تجاوز إلى المحتوى

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي» لأبي المرشد المعري (ت ٤٩٣هـ)

حرف اللام

من التي أولها:

رُوَيَدَكَ أيُّها المَلِكُ الجَلِيلُ

قوله:

لأُكِيتَ حاسِداً وأَرى عَدُواًكأَّنُهما وَدَاعُكَ والرَّحِيلُ

قال ابن جني: سألته وقت القراءة عليه عن معنى هذا البيت فقال) أرى (من الورى. وهو داء في الجوف، قال: وشبهت الحاسد بالوداع، والعدو بالرحيل لقبحها عندي، وإتي أبغضها كما أبغض الوداع والرحيل.

ومَا أخْشَى نُبوَّكَ عن طَرِيقٍوسَيفُ الدَّولةِ المَاضي الصَّقيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

قال الشيخ: لما أخبر عن السحاب بالهاء فقال) فها أنا بالسماح له عذول (رجع إلى خطاب سيف الدولة: لأنه ابتدأ في أول الأبيات بخطابه، ولو أمكنه أن يقول: وأنت سيف الدولة، لكان ذلك أبين، ولكنه لم يمكنه الوزن من المراد وهذا كقولك لرجل اسمه علي أو غيره:) قد فعلت جميلاً وعلي أهل لذاك (فاستغنى بعلم المخاطب بالمراد عن القول وأنت من أمرك.

وقال ابن فورجة: ليس قوله:) وسيف الدولة (ضرورة عاد بها من لفظ الخطاب إلى لفظ الإخبار؛ إذ قد قال) نبوك (بل يعني أني لا أخشى نبوك عن هذا الطريق وسيف الدولة لا يكون إلا الماضي الصقيل، وأنت سيفها فلا تكون إلا ماضياً صقيلاً وسيف الدولة في هذا البيت يعني به سيف الحديد لا الممدوح على أنه لا يمتنع أن يقال عناه ورجع من لفظ الخطاب إلى لفظ الإخبار.

وُكلُّ شَوَاةِ غِطْريفٍ تَمنىَّلِسَيْرك أنَّ مَفْرقها السَّبِيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

قال الأحسائي: هذا البيت يحتمل كثيراً من الوجوه فمنها أن كل غطريف، وهو السيد من أولئك، يود لموضع الشفقة عليك والمحبة أن تسير على مفرقه، محمولاً على قوله) ليت أنا إذا ارتحلت لك الخيل (ومنها أنهم يحسدون الطريق التي تسلكها على القرب منك، فيودون أن مفارقتهم طرق لك، لتأمن من سطوتك كما تأمن الطرق إذا سرت فيها، ومنها أنهم لشدة ما يقاسون من خوفك يتمنون أنهم لم يخلقوا، وأنهم تراب بعد في الأرض يوطأ عليه، لأن أصل الخلق من الطين، ومنها أن الطريق يقال له: مفرق، والمفرق من الرأس متفرق الشعر، فيقول: إن مفرق الرأس لما وافق الطريق في اللفظ قالوا ليته وافقه في المعنى على الوجوه التي ذكرناها.

ومن التي أولها: إلامَ طَماعِيةُ العاذِلِ قوله:

فَلماَّ نَشِفْنَ لَقِينَ السَّياطَبمثلِ صَفا البَلَدِ الماَحِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

قال الشيخ: يقول إن عرق الخيل أبيض، فلما يبس على جلودها لقيت السياط بمثل صفا البلد الماحل، أي أنها مبيضة بالعرق، وكأن السياط تقع منها بأرض بيضاء لم يصبها مطر.

شَّفَنَّ لَخْمسٍ إلى مَنْ طَلَبْنَ قَبلَ الشُّفُونِ إلى نازِلِ قال ابن جني: شفن أي نظرن في اعتراض، وسئل عن معنى هذا البيت فقال: أردت أن الخيل نظرت إلى من طلبته بعد مسيرة خمس قبل أن ينظر إلى نازل عنها من أصحابها، أي طرد المسير عليها خمساً حتى أدركوا.

فَدَانَتْ مَرَافِقُهُنَّ البَرَيعلى ثِقَةٍ بالدَّمِ الغاسِلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال الشيخ: دانت أي قاربت، ومرافقهن مرافق الخيل، والبري: التراب، يريد أنهن مددن أيديهن في الجري، حتى دنت مرافقهن من التراب، وادعى أنهن فعلن ذلك لعلمهن أن الدم يغسله عنهن.

وَمَا بينَ كاذَتي المُسْتَغيرِكَما بينَ كاذَتي البائِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

قال ابني جني: الكاذة لحم في أصل الفخذ من الفرس، والجمع كئاذ، والمستغير الذي يطلب الغارة، أي قد اتسعت فروجهن لشدة الجري والبائل الذي قد انفرج ليبول فتباعدت فخذاه.

وقال الشيخ: شبه العرق ونزوله بنزول البول، وقد ذهب بعض من فسر هذا البيت إلى أن الفرس إذا أعيا باعد ما بين فخذيه، فكأنه قد فرجهما ليبول، والأول أشبه.

فَلُقَّينَ كُلّ رُدَْينيَّةٍوَمَصْبًوحةٍ لَبَنَ الشَّائلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: سألته عن هذا فقلت: إن الشائل لا لبن لها وإنما التي بها بقية من لبنها هي التي يقال لها الشائلة بالهاء، فقال أردت الهاء وحذفتها ومثل هذا يجوز للشاعر كما قال كثير:

خَلِيليَّ إنْ أُمُّ الحَكيم تَبَدلتْوأخْلَتْ لَخيماتِ العُذَيب ظِلالها

قيل أراد العذيبة فحذف الهاء، وسألته عن غرضه فقال إن الناقة إذا شال لبنها خف ومرؤ ونجع في شاربه، فلم يسقوه إلا كرائم خيلهم، والأمر على ما ذكره وبذلك وردت أشعارهم.

قال الشيخ: أراد بالشائل القليلة اللبن، وأكثر ما يقولون ناقة شائلة، إذا قل لبنها والجمع شول، والمراد أن هذه الخيل لكرمها على أصحابها تؤثر باللبن، وتشرك العيال، والعرب تفتخر بذلك قال الأخطل:

إذا مَا الخَيلُِ ضَيَعها أُناسُرَبطْناها فَشاركَت العِيالا
نَهينُ لها الطَعامَ إذا شَتَونَاونَكسُوهَا البَراقعَ والجِلالاَ
بضَرْبٍ يَعُمُّهُمُ جائِرٍلَهُ فِيهمُ قِسْمَةُ العادِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

قال ابن جني: أي هذا الضرب وإن كان لإفراطه جوراً فإنه في الحقيقة عدل، لأن قتل مثلهم عدل وقربة من الله سبحانه وهذا كقول أبي تمام:

أنْ لَستَ نِعم الجارُ للسُّنَنِ الأُلَىإلاَّ إذَا ما كُنْتَ بئسَ الجارُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»

ويجوز أن يكون أراد أن هذا الضرب لما عمهم وجار على جميعهم، ثم كان أكثره ومعظمه في الأبطال وذوي النجدة منهم، ظهرت فيه صورة العدل والأول أظهر.

وقال الشيخ: وصف الضرب بالجور، أي انه يسرف فيكون كأنه كمن يجوز، وقوله) له فيهم قسمة العادل (أي يقد الرجل فيجعله كالذي قسم جسمه، وهذا كالذي يروى عن علي ﵁ أنه كان اعتلى قد وإذا اعترض قط.

وَطَعْنٍ يُجَمَّعُ شُذَّاَنَهُمْكَما اجْتمْعَت دِرَّةُ الحافِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

قال الشيخ: الشذان ما شد من الشيء، والهاء والميم في شذانهم عائدة إلى أصحاب الخارجي، أي يجمع ما شذ منهم إلى معظمهم، كما اجتمعت درة الحافل، أي هذا الطعن يجمعهم ليستأصل أخرهم، كما أن الحالب يوفر اللبن ليحتلبه أجمع، إنما يعني أن الطعن يجمع ليصيبهم القتل عن أخرهم وهذا نحو من قول الأول.

مَنْ للجَعافِرِ يا قَوْمِي فَقَد صرِيَتَوقد تُنَاخُ لذاتِ الصَّرَيَةِ الَحلَبُ

يقال صري اللبن إذا كان في الضرع.

ومن التي أولها: أعلى المَمالكِ مايُبْني على الأسَلِ

الفاعِلُ الفِعلَ لم يُفْعَلْ لشِدَّتِهِوالقائل القَوْلَ لم يُتركْ ولم يُقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

قال الشيخ: يقول أفعال سيف الدولة تتركها، الناس، لأنها مستصعبة، وقوله) والقائل القول لم يترك ولم يقل (أي أنه ينطق بالحكمة التي لم يصل إليها سواه، وقوله) لم يترك (أي لم يترك القائلون طلبه، ولما لم يصلوا إليه كان كأنه لم يقل.

وقال الأحسائي: يقول إنه قد فعل أفعالاً قد عرفها الناس قبل فعله وتركوها عجزاً عنها، ويقول القول في البلاغة لم يسبق إليه ولا عرفه الناس قبله فتركوه عن عجز.

يا مَن يسيرُ وحُكمُ النَّاظِرينَ لَهُفيما يَراهُ وحُكمُ القَلبِ في الجَذلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

قال الشيخ: يعني بالناظرين ناظري الممدوح، أي له فيما يراه حكم ناظريه وقوله) وحكم القلب في الجذل (أي الفرح فإذا تمنى قلبه شيئاً وصل إليه، ومن روى الناظرين في معنى المنجمين فله معنى، ولا ينبغي أن يعدل عن الوجه الأولى لأن قوله) حكم القلب في الجذل (يشهد بأن الناظرين عينا الممدوح.

ومن التي أولها: بنا مَنك فوقَ الرَّملِ ما بكَ في الرَّملِ قوله:

تركْتَ خُدُودَ الغاِنياتِ وَفَوْقَهادموعُ تُذيبُ الحُسنَ في الأعينِ النُّجلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»
تَبُلُّ الثَرى سُوداً من المْسْك وَحْدهُوقد قَطَرتْ حُمراً على الشَّعَر الجَثلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

قال ابن جني: معنى هذا البيت حسن جداً، وذلك أنه يقول إن الدموع تقطر من أعين الغواني اللواتي يبكين عليك حمراً، لأنهن يبكين دماً، لإفراط حزنهن، فإذا وقع الدمع وهو أحمر على شعورهن وذوائبهن، وهي مضخمة بالمسك، وله في قوله) وحده (نكت حسن لطيف لأنه يريد أن السواد الذي يحصل في الدمع ليس هو إلا للمسك وحده وليس سواده لأن الكحل خالطه فاسود به، وكان غرضه في ذلك أنهن ليس يكتحلن في أعينهن ألا تراه يقول في موضع آخر: ليسَ التكحُّل في العَينين كالكَحَلِ فإن قيل إن مساقط الدموع إنما هي الخدان ونحوهما لا على الذوائب، قيل إنهن لما نشرن شعورهن وقعن على وجوههن فمر الدمع بهما فاسود منها.

وقال ابن فورجة: إنما وجه إذابة الدمع الحسن لأنه مما يفسد العين ويزيل حسنها كقول القائل:

أليسَ يَضيرُ العينَ أن تُكِثرَ البُكاويُمَنعَ عنها نَوْمُها وسُروُرُها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»

وهذا ظاهر، وإنما دقة صنعته بقوله) يذيب الحسن (ولم يقل يزيد الحسن أو ما أشبهه، لأن الدمع لما كان يذيب الحسن أولاً فأولاً كان استعارة الإذابة بفعله أولى، كما قيل في الحب إذا هزل البدن أذابة، لأنه أخذ منه قليلاً قليلا وأيضا لما كان الذوب في معنى السيلان والدمع سائل فكأنه سال معه الحسن.

هل الوَلَدُ المَحُبوبُ إلا تَعِلَّةُوهل خَلْوَةُ الحسْناءِ إلا أذَى البعْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

قال ابن فورجة: قال الشيخ ابن جني: إذا خلت الحسناء مع محبها أدى ذلك إلى تأذيه بها، إما لشغل قلبه عما سواها، أو لغير ذلك من المضار التي تلحق مواصل الغواني، وهذا كلام لم ينضجه التأمل، وكأنه ظن أن الحسناء لا يخلو بها إلا بعلها ولا أذى للبعل في الخلوة بها، كل قرة عينه فيها، وليس وصاله لها داعية إلى مضرة على الإطلاق ولو لم يكن في النساء غير المضرة لما خلقهن الله تعالى، فضلا عن إباحتهن والأمر بالاستعفاف بهن، وما ورد في الآثار من الوصاة بهن ولا يكون صد المرأة الحسناء بعلها عن غيرها من الأمور أذى، ولا يقول ذلك ذو منطق بليغ إلا متأولاً، والذي أراده أبو الطيب أن المرأة ذات البعل ليس ينال منها من خلا بها غير بعلها إلا أذاه، يريد أن اللذة منها قاصرة عن أن تكون لذة في الحقيقة، وإنما الحاصل منها أذى البعل فقط، يزهد بذلك في الولد، وفي طلب اللذة بأعراض الدنيا كلها، أي إذا كانت هاتان اللتان لا حقيقة لهما فما سواهما أولى بالترك والزهد فيه، هذا عندي الأليق لمذهبه، والذي قاله أبو الفتح متحمل.

ومن التي أولها: لا الحُلْمُ جادَ بِهِ ولا بِمثالهِ قوله:

إنَّ المُعِيدَ لنا المَنامُ خَيالَهُكانَتْ إعادَتُهُ خَيالَ خَيالِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

قال ابن جني: يقول إنما رأينا الآن في النوم شيئا كنا رأيناه في النوم قبل، فصار ما رؤي ثانيا خيال ما رؤي أولاً، والذي رؤي أولاً هو خياله، فصار الثاني خيال خياله يصف بعده عنه وتعذر طيفه عليه) وخيال (منصوب لأنه خبر كان، وليس) إعادته (وأقام المصدر مقام المفعول، لأنه يريد بالإعادة الشيء المعاد، كما يقع الخلق وهو مصدر موضع المخلوق وهو المفعول.

قال ابن فورجة: هذا الذي ذكره المعنى الجيد الذي يسبق إليه كل خاطر ووهم، وقد يحتمل معنى آخر لطيفاً، وهو أن يعني أن ذلك الوصال واللقاء لهذا الحبيب كان أيضاً خيالاً على معنى قوله:

نَصِيبُكَ في حَيَاتِكَ من حَبيبٍنَصِيُبكَ في مَنامكَ من خَيالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

فيقول إن وصاله أيضا كان خيالا تراءى لي في منام، تقليلاً له وتقصيراً لزمانه، فلما زار الخيال كان خيال ويحتمل أيضا معنى آخر أدق من هذا وهو أن لا تكون) إعادته (مصدراً لمعنى المفعول، بل يريد أن الإعادة نفسها كانت لخياله إذ كان أيضا معاداً، يريد بذلك كثرة رؤيته إياه في منامه، فكل رؤيا يراه فيها إعادة لخيال رآه معاداً من قبل فافهمه فهو أحسن.

نجْنِي الكَواكبَ مِن قَلائدِ جيدةِونَنالُ عَينَ الشَّمسِ من خَلْخالِه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

قال ابن جني: شبه ما في قلائده من الدر بالكواكب، وخلخاله بعين الشمس.

قال الشيخ ﵀: استقدت استفعلت من القود، وأصل ذلك أن الرجل يقتل الآخر فيقاد قاتله إلى أهله، يقول إن كان الهوى قد لحقتني منه بلابل فقد استقدت منه، وأذقته من عفتي ما هو جزاء له، والهوى في البيت يحتمل وجهين أحدهما: أن يريد به الهوى الذي هو عرض، فيكون هذا من مبالغة الشعر التي ليس لها حقيقة، لأن القود لا يصح من شيء يخطر في القلب، والآخر أن يريد بالهوى المرأة التي شبب بها، لأنهم يقولون فلانة هواي التي أهواها، وهذا على حذف المضاف كأنهم يريدون ذات هواي.

وكأنّما جدواه من إكثارهحَسدُ لسائِلهِ على إقْلاِلِه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

قال ابن جني: جاذبته معنى هذا البيت فقال: أردت إفراطه في الجود، حتى كأنه يطلب أن يكون مقلا كسائله، فهو مفرط في إعطائه طلباً للإقلال، قال: وإذا تمكن الحاسد من المحسود فحسبك به وهذا معنى لفظه.

إنَّ الرَياحَ إذَا عَمَدنَ لناظِرٍأغْناهُ مُقْبلُها عَنِ اسْتعجالهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

قال الشيخ: يقول الرياح إذا عمدن للناظر لم يحتج إلى أن يستعجلها، وإنما ضرب هذا مثلا لأن الممدوح ينيل قبل أن يسأل.

وَهَب الذي ورثَ الجُدودَ وما رأىأفْعالَهمْ لابنٍ بلا أفْعالِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

قال الشيخ ﵀: هذا مأخوذ من قول الليثي:

إنّا وإنْ أحسابُنَا كَرُمَتْلَسْنا على الأحسْابِ نَتَّكِلُ
نَبني كما كانتَ أوئِلُناتبني ونفعلُ مِثلَ ما فَعلوا

والهاء في) أفعاله (راجعة إلى) الابن (و) لا (في معنى غير) ورأى (هاهنا تؤدي معنى رضي واختار، كما يقال فلان يرى أن تكون كذا أي يشير به ويرضاه.

وقال ابن فورجة: يعني أنه وهب ما ورث جدوده من المال ومن المعالي والشرف أما المال فللعفاة، وأما المجد فلسائر أسرته، واستجدت مجداً وشرفاً بمساعيه ولم يرد ما ورثهم من المال فقط الدليل على ذلك قوله) وما رأى أفعالهم لابن بلا أفعاله (فدل بقوله الأفعال أنه يريد المعالي والشرف وكأنه أراد قول القائل:

وإذا افتخرْتَ بأعْظُمٍ مقْبُوَرةٍفالنَّاسُ بينَ مُكَذّبٍ وَمُصَدّقِ
للشاعر كشاجم، من قصيدة «وإذا افتخرت بأعظم مقبورة»
فأقمْ لنفسِكَ في انتِسابكَ شَاهِداًبحَديثِ مَجْدٍ للقَدِيمِ مُحققِ
للشاعر كشاجم، من قصيدة «وإذا افتخرت بأعظم مقبورة»

وقد أجاد الشريف أبو الحسن الموسوي في قوله:

فَخَرْتُ بَنفسي لا بَقوْمي مُوَقَّراًعلى ناقصِي قَوْمي مآثِرَ أُسْرَتي

فقد زاد المعنى وضوحاً.

قال أبو الفتح ابن جني ورأى أن أفعال آبائه ليست نافعة ولا رافعة منه حتى يفعل هو مثلها، ولو كان أراد ما قال أبو الفتح لقال: وما رأى أفعالهم لابن بلا أفعاله بل الهاء في) أفعاله (لسيف الدولة، يقول ما رأى أفعال الجدود نافعة لابن ليست له مثل أفعال سيف الدولة، فإن قال قائل فقد قال في البيت الذي يليه:

حتى إذَا فَنِيَ التُّراثُ سِوىَ العُلاقَصَدَ العُداةَ مِنَ القَنا بِطَوالهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

وقد زعمت أنه عنى أنه وهب ما ورث من المعالي والمجد، فالجواب أن هذا البيت مؤكد لما قلناه، ويعني أنه وهب ما ورث فأما المال ففني وأما الشرف فلا يفنى وإن وهبه، لأن الهبة في مجد الآباء مجازلا حقيقة، وإنما يتأتى بتوفيره إياه على سائر أسرته واستحداثه مجداً آخر كما صّرح به الشريف الموسوي.

كُلُ يُريدُ رجَالهُ لحياتَهِيا مَنْ يُريُد حياتَهُ لرجالهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

قال الشيخ: هذا البيت مبني على حكاية تذكر عن سيف الدولة مع الإخشيد، وذلك أنه أراد أن يغلب على هذه البلاد، وجاء في جيش عظيم، وطرد سيف الدولة، ثم انصرف، فيقال إن سيف الدولة وجه إليه بكلام مراده فيه ابرز إلي ولا تقتل الناس بيني وبينك، فأينا غلب ملك، فوجه إليه الإخشيد: اعجب منك إنها جمعت هذا الجيش العظيم لاقي به نفسي، أفتريد أن أبارزك. وهذا جهل.

ومن التي أولها: أيَنْفَعُ في الخَيْمَةِ العُذّلُ قوله:

فَلِمْ لا تَلُومُ الذي لامَهاومَا فَصُّ خاتمِه يَذُبلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال) ما (في معنى ليس، وقال أردت إن جاز أن تلام هذه الخيمة على عجزها عن علوها على سيف الدولة، مع أن ذلك غير ممكن، بل هو متعذر، لأنه أعلى من أن تشتمل عليه خيمة، فلم لا تلوم هذه الخيمة من لامها على أن فص خاتمه ليس يذبل، فكما أن لوم الإنسان على أن لا يكون فص خاتمه يذبل مستحيل، لأن هذا ليس في الطاقة، فكذلك لوم هذه الخيمة من لامها ليس فص خاتمه يذبل، وهو مبالغة عظيمة لأنه جعل الذي يجترئ على لوم هذه الخيمة، يجب أن يكون فص خاتمه يذبل، وهو الجبل المستعظم، وكيف تلومها وهو حقير إنما شخصه كشخص غيره من الناس.

يُفاجئ جَيْشاً بها حَيْنُهُوَيُنذر جَيشاً بها القَسْطَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

قال ابن جني: أي تارة يسري ليلاً فيباكرها فيهلكه لأنه لم يشعر بها وتارة نهاراً نحوه فينشر قسطلاً فينذره فيهرب، ويجوز أن يكون أراد تارة تحزن فلا تنشر غباراً وتارة تسهل فتنشره.

جَعَلتُك بالقَلْب لي عُدَّةًلأنكَ باليَدِ لا تُجعلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

قال الشيخ ﵀: يقول جعلتك في قلب الجيش لي عدة لأنك لا تجعل في شمال الجيش ولا يمناه؛ إذ كان عميد الجيش إنما يكون في القلب، فهذا وجه ووجه آخر وهو أجود، وهو أن يريد الشاعر قلب نفسه أي جعلتك عدتي بقلبي، لأنك أجل من أن تجعل باليد لأنها إنما تتصرف فيما صغر من الأشياء، والقلب يتسع في الضمير حتى أنه يضمر ما لا يدرك.

فإنْ طِبُعَتْ قبلَكَ المرُهَفاتُفإنك من قَبلها المِقْصَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

قال ابن فورجة: قال الشيخ أبو الفتح بن جني: معناه أنك لإفراط قطعك وظهوره على قطع جميع السيوف، كأنك أنت أول ما قطع، إذ لم ير قبلك مثلك، وهذا كما قال، ويحتمل وجهاً أجود مما ذهب إليه، وهو يريد غناؤك قبل غنائه ولولا قطعك لما قطع كما قال الآخر:

وما السَيّفُ إلاّ بَزُّ غَادٍ لزِينةٍإذا لم يكن أمضَى من السيف حامِلُه
للشاعر البحتري، من قصيدة «هب الدار ردت رجع ما أنت قائله»

وكما قال:

وَلكنْ إذا لَمْ يَحْملِ القلبُ كَفَّهُعلى حالَةٍ لم يَحْملِ الكَّف ساعدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

وكقوله:

إذَا الهنْدُ سوَّتْ بينَ سَيفي كَريهةٍفسَيفُكَ في كَفُّ تزيلُ التَّساويا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

ومن التي أولها: أجابَ دَمعي وَما الدَّاعي سوَى طلَلِ قوله:

أشْكُو النَّوَى ولهم مِن عَبرَتي عَجبُكذاكَ كانتْ وما أشكو سوى الكِللِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال الشيخ: أشكو النوى وأصحابي يعجبون من عبرتي، وليس ينبغي أن يعجبوا لذلك. لأنها كانت على ما شاهدوه الآن والذين أحب قريب ليس بيني وبينهم سوى الكلل جمع كله وهو الستر، فكيف بي إذا اجتمعت الكلل مع البعد.

وقد أرَني الشَّبابُ الرُّوح في بَدنِيوقد أرَانيِ المَشيبُ الرُّوحَ في بَدَلي

قال ابن جني: أي في غيري يقول كأن نفسه مفارقته في المشيب.

قال الشيخ ﵀: معنى هذا البيت أني كنت في حال شبيبتي على حال فغيرها تقادم الدهر، لأني شبت. وكان شعري حالكاً، وقل ماء وجهي وكان كثيراً وضعفت أعضائي بعد قوة، وكأن جسمي قد بدل، وهذا معنى يتردد في الشعر كثيراً ومنه قول النمر بن تولب:

لَعَمْري لقد أنكَرْتُ نَفْسِي ورَابَنيمع الشَّيب أبْدَالي التي أتَبدّلُ
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
فُضُول أرَاها في أديميَ بعدَمايكون كِفافُ اللَحمِ أو هو أجَملُ
كأنّض مَحطاً في يَديْ حَارثيةٍصَناعٍ عَلَتْ مني به الجلدَ من عَلُ

وقال الآخر:

وقد زَعَمتْ أنَّي تَغيرّتُ بعدهاومَنْ ذَا الذي يا عَزَّ لا يَتَغيرُ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أيادي سبا يا عز ما كنت بعدكم»

وقال الآخر وهو كثير:

الدَّهرُ لأبِلاَني ومَا أَبلْيتُهوالدَّهرُ غَيّرني ومَا يَتَغيرُ
والدَّهرُ قَيَّدني بحَبلٍ مُبرمٍفَمشيتُ فيه فكلُّ يَومٍ يَقصُرُ

وقد ذهب قوم إلى أن معنى بيت أبي الطيب أنه كان شابا فلما ذهب الشباب عنه رآه في غيره من الناس والقول الأول أجود.

وقال ابن فورجة: البدل في هذا البيت أحسن ما يحمل عليه أن يعني به ولده لأنه كأنه بدل الإنسان إذ كان يشيب أوان شيخوخته ثم يرثه فيكون كأنه بدله في ماله وبدنه والروح يعني به روح نفسه لا الجنس كما قال الشاعر:

أَبي الَقْلبُ إلاَّ أمَّ عَمْروٍ وحبَّهاعَجُوزاً وَمن يُحبب عَجوزاً يُفند

يريد قلب نفسه وهذا باب معروف كثير.

والمَدْحُ لاْبنِ أبي الهَيْجاءِ تُنْجِدُهُبالجاهِليةٍ عَيْنُ الغَيَّ والخَطَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

قال ابن جني: سألته عن هذا البيت فقال كان بعض الشعراء قد مدح سيف الدولة وذكر أجداده وأسلافه يعني النامي وتنجده تعينه وقد فسره بقوله وبعده.

ليتَ المَدائحَ تَسْتَوفي مَناقِبهُفما كُلْيبُ وأهلُ الأعْصُرِ الأولِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»
تُمسي الأمانيُّ صَرْعى دونَ مَبْلَغهافما يَقُولُ لشَيء ليتَ ذَلَك لي

قال ابن جني: أي دون أن تبلغ إلى قلب فتستمليه، أو لسانه فتجري عليه.

وقال ابن فورجة: يريد أنه مسلط على الأيام ما لك الرقاب والأموال، فما يتمنى شيئاً لأنه كلما رأى نفيساً كان له أو ما هو خير منه، وكان في قوله هذا نظر إلى قول عنترة:

ألا قَاتلَ اللهُ الطُّلولَ البَوالياوقَاتلَ ذِكراكَ السنين الخَواليا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ألا قاتل الله الطلول البوالي»
وقِيلَك للشَّيء الذي لا تَنالُهإذا مَا حَلا في العَينِ يا ليتَ ذالِيا

ومثل هذا قوله أيضا:

يا مَن يسيرُ وحُكمُ النَّاظِرينَ لَهُفيما يَراهُ وحُكمُ القَلْبِ في الجَذلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

وتمني الشيء عجز وقصور، والملك لا ينبغي له أن يتمنى.

فالعُرْبُ مِنْهُ معَ الكُدْري طائرةُوالرُّومُ طائِرةُ مِنْهُ معَ الحَجَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»
ومَا الفِرارُ إلى الأجْبالِ مِنْ أسَدٍتَمشي النَّعامُ به مَعْقِلِ الوَعِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

قال ابن فورجة: فسر أبو الفتح هذا البيت بكلام طويل ولم يأت بفائدة تخصيصه العرب بالقطا والروم بالحجل، وهذا مما يسأل عنه، وإنما فعل ذلك لأن القطا يكون في بلاد العرب، يقول: العرب والروم لا تقاوم سيف الدولة، فالعرب هاربة منه مع القطاني البراري، والروم هابة منه في الجبال مع الحجل، لأن بلادهم جبال وهذا المعنى مثل قوله:

يَسألُ أهْلَ القِلاعِ عَنْ مَلِكٍقد مَسَخَتْهُ نَعَامَةُ شارِدْ

وذلك أن) وهسوذان (هرب من عضد الدولة في البراري. والنعامة لا تأوي الجبال، فضرب شرود النعام مثل الهرب في القفار، والمعنى في البيت الذي يليه أن النعام لا تصعد الجبال، وإنما تصعدها الوعول، وعنى بالنعام خيله على التشبيه لها بها في سرعة العدو وطول الساق، يعني أن خيله تتسنم الجبال في طلب الروم، كما قال في البيت الآخر:

تَظُنُّ فِراخُ الفُتخِ أنَّكَ زُرْتهابأمَّاتها وَهْي العِتاقُ الصَّلادِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ومن التي أولها:

شَديدُ البُعْدِ مِن شُرْبِ الشَّمولِتُرُنْجُ الهِنْدِ أو طَلْعُ النَّخيلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «شديد البعد من شرب الشمول»

قال ابن جني: رفع) شديد البعد (لأنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: أنت شديد البعد ورفع) ترنج الهند (بالابتداء كأنه قال: بين يديك أو في مجلسك ترنج الهند، إلا أنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر، لأنه مشاهد، ودلت الحال على ما أضمره كما تقول إذا رأيت رجلاً قد سدد سهماً ثم سمعت صوتاً:) القرطاس. والله (. أي أصاب القرطاس. وكما تقول للقادم من سفرة:) خير مقدم (فتنصبه لأنك تريد: قدمت خير مقدم ويجوز أن يرفع فتقول: خير مقدم. أي مقدمك خير مقدم، فيجوز إضمار هذا كله، لأن في الحال دليلاً عليه.

وقال الشيخ ﵀ رداً على من عاب قوله) ترنج الهند (: قد حكى ترنج غير واحد من أهل العلم، وليس الشعر مبنياً على أن تذكر فيه الكلمة الفصحى دون غيرها، مما هو قريب منها، ألا ترى أنه يوجد في أشعار العرب الكلمة المنقولة من لسان غيرهم كقول ابن أحمر.

حنَّت قَلُوصي إلى بابوسِها طَرباًفما حَنينُكِ أم أَنتِ والذّكر

والبابوس ليس من كلام العرب وإنما هو منقول من لسان الروم. والأترنج قليل التردد في الشعر الفصيح على أن علقمة بن عبدة قال:

ردَّ القَيانُ جِمالَ الحَيَّ فاحتَملُوافكلها بالتَزيدّياتِ مَعكُومُ
يَحْمِلْنَ أُتْرُجَّةٍ نَضْحُ العَبيرِ بهاكأنّ تطيابها في الأنفِ مَشْمُومُ
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

ويجوز أترنج، وترنج وأترنج قال الراجز:

يا رُبَّ خَوْدٍ من بناتِ الزَّنجِتحمل تَّنوراً شديدَ الوَهجِ

نكهَتُها كَعبقِ الأُترنجِ واشتقاق الأترنج لم يذكر في الكتب المتقدمة، ويجوز أن يكون معرباً، ويجوز أن يكون عربياً في الأصل إلا أنه أميت ثلاثية، وقد قالوا) ترج (وهو اسم موضع كثير الأسد، ووزن الأترج) أفعل (يا هذا، ولو سمينا به رجلاً لم نصرفه وقد وجدناهم حذفوا الهمزة من أشياء ليس حذفها في أترج وأترنج بأبعد منها، فمن ذلك قولهم) أرز (في اللغة الفصيحة) ورز (في اللغة الأخرى. ويقال جئناهم في) أفرة الغيظ (وحكى بعضهم) فرة الغيظ (ومن التي أولها:

لَيالي بعدَ الظَّاعِنينَ شُكُولُطِوالُ وَلْيلُ العاشِقينَ طَوِيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال الشيخ ﵀: قوله شكول أي ضروب مختلفة.

وقال ابن فورجة: شكول أي متشابهة، فيجوز أن يعني أن ليالي الناس تقصر وتطول بحسب الزمان، فإن كان صيفاً قصرت وإن كان شتاء طالت، غير أن ليالي طوال أبداً لبعد الحبيب عني، وامتناع نومي كقول القائل: ما أطولَ الليلَ على مَنْ يَنمْ ويجوز أن يكون الغرض في مشاكله بعضها بعضا أنها ليست مما ينام في بعضها، أو يجد فيها روحا، إذ كانت المدة الطويلة مما يسلي كقول القائل:

إذا ما شئتَ أنْ تسْلا حبيباًفأكثْر دونَهُ عَدَدَ اللَيالي

ويكون غرض أبي الطيب كغرض القائل:

فما أحَدثَ النَّايُ المُفَرَّقُ بينناسُلُواً ولا طُولُ اجتماعٍ تَقاليا

يقول فليالي وإن كثرت فما يتغير حالي فيها، ولا ينقص غرامي ووجدي بالحبيب مع تكاثرها بل قد دامت في الطول على حالة واحدة.

إذا كانَ شَمُّ الرَّوْحِ أدنى إليكمُفَلا بِرَحَتْني رَوْضَةُ وَقَبُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال ابن جني: معناه إذا كنتم تؤثرون شم الروح في الدنيا وملاقاة نسيمها فلا زلت روضة وقبولاً انجذاباً إلى هواكم، ومصيركم إلى ما تؤثرونه، ويكون سبب الدنو منكم، ثم جعل الاسم نكرة والخبر معرفة لأجل القافية.

قال الشيخ ﵀: لم يكشف معنى هذا البيت إلا رجل يعرف) بالمخزومي (له تصنيف في شعر أبي الطيب، وذلك أن الشاعر قال: إن رحيلا واحداً حال بيننا، وهو الرحيل في الدنيا، وبعده رحيل ثان وهو الموت. فإن يكن بيننا رحيل واحد أقرب من أن يكون بيننا رحيلان، فدعى لنفسه بالحياة، لأنه ما دام يشم الروح فهو أقرب إليهم منه إذا صار تحت الأرض.

وقال ابن فورجة: الأولى عندي أن يعني: إذا بعدتم عني، وحيل بيني وبينكم فلم أصل إلى شيء منكم إلا إلى شم الروح، وتشبيهي النسيم الهاب من الرياض بنسيمكم، فلا فارقتني روضة وقبول يهيج ذلك النسيم لي لأشمه، وهذا المذهب متعارف عندهم في الرضي بقليل الراحة من الشوق إذا لم يصلوا إلى الحبيب كقول الهذلي:

ويُقرُّ عَيْني وهي نازحَةُما لا يُقرُّ بَعْينِ ذي الحِلمِ
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «ويقر عيني وهي نازحة»
أنّي أرَى وأظنُّ أنْ سَتَرىوَضَحَ النَّهارِ وعَاليَ النَّجمِ

وقول القائل:

إذا هَبَّ عُلْويُّ الرّياحِ وَجَدتُنيكأنَّي لعُلوِيّ الرّياحِ نَسيبُ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لعمرك ما ميعاد عينك والبكا»

وإنما يرتاح لعلوي الرياح لأنها من قبل أرضها، وفي هذا البيت معنى قول الله تعالى:) ولما فَصَلت العِيُر قال أبوهُم إنّي لأجِدُ ريحَ يُوسُفِ لولا أن تُفَنَّدُونِ (. ومعنى البيت من معنى بيت البحتري:

يُذِكُّرنا رَيَّا الأَحِبَّةِ كُلَّماتَنَفَّسَ في جُنْحٍ من اللَّيلِ بارِدُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «مثالك من طيف الخيال المعاود»

وقال الاحسائي: إذا كان شم الروح، يعني الحياة أدنى إليكم من الموت، فلا زلت حياً ولا برحتني روضة وقبول، فذلك مما يعين على الحياة.

وَما شَرَقي بالمَاءِ إلاّ تّذَكراًلَماءٍ بهِ أهْلُ الحَبيبِ نُزُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال الشيخ ﵀: الرواية بنصب) تذكر (مصدر تذكرت لأنه مفعول له، أو مفعول من أجله ولو رفع) تذكر (لم يبعد.

وقال الأحسائي: كنى بالماء عن الحبيب، يريد أنه من وجهه في رقة الماء، وأنه ينقع الغلة، كما ينقعها الماء، ولذلك قال) يحرمة لمع الأسنة حوله (فدل على ما قلناه، ولو أراد نفس الماء لكان مستبعداً أن يمنع الماء المشروب بالأسنة في غالب الأمر.

لَقِيتُ بدَرْبِ القُلَّةِ الفَجْرَ لُقْيةًشَفَتْ كمَدي واللَّيلُ فيه قَتِيلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: سألته وقت القراءة عن معنى هذا البيت فقال: وافينا القلة وقت السحر فكأني لقيت بها الفجر ثم سرنا صبيحة ذلك اليوم إلى العصر، وشننا الغارات وغنمنا، وقوله:) شفت كمدي (لانحسار الليل عني) والليل فيه قتيل (أي في ذلك الموضع وكأن الموضع وكأن النهار أشرق ضوؤه على الليل فقتله وظفر به.

وقال الشيخ ﵀: ويحسن ذلك أن الفجر يشبه بالسيف، فكأنه قتل الليل وزعم قوم أن سيف الدولة أوقد نيرانا عظيمة بدرب القلة، فكأنه أزال بها الليل، وقد تجوز مثل هذه الحكاية.

وَيوما كأنَّ الحُسْنَ فيه عَلاَمةُبَعَثْتِ بها والشَّمسُ مِنْكَ رَسولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال ابن جني: في هذا البيت رائحة من قول الشاعر:

إذا طَلَعَتْ شَمْسُ النَّهارِ فإنَّهاأمارَةُ تَسْلٍمي عَلَيكِ فَسلَّمي

وقال الشيخ ﵀: عطف) يوماً (على قوله) لقيت العجز (وهذا معنى لطيف أراد أنه يوم حرب، فالحسن فيه خفي لا يعلم به إلا الشجاع، كما أن العلامة التي توجه بها حبيبة مكتومة،) والشمس منك رسول (أي تستتر بالغبار كما يستتر رسولك.

قال ابن فورجة: جعل الحسن في هذا اليوم كأنه علامة من حبيبته، والشمس وكأنها رسول منها، لسروره عند مطلع الشمس، وارتياحه بها، وكمال سروره في هذا اليوم، وهو مع هذا يريد أن يجعل هذه القصة تخلصاً من الغزل إلى مدح سيف الدولة، عاشق وقد أثارت وطلبت ذحلي عند الظلام فقتلته يريد تلك الحمرة التي تظهر من الشفق. ولقد أجاد الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان إذ نقل هذا المعنى فجعله في مدح أهل البيت ﵈ فقال:

وعلى الدَّهرِ مِنْ دِمَاءِ الشَّهيدَينَ عَليّ ونَجَلهِ شَاهِدانِ
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «عللاني فإن بيض الأماني»
فَهما في أواخِرِ اللَّيلِفَجرانِ وفي أُولَياته شَفَقَانِ
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «عللاني فإن بيض الأماني»
ثَبَتَا في قَميصِهِ لِجيءَالحَشْرَ مُسْتعدِياً إلى الرَّحمنِ

وأما قوله:

وما قَبلَ سيفِ الدَّولةِ أثَّارَ عاشِقُولا طُلِبتْ عند الظلام ذُحُولُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فيقال أن سيف الدولة أحرق كثيراً من ديار الروم، وأعاد الليل صبحاً بالنيران فكأنه قتل الليل، ونال ثأر العشاق منه، ولو قال قائل إنه عنى بالفجر في البيت الذي مضى النار شبهها بالفجر، كان ذلك صواباً ليتفق التفسيران، والتفسير الأول فائدتي من الشيخ أبي العلاء.

على طُرُقٍ فيها على الطُّرْقِ رِفْعَةُوفي ذِكْرها عندَ الأنيسِ خُمُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال الشيخ ﵀: يريد أنها طرق في جبال فهي مرتفعة إلا أنها مع رفعتها خاملة عند الأنيس أي أنهم لا يسلكونها.

وأضْعَفْنَ ما كُلَّفْنَهُ مِن قُباقِبٍفأضْحَى كأنَّ المَاءَ فيهِ عَليلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال: إن الخيل لما عبرت قباقباً، وهو نهر جار كادت تسكر ماءه لكثرة قوائمها، فأضعفت جريه أي جعلته ضعيفاً.

وقال الشيخ ﵀:) أضعفن (يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون من الضعف. ويكون المعنى أن هذه الخيل أضعفت هذا الماء وكدرته، فكأنه عليل أي به علة.

والآخر: أن يكون من ضعف الشيء إذا قلت أضعفت له العطية إذا زدتها ضعفها، فيكون عليل هنا فعيلا في معنى مفعول، من قولك عللت الشرب إذا كررته أي جاءت هذه الخيل فعبرت هذا الماء وكأنها سيل من كثريها سرعتها فصار النهر مثله ويقوي ذلك قوله:

وَرُعْنَ بِنا قَلْبَ الفُراتِ كأنَّماتَخِرُّ عَلَيهِ بالرّجالِ سُيُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»
إذَا لم تكُنْ لَّليْثِ إلاَّ فَرِيسَةًغَذَاهُ ولم يَنْفَعْكَ أَّنَّكَ فِيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال الشيخ ﵀:) غذاه (أي له، والهاء عائدة إلى الليث) وأنك فيل (فاعل غذاه، في البيت تقديم وتأخير كأنه قال: غذاه أنك فيل ولم ينفعك عظم خلقك.

ومن التي أولها: دُرُوعُ لمَلْكِ الرُّومِ هَذي الرَّشائيُ

وأكَبرَ مِنْهُ هِمَّهً بَعَثَتْ بهإليكَ العِدَى واستَنظَرتْهُ الجحافِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

قال الشيخ ﵀: الواو في قوله) وأكبر (في معنى رب، ورقع) أكبر (على الأخبار أحسن ويكون مبتدأ، قوله) بعثت به وما بعده (خبر عنه) واستنظرته (في معنى انتظرته. وقال ابن فورجة: سألني عن هذا البيت بعض أهل الأدب فقلت له، وكأن هاجساً هجس لي في الحال:) أكبر (هنا من باب أفعل من كذا، وليس بفعل رباعي والهاء في) منه (راجعة إلى نفسه كأنه لو تمكن لقال: وأكبر من جثته أو جسمه همة، فاستغرب هذا فأخذ يمانع، فقلت: ألست تقول: زيد قاعداً أحسن منه قائماً (والضمير في منه راجع إلى نفسه. فقال: نعم. فقلت: ما يمنعك من أن يكون) وأكبر منه همة (الهاء في منه راجعة إلى نفسه، يريد ورب رجل أعظم من جسمه همة ففزع إلى كتاب الفسر.

وقد ذكر أبو الفتح: أن أكبر فعل فقال: أي أكبر العدى همته التي بعثت به إليك أي استعظموها، وسألته الجحافل أن ينظرها بشغله سيف الدولة عنهم وكلا التفسيرين محتمل جيد، ويحتمل معنى ثالثاً: وهو أن تكون الهاء في) منه (ضمير الرسول وقد تقدمه:

وأنَّى اهْتدىَ هَذا الرَّسُول بأرْضهوما سَكنتْ مُذْ سِرتُ فيها القَساطِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يريد ورب أكبر من هذا الرسول همة بعثت به إليك الروم فأقبل من أصحابه وهو مرسل، وعاد إلى أصحابه وهو عاذل يقول: رب رسول أجل من هذا الرسول قدراً جاءك فاستعظم شأنك فعاد إليهم، وهو يعزلهم في عدوانهم لك، ويجل قدرك في عيونهم أن تعادى، وهذا المعنى أحب إلي من الوجهين المتقدمين، لأن المعنى الذي أورده أبو الفتح كالمنقطع، ألا تراه قال: استعظم العدى همته التي بعثت به، فكان يجب أن يتبع هذا الكلام ما يشبهه، فيقول: واستعظمته الجحافل، فلما قال) استنظرته (كان منقطعاً عن أكبر، وكان كلاماً مستأنفاً، ومعنى مبتدأ اللهم إلا أن يقول: هو متعلق بقوله: بعثت به، يريد به واستنظرته، فحينئذ يكون مستغنياً عن قوله الجحافل، ألا تراه لو سكت عن الجحافل لكفى وأغنى وأدى المعنى الذي أراد، على أنه إن قال: أتى به للقافية سلمنا له وليس المطرد كالمتمحل.

ومَا لَوْنُهُ مَّما تُحَصَلُ مُقْلةُولا حَدُّهُ مِمَّا تَجُسُّ الأنامِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

قال الشيخ ﵀: يريد أن لون هذا السيف ليس كلون السيف، لأن السيوف تعرف ألوانها، ولون هذا الممدوح لا يحصل، لأنه من هيبته لا يستطاع أن ينظر إليه كما قال في الأخرى.

كأنَّ شُعاعَ عَينِ الشَّمسِ فِيهِففي أبصَارِنا عَنْهُ انْكِسارُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

) ولا حده مما تجسُّ الأناملُ (أي هذا المسمى بالسيف لا يمكن أن تجسه الأنامل، لأنه إذا كان النظر لا يصل إليه، فبعد الأنامل أشد، والسيف المضروب يمكن أن يجس حده باليد، فقد تحير هذا الرسول في سيف ربيعة أصله يعني الممدوح وطابعه الرحمن أي خالقه، وهذا كقوله في الأخرى:

سَرَى السَّيْفُ مما تَطْبَعُ الهِنْدُ صَاحبيإلى السَّيفِ مَّما يَطْبَعُ الله لا الهندُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»
كَرِيمُ متى اسْتُوهِبتَ ما أنْتَ رَاكبُوقد لَقِحَتْ حَرْبُ فإنَّكَ باذِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

قال الشيخ ﵀: رفع كريماً على تقدير قوله: أنت كريم ووصفه بأنه لو سئل ما هو راكب على ظهره في الحرب لوهبه للسائل و) لقحت الحرب (إذا كان أمر يهيجا، وإنما شبهت بالناقة اللاقح، وكانت العرب تضن في الحروب بأن يردف الرجل على الفرس، خوفاً أن يقصر عن حمل رجلين ومن ذلك قول الفرار السلمي:

عدمت أُناساً بالحُلَيْلِ كأنَّمارئيسهمُ لَيثُ ببيشة أَفدعُ
كأنَّ ابنَةَ الشَقراءِ لما ابتذْلُتهابذي الرَّمث ظَبيُ في تُبالة أَخْضَعُ
غداةَ يقول القينُ هل أنتَ مُرْدِفيوما بينَ ظهرِ القينِ والرُّمحِ إصْبَعُ
فَقُلتُ له يا ابن الخَبيثَةِ إنّهابِربٍ خَفيفٍ وَاحدٍ هي أسرعُ
فإنْ يَكُ عَاراً يومً ذاكَ أتَيُتهفِراري فذاكِ الجيش قد فَّر أجمعُ

ومن التي أولها: إن يكُنْ صَبُر ذِي الرَّزَّيةِ فَضلا قوله:

أنتَ يا فَوْقَ تُعَزَّي عَنِالأحْبابِ فوْقَ الذي يُعَزيّكَ عَقْلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

قال الشيخ ﵀: قوله) يا فوق (يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون قد حذف النادي، لعلم السامع بما يريد، كأنه قال: أنت يا سيف الدولة أو يا ملك أو أمير ونحو ذلك، وحذف المنادى يكثر في شعر العرب كما قال الشاعر:

ألا يا اسلميَ ثم اسلَمي ثُمَّتَ اسلَميثلاث تحيّاتٍ وإنْ لم تَكَلَّمِي

والأخر: أن يكون جعل فوق نعتاً لسيف الدولة، فكأنه أخرجه من باب الظروف إلى باب الأسماء، وهذا القول أحسن في نقد الشعر، لأن) فوق (الأولى والثانية في الوجه الأول ظرفان، وفي الوجه الآخر الأول منهما اسم، والثاني ظرف ولو كان) فوق (في موضع رفع على هذا الوجه لرفع، فقيل أنت فوق أن تعزى وقد أدخلوا الباء على) فوق (، وأنشدوا بيتاً ينسبونه إلى سحيم عبد بني الحسحاس، وليس في ديوانه:

لقيتُ النساءَ الحارِثيات غُدوةبوجهٍ براهُ اللهُ غيرَ جَميلِ
فشبهنني كلباً ولستُ بفوقهولا دونه إن كانَ غيرَ بَخيلِ
قاسَمْتكَ المنَونُ شَخْصَينِ جَوْراًجَعَلَ القَسْمَ نفسَهُ فيهِ عَدْلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن فورجة: كانت أخته الصغرى مضت لسبيلها فرثاها بهذه القصيدة وبقيت الكبيرة، ثم ماتت فقال:

قدْ كانَ قاسمَكَ الشَّخْصَينِ دَهْرَهماوعاشَ دُرُّهُما المَفْديُّ بالذَّهَبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»
وَعادَ في طَلَبِ المَتْرُوكِ تارِكُهُإنَّا لنَغْفُلُ والأَّيامُ في الطَّلَبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

فنقول قاسمتك المنون هاتين الأختين، ظلماً في هذه المقاسمة وجوراً، إلا أن القسمة جعلت نفسها في ذلك الجور من المنون عدلا؛ لأنها أخذت الصغير وتركت الكبيرة) وفيه (الهاء راجعة إلى الجور.

وزعم الشيخ أبو الفتح ابن جني أنه يجوز) فيك (بالكاف، وقال: يعني أنه جار في فعله إلا أنه إذا كنت أنت البقية فجوره عدل، وعندي أن هذه الرواية مضطربة لأنه لو أراد أن البقية أنت لما قال قاسمتك، وكان لا يقول شخصين، بل كان يقول: ثلاثة شخوص أحدهما سيف الدولة والآخر أختاه.

وَهُوَ الضَّاربُ الكَتِيبةِ والطَّعْنَةُتَغْلُو والضَّربُ أغْلَى وأغْلى

قال الشيخ ﵀: يقول: الطعن وإن كان صعباً على الطاعن فهو أيسر من الضرب؛ لأن بعد الطاعن من عدوه أكثر من بعد الضارب منه، كما أن الرامي أبعد من الطاعن، وقد رتب هذا الغرض زهير في قوله:

يطْعُنُهمْ ما ارْتَمَوْا حتى إذَا اطَّعَنُواضَاربَ حتى إذا ما ضارَبُوا اعَتَقاَ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

ولو لم يكن للمتنبي غير هذه القصيدة في سيف الدولة لكان كثيراً، وأين منها قصيدة البحتري التي أولها:

إنَّ سَيرَ الخَليطِ لماّ استقلا ومن التي أولها:

ذي المعَالي فَلْعْلُونْ مَنْ تَعَالىهكذا هكَذا وإلاَّ فَلا لاَ

قال الشيخ ﵀:) ذي المعالي (في موضع نصب، والأجود أن تكون منصوبة بفعل مضمر يفسره قوله) فليعلون (، وذهب قوم إلى أنك إذا قلت) فلانا فاضرب (فالعامل في المفعول الفعل الذي بعد افاء، والقول الأول أشبه وقوله) هكذا هكذا (أي ليعل الناس مثل هذا العلو وحسن ترديده) لا لا (رد هكذا.

كُلَّما أعْجَلُوا النَّذِيرَ مَسيراًأعْجَلَتْهمْ جِيادُهُ الإعْجالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: يقول كلما عاد إليهم نذيرهم سبقوه بالهرب قبل وصوله إليهم، ثم تلتهم جياد سيف الدولة، فسبقت سبقهم النذير، أي لحقتهم وجازتهم.

قال ابن فورجة: قد علم الشيخ أبو الفتح أنه يقال: أعجلته بمعنى استعجلته، وأما سبقته فيقال فيه عجلته بلا ألف، قال الله تعالى) هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (ومعاذ الله أن نروم شأو الشيخ أبي الفتح في اللغة والإعراب، ولا أعلم كيف اتفق عليه هذا الزلل، يقول أبو الطيب كلما استعجلوا النذير بالمسير إليهم، وإخبارهم بقدوم جيش سيف الدولة، أعجلتهم خيله أن يعجلوا النذير، أي أطلت عليهم قبل ورود النذير، ولم يغن بثهم الطلائع، وإعدادهم الرمايا، وإنفاذهم الجواسيس، لسرعة هذه الخيل، وسلوكها الطرق الخفية إليهم، ويقود مكائد سيف الدولة فيهم، فأما قوله) لحقتهم وجازتهم (فلا أعلم من أي ألفاظ البيت استنبطه غفر الله له.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.