من «المنتحل» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الباب الثالث عشر في الأسر والحبس والإطلاق والنكبة وزوالها
وقال أبو تمام الطائي:
كيف السبيلُ وطوْد العزّ يرسخُ فيقيدٍ لحلْقتهِ في الساقِ تغريدُ
يا من رأى حلْقتيْ قيدٍ تضمَّنهُبحرٌ يفيضُ على العافينَ مورودُ
قيد ابن وهبٍ ولو قصَّرت خطوتهُفالخطوُ منهُ إلى العلياءِ ممدودُ
لولا الإمامُ لفكَّ القيدَ ذو شطبٍعليهِ للموتِ تصويبٌ وتصعيدُ
وقال البحتري:
بقومي جميعاً لا أُحاشى ولا أكْنىأبو جعفرٍ تربُ العلى وحيا المزنِ
سحابٌ إذا أعطى شهابٌ إذا سطالهُ عزَّةُ الهنديّ في هزَّةِ الغصنِ
لشهرِ ربيعٍ منه ما لا يفي بهِجزاءٌ ولو كنَّا بأضعافهِ نثني
غداةَ غدا من سجنهِ البحرُ مطلقاًوما خلت أنَّ البحر يسجن في السجنِ
وليستْ لهُ إلاَّ السماحُ جنايةٌإذا أُخذ الجاني ببعض الذي يجني
تقلقلَ منهُ في الحديدِ عزيمةٌيكلُّ الحديدُ عن جوانبها الخُشنِ
فما فلَّ ريبُ الدَّهرِ من ذلك الشباولا زعزعَ المكروهُ من ذلك الركنِ
تجلَّى لنا من سجنهِ وهو خارجٌكما ذرَّ قرنُ الشَّمس من خِلل الدَّجْنِ
وقال آخر:
جعلتُ فداكَ الدَّهر ليس بمنفكِّمن الحادث المشكوّ والنازل المُنكى
وما هذهِ إلاَّ منازلِ رحلةفمن منزل رحبٍ إلى منزل ضنكِ
وقد هذَّبتكَ الحادثاتُ وإنَّماصفا الذهبُ الإبريز قبلك بالسبكِ
أما في رسولِ اللهِ يوسفَ أُسوةٌلمثلك محبوساً على الضيم والضنكِ
أقامَ جميلَ الصبرِ في السجنِ برهةًفآل بهِ الصبرُ الجميلُ إلى المُلكِ
وقال آخر:
فلا تيأسنْ فالله ملَّك يوسفاًخزائنه بعد الخلاصِ من السجنِ
وقال أحمد أبو الطيب المتنبي:
كنْ أيُّها السجنُ كيف كنت فقدْوطنتُ للموت نفس معترفِ
لو كانَ سكنايَ فيكَ منقصةًلم يكن الدّرُّ ساكنَ الصدفِ
وقال علي بن الرومي:
ولقد رأيتكَ عارياً مستعلياًولقد رأيتكَ في الحديدِ مقيَّدا
إذ لم تزدك ولايةٌ في سؤددٍكلا ولا أُخرى محتْ لك سؤددا
فكأنَّني بكَ قد نجوتَ محمداًفي النائباتِ كما غدوتَ محمدا
وطلعتَ كالسيفِ الحسامِ مجرداًللحقّ أوْ مثل الهلال مجردا
وقال آخر:
ولا بدَّ للمرءِ من محنةٍلفتنة نعمائهِ نافيَهْ
ودولتكمْ قدْ جرتْ ريحُهامسدَّدة الجريِ لا هافيَهْ
ولا بدَّ للرِّيح من أن تكونَ في بعضِ هبَّاتها سافيَهْ
فداكمْ من السوءِ ضدٌّ لكمْمساويه باديةٌ خافيَهْ
فعزّاً وعافيةً غضَّةًوعمراً إلى مئةٍ وافيَهْ
وقال علي بن الجهم:
قالوا حُبستَ فقلتُ ليس بضائريحبسي وأيُّ مهنَّدٍ لا يغمدُ
أوَ ما رأيتَ اللَّيثَ يألفُ غيْلهكبراً وأوباشَ السِّباعِ تردَّدُ
والبدرُ يدركهُ السِرارُ فتنجليأيامهُ وكأنَّهُ متجدّدُ
والنَّارُ في أحجارها مخبوأةٌلا تُصطلى ما لمْ تُثرْها الأزندُ
والغيثُ يحظرهُ الغمامُ فما يُرىإلاَّ وريّقهُ يراعُ ويُرعدُ
والزَّاعبيَّةُ لا يقيمُ كعوبَهاإلاَّ الثقافُ وجذوةٌ تتوقدُ
غِيرُ الليالي بادياتٌ عوَّدٌوالمالُ عارية يقادُ وينفدُ
ولكلِّ حالٍ معقبٌ ولربماأجلى لك المكروهُ عمَّا يُحمدُ
لا يُيئسنَّكَ من مفرّج كربةٍخطبٌ رماكَ بهِ الزَّمانُ الأنكدُ
كمْ من عليلٍ قد تخطَّاهُ الرَّدىفنجا وماتَ طبيبهُ والعوَّدُ
صبراً فإنَّ اليومَ يعقبهُ غدٌويدُ الخلافةِ لا تطاولُها يدُ
والحبسُ ما تغشهُ لدنيَّةٍشنعاءَ نِعم المنزلُ المتودَّدُ
بيتٌ يجدّدُ للكريمِ كرامةًويُزارُ فيهِ ولا يزورُ ويُحمدُ
وقال آخر:
إذا سلمتْ نفسُ الحبيبِ تشابهتْخطوب الليالي سهلُها وشديدُها
فلا تجزعنْ لما رأيتَ قيودَهافإنَّ خلاخيلَ الرِّجالِ قيودُها
وقال أيضاً علي بن الجهم:
لم ينصبوا بالشاذياخ صبيحة إلاَّثنين مسبوقاً ولا مجهولا
نصبوا بحمدِ اللهِ ملءَ عيونهمْفضلاً وملءَ قلوبهمْ تبجيلا
ما ضرَّهُ أن بُزَّ عنهُ غطاؤهُوالسيفُ أهيبُ ما يُرى مسلولا
إن يسلبوهُ المالَ يحزن فقدهضيفاً ألمَّ وطارقاً ونزيلا
أوْ يحبسوهُ فليسَ يُحبس خالعٌمن شعرهِ يدعُ العزيزَ ذليلا
إنَّ المصائب ما تخطَّتْ دِينهُنِعمٌ وإن صعُبتْ عليهِ قليلا
والله ليسَ بغافلٍ عن أمرهِوكفى بربّك ناصراً وكفيلا
إنْ تسلبوهُ وإنْ سلبتم كلماخوَّلتموهُ وسامة وقبولا
هلْ تملكون لدينهِ ويقينهِوجنانهِ وبنانهِ تبديلا
لمْ تنقصوهُ وقدْ ملكتمْ ظلمهُما النقصُ إلاَّ أنْ يكون جهولا
كادتْ تكون مصيبة لو أنَّكمْأوضحتمُ ذنباً عليهِ جليلا
إن كانَ سفَّ إلى الدنيئة أوْ رأىغير الجميل من الأمورِ جميلا
لو تنصف الأيامُ لم تعثرْ بهِإذ كانَ من عثراتهنَّ مقيلا
وكتب الحسن بن وهب إلى أخيه:
خليليَّ من عبدِ المدانِ تروَّحاوفضَّا صدورَ العيسِ حسرى وطلَّحا
فلا يهنئ الأعداءَ حبسُ بن حرَّةٍإذا نسبوهُ كانَ أندى وأسمحا
وأنهضَ في الأمرِ الجميلِ بنفسهِوأقرعَ للبابِ الجميلِ وأفتحا
وقولا لهمْ صبراً جميلاً وأصبحوافما أقربَ الليل البهيمِ من الضُّحى
وقال الوزير المهلبي:
وجدوا عودَ أبي الصقرِ على الغمز صليبا
كلما زادوا عذاباًزادهم صبراً عجيبا
وكذا المسكُ إذا مازادَ سحقاً زادَ طيبا
وقال أبو إسحاق الصابئ:
محنُ الفتى تجري على فضل الفتىكالنَّار مخبرةً بفضلِ العنبرِ
وقال آخر:
والرمحُ ينآد حيناً ثمَّ يعتدلوالجمرُ يخمد حيناً ثمَّ يشتعلُ
وقال أحمد بن عضد الدولة:
هبِ الصَّبر أرضاني وأعتب صرفُهوأعقب بالحسنى من الحبس والأسرِ
فمن لي بأيام الشَّباب التي مضتْومن لي بما أنفقت في الحبس من عمري
وقال أبو الفتح البستي:
حبستَ ومن بعد الكسوف تبلجٌتضيء بهِ الآفاقُ للبدر والشمسِ
فلا تعتقدْ للحبس همّاً ووحشةًفأولُ كون المرءِ في أضيق الحبسِ
وقال علي بن الرومي:
سلبتْهُ الخطوب ما في يديهوله من تجملٍ أثوابُ
وإذا الصبرُ والتجملُ داماللفتى الحرِّ هانت الأسلابُ
وقال آخر:
إنَّ في الأسر لصباًدمعه في الخدِّ سكبُ
هو في الأسرِ مقيمٌوله في الشام قلبُ
وقال آخر:
من كانَ سُرَّ بما عراني فليمتْ ضرّاً وهزلا
ما غضَّ مني حادثٌوالقرم قرمٌ حيثُ حلاَّ
أنَّى حللتُ فإنَّمايدعونني السيفَ المحلَّى
ما كنتُ إلاَّ السيف زاد على صروفِ الدَّهر صقْلا
وقال آخر:
لا رعى اللهُ يا خليليَّ دهراًفرَّقتْنا صُروفهُ تفريقا
بتُّ أبكيكُما وإنَّ عجيباًأن يبيت الأسيرُ يبكي الطليقا
وقال أبو إسحاق الصابئ:
وربَّ طليقٍ أعتقَ الذُّلُّ رقَّهُومُعتقلٍ دهراً وقد عزَّ جانبُهْ
وكتب إبراهيم بن المدير إلى أخيه وهو في الحبس:
أبا إسحاقَ إنْ تكن اللياليعطفنَ عليكَ بالخطبِ الجسيمِ
فلمْ أرَ صرفَ هذا الدَّهر ينحوبمكروهٍ على غيرِ الكريمِ
وقال آخر:
أنا بينَ إخوانٍ لنا قد أُوثقوابجوامع وسلاسلٍ وقيودِ
ومُوكلين بنا نذلُّ لغيرهمْفكأنَّنا لهمُ عبيدُ عبيدِ
واللهِ ما سمعَ الأنامُ ولا رأىنفراً يوكَّل فيهمُ بأُسودِ
من كلِّ حرٍّ ماجدٍ صنديدِفي كفِّ وغدٍ عاجزٍ رعديدِ
قصرت خُطاه خلاخلاً من قيدهِفتراهُ فيها كالفتاةِ الرّودِ
وقال البحتري:
ألمْ ترَ للنوائبِ كيفَ تسموإلى أهلِ النوافلِ والفضولِ
وكيفَ تروم ذا الشرف المعلَّىوتخطو صاحب القدر الضئيلِ
وما تنفكُّ أحداثُ اللياليتميلُ على النباهةِ للخُمولِ
وقال آخر:
قالوا اعتقلتَ بلا جرمٍ فقلتُ لهمْالغيثُ يرسلُ أحياناً ويعتقلُ
لا تجزعنَّ لما تأتيكَ من نوبٍفإنَّها دولٌ لا شكَّ تنتقلُ
وقال البحتري:
أصابَ الدَّهرُ دولةَ آل وهبٍونالَ الليلُ منها والنَّهارُ
أعارهمُ رداءَ العزّ حتَّىتقاضاهمْ فردُّوا ما استعاروا
وقدْ كانوا وأوجهُهمْ بدورٌلمختبطٍ وأيديهمْ بحارُ
وقال أيضاً:
وما كانَ هذا الهولُ إلاَّ غمامةًبدا طالعاً من تحتِ ظلمتها البدرُ
فإنْ تنسَ نُعمى اللهِ فيك فقد لهاأضعتَ وإنْ تشكر فقد وجب الشكرُ
وقال أيضاً:
بالقصر لا بمليكِ القصرِ نازلةٌأضحى لها وهوَ طلقُ الوجه جذلانُ
تفاءلَ الناسُ واشتدَّت ظنونهمُوالفألُ فيهِ لبعضِ الأمرِ تبيانُ
وأيقَنوا أنَّ تنويرَ الحريقِ هو الدُّنيا تملَّكها والنارُ سلطانُ
وقال أيضاً:
لعدوكَ الحربُ الجليلُ الواقعُولمنْ يكايدكَ الحِمامُ الفاجعُ
قلنا لِعاً لمَّا عثرْتَ ولم تزلْنوبُ الليالي عنكَ وهي رواجعُ
ولربَّما عثر الجوادُ وشأوهُمتقدمٌ ونبا الحسام القاطعُ
لم تظفرِ الأعداءُ منكَ بزلَّةٍوالله دونكَ حاجزٌ ومُمانعُ
إحدى الحوادث شارفتكَ فردَّهادفعُ الإلهِ وصنعهُ المتتابعُ
دلَّتْ على رأي الإمام وأنَّهُقلقُ الجوابِ لما أصابك جازعُ
ما حال لونٌ عند ذاك ولا هفاعزمٌ ولا راعَ الجوانح رائعُ
حتى برزْتَ لنا وجأشك ساكنٌمن نجدةٍ وضياءُ وجهك ساطعُ
خبرٌ يسوءُ الحاسدينَ إذا بداوأعادَ فيهِ محدثٌ أوْ سامعُ
سارتْ بهِ الرُّكبانُ عنك فربَّماكنتَ الحسود لك الحديث الشائعُ
النص من طبعة المطبعة التجارية بالإسكندرية (١٣١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع