من «المنتحل» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الباب الرابع عشر في العيادة وما ينضاف إليها
قال أحمد بن يوسف الكاتب:
ونعودُ سيدنا وسيد غيرناليتَ التَّشكي كانَ بالعوَّادِ
لو كانَ يقبلُ فديةً لفديتهُبالمصطفى من طارِفي وتلادي
وقال آخر:
قالوا أبو الفضل معتلٌّ فقلتُ لهمنفسي الفداءُ لهُ من كلِّ محذورِ
يا ليت علَّته بي غير أنَّ لهُأجرَ العليلِ وأنِّي غيرُ مأجورِ
وقال آخر:
إنَّا جهلنا فخلناكَ اعتللتَ ولاواللهِ ما اعتلَّ إلاَّ الظّرفُ والأدبُ
وقال آخر:
بنا لا بك الشَّكوى فليس بضائرٍإذا صحَّ نَصلُ السيف ما لقي الغمدُ
فإنْ تكُ قد نالتكَ أطرافُ علَّةٍفلا عجبٌ أن يوعك الأسدُ الوردُ
وقال علي بن الجهم:
بأنفسنا لا بالطوارف والتلدِنقيك الرَّدى فيما نجنُّ وما نُبدي
فيا معشرَ العافين لا يكُ من أذىوإن تُشفقوا منه تحملتهُ وحدي
وقال علي بن الرومي:
لإمامِ الهدى البقاءُ الطويلُوبنا لا بهِ الضنى والنحولُ
كلُّ مجدٍ إذا اعتللتَ عليلٌوشكاة الإمام خطبٌ جليلُ
كادت الأرضُ أن تميل لشكواك وكادت لها الجبالُ تزولُ
واستحالَ النهارُ والليلُ حتَّىكادَ أن يسبقَ الغدوَّ الأصيلُ
ثمَّ لمَّا أفقتَ أشرقتْ الآفاقُ وانقاد للهداةِ السبيلُ
أنا أشكو إليك قسوةَ قلبيلِمْ لم ينفطرْ وأنت عليلُ
وقال آخر:
تطرقت النوائبُ منك شخصاًبعيداً أن تطرقه الخطوبُ
أبا إسحاق مُحّقتْ الخطايابما تشكو ومحّقت الذنوبُ
وقال أحمد أبو الطيب المتنبي:
يجشّمك الزَّمانُ هوًى وحبّاًوقد يؤذي من المِقة الحبيبُ
وجسمك فوق همَّة كلّ داءٍفقربُ أقلّها منه عجيبُ
وقال بن المنجم:
ما رعينا لك عهدَكْحجبَ الرحمنُ فقدَكْ
لو رعينا لك لم نفردكَ بالعلَّة وحدَكْ
بأبي أنت لماذاقصدَ المكروهُ قصدَكْ
لا صفا العيش لمن يرجو صفاءَ العيش بعدَكْ
وقال آخر:
سلامتهُ عندي توازي سلامتيوما نالَ من جثمانه نالَ من قلبي
وقال أبو تمام الطائي:
إذا ليلة نالتك بالشكوِ لم أبتْبسقمك إلاَّ ساهراً أتململُ
وقال آخر:
إن الفتى يصبح للإسقامِكالغرض المنصوب للسهامِ
أخطأ رامٍ وأصابَ رامي
وقال آخر:
قالوا اعتللت فقلتُ كلاَّإنَّما اعتلَّ العبادُ
والدين والدُّنيا لعلَّته وأظلمت البلادُ
قالوا يُعادُ فقلتُ ذاكَ إلى سلامتهِ يُعادُ
وقال هارون بن يحيى المنجم:
كيف نال العثار من لم يزل منهـ مقيلاً في كلِّ خطبٍ حميمِ
لو ترقَّى الأذى إلى قدمٍ لميخطُ إلاَّ إلى مقامٍ كريمِ
وقال السري الرفاء:
لسنا نذمُّ لدائك النوبَ التيجاءتْ أواخرُها بحمدِ عواقبِ
فاسعدْ بعافية الإله فإنَّهاهبةٌ مقابلةٌ بشكرِ الواهبِ
وقال علي بن الرومي:
تجافتْ بنا منذُ اشتكيتَ المواقدُبنا لا بك الشكوى التي أنتَ واجدُ
عجبتُ لدهرٍ تنتحيك صرفهُوليس له إلاَّ بعرفك حامدُ
وقال الصاحب بن عباد:
تطيفُ بك الآمالُ وهي ضئيلةٌوأوجه أهل الودِّ وهي شواحبُ
أفي كلِّ دارٍ للأراملِ ضجَّةٌبأدعيةٍ ضوضاؤها تتجاوبُ
ولو شئتُ ناديتُ البلادَ بعلَّةٍفلم يرَ فيها في جنابك جائبُ
ولم تقرب الحمَّى حماك ولم يكنْلسورتها في سورة المجد ساربُ
وحوشيتَ أن تضوي بوجهك علَّةٌإلاَّ إنها تلك العزومُ الثواقبُ
فلاعج تدبيرٍ وحامس همَّةٍثوى منهما بين الجوانح لاهبُ
لقد دالت الدُّنيا وحجَّب شمسهادياجي همومٍ دجنها متراكبُ
فلمَّا انتضاك البرءُ عادتْ كأنَّهاغياهبُ يأسٍ قشَّعتها مواهبُ
وقال الحسين بن مطير:
ذُكرت شكاتك لي وكأسي في يديفمزجتها دمعاً مكان الماءِ
آتاك ربُّك صحَّةً وسلامةًوفُديت لي من سائرِ الأسواءِ
وقال آخر:
يا من تشكَّى ألمَ العينِحاشا لعينيك من العيْنِ
عينٌ من النَّاس أصابتهماما أسرعَ العين إلى العينِ
وقال آخر:
فلو أنَّ العليلَ يزيد حسناًكما تزداد حسناً في السقامِ
لما عيد المريضُ إذاً وعدَّتلهُ الشكوى من المننِ الجسامِ
وقال آخر:
مالي مرضتُ فلم يعدْني عائدٌمنكم ويمرض عبدكم فأعودُ
وقال آخر:
قلْ للذي لم يعدْ سقاميوقلبه مشربٌ حزازهْ
من لم يعدْنا إذا مرضناإن ماتَ لم نشهد الجنازهْ
وقال أحمد جحظة البرمكي:
مرضتُ فلم يكنْ في الأرضِ حرٌّيشرّفني ببرٍّ أوْ سلامِ
فضنُّوا بالعيادة وهي أجرٌكأنَّ عيادتي بذلُ الطعامِ
وقال البحتري:
يا أبا غانم غنمت ولا زالت عهاد الأنواءِ تسقي بلادَكْ
أبهجت زورةُ الوزير أخلاَّءَك طرّاً وأرغمتْ حسادَكْ
ليت أنَّا مثل اعتلالك نعتلُّعلى أن يعودنا من عادَكْ
وقال آخر:
ألم ترني مرضتُ بسرَّ مَنْ رأىفأعياني الأطبةُ والدواءُ
ولما عادني ابنُ أبي دؤادٍشفيتُ وفي عيادتهِ الشفاءُ
وقال أبو تمام الطائي:
لا نالك العُثرُ من دهر ولا الزللُولا يكنْ للعلى في فقدك الثكلُ
وأعين الخلق تعطَى فوق ما سألتْ عليكَ والصبرُ يعطى دون ما يسلُ
وحالَ لونٌ فردَّ الله نضرتهُوالنَّجم يخمد حيناً ثمَّ يشتعلُ
وقال أيضاً:
لا عيش أوْ يتحامى جسمك الوصبُوتنجلي بك عن إخوانك الكربُ
لِعاً أبا جعفرٍ واسلم كما سلمتْبك المروءة واستعلى بك الحسبُ
إنا جهلنا فخلناك اعتللتَ ولاوالله ما اعتلَّ إلاَّ الفضلُ والأدبُ
وقال آخر:
بناتُ نعش ونعشٌ لا كسوفَ لهاوالشمسُ والبدرُ مكسوفان في الدّيمِ
فليُهنك الأجرُ والنعمى التي جمعتحتَّى جلتْ صدأَ الصمصامةِ الخذمِ
قد ينعمُ الله بالبلوى وإن عظمتْويبتلي اللهُ بعضَ القومِ بالنعمِ
وقال آخر:
يا سقيماً سقامهُأسقمَ العلْم والوفا
لم أطق أن أراك ياأكرمَ النَّاس مدْنفا
لم يكنْ تركيَ الزيارةَ هجراً ولا جفا
طالَ خوفي عليك فالحمد لله إذ كفَى
وقال الوزير المهلبي:
اللهُ يدفعُ عن نفْس الوزير بناوكلُّنا للمنايا دونهُ غرَضُ
ففي الأنام له من غيرنا عوضٌوليسَ في غيره منه لنا عوَضُ
وقال آخر:
إن كنتَ أجريتَ دماً سائلاًأجريته باليُمن والرُّشدِ
فطالما نفَّسْت عن بائسجاءك في الكرْبة يستجدي
وطالما أجريتَ أمثالهُمن بطلٍ منعقد الخدِّ
وقال أبو إسحاق الصابئ:
إذا مرضَ المولى مرضنا بأسرناوإن صحَّ لمْ يسمعْ لنا بمريضِ
وقال آخر:
أقولُ لحمَّاهُ وقد طالَ أمرُهاأردتِ ويأبى اللهُ أن يكسفَ البدرا
فقالتْ معاذ الله لكنْ أتيتُهُبحاليْن قد أوضحت بينهما العذرا
أبشّره بعدي بطولِ حياتهِصحيحاً كما يهوى وأُلبسه الأجرا
وقال آخر:
كلُّ من لم يعدْكَ في حالة السُّقمِ تمنى لك الرَّدى والهلاكا
حذراً أن يراكَ يوماً من الدَّهرِ صحيحاً فيستحي أن يراكا
سوفَ تَبرأ ويمرضون وتجفوهم فإنْ عاتبوا ذا بذاكا
وقال آخر:
أعاذَنا ذو الجلالِ من سقمكْوصارَ ما نحنُ فيه من نِعمكْ
وبيَّضَ اللهُ وجهَ مكرمةٍثباتُها بالثَّباتِ من قدمكْ
وأنهضَ الجودَ من مكامنهِبدفع ما تشتهيهِ من ألمكْ
يا بؤسَ للدَّهرِ إذ أعلكَ لميُراعِ ما يستحقُّ من ذِممكْ
وقال القاضي أبو الحسن الجرجاني:
بعينيَّ ما يُخفي الوزيرُ وما يُبديفنورُهما من فضلِ نعمائهِ عندي
سأجهدُ أن أفدي مواطئَ نعلهفإن أنا لم أقبلْ فما لي سوى جهدي
لأعدي تشكّيك البلادَ وأهلهاوما خلتُ أن الشكوَ يعدى على البعدِ
ولم أدرِ بالشَّكوى التي عرضتْ لهُونُعماهُ حتَّى أقبل المجدُ يستعدي
وما أحسبُ الحمَّى وإن جلَّ قدرُهاليحسنُ أن تدنو إلى منبعِ المجدِ
وما هيَ إلاَّ من تلهُّبكَ الذيتوقَّدَ حتَّى فاضَ من شدَّةِ الوقدِ
ليَفدكَ من أصبحتَ مالكَ رقّهفكلُّ الورى بل كلُّ ذي مهجةٍ يَفدي
وقال أيضاً من قصيدة:
بكَ الدَّهرُ يَندى ظله ويطيبُويقلعُ عمَّا ساءَنا ويُنيبُ
أفي كلِّ يومٍ للمكارمِ روعةٌلها في قلوبِ المكرُماتِ وجيبُ
إذا ألمتْ نفسُ الوزيرِ تألَّمتْلها أنفسٌ تحيى بها وقلوبُ
فواللهِ لا لاحظتُ وجهاً أُحبُّهُحياتي وفي وجه الوزيرِ شحوبُ
وليسَ شحوباً ما أراهُ بوجههِولكنَّه في المكرماتِ ندوبُ
فلا تجزعنْ عنْ تلكَ السماءُ تغيَّمتْوعما قليلٍ تبتدي فتصوبُ
وقد تتجلَّى الشمسُ بعد استتارهاوينقصُ ضوءُ البدرِ حينَ ينوبُ
فلا زالت الدُّنيا بملككَ طلقةًولا زالَ فيها من ظلالكَ طيبُ
فإنَّ دعائي مستجابٌ لأنهملالة قلبي والقلوبُ ضروبُ
وقال آخر:
إنَّ القلوبَ رواجفٌمن أن يمسَّكَ شوكُ حاطبْ
ولكَ السلامةُ والسَّلامُ من المخاوفِ والمعاطبْ
كم دعوةٍ أسديتُهاوالليلُ مرتكمُ الغياهبْ
فجعلتُها سوراً عليكَ من الحوادثِ والنوائبْ
وقال الصاحب بن عباد:
سلامتهُ شمسُ المعالي وسقمهكسوفُ المعالي لا كسفنَ ولا بنَّا
ولم يأتهِ وردُ السقام لغير ماعرفنا فخذْ معنى تألّمهِ منَّا
وما رادهُ إلاَّ ليشغَل عن ندًىوإلا فلمْ قد خصَّ بالألم اليمنى
وقال البحتري:
لا ذنبَ للطرفِ أن زلَّت قوائمهُوما يدنسهُ من عائبٍ دنسُ
حمَّلتَ مجداً وبأساً فوقهُ وندًىمن أين يحملُ هذا كلَّه فرسُ
وقال عبد الله بن المعتز العباسي:
لا ذنبَ عندي لابن العير يوم وهتقواهُ من خورٍ فيها ومن لينِ
حمَّلتموهُ الذي ما كانَ يحملهُفُرهُ البغال وأصناف البراذينِ
الشمسُ والبدرُ والطود الرفيع معاًوالغيث والليث والدُّنيا مع الدينِ
وقال احمد بن يوسف الكاتب:
أعززْ عليَّ بأن يكونَ عليلاأو أن يكونَ لك السقامُ نزيلا
لا زلتَ تسلمُ والحوادث طلَّعلا تُرحلنَّك إن أردتَ رحيلا
هذا أخٌ لك يشتكي ما تشتكيوكذا الخليلُ إذا أحبَّ خليلا
وقال البحتري:
كفاك الله ما تخشى وغطَّىعليك بظلِّ نعمتهِ الظليلِ
فلم أرَ مثل علَّتك استفاضتْبإعلان الكآبةِ والعويلِ
وقد كانَ الصَّحيحُ أشدَّ شكوىوآلاماً من الدنفِ العليلِ
محاذرةً على الفضل المرجَّىوإشفاقاً على المجد الأثيلِ
ولو كانَ الذي رهبوا وخافواإذاً ذهب النوالُ من المُنيلِ
إذاً لغدا السَّماحُ بلا حليفٍله وجرى الغمام بلا رسيلِ
دفاع الله عنك أقرَّ منَّاقلوباً كنَّ طائشةَ العقولِ
وصنعُ الله فيكَ أزالَ عنَّاترجُّح ذلك الحدَث الجليلِ
وقال الوأواء الدمشقي في أمرد اعتلَّ:
ابيضَّ واصفرَّ لاعتلالٍفصار كالنرجس المضعَّفْ
كأنَّ نسرينَ وجنتيهِبشعر أصداغه مغلَّفْ
يرشحُ منهُ الجبينُ ماءًكأنَّه لؤلؤٌ منصَّفْ
وقال كلثوم بن عمر العتابي:
فإنْ تكُ حمَّى الغِبّ شفَّك غبُّهافعقباك منها أن يطولَ لك العمرُ
وقيناك لو نعطى الهوى فيك والمنىوكانت بنا الشكوى وكانَ لك الأجرُ
وقال آخر:
أجدَّك ما تنفكُّ تشكو قضيةًتُردُّ إلى حكمٍ لدى الدَّهر جائرِ
ينالُ الفتى ما لم يقدّرْ وربَّماأتاحتْ له الأيَّامُ ما لم يحاذرِ
وقال أبو عبد الله النمري:
ما أنتَ إلاَّ صحَّةٌ مكلوءةٌتتقاصرُ الأوهامُ دون مداها
فإذا مرضتَ ولا مرضتَ فإنَّمامرضُ الرِّياح يطيبُ فيه ثناها
لم تُنسك الأمراضُ ذكرَ صنائعتولى وشكرَ صنائعٍ تُولاها
وقال آخر:
يا سيداً أفديه عند شكايةٍبالنفس والولد الأغرّ وبالأبِ
لمَ لا أبيتُ على الفراشِ مسهَّداًوقد اشتكى عضوٌ من أعضاءِ النبي
وقال البحتري:
إذا اعتللتَ ذممنا العيشَ وهو ندٍطلقُ الجوانبِ ضافٍ ظلُّهُ رَغَدُ
لو أنَّ أنفسنا اسطاعتْ وُقيتَ بهاحتَّى تكونَ بها الشكوى التي تجدُ
النص من طبعة المطبعة التجارية بالإسكندرية (١٣١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع