من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)
المنصف للسارق والمسروق منه (١٣)
وقال المتنبي:
أفاعيلُ الورى مِنْ قبل دُهْمُوفِعلك في فعالهِمُ شِياتُ
هذا يشبه قول أبي تمام:
قومٌ إذا أسودَّ الزمان توضحوافيه فغودِر وهوَ منهُم أبلقُ
ويتلو أبيات أولها:
مَضى الليلُ والفضلُ الذي لك لا يمضيورؤياك أحلى في العُيُون من الغُمْضِ
يشبه قول القائل:
مضى الليلُ إلا أنَّ ليلي لا يمضيوأنَّ جُفُوني لا تروّى مِن الغُمضِ
وقول أبي الطيب:) ورؤياك أحلى في العيون من الغمض (.
موجود في قول ابن الرومي:
ولطعمُ أكتحاله منه بالزّائر أحلى في عينه من رقادِهِ
وبيت ابن الرومي أكرم من بيته لأنّ رؤياه لوجه العافي الزائر قياده إذا كانت أحلى عنده من الرقاد كان ذلك أكرم من رؤياه باستحسان الشخص والرؤيا في الرقاد والرؤيا في النظر.
وقال المتنبي:
على أنّني طُوِّقْتُ مِنكَ بنعمةٍشهيدٌ بها بعضي لغيري على بعض
هذا يساوي قول ابن بسام:
وقد سبقتْ لامرئٍ نِعمةٌتقرّ عليَّ وإن لم أُقِرِّ
ويليها بيتان أوّلهما:
نالَ الذي نلت مِنه ومنيلله ما تصنعُ الخُمور
قوله:) نال الذي نلت منه (يشبه قول ابن الرومي:
بينا تُرى في الزّق مسحوبةًإذ حكمتْ أن يسحب الساحبُ
مسلوبةً في الدن مغلوبةًلها اقتدارُ سالب غالبُ
ومثله قول ابن المعتز:
نُباكرها ولنا قدرةً عليها وتُمسي لها القُدره
فَعند الصباحِ لها حمرةوعند المساء لها سُكرهْ
تَضاحك في الكأس كف الفَتى وفي نفسها للفتى عُذرهْ
وجميع ما قيل أشرح وأعذب من قوله والسابق أولى به.
ويليها أبيات أوّلها:
وجدتْ المدامة عذابةًتُهيج للقلب أشواقه
قال فيها:
تُسيء مِنَ المرءِ تأديبَهُولكن تحسن أخلاقُهُ
لو استعمل مكان) تأديبه تمييزه (صح وصفه إياها لأن سوء الأدب أولى بسوء الخلق، وقد قال الشاعر:
رأيتُ أقلَّ الناسِ عَقلاً إذا انتشىأقلّهم عقلاً إذا كان صاحيا
تزيد حُميّاها السَّفيه سفاهةًوتتركُ أخلاقَ الكريم كما هيا
فخبر بزيادة سوء أدب السيئ الأدب وزيادة حسن أخلاق الكريم وهو صحيح وقال المتنبي
وأنفسُ ما للفَتى لُبُّهُوذو اللبِ يكرهُ إنفاقَهُ
ولا أعرف شيئاً دعا الناس إلى محبة الشراب إلا ما يعلمه من إنفاق العقل الذي إن ذهب الليلة عاد غداً وقد أوجد ريحاً من السرور ينتهز فرصته وتحلو لذته فقد كره أبو الطيب ما أحبه الناس هذا مع فضائل يكثر عددها وتتواتر مددها منها ما يفعله الفرح في الجسم مع زيادة اللحم والدم وقد قال بعض الحكماء) الأرواح تحتاج إلى أقواتها من الفرح كما تحتاج الأجسام إلى أقواتها من الطعام ولن يفعل الفرح من الشراب الجزء اليسير إنما يفعله الشراب الكثير (.
وقد قال بعض الظرفاء لآخر: أتشرب النبيذ، قال: القدح والقدحين فقال: ما شربته فتوة ولا تركته مروة ولم يوجد طريق إلى الشرور كالشراب أخصر مسافة ولا أسهل مأخذاً من غيره معونة من الدهر لِما يحدث للقلب سروراً حتى تتغطى عيوبه وتغفر جنايته وذنوبه ويحسن الظن بالله ﷿ فيتسع بذلك ضنك المكان ويرضى عن الزمان هذا إلى ما يحدثه من السماحة في البخلاء والشجاعة في الجبناء وهذه فضائل لا يبعثها إلا أريحية الشراب ومعاقرة الأحباب عند تغير العقل، فكيف كره إنفاق العقل أبو الطيب ولولا ما يخاف من الإثم في الشراب بما يحدثه السكر لوجب غفران ذنبه في جنب محاسنه، ولو قال أبو الطيب:) وأنفس ما للفتى ذنبه (لما أعترض كلامه ولا جاز أن ينكر، ولكنه جعل سبب ترك الشراب الخوف من تغير العقل الذي من أجله شربته العقلاء هرباً من عدم اللذات واشتعال النفس بالفكر من العواقب والحوادث الممضات فمن بالغ في الرغبة والحرص على الشراب أبو نواس.
فقال:
اسقني حتّى تَرانيحسناً عِندي القبيح
والقبيح لا يصير حسناً إلا عند التغير بالسكر، وقد قال أبو نواس:
فما الغبن إلاّ أن تراني صاحياًوما الغنمُ إلا أن يتعتعني السكرُ
وقال آخر:
لما رأيتُ العيش عيش الجاهلِ ولمْ أرَ المغبون غير العاقلِ قدمت عيساً مِنْ خمور بابلِ فبتُّ مِنْ عقلي على مَراحلِ وقال البحتري هرب العقلاء من هموم العقل قولاً وهو:
أرى العقل بؤسي في المعيشةِ للفتىولا عيش إلا ما حباكَ بهِ الجهلُ
ومن طريف معانيه قوله بعد هذا:
وقدْ متُّ أمس بها موتةًوما يشتهي الموت مَنْ ذاقه
كلام لا يصح معناه لأنه لا شهوة لمن مات وما رأينا من يخبر بمذاق الموت هل اشتهاه أو كرهه فليته أعتمد على قوله:
فالموتُ تعرف بالصفاتِ طباعهلمْ تلق خلقاً ذاق موتاً آيبا
وبالجملة فما أراد بالموت إلا تشبيه السكر به ومن يذوق السكر فهو يشتهيه وليس السكر موتاً بل غيبة تمييز وظل الغيبة هي المستلذة المطلوبة من الشراب ولولاها ما شرب لعلل توجب عنه الانقطاع ومنه الامتناع منها والدخول مما يروى بالمروءة والديانة وتنتهك حرمة الصيانة ومن ذلك الخمار الذي له من المضض ما هو لأعظم المرضى فلولا لذة السكر ما صبر على ذلك منه وفي ذلك أقول صيغة:
إلى الله أشكو هوىً شادنبعيدُ المنالِ قَريبُ المزارِ
يُسيء ويعذره حُسنهلدى عاشقيه بِغير اعتذارِ
محاسنُ تغفر ذنبَ الصُّدودكما غفر السكر ذنبَ الخُمار
والذي قاله الديك في هذا أحسن:
فتراهمُ صرعى وقدْ صعقتهمُبكؤوسها في عدّةِ الأمواتِ
يا حبّذا هم ميتين وحَبّذاذاكَ المماتِ لهم فخيرُ مماتِ
موتٌ تنافسه الملوك ويشترىبعقائل تُلْدٍ ومُطرّفاتِ
موتٌ أعزّ من الحياةِ عليهموألذُّ في الأفواه واللَّهواتِ
ولا بد للمدام إذا أدمنت من حمى الأكباد واحتراق الأجساد ما هو معلوم منها وربما بلغ السكر بالشارب العاقل إلى غاية لا ترضى لصغار الغلمان وخساس العبدان ولكن لها ساعة تقل هذه البلايا في جبينها وتحمل على معاودة شربها وهي الحال التي كرهها أبو الطيب.
وله بعد هذه الأبيات مقاطيع في لعبة، أحضرت مجلس بدر بن عمار وقد طرح من شعره شيئاً كثيراً لم يرضه لو ألحقها به كان أوفق، ونحن نستغني عن ذكر أكثرها لفراغها والذي نذكره ما فيه بعض المعنى منها قوله:
جاريةٌ ما لجِسمها روحٌبالقلبِ من حُبِّها تباريحُ
والبرد يعم معانيها، وقال بعد هذا:
في يَدِها طاقة يشير بهافي كل طيبٍ من طيبها ريحُ
لا أعرف كيف صارت طاقة ريحان لكل طيب من طيبها ريح، ثم قال:
سأشربُ الكأس عن إشارتهاودمعُ عيني في الخدينِ مسفوحُ
ولا معنى لذكر الدمع إلا طلب القافية.
وقال في أبيات أوّلها:
إنّ الأميرَ أدامَ الله دولتهُلفاخرٌ كسيتْ فخراً به مُضَرُ
يقول فيها:
قامَت على فردِ رجلٍ من مهابتهِوليس تَعْقِلُ ما تأتي وما تذَرُ
تعجب من غير عجب، قد يكون في البرك أشخاص من أشكال طير وغيره تدور وتتحرك ولا أعلم لها بما فعلته وقد قال مسلم في سفينة:
إذا ما طفتْ ألقى الجريرَ لرأسهاوملكها عِصيانَها وهي لا تدري
وقد أعرب أبو الطيب بقوله في أخرى:
ما نقلتْ في مشيئةٍ قدماًولا اشتكتْ في دَوارِها ألما
وأتبعه بقوله:
لمْ أرَ شخصاً من قبل رؤيتهايفعلُ أفعالها وما عَزما
فأعدمها التمييز ثم قال:
فلا تلمها على تساقطهاأطربها أن رأتكَ مُبتِسما
فخبر في الأولى أن مهابة الأمير أقامها على فرد رجل وذكر أنّها لا تعقل أن تأتي ولا تذر في أثر ذلك ثم خبر في أخرى أنها تفعل أفعالها بغير عزم ثم قال إنها تتواقع طرباً برؤيته مبتسماً فمرة يجعلها قاصدة مميزة لهيبة الأمير وسروره ومرة يعدمها التمييز وينفيه عنها في حال واحدة وذلك من محال الكلام ولكن
المذهب الحسن قول بعض الشعراء:
لو كانَ حيّاً قبلهنّ ظَعايناحيا الحطيمُ وجوههنَّ وزمزمُ
وهذا احتياط يشبه احتياط البحتري في قوله:
ولو أن مشتاقاً تكلّف غير مافي وسعه لسعى إليكَ المنبرُ
فذكر هذا أنّه لو أمكن تحية الحطيم هذه الظعائن لحيا أو سعى هذا المنبر، وأبو الطيب جمع بين النفي والإثبات في حال واحدة.
ويلي هذه أبيات في هذه اللعبة أوّلها:
وذاتُ غدائرٍ لا عيبَ فيهاسوى أن ليس تصلحُ للعناقِ
وهي مثل ما تقدم في الفراغ وكأن فال قائل ما تقول هذا الشعر كله بديها فلما تواتر هذا منه خجل عليه وأمر بدر برفع اللعبة، فقال له أبو الطيب: ما حملك على ما صنعت قال بدر: أردت نفي الظنة عن أذنك فقال:
زعمتْ أنّكَ تنفي الظنَّ عن أذنيوأنتَ أعظم أهل العصر مقدارا
ثم أتبعه بقوله:
إنّي أنا الذهب المعروف مخبرُهُيزيدُ في السبكِ للدينار والدينارا
نعت بالمعروف وجاء بما لا يعرف من الذهب أنّه يزيد في السبك ضعف وزنه ولو نعته بأن قال أنا ذهب معروف مخبره يزيد في السبك الضعف لجاز كأنه يريد نوعاً من الذهب يخالف عادة أجناسه والمعنى الصحيح قول البحتري:
وقد هذَّبتكَ الحادثاتُ وإنماصفا الذَّهبُ الإِبريزُ قبلك بالسَّبكِ
فخبر بفعل الذهب من السبك معتاد من الصفا وليس بمعتاد زيادة الضعف في السبك.
ويلي ذلك أبيات أوّلها:
برجاءِ جُودِك يطردُ الفقرُوبأن تُعادى يَنْفد العُمْرُ
قال فيها:
فَخر الزُّجاجُ بأن شربتَ بهوردتْ على من عافها الخَمرُ
ينظر إلى قول ابن الرومي:
تصبوُ الكؤوس إلى مراشفهوتهشُّ في يده إلى الحبسِ
وقال المتنبي:
وسلمت منها وهي تُسكِرنُاحتّى كأنَّكَ هابك السُكْرُ
هذا من قول ابن دريد:
كأنما الراح وهو يشربهاتزيدُ في عقله إذا شَربا
وهذا الكلام أرجح من كلام أبي الطيب لأنه خبر عنها بالهيبة له أن يسكره، وابن دريد لم يرض لها بذلك حتى ادعى لها إذا شربها الزيادة في عقله فمبالغته أوضح ومعناه أرجح.
ويلي ذلك قصيدة أوّلها:
لا افتخارٌ إلاّ لمن لا يُضامُمُدركٍ أو مُحاربٍ لا ينام
أخذه من قول ابن دريد:
ولا فخرَ إلا فخر منْ لمْ يكن لهـ أمير عليه في الأمور تقدمُ
كريمٌ حمته نعمة السيف أن يُرىيمن عليه بالصنيعةِ منعمُ
ولكن أبا الطيب جمع اللفظ الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
ليس عزماً ما مرّض المرء فيهليس هَمّاً ما عاق عنه الظلام
نبهه على هذا المعنى الأعشى بقوله:
إلى ملك لا يقطعُ الليلُ هَمّهُخروجٍ تروكٍ للفراش الممهَّدِ
وقال المتنبي:
وأحتمالُ الأذى ورؤيةُ جانيهـ غذاءُ تضوى به الأجسامُ
ينظر إلى قول القائل:
ومالي جاه في اللئامِ ولا يدولكن جَاهي في الكرامِ عَريضُ
أصح إذا لاقيتهم فكأنَّنيإذا أنا لاقيت اللئام مريضُ
وقال المتنبي:
ذلَّ من يغبط الذليل بعيشٍرُبَّ عيشٍ أخفُ منه الحِمامُ
يشبه قول القائل:
إذا لم يكن بد من الموتِ للفتىفالموتُ قبل الذل خيرٌ وأكرمُ
ولابن دريد:
وللموتِ خيرٌ من حياةٍ دنيةٍتعد لكْم أيامها بالمثالبِ
وأنشد أبو الطيب ابن الوشاء:
أرى الموت خيراً من حياةٍ زهيدةأرى الذل فيها حينَ أمسي وأصبحُ
لئن كانَ باقي عيشنا مثلُ ما مَضىفللموتِ إن لم يدخل النار أروحُ
ويقارب هذا المعنى قول ابن الرومي:
أبتْ لي قبول الضيم نفسٌ أبيةٌتبيع بعزّ الموت ذلَّ حياتها
وكل هذا يتساوى مبانيه ومعانيه والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
كل حلمٍ أتى بغير اقتدارٍحُجّةٌ لاجئ إليها اللِّئامُ
معنى هذا البيت أن الحلم عند القدرة، سبقه إليه سلم الخاسر في قوله:
وأحلمُ الناس عند مقدرةوإنما الحلم حين يقتدرُ
ومثله قول الآخر:
وما الحلمُ إلا العفو من بعد قدرةٍعلى أن يمر في الأمورِ وأن يُخلى
وقال ابن المعتز:
والحلمُ يذهب باطلاًإلاّ لذي سَطواتِ
وأبو الطيب قد أتى بمعنى هذه الأبيات وزادنا أن إدعاء الحلم من غير قدرة من حججّ اللئام فزاد في كلامه ما هو من تمامه فاستحقه.
وقال المتنبي:
من يهنْ يسهل الهوانُ عليهِما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
يشبه قول ابن الرومي:
قد عُوِّدوا مسّ الهوانِ فكلهم بهيج بِمسه
وكان عجزه ينظر إلى قول البحتري:
أقولُ أزيد من سُقم فؤاديوهلْ يزدادُ مِنْ قتلٍ قَتيلُ؟
وقال المتنبي:
واقفاً تحت أخمصي قدر نَفسيواقفا تحتَ أخمصي الأنامُ
ألمّ بمعنى كثير في قوله:
وطئت على أعناقِ ضُمرة كلهابأخمص رجلي واتخذتهم نَعلا
وأراد الخروج بلفظ مليح إلى ما أراد من المديح فقال:
دُونَ أن يشرقَ الحجاز ونجدوالعراقان بالقِنا والشامُ
شرقَ الجَوّ بالغبارِ إذا سار عليُّ بن أحمد القمقامُ
هذا يشبه خروج أبي تمام بينا هو في وصف الربيع إذ خرج إلى المديح البعيد فقال:
خلقٌ أظلّ من الربيع كأنَّهُهُدى الإِمام وهديهُ المتيسِّرُ
في الأرض من عدل الإِمام وجودِهِومن الربيع الغضِّ برج تزهَرُ
ومثل هذا الخروج من القدماء قليل ومن المحدثين كثير.
وقال المتنبي:
لو حمى سيداً من الموتِ حامٍلحماك الإِجلالُ والإِعظَامُ
يساويه قول ابن دريد:
فأقسم لو هابَ الردى وأجلّهُفلم ينله لا ريد عنكَ يهينا
ومثله قول يزيد بن محمد المهلبي:
لو خلد الله مخلوقاً ليخدمهلكانَ ربك في الدنيا مخلِّده
وقال أبو عيينة:
ولو كانَ يخلدُ أهل الندىوأهل المَعالي إذا خُلّدوا
وقال المتنبي:
وعَوار لوامع دينها الحل ولكنّ زيها الإِحرامُ
فشبههم أبو تمام بالمحرمين لعزتهم، واجتمعت لأبي الطيب مطابقة في الحل والإِحرام يرجح بها كلامه.
وقال المتنبي:
كتبتْ في صحائف المجد بسمُثمّ قيسٌ وبعدَ قيس السَّلامُ
فجمع بين إجازة الصرف وتركه في قيس وجاء ببيت وقد ألمّ فيه بقول علي بن محمد الحماني:
أيامُ ذكرك في دواوين الصبا صدرُ الصَحائف
ولكن الحماني ذكر أن ذكره في صدر دواوين الصبا التي يجوز أن يكون معها غيرها وأبو الطيب ذكر أن أول صحائف المجد بسم ثم قيس القبيلة ثم السلام فشغل الصحيفة بما لا يختلط به غيره ولا تستغني عنه فكلامه أرجح وهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
ليلُها صبحها من النَّار، والإِصباحُ ليلٌ من الدخان تمامُ
هذا مأخوذ من قول أبي تمام:
غادرْت فيها بهيم الليل وهو ضُحىًيشلهُ وسطها صُبح من اللَّهبِ
ضوءٌ من النارِ والظلماء عاكفةٌوظلمةٌ من دخانٍ في ضُحى شحبٍ
فالشمسُ طالعةٌ من ذا وقد وجبتوالشمس واجبةُ من ذا ولم تَجِبْ
فلا يظن ظان أن أبا الطيب أوجز فأستحق ولا أن أبا تمام أطال فقصر بل
أتى بمعان جميعها محتاج إليه لا يستولي بيت أبي الطيب عليه وقد قيل ما البلاغة؟ قيل: سد الكلام معانيه وإن قصر حسن التأليف وإن طال فأبو تمام أحق بقوله.
وقال المتنبي:
هممٌ بَلَّغتكم رُتُباتٍقَصُرَتْ عَنْ بلوغها الأوهْامُ
يساويه قول ابن الرومي:
يقصرُ عن أدراكِ تجديدهعيون أوهامِ الضَمائِر
وقال المتنبي:
وقلوبٌ موطناتٌ على الرّوْع كأنَّ اقتحامها استسلامُ
ينظر إلى قول أبي تمام:
يستعذبونَ مناياهُمْ كأنّهملا ييأسون من الدُّنيا إذا قُتِلوا
وقال المتنبي:
قائِدوا كلِّ شطبةٍ وحصانٍقَدْ براها الإِسراجُ والإِلجامُ
وقد أشار له إلى هذا المعنى أبو تمام بقوله:
بسواهم لُحقِ الأياطلِ شربٍتعليقُها الإِسراجُ والإِلجامُ
وقال المتنبي:
يتعثرونَ بالرؤوس كما مَرّبتاءاتِ نُطقِه التَّمتامُ
فتعثر الخيل بالرؤوس تعثر جسم بجسم وتعثر التمتام في النطق استعارة ولم يكن يجب أن يشبه الحقيقة بالاستعارة.
وقال المتنبي:
طالَ غشيانُكَ الكرائِه حَتّىقال فيكَ الذي أقولُ الحُسامُ
يساوي قول الحصني:
يُثني عليك إذا النفوس تطايرتْحدُ المهندِ والسنان اللهذمُ
وقال المتنبي:
وكفتكَ الصفائحُ الناسَ حَتّىقد كفتكَ الصفائحَ الأقلامُ
يقرب من قول ابن الرومي:
تلقى من النبل أحياناً مكائدهوربما خلّفتْ أقلامه الأسلا
وقال المتنبي:
قد لعمري أقصرتُ عنك وللوفد ازدحامٌ ولِلعطايا ازدحامُ
نبهه على المعنى ابن الرومي بقوله:
كذلك ما يزالُ لهُ عطايالَهنّ على مؤمله ازدحامُ
فذكر ازدحام العطايا ولم يذكر ازدحام الوفود عليه فجاء بذلك أبو الطيب فزاد في كلامه ما هو من تمامه.
وقال المتنبي:
خفتُ إن صرتُ في يمينك أن تأخُذني في هباتِكَ الأقوامُ
في هذا معنى ظريف خاف أن تأخذه الأقوام في هباته وليس مما يملكه الممدوح فتأخذه العفاة في هباته كما تؤخذ المماليك في بعض الهبات وإذا كان قد خاف مثل هذا فهو أحد الأقوام فلِمْ لا يرج أن يهب له جميع الأقوام فيكون له مثل ما عليه ويستدل بذلك على أن منزلته عند الممدوح فوق جميع عفاته.
وقال المتنبي:
ومِنَ الرشد لَم أزرك على القُرْبِ على البُعْدِ يعرفُ الإِلمامُ
ينظر إلى قول القائل:
نَزوركم لا نؤاخذكم بجفوتكمإنّ المحب إذا لم يستزر زارا
يقربُ الشوق داراً وهي بارحةمن عالجَ الشوق لم يستبعد الدَارا
وهذا شرح أوضح وكلام أرجح.
وقال المتنبي:
هابكَ اللّيل والنهارُ، فلو تَنهاهما لم تجربك الأَيَّامُ
الليل والنهار هي حركات الفلك ولا بد للموجودات من كونهن منهما فلو نهى الليل والنهار فلم يجريا ففي أي شيء كان يكون وذكر الليل
والنهار ثم قال:) تجربك الأيام (والأحسن أن يقول: الأيام والليالي لكنه اكتفى بعلم المخاطب لأنه لا بد أن يكون مع اليوم ليلة.
وقال المتنبي:
لِم لا تحذُر العواقب في غَير الدَّنايا أو ما عليكَ حَرامُ
معناه في غير الدنايا أو ما هو عليك حرام، وهو ينظر إلى قول القائل:
كأنَّ بهم عيباً يخافون وَصْمَهوما عيبهم إلا اتقاء المَعَاير
وقال المتنبي:
كم حبيبٍ لا عُذر للؤم فيهلكَ فيه من التُّقى لُوَّامُ
رفعتْ قدرك النزاهة عنهوثنتْ قلبك المساعي الجسامُ
أخبر في البيت الأول أن التقى بلؤمه في الحبيب الذي لا يلام في مثله ثم أتبع ذلك) خبران (النزاهة رفعت عنه قدره والنزاهة غير التقية وجعل الثاني لقلبه عنه المساعي الجسام وثنى غير التقية أيضاً وليس يثني قلوب العشاق عن العشاق مساع تكون لهم جساماً والذي قسم فأوضح الأقسام وعدل بين موازين الكلام ابن الرومي في قوله:
ينهاهُ عن مأثمٍ تقي ورعٍفيه، وعن مدنسٍ تقي أنف
فلم يدع ذكر الورع وضده من الإثم والأنف وضده من المدنس ولم يخلط في أقسامه ولا خالف بين كلامه فهو أولى بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
إنّ بعضاً من القريض هَذاءٌليس شيئاً وبعضهُ أحكامُ
منهُ ما يجلبُ البراعة والفضل منه ما يجلبُ البِرسامُ
هذا يشبه قول القائل:
وبعضُ بيوتِ الشعر حكمٌ وبعضهاجلالفةٌ في ظُلمه الليل خاطِبه
وقال أبو العتاهية:
ولكنَّ قول الشعر ما لم يكن هدىونوراً وحكماً كان عيّاً وظُلمه
وقال: البرسام وليس للعرب إلا البلسام، وقد قال بشار:
أبا أحمدٍ طُول انتظاري يليهووعدك داءٌ مثل داءُ المُبلسمِ
فعجلْ ببأس أو بتعجل حاجةكفى ببيان من فصيحٍ وأعجمِ
ولأنك كالعذراء يوم نِكاحهاإذا استؤذيت في نفسها لم تكلمِ
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى تعلب يقال: تبلسم الرجل ولا تعرفه العرب بالزاء.
وبعدها أبيات أوّلها:
لا تنكرن رحيلي عنكَ في عجلٍفإِنني لرحيلي غيرُ مُختارِ
يقول فيها:
وربّما فارقَ الإِنسان مُهجتهيوم الوغَى غير قالٍ خَشْية العارِ
ينظر إلى قول ابن الرومي:
أبَتْ لي قُبولَ الضيم نفسٌ أبيّةتبيع بعز الموتِ ذُل حَياتها
وبعدها قصيدة أوّلها:
عذيري مِنْ عَذارى من أمورٍسَكَنَّ جَوانحي بدل الخُدور
معنى البيت من عذيري من إنكار خطوب سكن جوانحي بدل خدورهن على وجه الاستعارة لما جعلها إنكارا جعل لها خدورا.
وقال المتنبي:
ومبتسماتِ هيجاواتِ عصرٍعن الأسيافِ ليس عن الثُّغور
معنى الكلام وحروب تبسم هيجاواتها عن الأسياف ليس عن الثغور وهي ألفاظ هائلة المسموع قليلة المنفوع كأنها ثياب خلقان لها روعة وليس لها مقش طائل.
وقال المتنبي:
ركبتُ مشمراً قدمي إليهاوكلّ عُذافرٍ قلقِ الضُّفُورِ
مشية في الحرب على قدمه أو ركوب الإبل أحسن منه ركوب الخيل، فأما قول الحطيئة:
إِما تباشرُك الهمومُ فإنَّها داءُ مخامِرْ
ولقد تقضبيها الصَّريمة عنك والقلقُ العُذَافِرُ
فذلك جيد لأن الأسفار وركوب الإبل والعزيمة على الصبر إلى المسافات الطوال ربما أورد من الفوائد ما يزيل الهموم.
وقال المتنبي:
أعرضُّ للرّماحِ الصمِّ نحريوأنصِبُ حُرَّ وجهي للهجيرِ
صدر البيت من قول القتالي:
نُعرضُ للطّعان إِذا ألتقيناوُجُوهاً لا تعرّض للسِّبابِ
فجاء بالمعنى وزاد في كلامه ما هو من تمامه وجمع بين الفتوة والمروءة وعجز البيت من قول المثقب:
فقلت لبعضهنَّ وشُد رحليلها جَرةٍ نصبتُ لها جَبيني
ولكن أبا الطيب قد جمع الطويل في الموجز القليل وللقتالي زيادة عليه.
وقال المتنبي:
عدوي كل شيء فيك حتىلخلت الأكم موغرة الصّدور
فسره بعض أهل العربية فقال معناه أن الأكم تنبو به فلا يطمئن فيها وكل ذلك لعداوته وذكر أن فيه معنى آخر أنها موغرة الصدور لحرارتها وهذا تفسير مظلم لا يحصل له معنى يفهم والذي أرى أن مقصد أبي الطيب أنه رأى في عدوه كل شيء من البشر قد أجمع حتى أوهمه ذلك أن الأكم موغرة الصدور من شرها واحتراقها بنار الحسد والحقد وما شاكل ذلك مما يجر الصدور فضلاً عن الناس.
وقال المتنبي:
ولكني حُسِدتُ على حياتيوما خيرُ الحياةٍ بلا سُرُورِ
يقرب من قول القائل:
غير مأسوفٍ على زمنٍينقضي بالهمِ والحُزنِ
يتلوها أبيات هجو في الذهبي:
لما نُسبتَ فكنت ابناً لغير أبِثُمّ اختبرتَ فلم ترجع إلى أدب
لا يكون ابن بغير أب إما من رشده وإما من زنيه إلا ما كان من شأن آدم والمسيح ﵉ وكأنه قد ألمّ بقول القائل:
لا خيرَ في صاعدٍ فتقصدهُوالخيرُ يأتيك من يدي عُمْر
ليس له ما خال أسمه نسبكأنّه آدم أبو البشر
وقال المتنبي:
سميت بالذَّهبي اليوم تسميةًمُشتَّقة من ذهاب العقلِ لا الذَّهبِ
وذهاب العقل لا ينسب إليه ذهبيّ بل ذهابي وما أحسن الاشتقاق وهو قليل المحاسن وكان ينبغي إذا أتى به أن يكون لفظه فائقاً ومعناه فيه رائقاً.
وقال المتنبي:
ملقبٌ بك ما لقبتَ ويْكَ بهيا أيُّها اللقبُ الملقى على اللَّقَبِ
جعل الذهبي مرة تسمية ومرة تلقيباً واستراح إلى ويك استراحة ولو أسقط هذه
الأبيات لأراحنا من الشغل بمعنى غير عجيب ولفظ غير مصيب.
ويتلوها قصيدة أولها:
أفاضِلُ النَّاس أغراضٌ لذا الزمنِيخلو من الهمِّ أخلاهم من الفطن
هذا من قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أتنكر مني الهمّ والهم ما لهمن الأرضِ مأوى غير قلبِ المُميز
وقال آخر:
من كان ذا غفلةٍ وجهلٍكان خليّاً من الهمومِ
وقد أختصر أبو الطيب اللفظ الطويل في الموجز القليل وقال البحتري:
عقلتُ فودعتُ التَّصابي وإِنّماتصرّمُ لهو المرءِ أنْ يكمل العقْلُ
أرى العقل بُؤْسي في المعيشة للفتىولا عيشَ إلا ما حباك به الجَهْلُ
وقال المتنبي:
وإنما نحن في جبلٍ سواسيةٍشرّ على الحرّ من سُقمٍ على بدن
ينظر إلى قول بشار:
وصاحب كالدُّمل المُمدّحملتُه في رقعةٍ من جِلْدي
وقال المتنبي:
حولي بكل مكانٍ منهم خلقٌتُخطِي إذا جئت في استفهامها بمن
معناه: أن من يعقل يستفهم عنه بمن وما لا يعقل يستفهم عنه بما فجعل هؤلاء مما لا يعقل وجرى على رسمه في ترك الهمز في) تخطي (ومعناه موجود في قول أبي تمام:
لا يدهمنّك من دهمائهم عددفإِن جلّهم بل كلّهم بقر
وهذا كلام واضح ومقصد راجح وأبو تمام أولى به.
وقال المتنبي:
فقرُ الجهول بلا عقلٍ إلى أدبٍفقر الحمار بلا رأسٍ إلى رَسَنِ
) فقر الحمار بلا رأس إلى رسن (فقد الفرس والبغل من عدمهما رأسيهما لا فقدهما إلى رسن فكيف خصص الحمار إلا أن يكون قصر أن الجهول يشبه الحمار ورفع الفرس والبغل عن منزلة الحمار والمفهوم قول صالح:
وقد ينفعُ التأديب من كان عاقلاًفإِن لم يكن عقل فلن ينفعُ الأدبُ
وقال المتنبي:
خُرّابِ باديةٍ، غرثى بُطونهُمُمكن الضّباب لهم زادٌ بلا ثَمنِ
مكن الضباب: بيضها قال أبو الهندي:
ومكن الضِّباب طعامُ العريبِولا تشتهيه نُفوس العَجمِ
والخراب جمع خارب وهو اللص والخارب وغيره يشتركان في الطعام من العرب.
وقال المتنبي:
كم مخلصٍ وعلاً في خوض مهلكةٍوقتلةٍ قُرنت بالذمّ في الجُبُنِ
هذا يساوي بيتاً تمثل به معاوية وهو:
فقد تدرك الحادثات الجبانويسلم منها الشجاع البطلُ
وقال المتنبي:
ألقى الكرامُ الأُلى بادوا مكارِمَهُمْعلى الخصيبيِّ عند الفرض والسُّننِ
لو قال: بادوا محاسنهم على الخصيبي أو ألقى الزهاد والفقهاء تورعهم صح المعنى فأما المكارم فكان يجب أن يقول بعدها الجود والمنن لتحسن مبانيه وتتناسب معانيه.
وقال المتنبي:
القائلُ الصدقَ فيه ما يضرُّ بهوالواحدُ الحالتين: السِّرّ والعَلنِ
يشبه قول القائل:
فسرّي كإعلاني وتلك خليقتيوظلمةُ ليلي مثل ضوء نهاريا
وقال المتنبي:
أفعالُهُ نسبّ لو لم يقل معهاجدي الخصيبُ عرفنا العرق بالغُصنِ
أما قوله: أفعاله نسب فمن قول البحتري:
ولست أعتد للفتى نسباًما لم يكن في فعاله نَسبه
وعجزه من قول ابن الرومي:
كدأب علي في المواطن جدهأبي حسن، والغصن من حيث يخرج
وقال غيره: والابن ينشأ على ما كان والدهإنّ الأصول عليها ينبتُ الشجرُ
ولكنه جمع الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
العارض الهتن ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن
ولولا انتهاء القافية لمضى في العرض الهتن إلى آدم ﵇ وبانتهاء البيت أعلمنا أن نهاية عدد آبائه المستحقين للمدح ثلاثة ثم يقف هذا الأمر، وأحسن من هذا قول البحتري:
الفاعلون إذا لذنا بجودهمما يفعلُ الغيث في شؤبويه الهتِنِ
فجاء بالمعنى عاماً بغير عدد مردود ولا لفظ مستبرد فهو أرجح كلاماً وأحسن نظاماً وهو أحق بما قال، وما أشبه تردد بيت أبي الطيب ببيت قاله امرؤ القيس:
ألا إنني بال جمل باليقودُ بنا بال ويتبعُنا بال
فإن جعله قدوة في التردد فقد اقتدى برئيس الشعراء وقد قال الشافعي في أهل مصر: ما رأيت قوماً اتخذوا جهل رجل علماً غير أهل مصر فإنهم سألوا مالكاً عن مسائل قال لهم ما أعلمها فهم لا يقبلونها ممن علمها لأن مالكاً قال: لا أعلمها. وقال المتنبي:
الخاطرين على أعدائهم أبداًمن المحامد في أوقى من الجننِ
هذا من قول ابن الرومي:
متلافُ أموالٍ، ضاعةُ كفِّهتفريقُ كل مُؤَثَلٍ مجموع
ما زال يبذلها ويعلم أنّهالمقاتل الأعراض خير دُروع
ومن قوله أيضاً:
ذاك الذي لا يقي مالاً بصفحتهبل يجعل المال دون الدم كالجِنن
وهو من قسم المساواة.
وقال المتنبي:
لم نعتقد بك من مُزنٍ سوى لثقٍولا من البحر غير الريح والسُفُنِ
ولا من اللَّيث إِلا قبح منظرهِومن سواة سوى ما ليس بالحسنِ
اللثق: من مفاتح المزن وليس السفن من مفاتح البحر وكان ينبغي أن يقول:) ولا من البحر غير الجور والغرق (فيأتي بمفاتح البحر كما أتى بمفاتح المزن والليث ليعتدل الكلام وتستقيم الأقسام كما عدلها ابن الجهم بقوله:
إذا نحن شبهناك بالبدرِ طالعاًبخسناك حظاً أنت أبهى وأجملُ
ونظلمُ إنْ قسنا بك الليث مرةلأنك أحمى للذّمار وأبسلُ
ولست ببحرٍ أنت أعذبُ مورداًوأنفع للراجي نداك وأشملُ
أقسامه راجحة ومعانيه واضحة فهو أحق بقوله ومما يسأل عنه قوله:) ومن سواه سوى ما ليس بالحسن (ما معناه والذي وهب له أنا لم نفتقد بك من المزن والبحر والليث إلا ما يعاب به ومن سواه يريد لم يفتقد مما سواه شيئاً حسناً من جميع الأشياء سوى ما ليس بالحسن فإنه لا يشبهك كأنه يقول قد شبّه من كل شيء سوى ما كان غير حسن.
وقال المتنبي:
أخلتْ مواهبك الأسواق من صنعأغنى نِداك عن الأعمال والمُهَنِ
يقرب من قول العكوك:
ومعشرٍ رفعت دُنياك أعينهمفوق العيون وكانوا بِذلة المُهنِ
وهو يساويه أو يقاربه.
وقال المتنبي:
ذا جودُ من ليس من دهر على ثقةٍوزُهد من ليس في دنياه في وطنِ
صدره من قول أبي نؤاس:
فتى يشتري حسن الثناء بمالِهِويعلم أنَّ الدائراتِ تَدُور
وباقيه ينظر إلى قول أبي نؤاس أيضاً:
إِمامٌ يخافُ الله حتى كأنّمايؤملُ رؤياهُ صباحَ مساء
لكنه قد جاء باللفظ الطويل في الموجز القليل.
ويليها قصيدة أولها:
ألا لا أرى الأحداث حمداً ولا ذمّاًفما بطشها جميلاً ولا كفّها حِلْما
يقرب من قول ابن المعتز:
الدهرُ فيه مساءةٌ ومسرّةٌفجزاء دهرك أن يدوم ويحْمِدا
وقال المتنبي:
إلى مثل ما كان الفتى مرجعُ الفتىيعودُ كما أبدى ويكدي كما أرْمى
ينظر إلى قول ابن الرومي:
يودُ الفتى طول تَعْميرهولا مُتناهي إِلا قصيرُ
ما كان بدء الفتى كذاك إذا كان أيضاً يصيرُ
وقال المتنبي:
منافِعُها ما ضرَّ في نفع غيرهاتغذى وتروى أن تجُوعَ وأنْ تَظما
ينظر إلى قول ابن أبي فنن:
فيما يُنعم عيشهموليستريحوا في عَنائِهِ
وقال المتنبي:
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنافلمَّا دهتنا لم تزدني بها عِلْما
هذا من قول القائل:
تمثل ذو الحزم في نفسهمصائبه قبل أن تنزلا
فإِن نزلت بغتة لم ترعْهُلما كان في نفسه مثلا
فالمعنى المعنى بعينه، ولكنه قد جاء باللفظ الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
تعجّبُ من خَطي ولفظي كأنَّهاترى بحرُوفِ السَّطر أغربةً عُصْما
نبهه على هذا المعنى قول ابن الرومي:
غضبٌ أسحُّ من الغمامِ الأسْحَمِورضاً أعزُّ من الغُراب الأعْصَمِ
وقال المتنبي:
ولم يسلها إِلاَّ المنايا، وإِنَّماأشدُّ من السُّقم الذي أذهبَ السُّقما
ينظر إلى قول أبي تمام:
أقولُ وقد قالوا استراحتْ بِموْتهامن الكرب روح الموت شر من الكَرْبِ
وهو يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
وكنت قبيلَ الموتِ أستعظِمُ النّوىفقد صارت الصُّغرى التي كانت العُظْمَى
هذا من قول البحتري:
شكونا الصدُود قوافي الفراقِفأنْسىَ الجوانح وقْعَ الصَّدودِ
وقال المعوج:
شكوت صدودها فنأت فمن ليبرجعتها وأرضى بالصدودِ
وهذا توليد معنى من معنى لفظهما مفترق ومعناهما متفق فالسابق أولى به.
وقال المتنبي:
هبيني أخذتُ الثَّأر فيك من العدىفكيف بأخذ الثار فِيك من الحُمَّى
هذا يقرب من قول القائل:
أخلاّي لو غير الحمام أصابكمعتبت ولكن ما على الموت مُعتبُ
وهذا أيضاً من توليد كلام من كلام لفظهما مفترق ومعناهما متفق.
وقال المتنبي:
ولو لم تكوني بنت أكرمِ والدٍلكان أباكِ الضَّخم كونك لي أُمّا
هذا من قول مسلم في ابنه:
أفخر بني بأن جدّك وائلوَأباكَ مصقلةُ الأبي الفاضِلُ
فكفاك بي فخراً ومجرى غايةًفي كل سابقة عليه تماطلُ
وقد اختصر الطويل في الموجز القليل فصار أحق بالبيت من مسلم، وقال المتنبي في السيف:
وجاعلهُ يوم اللقاء تحيتيوإِلاَّ فلستُ السَّيد البطل القِدْما
هذا من قول عصابة:
أنعم صباحاً بالسيوف وبالقناإنّ السيوف تحية الفِرْسان
وقد بين غرضه بياناً أشفى ولا زيادة في بيت لأبي الطيب على قوله فهو أحق بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
وإني لمن قومٍ كأن نُفُوسهمبها أنفٌ أن تسكن العظم واللحما
ينظر إلى قول أبي تمام:
ألفوا المنايا فالقتيل لديهمُمن لم تُجل العيش وهو قتيلُ
وقال المتنبي:
فلا عبرت بي ساعةٌ لا تُعزنيولا صحبتني مهجة تقبل الظُّلما
يشبه قول ابن المعتز:
لا صاحبتني يدٌ لم تعن ألف يدٍولم ترد القنا حمدُ الخياشيمِ
كمل الجزء الأول بحمد الله ومنه.
من الجزء الثاني قصيدة أولها.
لك يا منازلُ في الفؤاد منازلُ منها:
وأنا الَّذي اجتلب المنيَّة طرفُهُفمن المطالبُ والقتيل القاتِلُ
قال دعبل:
لا تأخُذا بظلامتي أحداًقلبي وطرفي في دمي أشتركا
وقال ابن المعتز:
عيني أشاطتْ بدمي في الهَوىفابكو قتيلاً بعضه قاتله
وقال المتنبي:
الرامياتُ لنا وهنَّ نوافرٌوالخاتلات لنا وهنَّ غوافِلُ
ينظر إلى قول النابغة:
في إثرِ غتنيةٍ رمتك بِسهْمهافأصابَ قلبك غير أن لم تُقْصِد
فخبر أنها أصابت قلبه غير أن لم يقصد فهو بمنزلة قوله:) الراميات لنا وهن نوافر (وفيه زيادة.
وقال المتنبي:
كم وقفةٍ سجرتكَ شوقاً بعدماغرى الرَّقيبُ بنا ولجَّ العاذلُ
أخذ لفظ البحتري:
لعليلةِ الألفاظ ناعمةِ الصبىأغرى الوشاة بها ولج العذل
وقال المتنبي:
أنعم ولذّ فللأمُورِ أواخِرٌأبداً إِذا كانت لهُنَّ أوائِلُ
هذا من قول القائل:
خُذوا ما صفا من عيشنا قبل موتهفكلُ وإن طال المدى يتصرّمُ
وقال المتنبي:
للشمس فيه وللرّياح وللسّحاب وللبحارِ وللأُسود شَمائِلُ
كان ينبغي أن يتبع شمائلاً محمودة لأن هذه المذكورات محاسن ومقابح
منها أن للشمس الإشراق والإحراق، وللريح النسيم والسموم، وفي البحر الظفر بالرغائب والهجوم على المعاطب وللسحاب المطر وفيه الجهام القليل النفع والأسود الحياء والفخة وقد أتى بمثل هذا وتحرز مما أهمله هاهنا فقال في غيره:
لم نفتقدْ بك من مزنٍ سوى لثقٍولا من البحر غير الريحِ والسُفنِ
ولا من الليث إِلا قبح منظرهِومن سواهُ سوى ما ليس بالحُسنِ
وقال المتنبي:
لو لم يَهب لجب الوفود حوالُهلسوى إليه قطا الفلاةِ النَّاهِلُ
ما في سرى قطا الفلاة الناهل معنى طائل فإن كان إنما على كرمه بكثرة الوفود إليه فالطير ينفر من كثرة ضجيج الوفود وكيف خص ذلك القطا ونعتها بالناهل وما الفرق بين القطا العطشان والريّان في هذا إلا أن يكون أعتمد على قوله:
ولديْهِ مِلعقيان والأدبِ المُفادِ وملْحياةِ وملمماتِ مناهِلُ
وهذه مناهل لا يقصدها القطا الناهل لأن هذه عبارة ليست من جنس الماء الذي يشربه القطا ويرده.
وقال المتنبي:
يدري بما بك قبل تُظْهرَه لهمن ذهنه ويجيب قبَل تُسَائِلُ
ليس يبلغ جودة الذهن إلى العلم بالشيء قبل الإخبار به ولا الإجابة قبل
السؤال عنه بل هذا من علم الغيب يصلح أن يسقط من بيته ذكر الذهن ويمدح به نبيّ يخبر بالغيب عن ربه، فأما قول أبي نؤاس:
وإني لطرف العين بالعين زاجرفقد كدت لا يخفى عليّ ضمير
فقد تحرز فذكر أنه زاجر فسلم من ادعاء علم الغيب وقد علمه بكذب وهو يصيب به ويخطئ فهو أصح وأرجح وأولى بمعناه.
وقال المتنبي:
كلماتُه قضبٌ وهنّ فواصِلُكلّ الضَّرائب تحتُهنّ مفاصلُ
قال البحتري في سيف:
وإذا أصاب فكل شيء مفصلوإذا أصيب فما له من مُفْصلِ
وقال المتنبي:
علامة العلماء واللّجُ الذيلا ينتهي ولكُلّ لجّ ساحِلُ
قال البحتري:
ومن ير جدوى) يوسف بن محمدٍير البحر لم يجمع نواحيه ساحِلُ
قال أبو الطيب العلم وهذان أرادا الجود وهو مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
لو طاب مولد كل حي مثلهُولد النساء وما لهن قوابلُ
ولا أعرف لطيب المولد سبباً يغني النساء عن القوابل إلا أن يكون طيب المولد يوسع مخرج الأجنة فيصح مقصده.
وقال المتنبي:
لو بان بالكرمِ الجنين بيانهُلدرت به ذكرٌ أم أنثى الحامِلُ
كأنه يخص بالكرم الجنين الذكر أم الأنثى والكرم لا يتبين إلا بعد الولادة وحصول التمييز وكيف بان هذا الممدوح في بطن أمه بالكرم. هذا من المبالغة المستحيلة التي عيبت على من تقدمه منهم أبو نؤاس في قوله:
وأخفتَ أهل الشُرك حتّى إِنّهليخافك النطف التي لم تخلق
وقيل من كان نطفة لم يخلق بعد فكيف يصح منه خوف فإذا لم يصح الخوف منهم من النطفة لعدم التمييز فالجنين) كذلك (: وقال المتنبي:
ما تجسرُ الفصحاء تُنشدها هنابيتاً ولكنني الهزْبرُ الباسِلُ
ترتيب هذا البيت غير صحيح لأن هنا كان يجب أن يكون لا يصلح الشجعان تبرزها هنا لوغى ولكني الهزبر الباسل أو يقول: ما تجسر الفصحاء تنشدها هنا بيتاً ولكني الفصيح الفاضل ليعدل بين الأقسام ويوازن بين الكلامين.
وقال المتنبي:
وإِذا أتتكَ مذمتي من ناقصٍفهي الشهادةُ لي بأني الفاضِلُ
ينظر إلى قول مروان:
ما ضرني حسدُ اللئام ولم يزلْذو الفضلِ يحسدُهُ ذَوو التقصيرِ
وقال أبو تمام:
لقد أسفَ الأعداء مجد ابن يوسفٍوذُو النقص في الدنيا بذي الفضل مُولعُ
وقال ابن المعتز:
ما عابني إِلا الحسودُ وتلك من إحدى المناقِبُ
وهذا من توليد كلام من كلام معناهما متفق ولفظهما مفترق.
ويليها قصيدة أولها:
سِربٌ محاسنه حُرِمْتُ ذواتهاداني الصفات بعيدُ موصوفاتها
السرب: القطيع من الظباء والبقر والطير والشاء وذوات محاسنه وأول هذه القصيدة لحن عند سيبويه وجميع البصريين لأنهم لا يجيزون إضافة) ذو (وأخواتها إلى المضمر لأنهم لا يجيزون: ضربت ذاه يريدون صواحبه فأما معناه فمن قول إبراهيم بن العباس:
يا بعيد الدار موصولاً بقلبي ولساني
ربما أبعدك الهر فنادتك الأماني
وقال المتنبي:
أوفى فكنتُ إِذا رميتُ بمقلتيبشراً رأيتُ أرقَّ من عبراتها
الهاء عائدة على المقلة أخذه من الديك في قوله:
أنا أوفى من المكاره مندمعي عليه أرقُ مِنْ خَدَّيْه
ما أن زاد على أن عكس المعنى شبه بشراتهن بعبراته وشبه الديك عبرته بخديه فالمعنى متساوٍ والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
فكأنُها شجرٌ بدتْ لكنَّهاشجرٌ جنيت المُرّ من ثَمراتها
نبهه على هذا المعنى وأشار إليه أبو نؤاس بقوله:
لا أذودُ الطير عن شجرٍقد بلوتُ المرّ من ثمرِهْ
قال الحصني:
تخيروا شجراتٍ غير زاكيةٍلقد جنى ثمر المكروه جانيها
هذه معانٍ مستحسنات في معانٍ مختلفات، أما أبو الطيب فإِنه شبه الظعن بالشجر ولكنه شجر حتى الموت من ثمراتها وأبو نؤاس يتذكر صنيع أحبابه
فلا يعارض البين فيهم لما جنى عليه من مرّ ثمره واستعار الطير وأسم الشجر لما أحتاج إليه من ذكر الثمر والحصني يذكر اصطفاهم ناساً غير أطاليب فقد جنى ثمر المكروه جاني ثمرهم فالمقاصد وإن اختلفت فالمعاني والاستعارات فقد اتفقت والأول أحق بما فتح.
وقال المتنبي:
إني على شغفي بما في خُمرهالأَعِفُّ عما في سَراويلاتِهَا
هذا مما أورده أبو العباس النامي المصيصي في عيوبه فإن كان اشتهى لفظ السراويلات فلا علة لذلك إلا أنها تضم ما تضمه مما يقصد فيه إلى مقصد رديء ولا فرق بين هذا وبين قول أبي نؤاس:
وجهي إذا أقبلت يشفعُ ليوبلاءُ قلبك حسن ما خَلْفي
وليس يعيب المحبوب أن يجنب منه الفاسق ما خلفه ويمتنع أو قدامه وقد شرط الرجل العفاف ولم يزل الشعراء يستجيزون النظر إلى الحسن ويعفون عن غير ذلك كما قال مسلم:
أخذتُ لطرف العينِ منها تصيبهوأخلفتِ من كفي مكان المخلخلِ
وقال ابن أبي زرعة:
إِذا ما خلت مني تناولت كفّهاوقبلتُ وسط البحر واسطة العِقْدِ
أخذتْ التي فيها العقاب لآخذولم أرد الأخرى بهزلٍ ولا جدِ
وقال المتنبي:
وترى المروّة والفتوّة والأبوّة في كل مليحة ضرّاتها
هُنّ الثلاث المانعاتي لذَّتيفي خلوتي إلا الخوفُ من تبعاتِها
هذا شعر يدل على قلة ورع وأحسن تخلصاً منه قول القائل:
رموني وإياها بشنعاتهم بهاأحقُ أذال الله منهم وعجلا
يا من تركناهُ وربّ محمدٍعياناً فأما عفةٌ وتجمَّلا
وقسم الترك على العفة والجميل الذي معناه مروءة ولم يستخف بالتبعات وأحسن تخلصاً منه ابن الرومي حيث يقول:
ينهاه عن مأثمٍ تقي ورعٍفيه، وعن مدنسٍ تقي أنفِ
فجعل تركه للمأثم ورعاً وللمدنس أنفاً وهذا كلام نبيل وتقسيم جليل وقد وافقه إبراهيم بن المهدي بقوله:
استحييا إلاّ تعفا واعلماأن ليس ما أخفيتماه بخافِ
يا رب مجتنب لما فارقتمامتنزه عنه بغيرِ عفافِ
وقول إبراهيم أقل قبحاً لأنه قد يجوز أن يدفع المرء المأثم تنزهاً لا العفاف ويكون مع عدم العفاف خائفاً من تبعاتها وأبو الطيب قد استعمل شكاً منه خوف التبعات ونسأل الله أن يقينا فيه القول والعمل.
وقال المتنبي:
ومقانبٍ بمقانبٍ غادرتُهاأقوات وحشٍ كُنّ من أقواتها
المألوف أن يقتات الناس من الوحش الظباء والحمير والبقر والأرانب والثعالب وهذه الأجناس كلها لا تأكل القتلى وإنما تأكلهم السباع والنمور والذئاب وليس هذه من الأقوات فإن أكل منها شيء فجوع مفرط قد فسد معناه على هذا.
النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع