم أثر الغداء. وقيل: إذا أكلت فاضطجع على جنبك الأيسر فإن الكبد يقع على المعدة فينضج الطعام فيهضمه.
تهنئة بالفصد: قال ابن رزين الواسطي:
أراق الفصد خير دمدم الأذهان والفهم
لقد أخطأ الطبيب غداة فصدك طيّب النسم
وراح وفي حديدتهدم المعروف والكرم
قال ابن الرومي:
يا فاصدا من يد جلّت أياديهاوذاق طعم الردى والبؤس شانيها
يد الندى هي فارفق لا ترق دمهافإن أرزاق طلّاب الندى فيها
واقتصد جعفر بن يحيى فكتب إليه الفضل:
إذا أنت أسبلت للباسليقعيونا من أجفانه الواهيه
رأيت اعتدالك يبكي دماوتضحك من جنبك العافيه
جملة التّداوي: قال أبقراط: جملة المعالجة خمسة أضرب، يعالج ما في الرأس بالغرغرة، وما في المعدة بالقيء، وما في أسفل المعدة بالإسهال، وما بين الجلد بالعرق، وما في داخل الجلد بإخراج الدم. وقال جالينوس: يعالج ما في قعر الكبد والطحال والكليتين بإخراج البول، وما في المعدة من ضعف أو تغير مزاج أو فضول زائدة يرقق بالأدوية، إن كانت حرارة بردت وإن كانت رطوبة جففت.
الرّمد: كتب علي بن القاسم ﵀: بلغني عن حال رمد عرض له ما أرمد خاطري وأظلم ناظري وأذهلني عن كل مهم وخفف في عيني وقلبي كل ملم. ويستحسن في عين محبوب رمداء قول ابن المعتز:
قالوا شكت عينه فقلت لهممن شدة الفتك نالها الوصب
حمرتها من دماء من قتلتوالدم في النصل شاهد عجب
وقال ابن الحجاج:
أنا الفداء لعين بعض أسهمهامسكونة بين أحشائي وفي كبدي
فيها فتور سقام لا خفاء بهيجرد السقم في قلبي وفي جسدي
كانت تعلّ فؤادي وهي سالمةفكيف بي وهي تشكو علة الرمد
النقرس: كان أبو الفضل بن العميد يكثر برجله النقرس، فقيل له: لا تغتم فإن ذلك يؤذن بطول العمر، فقال: طول العمر هو أن من به النقرس يسهر فيصير ليله نهارا فكأنما يتضاعف عمره، قال شاعر:
ألا فاعجبوا من مفلس حلف نقرسأما نقرس في مفلس بعجيب
وقال المبرد: ذكر أعرابي رجلا قد أثرى فقال تنقرس كأنه سمع أن النقرس يكون مع النعمة، ومنه قول أعرابي:
فصرت بعد الفقر والتفلسيخشى على الحيّ داء النّقرس
وقال ماسرجويه: لا ينقرس الناطفي في رجله والشطرنجي في يده.
الحبون: دخل شبيب بن شبة إلى ابن هبيرة، فقال: ما حبسك عنا؟ فقال: علة منعت الحركة ولم توجب العيادة حتى خرج علي، فقال ابن هبيرة: إن لحما شديدا أعاد قيحا وصديدا
لأهل أن يعاد صاحبه. وقيل: حبنك يؤذن بمالك، وقال بعض الأدباء: إنما يؤذن بمالك بفتح اللام أي يقتضي أن يقال أي شيء لك.
قال شاعر:
وبي دمّل في كلّ يوم يزورنيفيقلق أحشائي ويسهر مقلتي
يقول لي العوّاد مال وصحةفيا ليتهم آبوا بمالي وصحتي
وقال أبو حكيمة:
أيحسدني إبليس داءين أصبحابرأسي ورجلي دمّلا وزكاما
فليتهما كانا وأزيدهزمانة أير لا يطيق قياما
الجرب: في الخبر أن النبي ﷺ قال: لا دعوى فقيل: إن البعير يجرب في القطيع فيجرب بجربه الإبل كلها، قال فمن أجرب الأول. ويسمى الجرب حبيبات الطرب. وقيل:
صاحب الجرب شاكر لأنه أبدا يقول قد ذهب، قال الصنوبري:
الشيب عندي والإفلاس والجربهذا هلاك وذا شؤم وذا عطب
وقال عبدان:
ومستخبر حالتي إذ رأىأقض على جنبي المضجع
فقلت مجيبا له إنّنيلضرّي كما قال لي أسجع
إذا الليل ألبسني ثوبهيقلّب فيه فتى موجع
شرب الأدوية المسهلة: سئل طبيب كسرى عن دواء المشي فقال: سهم ترمي به في جوفك أخطأ أم أصاب.
وقيل: الدواء مثل عدوّ إلى جانبه صديق ترمي العدو فلا تأمن من أن يصيب الصديق. وقيل: الدواء في البطن كالصابون في الثوب ينقيه لكن يخلقه.
وقيل لأبقراط: ما بال الإنسان أثور ما يكون بدنا إذا شرب الدواء؟ فقال: مثل ذلك مثل البيت أكثر ما يكون غبارا إذا كنس. وقيل: لا تستعمل الأدوية في ما تنفع فيه الأغذية. وقيل: النفس إذا ألفت الدواء فسدت لأن الدواء يحب أن يطرأ عليها غريبا فتحتشم.
الكناية عن الأدوية المسهلة: كان ظرفاء البصرة يقولون لشارب الدواء: لم لبست النعل، ويقال: شربت فما أنجاني كناية عنه.
وكتب الصنوبري إلى صديق له شرب دواء:
نبّني كيف تخطّيك إلى دار الكرامةكم جدار هدّ من رعد وكم سحّت غمامه
فلم يجبه فكتب إليه ثانيا:
ابن لي كيف أصبحتوما كان من الحال
وكم سارت بك الناقة نحو المنزل الخالي
فأجابه:
كتبت إليك والنعلان ما إنأغبهما من السير العنيف
فإن رمت الكتاب إليّ فاكتبعلى العنوان يوصل في الكنيف
الحقنة: كان كرتكين أمير بغداد أمره الطبيب بالحقنة، قال: يوضع في إسته (كذا) فقال: في إست من؟ فخاف الطبيب، فقال: في إستي أيّد الله الأمير. وكان عين الدولة أصابه مغص فأشير عليه بالحقنة فأبى وتفادى منها فلما اشتد به الوجع، قال: يا قوم أدخلوا هذا الجذع في إستي وأريحوني فحقن وبرأ.
واعتلّ أعرابي فأشير عليه بالحقنة، فقال صديق له:
كفى سوءة أنا نراك محبساعلى شكوة قبحا وفي إستك عودها
الحثّ على التّداوي بالأدوية: روي في الخبر: تداووا فإن الله ما وضع داء إلا وضع له دواء، إلا الهرم، وقال طبيب لرجل: بم تداوى من حمّاك، قال: بالنشرة، فقال: إن رأيت أن تغسلها بماء الشعير وتشربه فافعل. وقال رجل لآخر، وكان معه إبل جرب: هلّا داايتها؟ فقال: إن لنا عجوزا صالحة نتكل على دعائها ونستغني به عن الدواء، فقال اجعل مع دعائها شيئا من القطران.
التداوي بالقرآن والأدعية: وجد ابن أسقع يشكو حلقه فقال له النبي ﷺ: عليك بقراءة القرآن. ووجد بعض الصحابة شكوى في بعض بدنه، فقال ﷺ: ضع يدك اليمنى عليه وقل بسم الله أعوذ بالله وبقدرته من شرّ ما أجده سبع مرات.
ذكر التأنّي في المداواة والمبادرة: قيل: حقّ الطبيب أن يتأنى في المداواة فعثرته لا تقال. وقيل: المتأنى في علاج الداء بعد معرفة الدواء كالمتأني في إطفاء النار وقد أخذت بحواشي ثيابه.
سخفيات في الطبّ: نظر عبادة إلى رجل في عينه جرب، فقال: أعطني مائة درهم أصف لك دواء، قال:
افعل، فقال: خذ ورق المدر وعروق الحجر واسحقهما واكتحل بهما سبع سنين فإن لم تذهب عينك فخذني به، فرفع رجله وضرط عليه ضرطتين، فقال خذ هذين الدرهمين فإن نفع دواؤك زدناك.
وركب بختيشوع يوما مع المأمون فتعلق به مجنون، وقال: أيها الطبيب خذ نبضي فأخذه، وقال ما تشتكي؟ فقال المجنون: أشتكي الشبق، فقال بختيشوع: خذ مسواك أراك وأدخله من وراك فإنه صالح لذاك، فضرط المجنون وقال: خذ هذا لذاك حتى تجرب دواك فإن كان صالحا زدناك ولا يكون لنا طبيب سواك، فضحك المأمون:
شهوة المريض للطّعام: قيل للخليل في علته أتشتهي شيئا، قال: لا، وبودي أن أشتهي. وقيل ذاك لآخر:
فقال: أشتهي ما لا أجد وأجد ما لا أشتهي. وقيل ذلك لآخر: فقال: أشتهي أن لا أموت. قال أبقراط: المريض الذي يشتهي أرجى عندي من الصحيح الذي لا يشتهي.
وقال المتنبي:
ومن يك ذا فم مر مريضيجد مرّ به الماء الزلالا
من شكا علته: قال أبو نواس، وقيل هو آخر شعر قاله:
دبّ فيّ السّقام سفلا وعلواوأراني أموت عضوا فعضوا
ليس يمضي من ساعة بي إلانقصتني بمرها بي جزوا
لهف نفسي على ليال وأيام تمتّعتهنّ لعبا ولهوا
وقيل لعمرو بن العاص في مرضه: كيف تجدك؟ قال: أجدني أذوب ولا أثوب
وأجد نجوي أكثر من رزي، فما بقاء للشيخ على ذلك.
وقيل:
ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
فضل الصحّة والعافية: قيل: شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما الشباب والعافية. وقيل: لا يعرف طعم العافية إلا من نالته يد العلة ولا طعم الرخاء من مسته يد البلاء. وقيل: الدنيا بحذافيرها الأمن والعافية لا تزال غنيا ما دمت سويا.
نفع المرض: إعتلّ الفضل بن سهل بخراسان ثم برأ فجلس للناس، فهنأوه بالعافية وتصرّفوا في فنون الكلام، فلما فرغوا، أقبل على الناس، فقال: إنّ في العلل نعما ينبغي للعاقل أن يعرفها: تمحيص الذنب والتعرّض للثواب، والإيقاظ من الغفلة والإذكار بالنعمة في حال الصحة، والاستدعاء للتوبة والحضّ على الصدقة. وفي قضاء الله وقدره الخيار.
ودخل الحسن بن علي ﵄ على عليل، فقال: إن الله قد أقالك فاشكره وذكرك فاذكره.
واعتلّ جعفر بن محمد عليهما الرضوان، فقال: اللهمّ اجعله أدبا لا غضبا، وقال ﵇: إن المريض تتحات عنه خطاياه كما يتحات ورق الشجر.
وذكرت الأدواء عند أبي الدرداء، فقال رجل ما اشتكيت قط، فقال: لا جرم أن ذنوبك لم تحطّ عنك.
وجوب عيادة المريض: قال النبي ﷺ: حق المسلم على المسلم ثلاث: عيادة المريض وتشميت العاطس وتشييع الجنازة.
وقال ﷺ: من عاد مريضا خاض الرحمة فإذا قعد عنده استنقع فيها، وإذا خرج من عنده خاض الرحمة. وقيل: عيادة المريض يعد ثلاث. وفي الخبر: عودوا مرضاها وشيعوا هلكاها وعزوا ثكلاها.
شكاية من لا يعوده إخوانه: قال جحظة البرمكيّ:
مرضت فلم يكن في الأرض حريشرفني ببرّ أو سلام
وضنّوا بالعيادة وهي أجركأنّ عيادتي بذل الطعام
الاعتذار من ترك العيادة: . قال شاعر:
إن كنت في ترك العيادة تاركاحظي فإني في الدعاء لجاهد
ولربما ترك العيادة مشفقوأتى على غلّ الضمير الحاسد
من عاده ممرّضه: قال عبد بني الحسحاس:
يعدن مريضا هنّ هيجنّ داءهإلا إنّما بعض العوائد دائيا
وقال آخر:
وخبرت ليلى بالعراق مريضةفأقبلت من أهلي بمصر أعودها
فو الله ما أدري إذا أنا عدتهاأأبرئها من دائها أم أزيدها
مريض عاد صحيحا: قال شاعر:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكموتذنبون فنأتيكم ونعتذر
قال العبّاس بن الأحنف:
قالت مرضت فعدتها فتبرّمتوهي الصحيحة والمريض العائد
والله لو أن القلوب كقلبهاما رقّ للولد الضعيف الوالد
وصف العلّة بأنها تنال الأماثل: روي أن الله تعالى يجعل تمحيصا لذنوب أوليائه. وقال النبي ﷺ: مثل المؤمن مثل الحزمة من الزرع تفيؤها الريح مرة هكذا ومرة هكذا، ومثل المنافق مثل الأرزة المجدبة على الأرض يكون انجعافها مرة.
وقال أبو تمّام:
فإن يكن وصب قاسيت صورتهقالوا رد حلف لليث الغابة الأضم
إنّ الرياح إذا ما أعصفت قصفتعيدان نجد ولم يعرضن للرتم
وقال البحتري:
وما الكلب محموما وإن طال عمرهإلا إنما الحمى على الأسد الورد
ذكر تباطؤ زوال العلّة: دخل سفيان على جار له مخنث فقال له: كيف نجدك؟ قال: جاءتني العلّة باقات والعافية تأتيني طاقات. وقيل: العلّة تحمل على الجمال وتثقل على النمال.
حثّ العائد على تنشيط المريض: قال يوحنا: بشّروا المريض بالبرء ونشطوه لشرب الدواء ولا تصعبوا عليه العلة فتخاف نفسه ويموت حسه.
وقال أبقراط: حدثوا المريض حال من كان في أصعب من علّته فبرأ، ولا تحدثوه عمّن كان في مثل علّته فمات. وقيل: أدب العيادة تشجيع العليل بلطيف اللفظ وحسن الفأل.
الحثّ على تخويفه ليتجنّب المضارّ: قيل: خوّفوا المريض ليجتنب المضار، فمن خوّفك لتلقى الأمن خير لك ممن أمّنك لتلقى الخوف. وقيل: من أوجرك المرّ لتبرأ خير ممّن أوجرك الحلو لتسقم. ودخل طبيب على مريض قد أصاب إصبعه ريح فشمّها، فقال: إن أكلت اليوم شيئا مت فلما كان من الغد برأ أقيل له في ذلك، فقال: لو لم أخوفه لتجاسر على الأكل فكان يطول عليه.
رقيع خوّف مريضا برقاعته: عاد رجل مريضا لم يكن به بأس فقال: لا ضير إذا رأيتم المريض هكذا فاغسلوا أيديكم منه، فقد كان أبي به هذا الداء فمات. وعاد آخر عليلا، فقال: ما علّتك؟ قال:
وجع الركبة، فقال: إن جريرا يقول بيتا ذهب عنّي صدره، وآخره: وليس لداء الركبتين دواء، فقال: ليتما ذهب عنك عجزه مع نفسك.
ودخل آخر على مريض، فقال: آجركم الله، فقيل إنه لم يمت، فقال: يموت إن شاء الله.
وقال رجل لمريض: كيف أنت جعلني الله فداءك؟ فقال: على الموت، فقال: إذا لا جعلني الله فداءك فإني قدرت أن في الأمر فسحة.
تفدية المريض: قال شاعر:
فديناك لو نعطى المنى فيك والهوىلكان بنا الشكوى وكان لك الأجر
وقال البحتري:
بأنفسنا لا بالطوارف والتلدنقيك الذي تخفى من السقم أو تبدي
بنا معشر العافين ما بك من أذىفإن أشفقوا ممّا أقول فبي وحدي
وقال آخر:
يا ليت علّته بي غير أنّ لهأجر العليل وإني غير مأجور
وقال ديك الجن:
يا ليت حمّاه بي كانت مضاعفةيوما بشهر وأن الله عافاه
فيصبح السقم منقولا إلى جسديويجعل الله منه البرء عقباه
من ذكر شدّة ما قاساه بعدما صحّ: وقال عبد الله بن المعتز:
أتاني برء لم أكن فيه طامعاكمثل أسير حلّ بعد وثاقه
فإن كنت لم أجزع من الموت جزعةفإني مججت الموت بعد مذاقه
تغيّر اللون: قال الصولي: لم يسمع أحسن من قول البحتري في صفرة اللون:
بدت صفرة في لونه إن حمدهممن الدرّ ما اصفرّت حواشيه في العقد
وقال أبو تمّام:
لم يشن وجهه البهيج ولكنجعلت ورد وجنتيه بهارا
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع