من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)
الباب الثاني عشر: حسن الحديث والنغمة
أنشد:
يا أطيبَ الناسِ إنْ مازَحْتَها عِللاَوأحسنَ الناسِ إن جادَلْتَها جَدَلا
كأنَّما عَسَلٌ رُجعانُ مَنطِقِهاإنْ كان رَجْعُ كلامٍ يُشْبِهُ العَسلا
ذو الرمة:
وإنّا لنُجْري بَيْننا حينَ نَلْتقيحديثاً له وَشْيٌ كوشْيِ المَطَارفِ
حَديثاً كوَقعِ القَطْرِ في المَحْلِ يُشْتَفىبهِ من جوىً في داخِلِ القلبِ لاَطِفِ
وله:
ولمَّا تلاقَيْنا جَرَتْ من عيُونِنادُموعٌ كَفَفْنا غَرْبَها بالأصابعِ
ونِلنا سُقاطاً من حديثٍ كأنهُجَنى النحلِ مَمزوجاً بماءِ الوَقائعِ
بشار بن برد:
وكأنَّ رَجْعَ حَديِثِهاقِطَعُ الرياضِ كُسِينَ زَهْرا
وكأنَّ تحتَ لِسانِهاهاروتَ يَنْفُثَ فيهِ سِحْرا
وتَخالُ ما اشْتَملتْ عليهِ ثِيابُها ذَهَباً وعِطْرا
الأحوص:
وأعْجَلنا وَشْكُ الحديثِ وبينناحديثٌ كَتَنْشِيجِ المريضَيْنِ مُزْعِجُ
حديثٌ لو أنَّ اللحمَ يَصْلى بِبَعْضهِغَريضاً أتى أصحابَهُ وهو مُنْضَجُ
ابن ميادة:
شُمُسٌ لدى خَطَلِ الحديث أوانِسٌيَرْقُبْنَ كلَّ مُلَعَّنٍ تِنْبَالِ
أُنُفٌ كأن حديثَهُنَّ تَنادُمٌبالكأسِ كل عقيلةٍ مِكْسالِ
أبو ذؤيب:
وإن حديثاً منكِ لو تَبْذُلينَهُجَنى النحلِ في ألبانِ عُوذٍ مَطافِلِ
مَطافيلَ أبكارٍ حديثٍ نِتاجُهايُشابُ بماءٍ مِثْلِ ماءِ المفاصِلِ
ابن الرومي:
شادنٌ من نَشرهِ المسكُ ومن فيهِ المدامُ
فاتِنُ الطُرَّةِ والغُرَّةِ ما فيهِ مَلامُ
وله نَثرٌ من الدُرِّ مليحٌ ونِظامُ
فالنِظامُ المَضْحكُ الواضِحُ والنَثْرُ الكلامُ
وهذا قد سبقه إليه البحتري بأحسن تفصيل وأعذب كسوة فقال:
فلمَّا الْتقْينا والنَّقى مَوعدٌ لناتعجَّبَ رائي الدُرِّ حُسناً ولاقِطُهْ
فمِن لُؤلُؤٍ تجلوهُ عند ابتسامِهاومِن لُؤلُؤٍ عند الحديثِ تُساقِطُهْ
آخر:
ظَلِلْنا نَشاوى عند أمِّ محمدٍبِيومٍ ولم نَشربْ شَراباً ولا خَمرا
إذا صَمتتْ عنّا ضَجِرنا بصَمتِهاوإنْ نطقتَ هاجَتْ لألبابنا سُكرا
سلم الخاسر:
يُمسي ويُصبحُ مُعْرِضاً فكأنهُمَلِكٌ عزيزٌ قاهرٌ سُلطانُهُ
ليست إساءَتُهُ بِناقصةٍ لهُعِندي، وليس يَزيدُه إحسانُهُ
رَخْصُ البَنَانِ كأن رَجْعَ كلامِهِدُرٌّ يُساقطُه إليَّ لسانُهُ
ومن البيت الثاني أخذ المتنبي قوله في عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
لو كَفَرَ العالَمونَ نعمتهلما عَدَتْ نَفْسُهُ سَجاياها
كالشمسِ لا تَبتغي بما صَنعتْمَنفعةً عندهمْ ولا جاها
وأكثر من نرى يقدر أن المتنبي أبدع في قوله:
وقد صُغْتَ الأسِنَّةَ من هُمومٍفما يخطُرْنَ إلاَّ في فُؤادِ
وربما ينظر إلى قول أبي تمام حيث يقول:
مِن كلِّ أزرقَ نَظَّارٍ بلا نظرٍإلى المَقَاتِلِ ما في مِتْنِه أوَدُ
كأنهُ كانَ تِرْبَ الحُبِّ من زَمنٍفليس يُعْجِزُهُ قلبٌ ولا كَبدُ
وكذلك قوله في سيف الدولة:
فأنتَ حُسامُ المُلكِ واللهُ ضاربٌوأنتَ لواءُ الدينِ واللهُ عاقِدُ
وكرر كثيراً إعجاباً به فقال:
على عاتِقِ الملكِ الأغرِّ نِجادُهُوفي يَدِ جبَّارِ السماواتِ قائِمُهُ
وقال:
وَلِمْ لا يَقِي الرَحمنُ حَدَّيْكَ ما وَقىوتَفليقُهُ هامَ العِدا بِكَ دائِمُ
وعول في جميعه على أبي تمام حيث يقول في الخليفة:
لقد حانَ من يُهدي سُوَيْداء قلبِهِلحَدٍّ سِنانٍ في يَدِ اللهِ عامِلُهُ
وقال أبو تمام أيضاً في المعتصم.
رَمى بك اللهُ بُرجَيْها فهدَّمَهاولو رَمى بكَ غيرُ اللهِ لم يُصِبِ
قال الله ﷿: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " مثل هذه السرقات الخافية العين والأثر لا يقف عليها، ولا يفطن لها إلا الرواية النحرير الذي دوخ ساحة الشعر بحفظه، وصارت الدواوين مجاجة ذهنه.
أعرابي:
ونازَعَنا وحياً خَفيّاً كأنهُعلى المُجْتَني، الريحانُ أمرعَ خاضِلُه
حديثٌ لو أنَّ العُصْم تسمعُ رَجْعَهتَضَعْضَعَ من أعلى أبانٍ عواقِلُهْ
ابن الرومي:
وحَديثُها السحرُ الحلالُ لو أنّهُلم يَجْنِ قتلَ العاشقِ المُتَحرِّزِ
إن طالَ لم يُمْلَلْ، وإنْ هي أوْجزتْودَّ المحدَّثُ أنها لم تُوجِزِ
شَرَكُ العقولِ ونزهةٌ ما مثلُهاللمُطْمئِنِّ وعُقْلَةُ المُستَوْفِزِ
والمحدث لا بد له من كسور وزوايا تعتريه في شعره. فالطبع المبسوط، والكلام المسبوك للعرب.
ذو الرمة:
أولئكَ آجالُ الفتى إن أرَدْنَهُبقتلٍ وأسبابِ السَقامِ المُلازِمِ
يُقارِبْنَ حتى يطمعَ التابعُ الهوىوتَهتَزُّ أحناءُ القلوبِ الحوائِمِ
حديثٌ كَطعْمِ الشَّهدِ حُلوٌ صدورُهُوأعجازُهُ الخُطْبانُ دونَ المحارمِ
والبيت الثاني أخذ منه الحسين بن مطير الأسدي قوله:
يُمَنِّيَننا حتى تَرِفَّ قلوبُنارَفيفَ الخُزامى باتَ طلِّ يَجودها
أعرابي:
وحَديثُها كالقَطْرِ يسمَعُهُراعي سِنينَ تتابَعَتْ جَدْبَا
فأصاخَ يرجو أنْ يكونَ حياًويقولُ مِنْ فرحٍ أيا رَبّا
أبو العميثل:
لقيتُ ابنةَ السَّهْميِّ زينبَ عن عَفْرِونحن حَرامٌ مُسْيَ عاشرةِ العَشْرِ
فَكَّلمْتُها ثِنْتَيْنِ كالثّلجِ مِنهماوأخرى على قلبي أحرُّ من الجَمرِ
وإني وإيّاها لَحتْمٌ مَبيتُناجميعاً وَسْيرانا مُغِدٌّ وذو فَتْرِ
آخر:
لَها مُزاحٌ ولها كلامُكجوهرٍ ألَّفهُ نظامُ
يُسكرُنا كأنّه مُدامُله بقلَبِ المُصطَلي ضِرامُ
فهو حلالٌ غِبُّه حرامُيَشفي سَقاماً وهُوَ السَّقامُ
وهذه الأبيات من صادق العشق، وفاخر الشعر، وحر الكلام، وبارع الوصف.
قال هدبة العذري:
وكلُّ حديثِ الناسِ، إلاَّ حَديثَهارَجيعٌ، وفيما حدَّثَتْكَ الطرائِفُ
خَرَجْنَ بأعناقِ الظِباءِ وأعيُنِ الجآذِرِ؛ وارتجَّتْ بهنَّ الروادِفُ
رَجحنَ بأردافٍ ثِقال وأسْوُقٍخِدالٍ، وأعضادٍ عليها المطارِفُ
كَشفْنَ شُفوفاً عن شُنُوفٍ وأعرضتْخدودٌ، ومالتْ بالفُروع السوالِفُ
عليهِنَّ من صَوْغِ المدينةِ حِلْيَةٌجُمَانٌ كأجوازِ الدَّبى ورَفارفُ
آخر:
منَ الخَفِراتِ البيضِ وَدَّ جَليسُهاإذا ما قضَتْ أُحدوثةً لو تُعيدُها
بشار:
وَلِلفْظِها دَلٌّ إذا نَطقتْتركتْ بناتِ فُؤادِهِ صُعْراَ
كَتَساقُطِ الرَّطْب الجَنِيِّ من الأم فْنانِ لا نثْراً ولا نَزْراَ
أبو حية النميري، وهو من مختار المقطعات ومتخير الألفاظ وقديمه:
وقد زعمَ الواشونَ أنْ لا أُحِبُكُمْبلى وسُتورِ اللهِ ذاتِ المحارِمِ
أصُدُّ وما الصَدُّ الذي تَعْلَمينَهُعَزاءً بنا إلا اجْتِراعُ العَلاقِمِ
حَياءً وتُقْيا أنْ تَشيعَ نَميمةٌبنا وبكم. أُفاً لأهل النْمائِمِ
وإنَّ دَماً، لو تَعلَمينَ، جَنتْيهِعلى الحيِّ، جاني مِثْلِه غيرُ سالِمِ
أَما إنَّه لو كانَ غَيركِ أرْقَلتْصُدورُ القَنا بالراعِفاتِ اللَّهازِمَ
ولكنَّهُ، واللهِ، ما طَلَّ مُسلماًكَبيضِ الثَّنايا واضِحاتِ المباسمِ
إذا هُنَّ ساقَطْنَ الأحاديثَ للفتىسُقوطَ حصى المرجانِ من سِلْكِ ناظِمِ
رَمَيْنَ فأقْصدْنَ القلوبَ، ولا تَرىدَماً مائِراً إلا دَماً في الحَيازِمِ
القطامي:
وفي الخُدورِ غَماماتٌ بَرَقْنَ لناحتى تَصَيَّدْنَنا من كلِّ مُصْطادِ
يَقْتُلْنَنا بِحديثٍ ليس يَعْرِفُهمن يَتَّهِمْنَ ولا مَكْتومُهُ بادِ
فَهُنْ يَنْبِذْنَ من قولٍ يُصِبْنَ بهمَواقعَ الماءِ من ذي الغُلَّةِ الصَادي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع