من «طبقات فحول الشعراء» لمحمد بن سلام الجمحي (ت ٢٣٢هـ)
ذكر جرير
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ سَأَلت بشارا الْعقيلِيّ عَن الثَّلَاثَة فَقَالَ لم يكن الأخطل مثلهمَا وَلَكِن ربيعَة تعصبت لَهُ وأفرطت فِيهِ فَقلت فجرير والفرزدق قَالَ كَانَ جرير يحسن ضروبا من الشّعْر لَا يحسنها الفرزدق وَفضل جَرِيرًا عَلَيْهِ
وَقَالَ الْعَلَاء بن حريز الْعَنْبَري وَكَانَ قد أدْرك النَّاس وَسمع قَالَ كَانَ يُقَال الأخطل إِذا لم يَجِيء سَابِقًا فَهُوَ سكيت والفرزدق لَا يجىء سَابِقًا وَلَا سكيتا فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمُصَلِّي وَجَرِير يجىء سَابِقًا وسكيتا ومصليا
قَالَ ابْن سَلام وَتَأْويل قَوْله أَن للأخطل خمْسا أَو سِتا أَو سبعا طوَالًا روائع غررا جيادا هُوَ بِهن سَابق وَسَائِر شعره دون أشعارها فَهُوَ فِيمَا بَقِي بِمَنْزِلَة السّكيت والسكيت آخر الْخَيل فِي الرِّهَان وَيُقَال إِن الفرزدق دونه فِي هَذِه الروائع وفوقه فِي بَقِيَّة شعره فَهُوَ كالمصلي أبدا وَالْمُصَلي الَّذِي يَجِيء بعد السَّابِق وَقبل السّكيت وَجَرِير لَهُ روائع هُوَ بِهن سَابق وأوساط هُوَ بِهن مصل وسفسافات هُوَ بِهن سكيت
قَالَ ابْن سَلام وَأهل الْبَادِيَة وَالشعرَاء بِشعر جرير أعجب
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ وَأَخْبرنِي أبان بن عُثْمَان الْكُوفِي قَالَ سُئِلَ الأخطل عَن جرير بِالْكُوفَةِ فَقَالَ دعوا جَرِيرًا أَخْزَاهُ الله فَإِنَّهُ كَانَ بلَاء على من صب عَلَيْهِ وَذكر من قَوْله
مَا قاد من عرب إِلَى جوادهمإِلَّا تركت جوادهم محسورا
أبقت مراكضتي الرِّهَان مجرباعِنْد المواطن يرْزق التيسيرا
أخبرنَا أَبُو خَليفَة قَالَ ابْن سَلام قَالَ مسلمة بن محَارب بن سلم بن زِيَاد كَانَ الفرزدق عِنْد أبي فِي مشربَة لَهُ فَدخل رجل فَقَالَ وَردت الْيَوْم المربد قصيدة لجرير تناشدها النَّاس فانتقع لون الفرزدق قَالَ لَيست فِيك يَا أَبَا فراس قَالَ ففيمن قَالَ فِي ابْن لَجأ التَّيْمِيّ قَالَ أفحفظت مِنْهَا شَيْئا قَالَ نعم علقت مِنْهَا ببيتين قَالَ ماهما قَالَ
لَئِن عمرت تيم زَمَانا بغرةلقد حديت تيم حداء عصبصبا
فَلَا يضغمن اللَّيْث عكلا بغرةوعكل يشمون الفريس المنيبا
فَقَالَ الفرزدق قَاتله الله إِذا أَخذ هَذَا المأخذ لَا يُقَام لَهُ
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ اخبرني يُونُس قَالَ كَانَ الفرزدق يتضور ويجزع إِذا انشد لجرير وَكَانَ جرير أصبرهما
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ واخبراني أَبُو الْبَيْدَاء الرياحى قَالَ قَالَ الفرزدق أبي وإياه لنغترف من بَحر وَاحِد وتضطرب دلاؤه عِنْد طول النهز
قَالَ ابْن سَلام وذاكرت مَرْوَان بن أَبى حَفْصَة جَرِيرًا والفرزدق فَقَالَ أحكم فى الثَّلَاثَة بِشعر فَإِن الْكَلَام يرويهِ كل قوم بأهوائهم فَقَالَ
ذهب الفرزدق بالفخار وَإِنَّمَاحُلْو الْكَلَام ومره لجرير
وَلَقَد هجا فأمض أخطل تغلبوحوى اللهى بمديحه الْمَشْهُور
كل الثَّلَاثَة قد أَجَاد فمدحهوهجاؤه قد سَار كل مسير
وَسَأَلت الأسيدي أَخا بني سَلامَة عَنْهُمَا فَقَالَ بيُوت الشّعْر أَرْبَعَة فَخر ومديح ونسيب وهجاء وَفِي كلهَا غلب جرير فِي الْفَخر فِي قَوْله
إِذا غضِبت عَلَيْك بَنو تَمِيمحسبت النَّاس كلهم غضابا
وَفِي الْمَدْح قَوْله
ألستم خير من ركب المطاياوأندى الْعَالمين بطُون رَاح
وَفِي الهجاء قَوْله
فغض الطّرف إِنَّك من نميرفَلَا كَعْبًا بلغت وَلَا كلابا
وَفِي النسيب قَوْله
إِن الْعُيُون الَّتِي فِي طرفها مرضقتلننا ثمَّ لم يحيين قَتْلَانَا
وَإِلَى هَذَا يذهب أهل الْبَادِيَة
قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَلام وَبَيت النسيب عِنْدِي
فَلَمَّا التقى الْحَيَّانِ ألقيت الْعَصَاوَمَات الْهوى لما أُصِيبَت مقاتله
قلت للأسيدي أما وَالله لقد أوجعكم يَعْنِي فِي الهجاء فَقَالَ يَا أَحمَق أَو ذَاك يمنعهُ أَن يكون شَاعِرًا
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ قَالَ أَبُو الغراف كَانَ الخطفي ذَا إبل وَمَال فَلَمَّا ولد جرير لعطية كَانَ ينحله من إبِله وَمَاله فولد للخطفي صبية فَرجع فِيمَا كَانَ نحل جَرِيرًا فَقَالَ
أَلا حَيّ رهبي ثمَّ حَيّ المطاليالقد كَانَ مأنوسا فَأصْبح خَالِيا
عَفا الرَّسْم إِلَّا أَن تذكر أَو ترىثماما حوالى منصب الخيم بَالِيًا
إِذا مَا أَرَادَ الْحَيّ أَن يتحملواوحنت جمال الْحَيّ حنت جمالِيًّا
وإنيى لمغرور أعلل بالمنىغَدَاة أرجي أَن مَالك ماليا
وَإِنِّي لعف الْفقر مُشْتَرك الْغنىسريع إِذا لم أَرض دَاري انتقاليا
وَلَيْسَت لسيفي فِي الْعِظَام بَقِيَّةوللسيف أشوى وقمة من لسانيا
ووفد جرير بعد ذَلِك إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة وَهُوَ خَليفَة وَجَرِير حدث فأنشده
وَإِنِّي لعف الْفقر مُشْتَرك الْغنىسريع إِذا لم أَرض دَاري انتقاليا
قَالَ كذبت ذَاك جرير قَالَ فَأَنا جرير قَالَ وَالله لقد فَارق أَمِير الْمُؤمنِينَ مُعَاوِيَة الدُّنْيَا وَهُوَ يرى أَن هَذَا الْبَيْت لي
أَنا أَبُو خَليفَة قَالَ قَالَ ابْن سَلام أَخْبرنِي أبان بن عُثْمَان البَجلِيّ قَالَ تنَازع رجلَانِ فِي عَسْكَر الْمُهلب فِي جرير والفرزدق وَهُوَ بِإِزَاءِ الْخَوَارِج فصارا إِلَيْهِ وسألاه فَقَالَ لَا أَقُول فيهمَا شئيا وَكره أَن يعرض نَفسه وَلَكِن أدلكما على من يهون عَلَيْهِ سَخَطِهِمَا عُبَيْدَة بن هِلَال الْيَشْكُرِي وَهُوَ مولى بني قيس بن ثَعْلَبَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ فِي عَسْكَر قطري فَأتيَاهُ فوقفا حِيَال الْعَسْكَر فدعواه وَخرج يجر رمحه وَظن أَنه دعِي للبراز فَقَالَا لَهُ الفرزدق أشعر أم جرير فَقَالَ عَلَيْكُمَا وَعَلَيْهِمَا لعنة الله قَالَا نحب أَن تخبرنا ثمَّ نصير إِلَى مَا تُرِيدُ قَالَ من يَقُول
وطوى القياد مَعَ الطراد بطونهاطي التُّجَّار بحضرموت برودا
قَالَا جرير قَالَ هُوَ أشعرهما أَنا أَبُو خَليفَة نَا مُحَمَّد بن سَلام قَالَ أَخْبرنِي أَبُو رَجَاء الْكَلْبِيّ قَالَ كَانَ لأمامة امْرَأَة جرير ابْن أَخ ذُو إبل يُقَال لَهُ عضيدة لقصر فِي يَده فَلم تزل بِهِ امْرَأَته حَتَّى زوجه ابْنَته فعتب عَلَيْهِ فَقَالَ
وغرتنا أُمَامَة فافتحلناعضيدة إِذْ تنخلت الفحول
إِذا مَا كَانَ فحلك فَحل سوءخلجت النَّسْل أَو لؤم الفصيل
أَنا أَبُو خَليفَة أَنا ابْن سَلام أخبرنَا أَبُو الغراف قَالَ دخل جرير على الْوَلِيد بن عبد الْملك وَهُوَ خَليفَة وَعِنْده عدي ابْن الرّقاع العاملي فَقَالَ الْوَلِيد لجرير أتعرف هَذَا قَالَ لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ هَذَا رجل من عاملة
قَالَ الَّذين يَقُول الله جلّ ﴿خاشعة عاملة ناصبة تصلى نَارا﴾ حامية ثمَّ قَالَ
يقصر بَاعَ العاملي عَن الْعليوَلَكِن أير العاملى طَوِيل
فَقَالَ العاملي
أأمك كَانَت أَخْبَرتك بِطُولِهِأم انت امْرُؤ لم تدر كَيفَ تَقول
فَقَالَ لَا بل لم أدر كَيفَ أَقُول فَوَثَبَ العاملي إِلَى رجل الْوَلِيد فقبلها وَقَالَ أجرني مِنْهُ فَقَالَ الْوَلِيد لجرير لَئِن سميته لأسرجنك ولألجمنك ولير كبنك فتعيرك بذلك الشُّعَرَاء فكنى جرير عَن اسْمه واسْمه عدي فَقَالَ
إِنِّي إِذا الشَّاعِر الْمَغْرُور حربنىجَار لقبر على مران مرموس
قد كَانَ أشوس أباء فأورثناشغبا على النَّاس فِي أَبْنَائِنَا الشوس
أقصر فَإِن نزارا لَا يفآخرهمفرع لئيم وأصل غير مغروس
وابنا نزار أحلاني بِمَنْزِلَةفى رَأس أرعن عادى القداميس
وَابْن اللَّبُون إِذا مَا لز فِي قرنلم يسْتَطع صولة البزل القناعيس
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ حَدثنِي أَبُو يحيى الصنبي قَالَ ورد البعيث المجاسعي على بني سليط بن يَرْبُوع وَكَانَ ولدهم وولدوه فشكوا إِلَيْهِ قهر جرير صَاحبهمْ يَعْنِي غَسَّان السليطي فَقَالَ البعيث
إِذا يسرت معزى عَطِيَّة وارتعتتلاعا من المروت أحوى جَمِيعهَا
تعرضت لي حَتَّى صككتك صَكَّةعلى الْوَجْه يكبو لِلْيَدَيْنِ أميمها
أليست كُلَيْب ألأم النَّاس كلهموَأَنت إِذا عدت كُلَيْب لئيمها
وَكَانَت ام البعيت أمة حَمْرَاء سجستانية تسمي فَرَّتْنَا فَكَانَ يُقَال لَهُ ابْن حَمْرَاء العجان فهجاه جرير فثاوره فَضَجَّ إِلَى الفرزدق والفرزدق يَوْمئِذٍ بِالْبَصْرَةِ وَقد قيد نَفسه وآلى لَا يفك قَيده حَتَّى يقْرَأ الْقُرْآن فَقَالَ البعيث
لعمرى لَئِن ألهى الفرزدق قَيدهودرج نوار ذُو الدهان وَذُو الْغسْل
ليبتعثن مني عداة مجاشعبديهة لاواني الجراء وَلَا وغل
فَقَالَ جرير
جزعت إِلَى درجي نوار وغسلهافَأَصْبَحت عبدا ماتمر وَمَا تحلي
وعده النَّاس مَغْلُوبًا حِين اسْتَغَاثَ
قَالَ وَقَالَ الفرزدق إِنِّي إِن وَثَبت على جرير الْآن حققت على البعيث الْغَلَبَة وَلَكِنِّي كَأَنِّي وَثَبت عَلَيْهِمَا فأدع البعيث وآخذ جَرِيرًا فَقَالُوا الطَّبِيب أطب فَقَالَ
لود جرير اللؤم لَو كَانَ عانياوَلم يدن من زأر الْأسود الضراغم
وَلَيْسَ ابْن حَمْرَاء العجان بمفلتيوَلم يزدجر طير النحوس الأشائم
وإنكما قد هجتماني عَلَيْكُمَافَلَا تجزعا واستسمعا للمراجم
وَقَالَ
دَعَاني ابْن حَمْرَاء العجان وَلم يجدلَهُ إِذْ دَعَا مستأخرا عَن دعائيا
فنفست عَن أنفيه حَتَّى تنفساوَقلت لَهُ لَا تخش شَيْئا ورائيا
فَلَمَّا استطار كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي صَاحبه قَالَ البعيث
أشاركتني فِي ثَعْلَب قد أَكلتهفَلم يبْق إِلَّا رَأسه وأكارعه
فدونك خصييه وَمَا ضمت استهفَإنَّك رمام خَبِيث مراتعه
قَالَ وَسقط البعيث بَينهمَا
ولج الهجاء نَحوا من أَرْبَعِينَ سنة لم يغلب وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه
وَلم يتهاج شاعران فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا الْإِسْلَام بِمثل مَا تهاجيا بِهِ وأشعارهما أَكثر من أَن تَأتي عَلَيْهَا وَلَكنَّا نكتب مِنْهَا النَّادِر
وَقَالَ الفزردق لجرير
غلبتك بالمفقىء وَالْمعْنَىوَبَيت المحتبي والخافقات
المفقىء قَوْله
وَلست وَلَو فقأت عَيْنك واجداأَبَا لَك إِن عد المساعي كدارم
هُوَ الشَّيْخ وَابْن الشَّيْخ لَا شيخ مثلهأَبُو كل ذِي بَيت رفيع الدعائم
والمعني قَوْله
وَإنَّك إِذْ تسْعَى لتدرك دارمالأَنْت الْمَعْنى يَا جرير الْمُكَلف
(والمحتبي قَوْله
بَيْتا زُرَارَة محتب بفنائهومجاشع وَأَبُو الفوارس نهشل
والخافقات قَوْله
وَأَيْنَ تقضي المالكان أمورهابِخَير وَأَيْنَ الخافقات اللوامع
فَقَالَ جرير
أقين بن قين مَا يسر نِسَاءَنَابِذِي نجب أَنا ادعينا لدارم
هُوَ الْقَيْن وَابْن الْقَيْن لدقين مثلهلفطح الْمساحِي أولجدل الأداهم
الجدل الفتل والأداهم الحبال نَا أَبُو خَليفَة كل من كَانَ فِي عمله حَدِيد فَهُوَ قين بذى نجب يَوْم الْتَقت بَنو حَنْظَلَة وَبَنُو عَامر إِلَّا بني مَالك بن حَنْظَلَة
قَالَ ابْن سَلام وَاشْترى جرير جَارِيَة من رجل من أهل الْيَمَامَة يُقَال لَهُ زيد يعرف بِابْن النجار ففركته وكرهت خشونة عيشه فَقَالَ
تكلفني معيشة آل زيدوَمن لي بالمرقق وَالصِّنَاب
وَقَالَت لَا تضم كضم زيدوماضمى وَلَيْسَ معي شَبَابِي
فَقَالَ الفرزدق
لَئِن فركتك علجة آل زيدوأعوزك المرقق وَالصِّنَاب
لقدما كَانَ عَيْش أَبِيك جدبايعِيش بِمَا تعيش بِهِ الْكلاب
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام حَدثنِي حَاجِب بن زيد وَأَبُو الغراف قَالَا تزوج الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطَام بن قيس بن مَسْعُود بن قيس بن خَالِد بن ذى الجدين وَهُوَ عبد الله بن عَمْرو بن الْحَارِث بن همام بن مرّة بن ذهل بن شَيبَان على حكم أَبِيهَا فاحتكم مئة من الْإِبِل فَدخل على الْحجَّاج فعذله وَقَالَ تَزَوَّجتهَا على حكمهَا وَحكم أَبِيهَا مئة بعير وَهِي نَصْرَانِيَّة وجئتنا متعرضا أَن نسوقها عَنْك اخْرُج مَالك عندنَا شَيْء فَقَالَ عَنْبَسَة بن سعيد وَأَرَادَ نَفعه أَيهَا الْأَمِير إِنَّمَا هِيَ من حَوَاشِي إبل الصَّدَقَة فَأمر لَهُ بهَا الْحجَّاج فَوَثَبَ عَلَيْهِ جرير فَقَالَ
يَا زيققد كنت من شَيبَان فِي حسبيَا زيق ويحكمن أنكحت يَا زيق
أنكحت وَيلك قينا باسته حمميَا زيق وَيحك أَن بارت بك السُّوق
غَابَ الْمثنى فَلم يشْهد نجيكموالحوفزان وَلم يشهدك مفروق
يارب قائلة بعد الْبناء بهَالَا الصهر رَاض وَلَا ابْن الْقَيْن معشوق
أَيْن الألى استنزلوا النُّعْمَان ضاحيةأم أَيْن أَبنَاء شَيبَان الغرانيق
قَالَ فَلم يجبهُ الفرزدق فَقَالَ جرير أَيْضا
فَلَا أَنا معطي الحكم عَن شف منصبوَلَا عَن بَنَات الحنظليين رَاغِب
وَهن كَمَاء المزن يشفى بِهِ الصدىوَكَانَت ملاحا غَيْرهنَّ المشارب
فَلَو كنت حرا كَانَ عشر سياقكمإِلَى آل زيق والوصيف المقارب
فَقَالَ الفرزدق
فنل مثلهَا من مثلهم ثمَّ لمهمعلى دارمى بَين ليلى وغالب
هم زوجوا قبلى لقيطا وَأنْكحُواضِرَارًا وهم أكفاؤنا فِي الْمُنَاسب
وَلَو قبلوا منا عَطِيَّة سقتهإِلَى آل زيق من وصيف مقارب
وَلَو تنْكح الشَّمْس النُّجُوم بناتهاإِذن لنكحناهن قبل الْكَوَاكِب
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ حَدثنِي الزراري عَن أَبِيه قَالَ مَا كَانَت امْرَأَة من بني حَنْظَلَة إِلَّا ترفع لجرير اللوية فِي عكمها تطرفه لقَوْله
وَهن كَمَاء المزن يشفى بِهِ الصدىوَكَانَت ملاحا غَيْرهنَّ المشارب
فَقلت للزراري مَا اللوية قَالَ الشريحة من اللَّحْم وَهِي الفدرة من التَّمْر والكبة من الشَّحْم أَو الجلة من الأقط فَإِذا كَانَت الصفرية وَذَهَبت الألبان وَضَاقَتْ الْمَعيشَة كَانَت طرفَة عِنْدهم
وَقَالَ جرير
أثائرة حدراء من جر بالنقاوَهل لأبي حدراء فِي الْوتر طَالب
أتثأر بسطاما إِذا ابتلت استهاوَقد بولت فِي مسمعيه الثعالب
قَالَ ابْن سَلام والنقا الَّذِي عناه جرير هُوَ الْموضع الَّذِي قتلت فِيهِ بَنو ضبة بسطاما وَهُوَ بسطَام بن قيس قَالَ فَكرِهت بَنو شَيبَان أَن يهتك جرير أعراضهم فَلَمَّا أَرَادَ الفرزدق نقل حدراء اعتلوا عَلَيْهِ وَقَالُوا لَهُ إِنَّهَا مَاتَت
قَالَ الْجَرِير
فأقسمت ماماتت ولكنما التوىبحدراء قوم لم يروك لَهَا أَهلا
رَأَوْا أَن صهر الْقَيْن عَار عَلَيْهِموَأَن لبسطام على غَالب فضلا
انا أَبُو خَليفَة أَنا ابْن سَلام قَالَ حَدثنِي حَاجِب بن يزِيد بن شَيبَان بن عَلْقَمَة بن زُرَارَة قَالَ جرير بِالْكُوفَةِ
لقدء قادني من حب ماوية الْهوىوَمَا كنت ألْقى للجنيبة أقودا
أحب ثرى نجد وبالغور حَاجَةفغار الْهوى يَا عبد قيس وأنجدا
أَقُول لَهُ يَا عبد قيس صبَابَةبِأَيّ ترى مستوقد النَّار أوقدا
فَقَالَ أَرَاهَا أرثت بوقودهابِحَيْثُ استفاض الْجزع شيحا وغرقدا
فأعجبت النَّاس وتناشدوها
فَحَدثني جَابر بن جندل قَالَ فَقَالَ لنا جرير أَعجبتكُم هَذِه الأبيات قَالُوا نعم قَالَ كأنكم بالقين قد قَالَ
أعد نظرا يَا عبد قيس فَإِنَّمَاأَضَاءَت لَك النَّار الْحمار المقيدا
فَلم يَلْبَثُوا أَن جَاءَهُم فِي قَول الفرزدق هَذَا الْبَيْت وَبعده
حمَار بمروت السحامة قاربتوظيفيه حول الْبَيْت حَتَّى ترددا
كليبية لم يَجْعَل الله وَجههَاكَرِيمًا وَلم يسنح بهَا الطير أسعدا
فتناشدها النَّاس فَقَالَ الفرزدق كأنكم بِابْن المراغة قد قَالَ
وَمَا عبت من نَار أَضَاء وقودهافِرَاسًا وبسطام بن قيس مُقَيّدا
قَالَ فَإِذا هِيَ قد جَاءَت لجرير وفيهَا هَذَا الْبَيْت وَمَعَهُ
فأوقدت بالسيدان نَارا ذليلةوأشهدت من سوآت جمعثن مشهدا
قَالَ واجتمعنا عِنْد سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَهُوَ خَليفَة وأتى بأسرى من الرّوم قَالَ ابْن سَلام فَأَخْبرنِي ابو يحيى الضَّبِّيّ قَالَ وَفِي حرسه رجل من بني عبس قد علم ان سيأمر أَصْحَابه بِضَرْب أَعْنَاقهم
فَأتى الفرزدق وَذَلِكَ لسوء أَثَره فِي قيس فَقَالَ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ حرى أَن يَأْمر بِضَرْب عنق بعض هَؤُلَاءِ الأسرى وَهَذَا سَيفي يَكْفِيك أَن أَن تومىء بِهِ فَيَأْتِي على ضريبته وَأَتَاهُ بِسيف كليل كهام فَقَالَ لَهُ الفرزدق مِمَّن أَنْت قَالَ من بني ضبة أخوالك وَأمره سُلَيْمَان بِضَرْب عنق بَعضهم فَتَنَاول السَّيْف من العبسى ثمَّ هزه فَضرب بِهِ عُنُقه فَمَا حص شَعْرَة وَلم يُؤثر بِهِ أثرا فَضَحِك سُلَيْمَان وَالنَّاس
فَقَالَ هَذِه ضَرْبَة سَيَقُولُ فِيهَا هَذَا يَعْنِي جَرِيرًا وَتقول فِيهَا الْعَرَب وَقَالَ
فَإِن يَك سيف خَان أَو قدر أَبىلتأخير نفس حتفها غير شَاهد
فسيف بني عبس وَقد ضربوا بِهِنبا بيدى وَرْقَاء عَن رَأس خَالِد
كَذَاك سيوف الْهِنْد تنبو ظباتهاوَيَقْطَعْنَ أَحْيَانًا منَاط القلائد
وَقَالَ جرير
بِسيف أبي رغوان سيف مجاشعضربت وَلم تضرب بِسيف ابْن ظَالِم
ضربت بِهِ عِنْد الإِمَام فأرعشتيداك وَقَالُوا مُحدث غير صارم
وَقَالَ
أخزيت قَوْمك فِي مقَام قمتهوَوجدت سيف مجاشع لَا يقطع
وَقَالَ الفرزدق
فَهَل ضَرْبَة الرُّومِي جاعلة لكمأَبَا عَن كُلَيْب أوأبا مثل دارم
وَلَا نقْتل الأسرى وَلَكِن نفكهمإِذا أثقل الْأَعْنَاق حمل المغارم
وَقَالَ اللعين
سأحكم بَين كلب بني كُلَيْبوَبَين الْقَيْن قين بني عقال
فَإِن الْكَلْب مطعمه خَبِيثوَإِن الْقَيْن يعْمل فِي سفال
وَقد حسر البعيث وأقعدتهلئيمات المناخر والسبال
وَيتْرك جده الخطفى جريروَينْدب حاجبا وَبني عقال
قَالَ ابْن سَلام وَسمعت يُونُس يَقُول فَلم يلتفتا لفته وَأَرَادَ أَن يذكراه فيرفعه ذَلِك فَقَالَ
فَمَا بقيا على تركتمانيوَلَكِن خفتما صرد النبال
وَقَالَ الصلتان الْعَبْدي
أَلا إِنَّمَا تحظى كُلَيْب بشعرهاوبالمجد تحظى نهشل والأقارع
أَنا الصلتا بى الَّذِي قد عَرَفْتُمْمَتى مايحكم فَهُوَ بالحكم صادع
أَتَتْنِي تَمِيم حِين هابت قضاتهافَهَل أَنْت للفصل الْمُبين سامع
قَضَاء امرىء لَا يرهب الشتم مِنْكُموَلَيْسَ لَهُ فِي الحكم مِنْكُم مَنَافِع
فَمَا رَجَعَ الْأَعْشَى قَضِيَّة عَامروَمَا لتميم فِي قضائي رَاجع
فَإِن يَك بَحر الحنظليين وَاحِدًافَمَا تستوى حيتانه والضفادع
فيا شَاعِرًا لاشاعر الْيَوْم مثلهجرير وَلَكِن فى كُلَيْب تواضع
وَيرْفَع من شعر الفرزدق أَنهينوء بحى للخسيسة رَافع
يناشدني النَّصْر الفرزدق بَعْدَمَاألحت عَلَيْهِ من جرير صواقع
فَلم يرض وَاحِد مِنْهُمَا قَوْله فَقَالَ الفرزدق أما الشّرف فقد عرفه وَأما الشّعْر فَمَا للبحراني وَالشعر وَقَالَ جرير
أَقُول وَلم أملك سوابق عِبْرَةمَتى كَانَ حكم الله فِي كرب النّخل
فَقَالَ الصلتان
أعيرتنا بِالنَّخْلِ أَن كَانَ مالنالود أَبوك الْكَلْب لَو كَانَ ذَا نخل
فاعترضه خُلَيْد عينين من أهل هجر فَقَالَ
وأى نبى كَانَ فِي غير قَرْيَةوَمَا الحكم يَا ابْن اللؤم إِلَّا مَعَ الرُّسُل
وَقَالَ جرير
فَخَل الْفَخر يَا ابْن أبي خُلَيْدوأد خراج رَأسك كل عَام
لقد علقت يَمِينك رَأس ثَوْروَمَا علقت يَمِينك باللجام
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ حَدثنِي أَبُو الغراف قَالَ قَالَ الْحجَّاج لَهما وَهُوَ فِي قصره بحزيز الْبَصْرَة ائتيا فِي لِبَاس آبائكما فِي الْجَاهِلِيَّة فجَاء الفرزدق وَقد لبس الديباج والخز وَقعد فِي قبَّة وشاور جرير دهاة بني يَرْبُوع فَقَالُوا مَا لِبَاس آبَائِنَا إِلَّا الْحَدِيد فَلبس جرير درعا وتقلد سَيْفا وَأخذ رمحا وَركب فرسا لعباد بن الْحصين يُقَال لَهُ المنحاز وَأَقْبل فِي أَرْبَعِينَ فَارِسًا من بني يَرْبُوع وَجَاء الفرزدق فِي هَيئته فَقَالَ جرير
لبست سلاحي والفرزدق لعبةعَلَيْهِ وشاحا كرج وجلاجله
أعدُّوا مَعَ الْخَزّ الملاب فَإِنَّمَاجرير لكم بعل وَأَنْتُم حلائله
ثمَّ رجعا فَوقف جرير فِي مَقْبرَة بني حصن ووقف الفرزدق فِي المربد
فَأَخْبرنِي أبي عَن مُحَمَّد بن زِيَاد قَالَ كنت أختلف بَينهمَا يَوْمئِذٍ فَكَأَن جَرِيرًا كَانَ يَوْمئِذٍ أظفرهما
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ حَدثنِي شُعَيْب بن صَخْر عَن هَارُون بن إِبْرَاهِيم قَالَ رأيتهما فِي مَسْجِد دمشق والفرزدق فِي عِصَابَة من خندف وَالنَّاس عنق على جرير قيس وموالى بني أُميَّة وهم يسلمُونَ عَلَيْهِ ويسألونه يَا أَبَا حزرة كَيفَ كنت فِي مسيرك وَذَلِكَ لمديحه قيسا وَقَوله فِي الْعَجم
فيجمعنا والغر أَوْلَاد سارةأَب لَا نبالي بعده من تغدرا
قَالَ أَبُو خَليفَة سَمِعت عمَارَة بن عقيل بن بِلَال يَقُول وافته فِي يَوْمه مئة حلَّة من بني الْأَحْرَار
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام وحَدثني أَبُو الْيَقظَان نَا جوَيْرِية بن أَسمَاء قَالَ قلت لنصيب مولى عبد الْملك يَا أَبَا محجن من أشعر النَّاس فَقَالَ أَخُو بني تَمِيم
قلت ثمَّ من قَالَ أَنا قَالَ قلت ثمَّ من قَالَ ابْن يسَار النِّسَاء فَلَقِيت إِسْمَاعِيل بن يسَار النسائى فَقلت يَا أَبَا فائد من أشعر النَّاس قَالَ اخو بني تَمِيم قلت ثمَّ من قَالَ أَنا قلت ثمَّ من قَالَ نصيب قلت إنَّكُمَا لتتقارضان الثَّنَاء قَالَ وَمَا ذَاك قَالَ قلت سَأَلته فَقَالَ فِيك مثل مَا قلت فِيهِ قَالَ إِنَّه وَالله شَاعِر كريم وَلَا أَظُنهُ إِلَّا بَدَأَ بِابْن يسَار قبل نصيب
قَالَ ابْن سَلام وَمِمَّا قَالَ جرير من الأبيات المقلدة قَوْله
وَلَيْسَت لسيفي فِي الْعِظَام بَقِيَّةوللسيف أشوى وقْعَة من لسانيا
وَقَوله
لَا يلبث القرناء أَن يتفرقواليل يكر عَلَيْهِم ونهار
وَقَوله
زعم الفرزدق أَن سيقتل مربعًاأبشر بطول سَلامَة يَا مربع
وَقَوله
ألستم خير من ركب المطاياوأندى الْعَالمين بطُون رَاح
وَقَوله
لَا يأمنن قوى نقض مرتهإِنِّي أرى الدَّهْر ذَا نقض وإمرار
وَقَوله
أَنا الْبَازِي المطل على نميرأتيح من السَّمَاء لَهَا انصبابا
وَقَوله
وَإِنِّي لعف الْفقر مُشْتَرك الْغنىسريع إِذا لم أَرض دَاري انتقاليا
وَقَوله
يحالفهم فقر قديم وذلةوَبئسَ الخليطان المذلة والفقر
فصبرا على ذل ربيع بن مَالكوكل ذليل خير عَادَته الصَّبْر
وَقَوله
دعون الْهوى ثمَّ ارتمين قُلُوبنَابأسهم أَعدَاء وَهن صديق
أوانس أما من أردن عناءهفعان وَمن أطلقن فَهُوَ طليق
وَقَوله
إِن الَّذين غدوا بلبك غادرواوشلا بِعَيْنِك مَا يزَال معينا
غيضن من عبراتهن وقلن ليمَاذَا لقِيت من الْهوى ولقينا
وَقَوله
فغض الطّرف إِنَّك من نميرفَلَا كَعْبًا بلغت وَلَا كلابا
إِذا غضِبت عَلَيْك بَنو تَمِيمحسبت النَّاس كلهم غضابا
وَقَوله
إِن الْعُيُون الَّتِي فِي طرفها مرضقتلننا ثمَّ لم يحيين قَتْلَانَا
وَقَوله
يَا أهل جزرة إِنِّي قد نصبت لكمبالمنجنيق وَلما يُرْسل الْحجر
وَقَوله
وَلما التقى الْحَيَّانِ ألقيت العصىوَمَات الْهوى لما أُصِيبَت مقاتله
وَقَوله
تريدين أَن أرْضى وَأَنت بخيلةوَمن ذَا الَّذِي يُرْضِي الأخلاء بالبخل
فَإنَّك لَا يرضى إِذا كَانَ عاتباخَلِيلك إِلَّا بالمودة والبذل
وَقَوله
ياتيم إِن بُيُوتكُمْ تَيْمِيةقعس الْعِمَاد قَصِيرَة الْأَطْنَاب
قوم إِذا حضر الْمُلُوك وفودهمنتفت شواربهم على الْأَبْوَاب
وَقَوله
وَكنت إِذا نزلت بدار قومظعنت بخزية وَتركت عارا
وَقَوله
أتنسى إِذْ تودعنا سليمىبِعُود بشامة سقى البشام
بنفسي من تجنبه عَزِيزعَليّ وَمن زيارته لمام
وَمن أمسي وَأصْبح لَا أرَاهُويطرقني إِذا هجع النيام
وَقَوله
وَابْن اللَّبُون إِذا مَا لز فِي قرنلم يسْتَطع صولة البزل القناعيس
وَقَوله
لَو كنت حرا يَا ابْن قين مجاشعشيعت ضيفك فرسخين وميلا
وَقَوله
لَا يَسْتَطِيع امتناعا فقع قرقرةبَين الطَّرِيقَيْنِ بالبيد الأ مَا لَيْسَ
وَقَوله
لَا يَسْتَطِيع أَخُو الصبابة أَن يرىحجرا أَصمّ وَلَا يكون حديدا
وَقَوله
لَو أَن عصم ممتايتين ويذبلاسمعا حَدِيثك أنزل الأوعالا
أَخْبرنِي أَبُو خَليفَة قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام قَالَ حَدثنَا أَبُو الْيَقظَان عَن جوَيْرِية بن أَسمَاء قَالَ قدم الفرزدق الْيَمَامَة وَعَلَيْهَا المُهَاجر بن عبد الله الْكلابِي فَقَالَ لَو دخلت على هَذَا فَأَصَبْت مِنْهُ شَيْئا وَلم يعلم بِي جرير فَلم تَسْتَقِر بِهِ الدَّار حَتَّى قَالَ جرير
رَأَيْتُك إِذْ لم يغنك الله بالغنىرجعت إِلَى قيس وخدك ضارع
وَمَا ذَاك إِن أعْطى الفرزدق باستهبِأول ثغر ضيعته مجاشع
فَلَمَّا بلغ ذَلِك الفرزدق قَالَ لَا جرم وَالله لَا أَدخل عَلَيْهِ وَلَا أرزؤه شَيْئا وَلَا أقيم بِالْيَمَامَةِ ثمَّ رَحل
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ أَخْبرنِي أَبُو الغراف قَالَ نعي الفرزدق لجرير وَهُوَ عِنْد المُهَاجر بن عبد الله بِالْيَمَامَةِ فَقَالَ
مَاتَ الفرزدق بعد مَا جدعتهلَيْت الفرزدق كَانَ عَاشَ قَلِيلا
فَقَالَ لَهُ المُهَاجر لبئس مَا قلت تهجو ابْن عمك بعد مَا مَاتَ لَو رثيته كَانَ أحسن بك قَالَ وَالله إِنِّي لأعْلم ان بقائي بعده لقَلِيل وَإِن كَانَ نجمي مُوَافقا لنجمه فلأ رثينه قَالَ بعد مَا قيل لَك لَو كنت بكيته مَا نسيتك الْعَرَب
قَالَ ابْن سَلام فانشدني مُعَاوِيَة بن أبي عَمْرو لجرير يرثي الفرزدق
فَلَا ولدت بعد الفرزدق حَامِلوَلَا ذَات حمل من نِفَاس تعلت
هُوَ الْوَافِد الْمَأْمُون والراتق الثأىإِذا النَّعْل يَوْمًا بالعشيرة زلت
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ حَدثنِي يُونُس ابْن حبيب النَّحْوِيّ قَالَ كَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان لَا يسمع لشعراء مُضر وَلَا يَأْذَن لَهُم لأَنهم كَانُوا زبيرية فوفد إِلَيْهِ الْحجَّاج وفادته الَّتِي وفدها لم يفد إِلَيْهِ غَيرهَا فأهدى إِلَيْهِ جَرِيرًا
فَدخل عَلَيْهِ فَأذن لَهُ فِي النشيد فَقَامَ فَأَنْشد مديح الْحجَّاج وَاحِدَة بعد وَاحِدَة فَأَوْمأ إِلَيْهِ الْحجَّاج أَن ينشد مديح عبد الْملك فأنشده الَّتِي يَقُول فِيهَا
ألستم خير من ركب المطاياوأندى الْعَالمين بطُون رَاح
وَاعْتمد على ابْن الزبير فَقَالَ
دَعَوْت الْمُلْحِدِينَ أَبَا خبيبجماحا هَل شفيت من الجماح
وَقد وجدوا الْخَلِيفَة هبرزياألف الْعيص لَيْسَ من النواحي
وَمَا شجرات عيصك فِي قُرَيْشبعشات الْفُرُوع وَلَا ضواحي
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ اخبرني أَبُو الغراف قَالَ لما أنْشدهُ فِيهَا
تعزت أم حزرة ثمَّ قَالَترَأَيْت الموردين ذوى لقاح
تعلل وَهِي ساغبة بنيهابِأَنْفَاسِ من الشبم القراح
سيكفيك العواذل أرحبيهجان اللَّوْن كالفرد اللياح
يعز على الطَّرِيق بمنكبيهكَمَا ابترك الخليع على القداح
فَقَالَ لَهُ عبد الْملك فَهَل ترْوِيهَا مئة فَقَالَ وَهل إِلَيْهَا من سَبِيل جعلني الله فداءك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَعْطَاهُ مئة وَثَمَانِية من الرعاء
فَذكرهَا جرير فِي مديحه يزِيد بن عبد الْملك وَهُوَ خَليفَة فَقَالَ
أعْطوا هنيدة يحدوها ثَمَانِيَةمافي عطائهم من وَلَا سرف
أَخْبرنِي أَبُو خَليفَة قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام قَالَ حَدثنَا أَبُو الغراف قَالَ أَتَى الفرزدق مجْلِس بني الهجيم فِي مَسْجِدهمْ فأنشدهم وَبلغ ذَلِك جَرِيرًا فَأَتَاهُم من الْغَد لينشدهم كَمَا أنشدهم الفرزدق فَقَالَ لَهُ شيخ مِنْهُم يَا هَذَا اتَّقِ الله فَإِن هَذَا الْمَسْجِد إِنَّمَا بني لذكر الله وَالصَّلَاة فَقَالَ جرير أقررتم للفرزدق ومنعتموني وَخرج مغضبا وَهُوَ يَقُول
إِن الهجيم قَبيلَة ملعونةحص اللحى متشابهو الألوان
هم يتركون بنيهم وبناتهمصغر الأنوف لريح كل دُخان
لَو يسمعُونَ بأكلة أَو شربةبعمان أصبح جمعهم بعمان
قَالَ وخفة اللحى فِي بني هجيم ظَاهِرَة وَقيل لرجل مِنْهُم مَا بالكم يابني الهجيم حص اللحى قَالَ إِن الْفَحْل وَاحِد
أَخْبرنِي أَبُو خَليفَة قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام قَالَ حَدثنِي أَبُو يحيى الضَّبِّيّ قَالَ نَازع جرير بني حمان فِي ركية لَهُم فصاروا إِلَى إِبْرَاهِيم بن عَرَبِيّ بِالْيَمَامَةِ يتحاكمون إِلَيْهِ فَقَالَ جرير
أعوذ بالأمير غير الْجَبَّارمن ظلم حمان وتحويل الدَّار
مَا كَانَ قبل حفرنا من محفاروضربي المنقار بعد المنقار
فِي جبل أَصمّ غير خواريَصِيح بالجب صياح الصرار
لَهُ صَهِيل كصهيل الأمهارفاسأل بني صحب ورهط الجرار
والسلميين الْعِظَام الأخطاروَالْجَار قد يخبر عَن دَار الْجَار
فَقَالَ الْحمانِي
مالكليب من حمى وَلَا دَارغير مقَام أتن وأعيار
قعس الظُّهُور داميات الأثفار
قَالَ فَقَالَ جرير فَعَن مقامهن جعلت فدَاك أجادل فَقَالَ ابْن عربى للحماني قد أَقرَرت لخصمك وَحكم بهَا لجرير
قَالَ ابْن سَلام وَأَخْبرنِي أَبُو يحيى الضَّبِّيّ قَالَ بَينا جرير يسير على رَاحِلَته إِذْ هجم على أَبْيَات من مَازِن وهلال وهما بطْنَان من ضبة فخافهم لسوء أَثَره فِي ضبة فَقَالَ
فَلَا خوف عَلَيْك وَلنْ تراعيبعقوة مَازِن وَبني هِلَال
هما الْحَيَّانِ إِن فَزعًا يطيراإِلَى جرد كأمثال السعالي
أمازن يَا ابْن كَعْب إِن قلبِيلكم طول الْحَيَاة لغير قالي
غطاريف يبيت الْجَار فيهمقرير الْعين فِي أهل وَمَال
قَالُوا أجل يَا أَبَا حزرة فَلَا خوف عَلَيْك
أَنا أبوخليفة نَا ابْن سَلام قَالَ حَدثنِي أَبُو يحيى الضَّبِّيّ قَالَ كَانَ الَّذِي هاج الهجاء بَين جرير وَعمر بن لَجأ أَن عمر كَانَ ينشد أرجوزة لَهُ يصف فِيهَا إبِله وَجَرِير حَاضر بِالْمَاءِ فَقَالَ التَّيْمِيّ
قد وَردت قبل إبى ضحائهاتقرش الْحَيَّات فِي خرشائها
جر الْعَجُوز الثنى من ردائها
فَقَالَ لَهُ جرير أخففت مرها قَالَ فَكيف أَقُول قَالَ تَقول
جر الْعَرُوس الثنى من ردائها
قَالَ التَّيْمِيّ وَحمى فَمَا قلت انت أَسْوَأ من قولي قَالَ فَمَا هُوَ قَالَ قَوْلك
وأوثق عِنْد المردفات عَشِيَّةلحَاقًا إِذا مَا جرد السَّيْف لامع
فجعلتهن مردفات غدْوَة ثمَّ تداركتهن عَشِيَّة قَالَ فَكيف أَقُول قَالَ تَقول
وأوثق عِنْد المرهفات عَشِيَّة
قَالَ فَقَالَ جرير فوَاللَّه لهَذَا الْبَيْت أحب إِلَيّ من بكرى حزرة وَلَكِنَّك محلب للفرزدق فَقَالَ فِيهِ جرير
أَلا سوانا ادرأتم يَا بني لَجأشَيْئا يُقَارب أَو وحشا لَهَا غرر
أحين كنت سماما يَا بني لَجأوخاطرت بِي عَن أحسابها مُضر
إِن الحفافيث عهدي يَا بني لَجأيطرقن حِين يسور الْحَيَّة الذّكر
خل الطَّرِيق لمن يَبْنِي المناربهوابرز ببززة حَيْثُ اضطرك الْقدر
أَنْت ابْن بَرزَة مَنْسُوبا إِلَى لَجأعبد العصارة والعيدان تعتصر
ويروى
أَلَسْت نزوة خوار على أمةعبد العصارة والعيدان تعتصر
فَقَالَ التَّيْمِيّ يرد عَلَيْهِ
لقد كذبت وَشر القَوْل أكذبهمَا خاطرت بك عَن أحسابها مُضر
أَلَسْت نزوة خوار على أمةلَا يسْبق الحلبات اللؤم والخور
مَا قلت من مرّة إِلَّا سأنقضهايَا ابْن الأتان بمثلي تنقض المرر
قد أصبح الْخَزّ يبكي فِي بني الخطفىياخز كرمان صبرا إِنَّهَا الهتر
وَقَالَ أَيْضا
مَا استردفت يَوْم الْهُذيْل نساؤناولاقمن فِي صف لسجحة سجدا
وَلَكِن منعناهن فِي الشّرك بالقناوَفِي السّلم صدقنا النَّبِي مُحَمَّدًا
وَقَالَ أَيْضا
عجبت لما لَا قت ريَاح من الْأَذَىوَمَا اقتبسوا منى وللشر قابس
غضابا لكَلْب من كُلَيْب فرستههوى ولشدات الْأسود فرائس
إِذا مَا ابْن يَرْبُوع أَتَاك لمأكلعلى مجْلِس إِن الأكيل مجَالِس
فَقل لِابْنِ يَرْبُوع أَلَسْت بداحضسبالك عَنَّا إنَّهُنَّ نجائس
تمسح يَرْبُوع سبالا لئيمةبهَا من منى العَبْد رطب ويابس
يُرِيد ماصنع أَبُو سواج الضَّبِّيّ باليربوعي
وَكَانَ أَبُو سواج أَخذ بالبريرة صرد بن جَمْرَة فِي شَيْء كَانَ بَينهمَا فجَاء بزنج فأوثبهم على جَارِيَة لَهُ فَكَانُوا يمنون فِي قَعْب ثمَّ حلب عَلَيْهِ فَسَقَاهُ إِيَّاه فَقتله وَذَلِكَ قَول الفرزدق لجرير حِين أَمرهم الْحجَّاج أَن يأتوه فِي لِبَاس آبَائِهِم فجَاء جرير فِي الْحَدِيد فَقَالَ الفرزدق
وَقد تلبس الحبلى السِّلَاح وبطنهاإِذا انتطقت عبء عَلَيْهَا تعادله
وَذَلِكَ قَول الأخطل لجرير
تعيب الْخمر وَهِي شراب كسْرَىوَيشْرب قَوْمك الْعجب العجيبا
منى العَبْد عبد أبي سواجأَحَق من المدامة أَن تعيبا
ثمَّ وافى جرير والتيمي الْمَدِينَة وَقد وردهَا الْوَلِيد بن عبد الْملك وَكَانَ يتأله فِي نَفسه فَقَالَ تقذفان الْمُحْصنَات وتعضهان وتنفيان فَأمر أَبَا بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم الْأنْصَارِيّ وَكَانَ واليه على الْمَدِينَة بضربهما فضربهما وأقامهما على البلس مقرونين والتيمي يَوْمئِذٍ أشب من جرير وَأقوى فَجعل يشول بجرير وَجَرِير يَقُول وَهُوَ المشول بِهِ
جزعت من الْعَذَاب غَرِيب تيموملأت الْقَمِيص مَعَ الْإِزَار
وَلست مفارقا قَرْني حَتَّىيطول تصعدي بك وانحداري
فَقَالَ التَّيْمِيّ
وَلما أَن قرنت إِلَى جريرأَبى ذُو بَطْنه إِلَّا انحدارا
فَقَالَ لَهُ قدامَة بن إِبْرَاهِيم الجُمَحِي بئْسَمَا قلت جعلت نَفسك المقرون إِلَيْهِ قَالَ فَكيف أَقُول قَالَ تَقول
وَلما لز فِي قربي جريرأَبى ذُو بَطْنه إِلَّا انحدارا
قَالَ لَا وَالله لَا أَقُول لَهُ أبدا إِلَّا هَكَذَا قَالَ أَبُو الْبَيْدَاء لَقِي الفرزدق عَمْرو بن عَطِيَّة أَخا جرير وَهُوَ حِينَئِذٍ يهاجي ابْن لَجأ فَقَالَ لَهُ وَيلك قل لأخيك ثكلتك أمك إيت التَّيْمِيّ من عل كَمَا أصنع بك أَنا
وَكَانَ الفرزدق قد حمي وأنف لجرير أَن يتَعَلَّق بِهِ التَّيْمِيّ قَالَ ابْن سَلام وأنشدنى لَهُ خلف الْأَحْمَر يَعْنِي الفرزدق شعرًا يَقُول للتيمي
وَمَا أَنْت إِن قرما تَمِيم تسامياأَخا التيم إِلَّا كالو شيظة فِي الْعظم
فَلَو كنت مولى الظُّلم أَو فِي ظلالهظلمت وَلَكِن لَا يدى لَك بالظلم
فَأَجَابَهُ ابْن لَجأ فَقَالَ
كذبت إأنا القرم الَّذِي دق مَالِكًاوأفناء يَرْبُوع وَمَا أَنْت بالقرم
فَحَدثني أَبُو الغراف قَالَ مشت رجال تَمِيم بَين جرير والتيمي وَقَالُوا وَالله ماشعراؤنا إِلَّا بلَاء علينا يثيرون مخازينا ويهجون أحياءنا وأمواتنا فَلم يزَالُوا يَمْشُونَ بَينهمَا حَتَّى أصلحوا بَينهمَا بالعهود والمواثيق الْمُغَلَّظَة أَن لَا يعودا فِي الهجاء فَكف التَّيْمِيّ وَكَانَ جرير لَا يزَال يسل الْوَاحِدَة فَيَقُول التَّيْمِيّ وَالله مَا نقضت هَذِه وَلَا سَمعتهَا فَيَقُول جرير هَذِه كَانَت قبل الصُّلْح
حَدثنِي عُثْمَان بن عُثْمَان عَن عبد الرَّحْمَن بن حَرْمَلَة قَالَ لما ورد علينا هجاء جرير والتيمي قَالَ لي سعيد بن الْمسيب تروأ لنا مِمَّا قَالَا شَيْئا فَأَتَيْته وَقد اسْتقْبل الْقبْلَة يُرِيد أَن يكبر فَقَالَ أرويت شَيْئا قلت نعم فَأقبل عَليّ بِوَجْهِهِ فَأَنْشَدته للتيمي وَهُوَ يَقُول هيه هيه ثمَّ أنشدته لجرير فَقَالَ أكله أكله
أَخْبرنِي أَبُو الْخطاب الزراري عَن حجناء بن جرير قَالَ قلت لأبي ياأبت مَا هجوت قوما قطّ إِلَّا فضحتهم أوقال أفسدتهم إِلَّا التيم قَالَ يَا بني إِنِّي لم أجد بِنَاء فأهدمه وَلَا حسبا أَضَعهُ أَو قَالَ أصمه
وَكَانَت تيم رعاء غنم فيغدون فِي غَنمهمْ ثمَّ يروحون وَقد جَاءَ كل رجل مِنْهُم بِأَبْيَات فيرفدون بهَا عمر بن لَجأ وَكَانَ أشعرهم بعد ابْن لَجأ السرندى
وَقيل لجرير مَا صنعت فِي التيم شَيْئا قَالَ إِنَّهُم شعراء لئام
وحَدثني مسمع بن عبد الْملك وَهُوَ كردين قَالَ كَانَ عَرَادَة النميري نديما للفرزدق فَقدم الرَّاعِي الْبَصْرَة فَدَعَاهُ عَرَادَة فأطعمه وسقاه وَقَالَ فضل الفرزدق على جرير فأبي فَلَمَّا أَخذ فِيهِ الشَّرَاب لم يزل بِهِ حَتَّى قَالَ
يَا صَاحِبي دنا الرواح فسيراغلب الفرزدق فِي الهجاء جَرِيرًا
حَدثنِي أَبُو الغراف قَالَ كَانَ الَّذِي هاج الهجاء بَين جرير الرَّاعِي وَهُوَ عبيد بن حُصَيْن أَن الرَّاعِي كَانَ يسْأَل عَن جرير والفرزدق فَيَقُول البفرزدق أكرمهما وأشعرهما
فَلَقِيَهُ جرير فاستعاذه من نَفسه وَطلب إِلَيْهِ أَن لَا يدْخل بَينهمَا وَقَالَ أَنا كنت أولى بعونك إِنِّي لأمدحكم وَإنَّهُ ليهجوكم قَالَ أجل وَلست لمساءتك بعائد ثمَّ بلغ جَرِيرًا أَنه عَاد فِي تَفْضِيل الفرزدق عَلَيْهِ فَلَقِيَهُ بِالْبَصْرَةِ وَجَرِير على بغلة فَعَاتَبَهُ وَقَالَ استعذتك فَزَعَمت أَنَّك غير دَاخل بيني وَبَين ابْن عمي قَالَ والراعي يعْتَذر إِلَيْهِ وَأَقْبل ابْنه جندل وَكَانَ فِيهِ خطل وَعجب فَقَالَ لِأَبِيهِ أَلا أَرَاك تعتذر إِلَى ابْن الأتان نعم وَالله لنفضلن عَلَيْك ولنروين هجاءك ولنهجونك من تِلْقَاء انفسنا وَضرب وَجه بغلته وَقَالَ
ألم تَرَ أَن كلب بني كُلَيْبأَرَادَ حِيَاض دجلة ثمَّ هابا
فَانْصَرف جرير مغضبا محفظا فَقَالَ الرَّاعِي لِابْنِهِ وَالله لهجوني وَإِيَّاك فليته لَا يجاوزنا وَلَكِن سَيذكرُ نسوتك وَعلم الرَّاعِي أَنه قد أَسَاءَ فندم فتزعم نمير أَنه حلف أَن لَا يجِيبه سنة غَضبا على ابْنه وَأَنه مَاتَ فِي السّنة وَيَقُول غَيرهم إِنَّه كمد لما سَمعهَا فَمَاتَ
وَكَانَ جرير يَوْم جرى هَذَا بَينهمَا بِالْبَصْرَةِ نازلا على امْرَأَة من كُلَيْب فَبَاتَ فِي علية لَهَا وَهِي فِي سفل دارها قَالَت الْمَرْأَة فَبَاتَ ليلته لَا ينَام يتَرَدَّد فِي الْبَيْت حَتَّى ظَنَنْت أَنه عرض لَهُ جني أَو سنح لَهُ بلَاء حَتَّى فتح لَهُ فَقَالَ
أقلي اللوم عاذل والعتاباوَقَوْلِي إِن أصبت لقد أصابا
حَتَّى قَالَ
إِذا غضِبت عَلَيْك بَنو تَمِيمحسبت النَّاس كلهم غضابا
ثمَّ أصبح فغدا إِلَى المربد فَقَالَ يَا بني تَمِيم قيدوا أَي اكتبوا فَلم يجبهُ الرَّاعِي وَلم يهجه جرير بغَيْرهَا
فَقَالَ لي بعض رُوَاة قيس وعلمائهم كَانَ الرَّاعِي فَحل مُضر حَتَّى ضغمه اللَّيْث يَعْنِي جَرِيرًا
قَالَ أَبُو الْبَيْدَاء مر رَاكب يتَغَنَّى
وعاو عوى من غير شىء رميتهبقاقية أَسبَابهَا تقطر الدما
خُرُوج بأفواه الروَاة كَأَنَّهَاقرا هندوانى إِذا هز صمما
فَسَمعهُ الرَّاعِي فَأتبعهُ رَسُولا فَقَالَ لمن البيتان قَالَ جرير قَالَ وَالله لَو اجْتمعت الْجِنّ وَالْإِنْس على صَاحب هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مَا أغنوا فِيهِ شَيْئا ثمَّ قَالَ لمن حضر وَيحكم ألام على أَن يغلبني مثل هَذَا وَإِنَّمَا يَعْنِي جرير البعيث وَكَذَلِكَ كَانَ اعْتِرَاض البعيث جَرِيرًا فِي غير شَيْء
حَدثنِي أبان بن عُثْمَان قَالَ كَانَ سراقَة الْبَارِقي شَاعِرًا ظريفا تحبه الْمُلُوك حُلْو الحَدِيث وَكَانَ قَاتل الْمُخْتَار فَأَخذه أَسِيرًا فَأمر بقتْله فَقَالَ وَالله لَا تقتلني حَتَّى تنقض دمشق حجرا حجرا فَقَالَ الْمُخْتَار لأبي عمْرَة من يخرج أَسْرَارنَا ثمَّ قَالَ من أسرك قَالَ قوم على خيل بلق عَلَيْهِم ثِيَاب بيض لَا أَرَاهُم فِي عسكرك قَالَ فَأقبل الْمُخْتَار على أَصْحَابه فَقَالَ عَدوكُمْ يرى من هَذَا مَا لَا ترَوْنَ قَالَ إِنِّي قَاتلك قَالَ وَالله يَا أَمِين آل مُحَمَّد إِنَّك تعلم أَن هَذَا لَيْسَ بِالْيَوْمِ الَّذِي تقتلني فِيهِ قَالَ فَفِي أَي يَوْم أَقْتلك قَالَ يَوْم تضع كرسيك على بَاب مَدِينَة دمشق فتدعو بِي يَوْمئِذٍ فَتضْرب عنقِي فَقَالَ الْمُخْتَار لأَصْحَابه يَا شرطة الله من يرفع حَدثنِي ثمَّ خلى عَنهُ فَقَالَ سراقَة وَكَانَ الْمُخْتَار يكنى أَبَا إِسْحَاق
أَلا أبلغ أَبَا إِسْحَاق عنيرَأَيْت البلق دهما مصمتات
أرى عَيْني مَا لم تبصراهكِلَانَا عَالم بالترهات
كفرت بوحيكم وَجعلت نذراعلى قتالكم حَتَّى الْمَمَات
ثمَّ قدم سراقَة بعد ذَلِك الْعرَاق مَعَ بشر بن مَرْوَان وَكَانَ بشر من فتيَان قُرَيْش سخاء ونجدة وَكَانَ ممدحا فمدحه جرير والأخطل والفرزدق وَكثير وأعشى بني شَيبَان وَكَانَ بشر يغري بَين الشُّعَرَاء وَهُوَ أغرى بَين جرير والأخطل فَحمل سراقَة على جرير حَتَّى هجاه فَقَالَ سراقَة
أبلغ تميما غثها وسمينهاوَالْقَوْل يقْصد تَارَة ويجور
أَن الفرزدق برزت حلباتهعفوا وغودر فِي الغبارجرير
مَا كنت أول محمر عثرت بِهِآباؤه إِن اللَّئِيم عثور
حرر كليبا إِن خير صَنِيعَةيَوْم الْحساب الصَّوْم والتحرير
هَذَا الْقَضَاء الْبَارِقي وإننيبالميل فِي مِيزَانه لجدير
فَقَالَ جرير فِي قصيدته الَّتِي قَالَ فِيهَا
يَا صَاحِبي هَل الصَّباح مُنِيرأم هَل للوم عواذلي تفتير
يَا بشر إِنَّك لم تزل فِي نعْمَةيَأْتِيك من قبل الْعلي بشير
بشر ابو مَرْوَان إِن عاسرتهعسر وَعند يسَاره ميسور
يابشر حق لوجهك التبشيرهلا غضِبت لنا وَأَنت أَمِير
قد كَانَ حَقك أَن تَقول لبارقيَا آل بارق فيمَ سبّ جرير
إِن الْكَرِيمَة ينصر الْكَرم ابْنهَاوَابْن اللئيمة للئام نصور
أَمْسَى سراقَة قد عوى لشقائهخطب وأمك يَا سراق يسير
أسراق إِنَّك قد غشيت ببارقأمرا مطالعه عَلَيْك وعور
أسراق إِنَّك لَا نزارا نلتموالحي من يمن عَلَيْك نصير
أكسحت باستك للفخار وبارقشَيْخَانِ أعمى مقْعد وكسير
وَقَالَ جرير
أَمْسَى خَلِيلك قد أجد فراقاهاج الحزين وَذكر الأشواقا
وَإِذا لقِيت مجيلسا من بارقلَا قيت أطبع مجْلِس أَخْلَاقًا
قفد الأ كف عَن المكارم كلهَاوالجامعين مذلة ونفاقا
وَلَقَد هَمَمْت بِأَن أدمدم بارقافَحفِظت فيهم عمنَا إسحاقا
(قَالَ ابْن سَلام يَعْنِي إِسْحَاق الذَّبِيح ثمَّ نزعا
فَمر جرير بسراقة بمنى وَالنَّاس مجتمعون على سراقَة وَهُوَ ينشد فجهره جماله وَاسْتحْسن نشيده فَقَالَ جرير من أَنْت قَالَ بعض من أَخْزَاهُ الله على يَديك قَالَ أما وَالله لَو عرفتك لوهبتك لظرفك
قَالَ كَانَ الْعَبَّاس بن يزِيد الْكِنْدِيّ هجا جَرِيرًا وَكَانَت الشُّعَرَاء تعرض لَهُ ليهجوهم
وَكَانَ يَقُول لَا أبتدي وَلَكِن أعتدي
قَالَ أَبُو الغراف فتأناهم حولا وَذَلِكَ قَوْله
ألم ينْه عني النَّاس أَن لست ظَالِمابَرِيئًا وأنى للمتاحين متيح
فَأَتَتْهُ كِنْدَة فاستعدوه من نَفسه وطلبوا أَن لَا يذكرهم قَالَ فَأَخْبرُونِي بمساويه إِن كُنْتُم صَادِقين ففرشوه أمره فَقَالُوا هم أهل بَيت كَانُوا فِي فَزَارَة مجاورين ثمَّ تحولوا إِلَى بني كلاب ثمَّ تحولوا فِي طيىء وَمَعَهُ ابْنة لَهُ جَارِيَة حدثة فطبن لَهَا غُلَام مِنْهُم يُقَال لَهُ عتاب فَكَانَ يلاعبها فَقَالُوا إِنَّهَا حبلت مِنْهُ وَولدت وَقتل الْوَلَد وَكَانُوا نزولا فِي جبل يُقَال لَهُ شعبي وَكَانُوا أهل بَيت سرو وجمال قَالَ رَأَيْت رجلا من وَلَده فَمَا رَأَيْت أجمل مِنْهُ فَقَالَ جرير
ستطلع من ذرى شعبى قوافعلى الْكِنْدِيّ تلتهب التهابا
أيوما فِي فَزَارَة مستجيراوَيَوْما نَاشِدًا حلفا كلابا
أعتابا تجاور حِين أجنتنخيل أجا وأعنزه الربابا
يخاتلها وتحسبه لعاباأَسَاءَ غُلَام جيرتك اللعابا
وَمَا خفيت هضيبة يَوْم جرتوَلَا إطْعَام سخلتها الكلابا
يقطع بالمشاقص حالبيهاوَقد بلت مشمتها الترابا
وَقد حملت ثَمَانِيَة وتمتلتاسعها وتحسبها كعابا
أعبدا حل فِي شعبى غَرِيباألؤما لَا أَبَا لَك واغترابا
إِذا نزل الحجيج على قنيعدببت اللَّيْل تسْتَرق العيابا
فقد حلت يَمِينك إِن إِمَامأَقَامَ الْحَد وَاتبع الكتابا
فيزعم النَّاس أَنه لما أتنه هَذِه الأبيات كمد فَمَاتَ
قَالَ وَقَالَ رجل من عبد الْقَيْس يُقَال لَهُ أحمز بن غُدَانَة من بني عصر
علام تعنى ياجرير وَقد قضىأَخُو عصر أَن قد علاك الفرزدق
وَإِن امْرأ سوى كليبا بدارموَسوى جَرِيرًا بالفرزدق أَحمَق
فَأَخذه عبد الْعَزِيز بن عَمْرو بن مرجوم وَكَانَ سيد عبد الْقَيْس بِالْبَصْرَةِ وَأَبوهُ سيد وجده سيد
وَكَانَ جده مرجوم اسْمه عَامر بن عبيد فنافر رجلا من قومه إِلَى النُّعْمَان فنفرة عَلَيْهِ وَقَالَ رَجَمْتُك بالشرف فَسُمي مرجوما وَفِيه يَقُول لبيد
وقبيل من لكيز شَاهدرَهْط مرجوم ورهط ابْن المعل
فشده وثاقا فَأرْسل بِهِ إِلَى جرير وَقَالَ احكم فِيهِ
فَقَالَ جرير
لَوْلَا ابْن عَمْرو بن مرجوم لقد خرجتشنعاء لَا تتقي سمعا وَلَا بصرا
إِنِّي لأرجو وراجي الْخَيْر مدركهأَن يجْبر الله فِي الدُّنْيَا بني عصرا
كم من يَتِيم ومسكين وأرملةوبائس فِي قديم الدَّهْر قد جبرا
وَقَالَ جرير يرد على الصلتان
أَقُول وَلم أملك أمال بن حنظلمَتى كَانَ حكم الله فِي كرب النّخل
فاعترضه خُلَيْد عينين من أهل هجر فَقَالَ
وَأي نَبِي كَانَ من أهل قَرْيَةوَمَا الحكم يَا ابْن اللؤم إلامع الرُّسُل
فَقَالَ جرير
فَخَل الْفَخر يَا ابْن أَبى خُلَيْدوأد خراج رَأسك كل عَام
لقد علقت يَمِينك رَأس ثَوْروَمَا علقت يَمِينك باللجام
وَقَالَ جرير
كم عمَّة لَك يَا خُلَيْد وَخَالَةخضر نواجذها من الكراث
نَبتَت بمنبته فطاب لشمهاونأت عَن القيصوم والجثجاث
فَسكت خُلَيْد
وَقَالَ فِي أَحْمَر بن غُدَانَة
نبئت عبدا بالعيون يسبنيأُحَيْمِر سوارا على كرب النّخل
فَقَالَ أَحْمَر
أعيرتنا بِالنَّخْلِ أَن كَانَ مالناوود أَبوك اللؤم لَو كَانَ ذَا نخل
فهم جرير ببني عصر فَأَتَاهُ عبد الْعَزِيز بن عَمْرو بن مرجوم فشده فَأرْسلهُ إِلَى جرير وَحمل جَرِيرًا وكساه
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع