١وَاحَرَّ قَلْبَاهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ
وَمَنْ بِجِسْمِي وَحَالِي عِنْدَهُ سَقَمُ
الواحدي: قال ابن جنى قلباه فيه قبح في الإعراب لأن هذه الهاء لا تثبت في الوصل إلا أن الكوفيين ينشدون بيتا وهو، يا مرحباه بحمار ناجيه، وآخر، يا رب يا رباه إياك أسأل، وآخر، وقد رابنى قولها يا هناه ويحك ألحقت شرا بشر، والبصريون لا يلتفتون إلى شيء من هذا فقالوا في هناه الهاء بدل من الواو في هنوك وهنواتٍ فهي بدل من لام الفعل فلذلك جاز ضمها وقال أبو زيد في مرحباه أنه شبهها بحرف الإعراب فضمها وإذ قد أجاز قلباه فالوجه كسر الهاء لالتقاء الساكنين أو فتحها لذلك أيضا ولمجاورتها الألف وليس للضم وجه والمعنى أن قلبي حار من حبه وقلبه بارد من حبي وأنا عنده مختل الحال معتل الجسم أي اعتقاده فاسد فيّ.
٢مَا لِي أُكَتِّمُ حُبًّا قَدْ بَرَى جَسَدِي
وَتَدَّعِي حُبَّ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الْأُمَمُ
الواحدي: أي إذا كان الناس يدعون حبه فلم أخفيه أنا والمعنى أن العادة في حبه أن يظهر ولا يضمر فلم أعين على نفسي بكتمانه.
العكبري: الْغَرِيب أكتم مُبَالغَة فِي الكتمان وبرى جَسَدِي أنحله وأضناه الْمَعْنى يَقُول لأي شَيْء أُخْفِي حبه وغيري يظْهر أَنه يُحِبهُ وَهُوَ بِخِلَاف مَا يضمر وَأَنا مُضْمر من حبه مَا يزِيد مضمره على ظَاهره ومكتومه على شَاهده والأمم تشركني فِي ادِّعَاء ذَلِك بقلوب غير خَالِصَة ونيات غير صَادِقَة فينحل جسمي بقدمي فِي صدق وده وتأخري فِيمَا يخصني من فَضله
٣إِنْ كَانَ يَجْمَعُنَا حُبٌّ لِغُرَّتِهِ
فَلَيْتَ أَنَّا بِقَدْرِ الْحُبِّ نَقْتَسِمُ
الواحدي: يقول أن حصلت في حبه الشركة فحظي أوفر منه فليتنا نقتسم فواضله وعطاياه بقدر الحب لأكون أوفر نصيبا من غيري كما أنا أوفر حبا من غيري.
العكبري: الْغَرِيب الْغرَّة الطلعة وَالْوَجْه الْحسن الْأَغَر الْمَعْنى يَقُول إِن حصلت الشّركَة فِي حبه فحظي وافر وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا إِن كَانَ يجمعنا من آفَاق الْبِلَاد المتباعدة حب لغرته فليت أَنا نقتسم بره كَمَا نقتسم حبه وَالْآخر إِن كَانَ يجمعني وغيري أَن أكون أَنا وَهُوَ محبين لَهُ فليت حظي مِنْهُ مثل حظي من الْمحبَّة لَهُ كَقَوْلِك أَنا وَفُلَان تجمعنا الْكِتَابَة وَالْقِرَاءَة كِلَانَا من أَهلهَا وتلخيص الْمَعْنى إِن كَانَ يجمعنا حبه والكلف بمودته فليت أَنا نقتسم الْمنَازل عِنْده بِقدر مَا نَحن عَلَيْهِ من محبتنا الْخَالِصَة وَمَا نعتقده من مودتنا الصادقة فَلَا يبخس المخلص حَقه وَلَا يبْذل للمتصنع بره
٤قَدْ زُرْتُهُ وَسُيُوفُ الْهِنْدِ مُغْمَدَةٌ
وَقَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَالسُّيُوفُ دَمُ
العكبري: الْمَعْنى يَقُول قد خدمته فِي حالتي السّلم وَالْحَرب وَالسُّيُوف دم أَي مخضبة بِالدَّمِ يُرِيد أَنه قد شهده فِي شَدَائِد الْحَرْب وَقد جربه فِي الضّيق وَالسعَة وامتحنه فِي الْأَمْن وَالْخَوْف فأعجبه كَيفَ تقلب وأحمده على أَي حَال تصرف
٥فَكَانَ أَحْسَنَ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمْ
وَكَانَ أَحْسَنَ مَا فِي الْأَحْسَنِ الشِّيَمُ
الواحدي: أي كان في الحالين أحسن الخلق وكانت أخلاقه أحسن ما فيه
العكبري: الْإِعْرَاب فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَالتَّقْدِير وَكَانَ الشيم أحسن مَا فِي الْأَحْسَن الْغَرِيب الشيم جمع شِيمَة وَهِي الخليقة تَقول شِيمَة زيد الْكَرم أَي خليقته وخلقه الْمَعْنى يَقُول لما بلوته فِي حالتيه كَانَ أحسن الْخلق وَكَانَت أخلاقه أحسن مَا فِيهِ فَكَانَ فِي جَمِيع أَحْوَاله أحسن خلق الله شَاهدا وَأكْرمهمْ ظَاهرا وَكَانَ أحسن من ذَلِك شيمه المختبرة وأخلاقه المستحسنة
٦فَوْتُ الْعَدُوِّ الَّذِي يَمَّمْتَهُ ظَفَرٌ
فِي طَيِّهِ أَسَفٌ فِي طَيِّهِ نِعَمُ
الواحدي: يقول فوت العدو الذي قصدته ففات منك بأن فر ظفر من وجهٍ حيث فر منك فكأنك ظفرت به وفيه أسف حين لم تدركه فتقتله وفي ضمن ذلك الأسف نعم حين كفيته دون القتال
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي طيه الأول عَائِد على الظفر وَفِي الثَّانِي عَائِد عَليّ الأسف الْغَرِيب يممته قصدته والأسف الْحزن وَالظفر الْفَتْح والظهور على الْعَدو وَالنعَم جمع نعْمَة تَقول نعْمَة وَنعم وأنعم ونعمات الْمَعْنى يُرِيد أَنه اتبع بعض مُلُوك الرّوم ففاته يَقُول فَوت الْعَدو الَّذِي قصدته ففر عَنْك لاستحكام جزعه ظفر ظَاهر واستعلاء بَين وَإِن كَانَ ذَلِك الظفر فِي طيه مِنْك أَسف على مَا حرمته من إِدْرَاكه وَفِي طي ذَلِك الأسف نعم بهَا صرف الله عَنْك مُؤنَة الْحَرْب وَشدَّة معاناه اللِّقَاء وَحفظ عسكرك من الْجراح أَو قتل فَفِي هَذَا نعم من الله كَثِيرَة
٧قَدْ نَابَ عَنْكَ شَدِيدُ الْخَوْفِ وَاصْطَنَعَتْ
لَكَ الْمَهَابَةُ مَا لَا تَصْنَعُ الْبُهَمُ
الواحدي: أي خوف العدو منك ينوب عنك في شدة تأثيره فيهم فيصنع لك ما لا تصنعه وسالك الشجعان والمعنى أن مهابتك في قلوب أعدائك أبلغ من رجالك وأبطالك الذين معك.
العكبري: الْغَرِيب المهابة شدَّة الْفَزع والبهم الْأَبْطَال الْوَاحِدَة بهمة وهم الَّذين تناهت شجاعتهم وَيُقَال للجيش بهمة وَمِنْه قَوْلهم فلَان فَارس بهمة الْمَعْنى يَقُول قد نَاب عَنْك خوف الْعَدو لَك فذعره وهزمه وصنعت لَك فِيهِ مهابتك وَبَلغت لَك مخافتك مَا لَا تَصنعهُ الشجعان
٨أَلْزَمْتَ نَفْسَكَ شَيْئًا لَيْسَ يَلْزَمُهَا
أَنْ لَا يُوَارِيَهُمْ أَرْضٌ وَلَا عَلَمُ
الواحدي: يقول لا يلزمك أن لا يستر عدوك مكان في الحرب عنك وأنت الزمت نفسك هذا تريد أن تظفر بهم إذا استتروا عنك في الهرب وأن لا يسترهم مكان.
العكبري: الْإِعْرَاب نصب يواريهم بِأَن وَمثله قِرَاءَة عَاصِم وَابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر وَحَسبُوا أَن لَا تكون فتْنَة بِنصب الْفِعْل وَقد بَيناهُ فِي كتَابنَا الموسوم بالروضة المزهرة يواريهم يسترهم ويكنهم وَالْعلم الْجَبَل الطَّوِيل الوعر المسلك وَمِنْه قَول الخنساء (وَإنَّ صَخْراً لَتَأتَمَّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأسِهِ نارُ) الْمَعْنى يَقُول قد ألزمت نَفسك مَا لم يكن يلْزمهَا وكلفتها مَا لَا يحِق عَلَيْهَا من أَن عَدوك لَا يواريهم أَرض تشْتَمل عَلَيْهِم وَلَا يسترهم عَنْك جبل يحول بَيْنك وَبينهمْ وَهَذَا غَايَة التَّكَلُّف
٩أَكُلَّمَا رُمْتَ جَيْشًا فَانْثَنَى هَرَبًا
تَصَرَّفَتْ بِكَ فِي آثَارِهِ الْهِمَمُ
الواحدي: يقول متى ما هزمت جيشا حملتك همتك على اقتفائهم وأقتفاء آثارهم وهذا استفهام انكار أي لا تفعل هذا
١٠عَلَيْكَ هَزْمُهُمْ فِي كُلِّ مُعْتَرَكٍ
وَمَا عَلَيْكَ بِهِمْ عَارٌ إِذَا انْهَزَمُوا
الواحدي: يقول عليك أن تهزمهم أن التقوا معك في ملتقى الحرب ولا عار عليك إذا انهزموا فتحصنوا بالهرب ولم تظفر بهم.
العكبري: الْغَرِيب المعترك ملتقى الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول عَلَيْك أَن تهزمهم إِذا الْتَقَوْا مَعَك فِي الْحَرْب وَلَا عَار عَلَيْك إِذا مَا انْهَزمُوا فَتَحَصَّنُوا بالهرب وَلم تظفر بهم وَالْمعْنَى لَا عَار عَلَيْك أَن يَغْلِبهُمْ خوفك فيهزموا دون قتال ويفرقو دون لِقَاء إشفاقا مِنْك
١١أَمَا تَرَى ظَفَرًا حُلْوًا سِوَى ظَفَرٍ
تَصَافَحَتْ فِيهِ بِيضُ الْهِنْدِ وَاللِّمَمُ
الواحدي: يقول لا يحلو لك الظفر إلا إذا ضربت رؤسهم بالسيف والتقت سيوفك مع شعورهم
العكبري: الْغَرِيب تصافحت تلاقت بالصفاح وَهِي السيوف واللمم جمع لمة وَهِي الشّعْر إِذا ألم بالمنكب الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ يحلو لَك ظفر تناله وأمل فِي عَدوك تبلغه إِلَّا أَن يكون ذَلِك بعد مصادمة وقتال ومجالدة ونزال وَبعد مصافحة سيوفك رُءُوسهم وتباشر سِلَاحك خيولهم فَهَذَا هُوَ الظفر الحلو عنْدك
١٢يَا أَعْدَلَ النَّاسِ إِلَّا فِي مُعَامَلَتِي
فِيكَ الْخِصَامُ وَأَنْتَ الْخَصْمُ وَالْحَكَمُ
الواحدي: يقول أنت أعدل الناس إلا إذا عاملتني فإنك لست بعدلٍ عليّ وخصامي وقع فيك وأنت الخصام الحاكم يريد أنك ملك لا أحاكمك إلى غيرك لأن الخصام وقع فيك.
العكبري: الْغَرِيب الْخِصَام الْمُخَاصمَة والخصم يَقع على الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَهل أَتَاك نبأ الْخصم إِذْ تسوروا الْمِحْرَاب﴾ الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة يَا أعدل النَّاس فِي أَحْكَامه وَأكْرمهمْ فِي أَفعاله إِلَّا فِي معاملتي فَإِنَّهُ يخرجني عَن عدله ويضيق على مَا قد بسط من فَضله فِيك خصامي وتعبي وَأَنت خصمي وحكمي فَأَنا أخاصمك إِلَى نَفسك وأستدعي عَلَيْك حكمك قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذِه شكوى مفرطة لِأَنَّهُ قَالَ فِي مَوضِع آخر (وَما يُوجعُ الحرْمانُ منْ كَفّ حارِم ... كَمَا يُوجِعُ الحِرْمانُ من كفّ رَازِقِ) وَإِذا كَانَ عدلا فِي النَّاس كلهم إِلَّا فِي مُعَامَلَته فقد وَصفه بأقبح الْجور وَقد وَصفه بِثَلَاثَة أَوْصَاف مُخْتَلفَة بقوله فِيك الْخِصَام أَي أَنْت الَّذِي تختصم فِيهِ وَأَنت الْخصم وَهُوَ غير مختصم فِيهِ وَأَنت الحكم وَلَيْسَ الحكم أحد الْخَصْمَيْنِ وَلَا بالشَّيْء الَّذِي يَقع فِيهِ الْخِصَام وَالْمعْنَى أَنْت الحكم لِأَنَّك ملك لَا أخاصمك إِلَى غَيْرك وَالْخِصَام وَقع فِيك
١٣أُعِيذُهَا نَظَرَاتٍ مِنْكَ صَادِقَةً
أَنْ تَحْسَبَ الشَّحْمَ فِيمَنْ شَحْمُهُ وَرَمُ
الواحدي: الهاء في أعيذها راجعة إلى النظرات وأجاز مثله الأخفش لأنه أجاز في قوله تعالى فإنها لا تعمى الأبصار أن تكون الهاء عائدةً على الأبصار وغيره ن النحويين يقولون أنها اضمار على شريطة التفسير كأنه فسر الهاء بالنظرات والمعنى أنك إذا نظرت إلى شيء عرفته على ما هو فنظراتك صادقة تصدقك ولا تغلط فيما تراه فلا تحسب الورم شحما وهذا مثل يقول لا تظنن كل شاعر شاعرا.
العكبري: الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن الْهَاء على أَي شَيْء تعود فَقَالَ على النظرات وَقد أجَاز مثله أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار﴾ فَقَالَ الْهَاء رَاجِعَة إِلَى الْأَبْصَار وَغَيره من النَّحْوِيين يَقُول إِنَّهَا إِضْمَار على شريطة التَّفْسِير كَأَنَّهُ فسر الْهَاء بالنظرات الْغَرِيب الورم الانتفاخ فِي الْعُضْو من ألم يُصِيبهُ الْمَعْنى يُرِيد أَن نظراتك صَادِقَة إِذا نظرت إِلَى شَيْء عَرفته على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَلَا تغلظ فِيمَا ترَاهُ وَلَا تحسب الورم شحما وَهَذَا مثل يُرِيد لَا تظن المتشاعر شَاعِرًا كَمَا يحْسب السقم صِحَة والورم سمنا وَقَالَ الْخَطِيب نظرات فِي مَوضِع نصب على التَّمْيِيز أَي من نظرات كَقَوْل الراجز (كَمْ دُونَ لَيْلى فَلَوَاتٍ بِيدِ ... ) أَي من فلوات
١٤وَمَا انْتِفَاعُ أَخِي الدُّنْيَا بِنَاظِرِهِ
إِذَا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الْأَنْوَارُ وَالظُّلَمُ
الواحدي: إذا لم يميز الإنسان البصير بين النور والظلمة فأي نفعٍ له في بصره أي يجب أن تميز بيني وبين غيري ممن لم يبلغ درجتي كما تميز بين النور والظلمة.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول وَمَا ينْتَفع أَخُو الدُّنْيَا بنظره وَلَا يعود عَلَيْهِ فَائِدَة بصده إِذا اسْتَوَت عِنْده الصِّحَّة والسقم والأنوار وَالظُّلم وَالْمعْنَى يجب أَن تميز بيني وَبَين غَيْرِي مِمَّن لم يبلغ درجتي كَمَا تميز بَين النُّور والظلمة وَهُوَ مَنْقُول من قَول الْحَكِيم أرسطاطاليس اعْتِدَال الأمزجة وتساوي أَرْكَان الْإِنْسَان تفرق بَين الْأَشْيَاء وأضدادها
١٥أَنَا الَّذِي نَظَرَ الْأَعْمَى إِلَى أَدَبِي
وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ
الواحدي: يقول الأعمى على فساد حاسة بصره أبصر أدبي وكذلك الأصم سمع شعري يعني أن شعره اشتهر وسار في البلاد حتى تحقق عند الأعمى والأصم أدبه وكأن الأعمى رآه لتحققه عنده وكأن الأصم سمعه.
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن شعره سارا فِي آفَاق الْبِلَاد واشهر حَتَّى تحقق عِنْد الْأَعْمَى والأصم فَكَأَن الْأَعْمَى رَآهُ لتحققه عِنْده وَكَأن الْأَصَم سَمعه أَي أَنا الَّذِي شاع أدبي واستبان موضعي فَثَبت ذَلِك فِي الْعُقُول وَتمكن فِي الْقُلُوب وَرَآهُ من لَا يبصره وأسمعت كلماتي من لَا يسمع وَكَانَ المعري إِذا أنْشد هَذَا الْبَيْت قَالَ أَنا الْأَعْمَى
١٦أَنَامُ مِلْءَ جُفُونِي عَنْ شَوَارِدِهَا
وَيَسْهَرُ الْخَلْقُ جَرَّاهَا وَيَخْتَصِمُ
الواحدي: الشوارد سوائر الأشعار من قولهم شرد البعير إذا نفر يقول أنا أنام عنها وجفوني ممتلئة بها وكأني أنظر إليها والناس يسهرون لأجلها ويتعبون ويختصمون ومعنى الأختصام اجتذاب الشيء من النواحي والزوايا مأخوذ من الخصم وهو طرف الوعاء يقول أنهم يجتذبون الأشعار احتيالا ويجتلبونها استكراها.
العكبري: الْإِعْرَاب ملْء جفوني هُوَ مَوضِع الْمصدر أَي أَنَام نوما ملْء جفوني كَقَوْلِك قعد القرفصاء أَي الْقعدَة الَّتِي هِيَ كَذَلِك وَالضَّمِير فِي شواردها للكلمات قَالَ أَبُو الْفَتْح يحْتَمل أَن يُرَاد بالكلمات جمع كلمة الَّتِي هِيَ اللَّفْظَة الْوَاحِدَة وَهَذَا أَشد فِي الْمُبَالغَة من غَيره وَيجوز أَن يَعْنِي بالكلمات القصائد وهم يسمون القصيدة كلمة الْغَرِيب الشوارد النوافر من قَوْلهم شرد الْبَعِير إِذا نفر وَيُقَال فعلت ذَلِك من جراك أَي من أَجلك وَمن جلالك وَمن إجلالك وَمن جرائك مشددا وَمن جلك هَذِه اللُّغَات كلهَا فِي هَذَا الْحَرْف قَالَ الشَّاعِر (رَسْمُ دَارٍ وََقَفْتُ فِي طَلَلِهْ ... كِدْتُ أقْضِي الحَياةَ مِنْ جَلَلِهْ) وَقَالَ الْمَجْنُون (أُغَفِّرُ مِنْ جَرَّاكِ خَدّي عَلى الثرَى ... ) وَقَالَ الرَّاعِي (وَنحنُ قَتَلْنا مِنْ جَلالِكَ وَائِلًا ... وَنحنُ بَكَيْنا بِالسُّيُوفِ على عَمرِو) وَقَالَ كثير (حَنِيني إِلَى أسمَاءَ والخرْقُ بَيْنَنا ... وَإكْرِامي القَوْمَ العِدَا مِنْ جَلالِها) ووحد الضَّمِير فِي يخْتَصم على لفظ الْخلق لَا مَعْنَاهُ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك﴾ على اللَّفْظ ﴿وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُون﴾ على الْمَعْنى الْمَعْنى يَقُول أَنَام سَاكن الْقلب مُتَمَكن النّوم لَا أعجب بشوارد مَا أبدع وَلَا أحفل بنوادر مَا أنظم ويسهر الْخلق فِي تحفظ ذَلِك وتعلمه ويختصمون فِي تعرفه وتفهمه فأستقل مِنْهُ مَا يستكثرون وأغفل عَمَّا يغتنمون
١٧وَجَاهِلٍ مَدَّهُ فِي جَهْلِهِ ضَحِكِي
حَتَّى أَتَتْهُ يَدٌ فَرَّاسَةٌ وَفَمُ
الواحدي: يقول رب جاهل خدعته مجاملتي وتركه في جهله ضحكي منه حتى افترسته بعد زمانٍ يريد أنه يغضى على الجاهل إلى أن يجازيه ويهلكه.
العكبري: الْغَرِيب أصل الْفرس دق الْعُنُق وَمِنْه سمى الْأسد فِرَاسًا الْمَعْنى يَقُول رب جَاهِل خدعه تركي لَهُ فِي جَهله وضحكي مِنْهُ حَتَّى افترسته بعد زمَان فأهلكته فَأَنا أغضي عَن الْجَاهِل حَتَّى أهلكه فَرب جَاهِل اغْترَّ بمجاملتي ومسامحتي إِيَّاه وضحكي على جَهله حَتَّى سطوت بِهِ ففرسته وغضبت عَلَيْهِ فأهلكته
١٨إِذَا رَأَيْتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بَارِزَةً
فَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَّيْثَ يَبْتَسِمُ
الواحدي: يقول إذا كشر الأسد عن نابه فليس ذاك تبسما وإنما هو قصد منه الافتراس وهذا مثل ضربه يعني أنه وإن أبدى بشره وتبسمه للجاهل فليس ذاك رضى عنه ومعنى البيت من قول الطائي، قد قلصت شفتاه من حفيظته، فخيل من شدة التعبيس مبتسما،
العكبري: الْغَرِيب النيوب جمع نَاب وَاللَّيْث الْأسد الْمَعْنى يَقُول إِذا كشر الْأسد عَن نابه فَلَيْسَ ذَلِك تبسما وَإِنَّمَا هُوَ قصد للافتراس وَهَذَا مثل ضربه يَعْنِي أَنه وَإِن أبدى بشره للجاهل فَلَيْسَ هُوَ رضَا عَنهُ فَإِن اللَّيْث إِذا كشر لَا تظنه مُتَبَسِّمًا وَإِن ذَلِك أقرب لبطشه وأدل على مَا يحذر من فعله فَكَذَلِك ضحكي للجاهل قَادَهُ إِلَى صرعته وَأَدَّاهُ إِلَى هَلَكته وَمعنى الْبَيْت من قَول الشَّاعِر (لمَّا رَآني قَدْ نَزَلْتُ أُرِيدُهُ ... أبْدَي نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسُّمِ) وَأَخذه حبيب فَقَالَ (قَدْ قَلَصَتْ شَفَتاهُ مِنْ حَفِيظَتِهِ ... فَخِيْلَ مِنْ شِدة التَّعْبِيسِ مُبتِسما)
١٩وَمُهْجَةٍ مُهْجَتِي مِنْ هَمِّ صَاحِبِهَا
أَدْرَكْتُهَا بِجَوَادٍ ظَهْرُهُ حَرَمُ
الواحدي: يقول رب مهجة همة صاحبها أي قتلي وأهلاكي أدركت مهجته بفرس من ركبه أمن من أن يلحق فكان ظهره حرمُ لأمن فارسه
العكبري: الْمَعْنى يَقُول رب إِنْسَان طلب نَفسِي كَمَا طلبت نَفسه أدركتها على جواد ظَهره حرم لأمن رَاكِبه لِأَنَّهُ لَا يقدر عَلَيْهِ فَكَأَن فِي حرم يَقُول أدْركْت مِنْهُ مَا أَرَادَ أَن يدْرك مني من قَتْلَى فَقتلته وظفرت بِهِ وَوصف جَوَاده الْبَيْت بعده
٢٠رِجْلَاهُ فِي الرَّكْضِ رِجْلٌ وَالْيَدَانِ يَدٌ
وَفِعْلُهُ مَا تُرِيدُ الْكَفُّ وَالْقَدَمُ
الواحدي: يقول لحسن مشيه واستواه وقع قوائمه في الركض كأن رجليه رجل واحدةٌ لأنه يرفعهما معا ويضعهما معا وكذلك اليدان ويقال لذلك الجرى النقال والمناقلة وقوله وفعله ما تريد الكف والقدم أي جريه يغنيك عن تحريك اليد بالسوط والرجل بالاستحثاث
العكبري: الْمَعْنى يَقُول هُوَ صَحِيح الجري يصف اسْتِوَاء وَقع قوائمه وَصِحَّة جريه فَكَأَن رجلَيْهِ رجل وَاحِدَة لِأَنَّهُ يرفعها مَعًا ويضعهما مَعًا وَكَذَلِكَ اليدان وَهَذَا الجري يُسمى النقال والمناقلة وَفعله مَا تُرِيدُ الْكَفّ بِالسَّوْطِ وَالرجل بالاستحثاث فَهُوَ بجريه يُغْنِيك عَنْهُمَا وَقَالَ ابْن الإفليلى وَفعله فِي السرعة مَا تُرِيدُ الْقدَم الَّتِي بهَا يستعجل وَفِي المؤاتاة والموافقة مَا تُرِيدُ الْكَفّ الَّتِي بهَا يستوقف
٢١وَمُرْهَفٍ سِرْتُ بَيْنَ الْجَحْفَلَيْنِ بِهِ
حَتَّى ضَرَبْتُ وَمَوْجُ الْمَوْتِ يَلْتَطِمُ
الواحدي: أي رب سيف رقيق الشفرتين سرت به بين الجيشين العظيمين حتى قاتلت بذلك السيف والموت غالب تلتطم امواجه وتضطرب.
العكبري: الْغَرِيب المرهف السَّيْف الرَّقِيق الشفرتين والجحفلان الجيشان العظيمان وروى ابْن جني وَغَيره بَين الموجتين أَرَادَ موجتي الجيشين لِأَنَّهُمَا يموج بَعضهم فِي بعض الْمَعْنى يَقُول رب سيف رَقِيق الحدين سرت بِهِ بَين الجيشين العظيمين حَتَّى قتلت بِهِ وَالْمَوْت غَالب تلتطم أمواجه ويضطرب بحره واستعار الموج لكتائب الْحَرْب
٢٢الْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي
وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُ وَالْقَلَمُ
الواحدي: وصف نفسه بالشجاعة والفصاحة بأن هذه الأشياء ليست تنكره لطول صحبته إياه ومن فضل هذا البيت قال أبو الفضل الهمداني، إن شئت تعرف من الآداب منزلتي، وأنني قد غذاني الفضل والنعم، فالطرف والقوس والأوهاق تشهد لي، والسيف والنرد والشطرنج والقلمُ،
العكبري: الْغَرِيب الْبَيْدَاء الفلاة الْبَعِيدَة عَن المَاء والقرطاس الْكتاب فِيهِ الْكِتَابَة وَجمعه قَرَاطِيس يُقَال قرساطاس بِضَم الْقَاف وقرطس قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره قَالَ مخش الْعقيلِيّ (كَأنَّ بِحيْثُ اسْتَودَعَ الدَّارَ أهْلُها ... مَخطُّ زبور من دَوَاة وقرطس) الْمَعْنى يصف شجاعته وجلادته وَأَن هَذِه الْأَشْيَاء لَا تنكره وَهِي تعرفه لِأَنَّهُ من أَهلهَا يَقُول اللَّيْل يعرفنِي لِكَثْرَة سراي فِيهِ وَطول ادراعي لَهُ وَالْخَيْل تعرفنِي لتقدمي فِي فروسيتها والبيداء تعرفنِي بمداومتي لقطعها واستسهال لصعبها وَالْحَرب وَالضَّرْب يَشْهَدَانِ بحذقي بهما وتقدمي فيهمَا والقراطيس تشهد لي لإحاطتي بِمَا فِيهَا والقلم عَالم بإبداعي فِيمَا يُقَيِّدهُ وَقد سبقه أَبُو عبَادَة بِهَذَا فَقَالَ (اطْلُبا ثَالِثا سوَاي فَإنّي ... رَابِعُ العِيسِ وَالدُّجَى وَالبِيدِ) وَقد أَخذه أَبُو الْفضل الْهَمدَانِي بقوله (إنْ شِئْتَ تعرفُ فِي الآدابِ مَنزِلَتي ... وَأنَّني قدْ عَداني الفَضْلُ والنِّعمُ) (فالطِّرْفُ والقوْسُ وَالأوْهاقُ تشْهَدُ لي ... وَالَّسْيفُ وَالنرْدُ وَالشِّطرَنْجُ وَالقَلَمُ)
٢٣صَحِبْتُ فِي الْفَلَوَاتِ الْوَحْشَ مُنْفَرِدًا
حَتَّى تَعَجَّبَ مِنِّي الْقُورُ وَالْأَكَمُ
الواحدي: القور جمع قارة وهي أكمة صغيرة في الحرة من الأرض يقول سافرت وحدي حتى لو كانت الجبال تتعجب من أحد لتعجبت مني لكثرة ما تلقاني وحدي.
العكبري: الْغَرِيب من روى القور بالراء وَضم الْقَاف فَهُوَ جمع قارة وَهِي الأكمة وَقيل هِيَ حرَّة وَهِي اللابة وَجَمعهَا لوب كأكمة وأكم قَالَ مَنْظُور بن مرْثَد الْأَسدي (هلْ تعرِفُ الدَّارَ بأعْلى ذِي القُورْ ... قَدْ دَرَستْ غَيرَ رَمادٍ مَكْفُورْ) وَمن روى بِفَتْح الْقَاف وبالزاي فَهُوَ القوز وَهُوَ الْكَثِيب الصَّغِير وَجمعه أفواز وقيزان وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة معمر لذِي الرمة (إِلَى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أقْوَازَ مُشْرِفٍ ... شِمالًا وَعَنْ أيمانِهِنََّ الفَوَارِسُ) الْمَعْنى يَقُول قد سَافَرت وحدي فَلَو كَانَت الْجبَال تتعجب من أحد لتعجبت مني لِكَثْرَة مَا تَلقانِي وحدي فصحبت الْوَحْش فِي الفلوات مُنْفَردا بقطعها مستأنسا بِصُحْبَة حيوانها حَتَّى تعجب مني سهلها وجبلها وقوزها وأكمها
٢٤يَا مَنْ يَعِزُّ عَلَيْنَا أَنْ نُفَارِقَهُمْ
وِجْدَانُنَا كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَكُمْ عَدَمُ
الواحدي: يا من يشتد علينا فراقهم كل شيء وجدناه بعدكم فوجوده عدم يعني لايخلفكم أحد ولا يكون لنا منكم بدل
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد يَا من يعز علينا مُفَارقَته بِمَا أسلف إِلَيْنَا من فَضله واستوفرناه من الْحَظ بِقُرْبِهِ وجداننا كل شَيْء طائل بعدكم عدم لَا نسر بِهِ ومحتقر لَا نبهج لَهُ يُرِيد لَا يخلفكم أحد
٢٥مَا كَانَ أَخْلَقَنَا مِنْكُمْ بِتَكْرِمَةٍ
لَوْ أَنَّ أَمْرَكُمْ مِنْ أَمْرِنَا أَمَمُ
الواحدي: يقول كنت حريا بإكرامكم لو أحببتموني كما كنت أحبكم والمعنى لو تقارب ما بيننا بالحب لأكرمتموني
العكبري: الْغَرِيب مَا أخلقه بِكَذَا وأقمنه وأجدره أولاه والأمم الْقَصْد وَهُوَ أَمر بَين أَمريْن لَا قريب وَلَا بعيد الْمَعْنى يَقُول مَا أخلقنا ببركم وتكرمتكم وإيثاركم لَو أَن أَمركُم فِي الِاعْتِقَاد لنا على نَحْو أمرنَا فِي الِاعْتِقَاد لكم وَمَا نَحن عَلَيْهِ من الثِّقَة بكم
٢٦إِنْ كَانَ سَرَّكُمْ مَا قَالَ حَاسِدُنَا
فَمَا لِجُرْحٍ إِذَا أَرْضَاكُمْ أَلَمُ
الواحدي: يقول إن سررتم بقول حاسدنا وطعنه فينا فقد رضنا بذلك إن كان لكم به صرور فإن جرحا يرضيكم لم نجد لذلك الجرح إلما وهذا من قول منور الفقيه، صررت بهجرك لما علمت، أن لقلبك فيه صرورا، ولولا سرورك ما سرني، ولا كنت يوما عليه صبورا، لأني أرى كل ما سآني، إذا كان يرضيك سهلا يسيراً،
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَ مَا فعله الْحَاسِد لنا واختلقه الواشي بَيْننَا مرضيا لكم مستحسنا عنْدكُمْ فَمَا يتشكى الْجرْح إِذا أرضاكم مَعَ شدَّة وَجَعه وَلَا يكره مَعَ استحكام ألمه حرصا على موافقتكم وإسراعا إِلَى إرادتكم قَالَ الواحدى هَذَا من قَول مَنْصُور الْفَقِيه (سُرِرْتُ بِهَجْرِكِ لمَّا عَلمْتُ ... أنْ لِقَلْبِكِ فِيهَ سُرُورَا) (وَلَوْلا سُرورُكِ مَا سَرَّنِي ... وَلا كنْتُ يوْما عَلَيْهِ صَبُورَا) (لأّني أرَى كُلّّ مَا ساءَني ... إذَا كانَ يُرْضِيكِ سَهْلًا يَسيرَا)
٢٧وَبَيْنَنَا لَوْ رَعَيْتُمْ ذَاكَ مَعْرِفَةٌ
إِنَّ الْمَعَارِفَ فِي أَهْلِ النُّهَى ذِمَمُ
الواحدي: يقول بيننا معرفة لو رعيتموها وتقدير الكلام وبيننا معرفة لو رعيتم تلك المعرفة وإنما قال ذاك لأن المعرفة مصدر فيجوز تذكيره على نية المصدر يقول أن لم يجمعنا الحب فقد جمعتنا المعرفة وأهل العقل يراعون حق المعرفة والمعارف عندهم عهود وذمم لا يضيعونها
العكبري: الْغَرِيب النَّهْي الْعُقُول والمعارف جمع معرفَة والذمم العهود وَاحِدهَا ذمَّة الْمَعْنى يَقُول بَيْننَا معرفَة لَو رعيتم تِلْكَ الْمعرفَة وَإِنَّمَا ذكر لِأَن الْمعرفَة مصدر فَيجوز تذكيره على نِيَّة الْمصدر يَقُول إِن لم يجمعنا الْحبّ فقد جمعتنَا الْمعرفَة وَأهل الْعقل يراعون حق الْمعرفَة والمعارف عِنْدهم عهود وذمم لَا يضيعونها فبيننا وَسَائِل الْمعرفَة وَلنَا إِلَيْكُم شوافع المحالفة إِن أَحْسَنْتُم المراعاة والمعارف عِنْد أمثالكم من ذَوي الْعُقُول الراجحة والأحلام الوافرة ذمم لَا يضيع حفظهَا
٢٨كَمْ تَطْلُبُونَ لَنَا عَيْبًا فَيُعْجِزُكُمْ
وَيَكْرَهُ اللَّهُ مَا تَأْتُونَ وَالْكَرَمُ
الواحدي: يقول تطلبون أن تلحقوا بنا عيباً تعيبوننا به فيعجزكم وجوده وهذا الذي تفعلونه مكروه عند الله وعند الكرام.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول أَنْتُم تطلبون لنا عَيْبا فيعجزكم وجوده وَهَذَا تعنيف لسيف الدولة على إصغائه إِلَى الطاعنين عَلَيْهِ يطْلبُونَ لنا عَيْبا تغضبون بِهِ عينا وتصغون إِلَى الطاعن مِنْهُم علينا فِيمَا ينْقل إِلَيْكُم وَلَا يمكنكم ذَلِك وَيكرهُ الله مَا تأتون من ذَلِك ويسخطه ويكرهه الْكَرم الَّذِي يلزمكم الْإِنْصَاف وَالْعدْل وَيُوجب عَلَيْكُم الْمُحَافظَة وَالْعقل
٢٩مَا أَبْعَدَ الْعَيْبَ وَالنُّقْصَانَ مِنْ شَرَفِي
أَنَا الثُّرَيَّا وَذَانِ الشَّيْبُ وَالْهَرَمُ
الواحدي: يقول بعد ما بيني وبين النقصان والعيب كبعد الثريا من العيب والهرم فكما لا يلحقانها كذلك لا يلحقني العيب والنقصان
العكبري: الْإِعْرَاب ذان إِشَارَة إِلَى الْعَيْب وَالنُّقْصَان الْغَرِيب الثريا مَعْرُوفَة هِيَ أنجم مجتمعة والهرم الْكبر وَالْعجز الْمَعْنى أَنا بعيد عَن الْعَيْب والنقيصة كبعد الثريا من الشيب وَالْكبر فَكَمَا لَا يلْحقهَا الشيب والهرم فَأَنا كَذَلِك لَا يلحقني الْعَيْب وَالنُّقْصَان فَمَا أبعد الْعَيْب وَالنُّقْصَان عَن شرفي ورفعته وعرضي وسلامته
٣٠لَيْتَ الْغَمَامَ الَّذِي عِنْدِي صَوَاعِقُهُ
يُزِيلُهُنَّ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ الدِّيَمُ
الواحدي: الصواعق مهلكة وهي التي تكره وتخاف من الغمام والديم نافعة وهي المرجوة من الغمام يقول الغمام الذي يصيبني شره ليته لزال ذلك الشر إلى من عنده النفع وهذا منقول من قول الطائي، ولو شاء هذا الدهر أقصر شره، كما قصرت عنا لهاه نائله، ومثل هذا في المعنى قول ابن الرومي، أعندي تنقض الصواعق منكما، وعند ذوي الكفر الحيا والثرى الجعد، وقوله أيضا، غزره وجهة العدى وتجاهي، خلف إيماض برقه وجموده، وأخذه السري الموصلي وقال، وأنا الفداء لمن مخيلة برقهِ، حظي وحظُّ سوايَ من أنوائه،
العكبري: الْغَرِيب الْغَمَام السَّحَاب وَالصَّوَاعِق جمع صَاعِقَة وَهِي قِطْعَة من نَار تسْقط بأثر الرَّعْد الشَّديد وَيُقَال صَاعِقَة وصاقعة والديم جمع دِيمَة وَهِي مطر يَدُوم مَعَ سُكُون الْمَعْنى يُشِير إِلَى الممدوح معنفا لَهُ على إصغائه إِلَى الطاعنين عَلَيْهِ أَي لَيْت هَذَا الْملك الَّذِي يشبه الْغَمَام بجوده ويخلفه بعقله الَّذِي عِنْدِي صواعقه يُرِيد مَا يلْحقهُ من الْأَذَى مِمَّن حوله يزِيل تِلْكَ الصَّوَاعِق إِلَى الحاسدين فيشاركونني فِي بؤسه كَمَا يشاركونني فِي فَضله وَالْمعْنَى ليته أَزَال الشَّرّ الَّذِي عِنْدِي إِلَى من عِنْده النَّفْع وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول حبيب (فَلَوْ شاءَ هَذَا الدَّهْرُ أقْصرَ شَرَّهُ ... كَمَا قَصُرَتْ عَنَّا لهُاهُ وَنائلُهُ) وَمثله لِابْنِ الرُّومِي (أعِنْدِيَ تَنْقَضُّ الصَّوَاعقُ منْكُما ... وَعِنْدَ ذَوي الكُفرِ الحيا وَالثرَى الجعْدُ) وللبحتري (سَيْلُهُ يَقْصِدُ العِدَى وَتُجاهي ... خُلْفُ إيماضِ بَرْقهِ وجُمُودُهْ) وَأَخذه السّري الْموصِلِي فَقَالَ (وَأنا الفِدَاءُ لمَنْ مخَيِلَةُ بَرْقِهِ ... حَظِّي وَحظُّ سوَايَ مِنْ أنْوَائِهِ) وألفاظ السّري وسبكه أحسن من الْجَمَاعَة
٣١أَرَى النَّوَى يَقْتَضِينِي كُلَّ مَرْحَلَةٍ
لَا تَسْتَقِلُّ بِهَا الْوَخَّادَةُ الرُّسُمُ
الواحدي: أي يكلفني البعد عنكم قطع كل مرحلةٍ لا تقوم بقطعها الإبل والوخادة من الوخدان والرسم جمع راسم وهو الذي سيره الرسيم وهو ضرب من السير
العكبري: الْغَرِيب النَّوَى الْبعد والوخد والرسم ضَرْبَان من السّير والوخادة من الْإِبِل الَّتِي تسير بالوخد واحدتها واخدة والرسم الَّتِي تسير بالرسيم واحدتها رسوم وراسم الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح النَّوَى هُنَا النِّيَّة أَو الْمنزلَة مَا بَين المرحلتين يُرِيد تَقْتَضِي مراحل شدادا لَا ترْتَفع وَقَالَ الواحدى يكلفني الْبعد عَنْكُم قطع كل مرحلة لَا تقوم بقطعها الْإِبِل المسرعة وَالْمعْنَى أرى النَّوَى الَّتِي أريدها والرحلة الَّتِي أعتقدها تقتضيني تجشم كل مرحلة وافية لَا تستبد بهَا الْإِبِل لبعد منالها وَلَا تطيقها لشدَّة أهوالها
٣٢لَئِنْ تَرَكْنَ ضُمَيْرًا عَنْ مَيَامِنِنَا
لَيَحْدُثَنَّ لِمَنْ وَدَّعْتُهُمْ نَدَمُ
الواحدي: ضمير جبل على يمين طالب مصر من الشام يقول أن لحقت ركابي بمصر ليندمن سيف الدولة على فراقي.
العكبري: الْإِعْرَاب ليحدثن اللَّام لَام جَوَاب الْقسم وَترك جَوَاب الشَّرْط فَإِنَّهُمَا إِذا اجْتمعَا كَانَ الْجَواب للقسم وَترك جَوَاب الشَّرْط وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل﴾ وَفِي الْكتاب الْعَزِيز مثل هَذَا كثير الْغَرِيب ضمير جبل على يَمِين طَالب مصر من الشَّام وَهُوَ قريب من دمشق الْمَعْنى يَقُول إِن قصدت مصر ليحدثن لمن ودعتهم نَدم على مفارقتي لَهُم وأسف على رحيلي عَنْهُم يُشِير بذلك إِلَى سيف الدولة أَنه ينْدَم على فِرَاقه فَكَانَ كَمَا قَالَ
٣٣إِذَا تَرَحَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا
أَنْ لَا تُفَارِقَهُمْ فَالرَّاحِلُونَ هُمُ
الواحدي: إذا سرت عن قوم وهم قادرون على اكرامك وارتباطك حتى لا تحتاج إلى مفارقتهم فهم المختارون الارتحال يريد بهذا إقامة عذره في فراقهم أي أنتم تختارون الفراق إذا ألجأتموني إليه
٣٤شَرُّ الْبِلَادِ مَكَانٌ لَا صَدِيقَ بِهِ
وَشَرُّ مَا يَكْسِبُ الْإِنْسَانُ مَا يَصِمُ
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِذا سرت عَن قوم وهم قادرون على إكرامك بارتباطك حَتَّى لَا تحْتَاج إِلَى مفارقتهم فهم المختارون للارتحال يُشِير بِهَذَا إِلَى إِقَامَة عذره فِي فراقهم أَي أَنْتُم تختارون الْفِرَاق إِذْ ألجأتموني إِلَيْهِ قَالَ الْخَطِيب إِن الرجل إِذا فَارق أُنَاسًا وَقد ظنُّوا أَنه غير مفارق لَهُم أسفوا لَهُ فكأنهم راحلون وَقَالَ ابْن القطاع رحلت عَن الْمَكَان انْتَقَلت ورحلت غَيْرِي نقلته وسفرته وَمَعْنَاهُ إِذا ترحلت عَن قوم قَادِرين على أَن لَا يفارقوك فالراحلون عَنْك هم وَالْمعْنَى أَنه يُخَاطب نَفسه وَيُشِير إِلَى سيف الدولة حَتَّى لَا يذمه فِي رحلته قَائِما فِي ذَلِك عَن نَفسه بحجته أَي إِذا رَحل الراحل عَن قوم وهم قادرون على إزاحة علته بإسعاف رغبته وأغفلوه حَتَّى ترحل عَنْهُم وَانْقطع بالزوال مِنْهُم فهم الَّذين رحلوه وأزعجوه وأخرجوه وَهُوَ مَنْقُول من كَلَام الْحَكِيم من لم يردك لنَفسِهِ فَهُوَ النائي عَنْك وَإِن تَبَاعَدت أَنْت عَنهُ وَقَالَ ابْن وَكِيع هُوَ مَأْخُوذ من قَول حبيب (وَمَا القفر بالبيد القواء بل الَّتِي ... نبت بِي وفيهَا ساكنوها هِيَ القفر) الْغَرِيب يصم يعيب والوصم الْعَيْب وَجمعه وَصَوْم والوصم الصدع فِي الْعود من غير بينونة والرخم جمع رخمة وَهُوَ طَائِر أبقع يشبه النسْر فِي الْخلقَة يُقَال لَهُ الأنوق قَالَ الْأَعْشَى (يَا رَخَما قاظَ عَلى مَسْلُوبِ ... يُعْجلُ كَفَّ الخارِىِء المُطيبِ) الْمَعْنى يَقُول شَرّ الْبِلَاد بِلَاد لَا يُوجد فِيهَا من يؤنس بوده ويسكن إِلَى كريم فعله وَشر مَا كَسبه الْإِنْسَان مَا عابه وأذله يُرِيد أَن هبات سيف الدولة وَإِن كثرت مَعَ جلالتها وسعتها لَا تعادل تَقْصِيره فِي حَقه وإيثاره لحساده وَشر مَا قنصه الصَّائِد وظفر بِهِ قنص يشركهُ فِيهِ البزاة الشهب مَعَ رفعتها والرخم مَعَ سقاطتها ودناءتها وَضَعتهَا يُشِير بذلك إِلَى أَن مَا وهبه من بره وَأظْهر عَلَيْهِ من إحسانه وفضله شَاركهُ فِيهِ من حساده أهل الغباوة ونازعه فِيهِ أهل الْعَجز والجهالة وَالْمعْنَى إِذا تساويت أَنا وَمن لَا قدر لَهُ فِي أَخذ عطائك فَأَي فضل لي عَلَيْهِ وَمَا كَانَ من الْفَائِدَة كَذَا فَلَا أفرح بِهِ
٣٥وَشَرُّ مَا قَنَصَتْهُ رَاحَتِي قَنَصٌ
شُهْبُ الْبُزَاةِ سَوَاءٌ فِيهِ وَالرَّخَمُ
الواحدي: يقول شر صيد صدته ما شاركتني فيه اللئام وهذا مثل يريد أن سيف الدولة يجريه في رسم العطاء مجرى غيره من خساس الشعراء إي إذا ساواني في أخذ عطائك من لا قدر له فأي فضل لي عليه.
٣٦بِأَيِّ لَفْظٍ تَقُولُ الشِّعْرَ زِعْنِفَةٌ
تَجُوزُ عِنْدَكَ لَا عُرْبٌ وَلَا عَجَمُ
الواحدي: الزعنفة اللئام من الناس وجمعها زعانف مأخوذ من زعنفة الأديم وهو ما يسقط منه من زوائده يقول هؤلاء الخساس اللئام من الشعراء بأي لفظٍ يقولون الشعر وليست لهم فصاحة العرب ولا تسليم العجم الفصاحة للعرب فليسوا شيئا وصحف بعضهم فقال تخور من خوار الثور وهو صحيح في المعنى وأن كان تصحيفا من حيث الرواية وهذا كما يروي أن رجلا قرأ على حمادٍ الرواية شعر عنترة، إذ تستبيك بذي غروبٍ واضحٍ، فصحف فقال إذ تستنيك فضح حماد فقال أحسن لا أريوه بعد هذا إلا كما قرأته
العكبري: الْغَرِيب زعنفة بِكَسْر الزَّاي وَجمعه زعانف وهم اللئام السقاط من النَّاس وَهُوَ مَأْخُوذ من زعنفة الْأَدِيم وَهُوَ مَا سقط من زوائده الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة بِأَيّ لفظ تَقول الشّعْر أراذل النَّاس لَا عرب وَلَا عجم يُرِيد لَيست لَهُم فصاحة الْعَرَب وَلَا تَسْلِيم الْعَجم فليسوا شَيْئا وَقَالَ الواحدى يَقُول هَؤُلَاءِ الخساس اللئام من الشُّعَرَاء بِأَيّ لفظ يَقُولُونَ الشّعْر وَلَيْسَت لَهُم فصاحة الْعَرَب وَلَا تَسْلِيم الْعَجم والفصاحة للْعَرَب فليسوا شَيْئا وصحف بَعضهم فَقَالَ يخور من خوار الثور وَهُوَ صَحِيح فِي الْمَعْنى وَإِن كَانَ تصحيفا من حَيْثُ الرِّوَايَة وَهُوَ كَمَا يروي أَن رجلا قَرَأَ على حَمَّاد الرِّوَايَة شعر عنترة (إذْ نَسْتَبِيكَ بِذِي غُرُوبٍ وَاضِحٍ ... ) فَقَالَ إِذْ تستنبك فأبدل من الْبَاء نونا فَضَحِك حَمَّاد وَقَالَ أَحْسَنت لَا أرويه بعد الْيَوْم إِلَّا كَمَا قَرَأت
٣٧هَذَا عِتَابُكَ إِلَّا أَنَّهُ مِقَةٌ
قَدْ ضُمِّنَ الدُّرَّ إِلَّا أَنَّهُ كَلِمُ
الواحدي: هذا الذي أتاك من الشعر عتاب مني إليك وهو مقةٌ وود لأن العتاب يجري بين المحبين وهو در يعني حسن نظمه ولفظه غير أنه كلمات. ولما أنشد هذه القصيدة وانصرف اضطرب المجلس وقال له نبطي كان في المجلس دعني أسع في دمه فرخص له ذلك والنبطي السامري وكان كبيرا من كتابه وفيه يقول أبو الطيب.
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.