من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)
المآخذ على شرح أبي العلاء المعري الموسوم باللامع العزيزي (٥)
من قولهم: طريق معبّد، أي مذلّل، وقوله:
......... وأفردت إفراد البعير المعبّد
وقوله:
نتاج رأيك في وقت على عجلكلفظ حرف وعاه سامع فهم
قال: يقول: إذا افتقر إلى رأيك، جاء موفّقا مصيبا مع عجلة، كلفظ الحرف الذي يسمعه فهم، فإذا سئل عنه أجاب من غير تلّبث.
فيقال: لا حاجة إلى سؤاله، بل إذا سمعه فهمه! والمعنى، أن هذه السّفن التي أمر بها سف الدولة، فجعل بهال النّفع العظيم، لم يفكر فيها، ويتروّ لها، بل رأى ذلك على عجل وسرعة كسرعة إدراك سامع فهم حرفا، فإنه لا يحتاج (في) فهمه إلى رويّة ونظر.
وقوله:
وقد تمنّوا غداة الدّرب في لجبأن يبصروك فلمّا أبصروك عموا
قال: يقول: تمنّوا لقاءك، وقالوا: أن نظرنا إليه، بلغنا منه ما نريد، وحلفوا على ذلك بمفرق ملكهم. فلمّا أبصروك، عجزوا عنك، فكأنّهم عموا عن قصدك. وفي هذا المعنى شبه من قول جميل:
فليت رجالا فيك قد تذروا دميوهمّوا بقتلي يا بثين لقوني
إذا ما رأوني طالعا من ثنيّةيقولون من هذا وقد عرفوني
وأقول: لم يرد ذلك المعنى، وإنما أراد أنهم تمنّوا أن ينظروا إليك ليحصل (لهم) ما أملوا من الظّفر بك فينتفعوا به، فانعكس عليهم ذلك، فكأنّ رؤياهم لك عمى.
وقوله:
لا يأمل النّفس الأقصى لمهجتهفيسرق النّفس الأدنى ويغتنم
قال: يقول: قد أيقن بالموت، فهو لا يأمل النّفس الأقصى لمهجته، فقد جعل يغتنم الأنفاس ويكرّرها.
وأقول: إنما قال:
لا يأمل النّفس الأقصى............
لأنه هارب، خائف، مكدود، مطلوب، والنّفس الأقصى، إنما يكون عند الراحة والطّمأنينة. وأمّا المزعج، الخائف، المطلوب، فأنه لا يقدر على ذلك، فلا يأمله.
وقوله:
......... فيسرق النّفس الأدنى ويغتنم
أي: من خوفه، لا يستنشق الهواء استنشاقا ظاهرا طويلا، بل يسرقه سرقة، ويغتنم ذلك، إذ فاته النّفس الأقصى الذي تكون معه الطّمأنينة والرّاحة.
وقوله:
سمعتك منشدا بيتي زيادنشيدا مثل منشده كريما
فما أنكرت موضعه ولكنغبطت بذاك أعظمه الرّميما
قال: سمع أبو الطّيب سيف الدّولة ينشد بيتي زياد الذّبياني، واسم النّابغة زياد، وهما:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهنّ فلول من قراع الكتائب
تخيّرن من أزمان يوم حليمةإلى اليوم قد جربن كلّ التجارب
ولم يذكر معنى بيتي أبي الطّيب، وهو من الطف المعاني وأحسنها، يقول: لما سمعتك منشدا بيتي النابغة لم أنكر موضعه من الإجادة، وإنما غبطت أعظمه الرميم، أي: أحببت أن تكون عظامي كعظامه، أي: أن أكون ميتا مثله، لأتشرّف بنشيدك شعري، كما تشرّف بنشيدك شعره. وهذا في غاية الحسن، والتّلطف، والتّقرّب، إلى قلب سيف الدولة، والثّناء عليه.
ويقال: أن أبا دلف العجليّ، استنشد أبا تمّام مرثيّته في محمد بن حميد الطّوسي وهي:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمروليس لعين لم يفض ماؤها عذر
فقال: وددت أن كنت متّ ورثيتني بمثل هذا الشّعر، فأنّه ما مات من قيل فيه مثله! فقال أبو تمّام: بل يقي الله الأمير ويجعلني فداءه!
وقوله:
وقفنا كأنّا كلّ وجد قلوبناتمكّن من أذوادنا في القوائم
قال: يقول: كأنّ وجد قلوبنا تمكّن مطايانا، فهي لا تقدر على البراح.
وأقول: لم يأت في هذا البيت بغير إعادة ألفاظه، كعادته الجارية!
وقوله: (فهي) لا تقدر على البراح. والمعنى أن وجد قلوبنا بتلك الدّيار، يقفها فيها، ويحسبها عليها، تذكّرا لمن حلّها من الأحباب، فنقف ابلنا فيها لذلك، فكأنّ
وجد قلوبنا في قوائم أذوادنا، أي: حال الإبل في طول الوقوف كحالنا.
وقوله:
ودسنا بأخفاف المطيّ ترابهافلا زلت استشفي بلثم المناسم
قال: يقول: دسنا بأخفاف المطيّ تراب هذه المعالم، فأنا أستشفي الله - سبحانه - بأن الثم مناسم هذه المطيّ، أرجو البرء، والخلاص، مما أنا فيه.
(أقول:) وهذا ما ذكرت، من أن البيت إذا كان فيه أدنى إشكال، أعاد لفظه، أو خبّط معناه! والمعنى، أن المعهود المعروف من العاشق، أن يستشفي من داء حبه بوصل أحبابه. والشاعر قد جعل نفسه تستشفي، أي: تطلب الشفاء بلثم طرف خفّ البعير الذي وطئ تراب ديار أحبابه. وفي هذا كناية عن قوّة وجد العاشق، وشدة امتناع المحبوب وبعده.
وقوله:
تمرّ عليه الشمس وهي ضعيفةتطالعه من بين ريش القشاعم
قال: يعني أن الجيش قد ارتفع غباره، فالشّمس لا تصل إليه، إلا أن تدخل من بين ريش الطّير التي تتبعه، لتصيب من لحم القتلى.
وأقول: هذا ليس بشيء! لأن غبار الجيش إذا ارتفع حجب الشمس، فكيف تدخل من بين ريش الطّير؟ وهو توهّم أن ضعف الشّمس بكثرة الغبار، وليس كذلك، إنما هو بكثرة الطّير، وبينها فرج تدخل الشّمس إلى الجيش منها.
وقوله:
من يهن يسهل الهوان عليهما لجرح بميّت إيلام
قال: يقول: من يهن فالهوان عليه سهل. مثال ذلك أن الرّجل يهون عليه أن يستخدم في عمل التّراب، ثم ذكر أن الميت قد فارق الحياة وصار أهون الأشياء، فهو لا يحسّ بالجرح.
(وأقول:) تأمّل هذا اللفظ والتفسير، الذي لم يسقط به على الخبير! والمعنى، أن الرّجل المهين الذي ذهبت أنفته، لا يتأثّر بالهوان، كالميت الذي ذهبت حياته، فهو لا يتأثّر بالجرح.
وقوله:
حسن في عيون أعدائه أقبح من ضيفه رأته السّوام
قال: يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون وصفه بالحسن، وهو في عيون أعدائه اقبح من ضيفه في عيون سوامه، لأنه ينحرها له.
والآخر: أن أعداءه يرونه حسن الصورة، قبيح الفعل، فهم في هذا الوجه يرونه حسنا قبيحا، وفي الوجه الأول يرونه قبيحا لا غير.
وأقول: لم يعلّل رؤية أعدائه له قبيحا، وعلّل رؤية سوامه ضيفه قبيحا، وهي إنه يعقرها، فكان ينبغي أن يقول: وكذلك أعداؤه، لأنه يقتلها، فهي بمنزلة سوامه في (كثرة) اقتداره عليها، (وقلة) احتفاله بها. ومثّل الوجه الأول من المعنيين بقوله:
فما شعروا حتى رأوها مغيرةقباحا وأمّا خلقها فجميل
وكان نبغي أن يمثّل به الوجه الثاني، الذي قد اجتمع فيه الحسن والقبح، كما اجتمع في الخيل قبح الفعل بالإغارة عليهم، وحسن الخلق.
وقوله:
وعوار لوامع دينها الحلّ ولكنّ زيّها الإحرام
قال: قوله: دينها الحلّ: أي لا تقتل إلا من يحلّ قتله.
(وأقول): وكذلك قال الكندي.
وأقول: هذا التّفسير غير صحيح، بل المراد بالحلّ إراقة الدّماء على الإطلاق، من
غير اعتبار من يحلّ قتله أو يحرم، لأن ذلك يعلم من وجه آخر. فجعل السّيف بمنزلة المحلّ في سفك الدّماء من البدن، وغيرها بمنزلة المحرم، في كونها عارية من أغمادها.
وقوله:
ليلها صبحها من النّار والإصباح ليل من الدّخان تمام
قال: قوله:
ليلها صبحها من النار...............
يعني أنهم يوقدون النيران بالليل لقرى الضّيفان، فاللّيل قد صار كأنه صبح لزوال الظلام.
وقوله:
...... والإصباح ليل من الدّخان تمام
يحتمل وجهين:
أحدهما: انهم يوقدون النّار بالنّهار، إلا إنه يخفى ضوءها، لأن قراهم لا ينقطع في ليل ولا نهار، فدّخان النّار يستر ضياء الشّمس.
والآخر: انهم يغيرون في النّهار ويحاربون، فيزول نور النّهار لأجل الغبار، وقد جعل أبو الطّيب الغبار دخانا بقوله:
وما كان إلاّ النار في كب موضعيثير غبارا في مكان دخان
وأقول: الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما في قوله:
...... والإصباح ليل من الدخان
صحيح، والثاني فاسد، لجعله الغبار دخانا. واستشهاده على ذلك بقول أبي الطّيب لا يسوغ له، وذلك أن أبا الطّيب لما وصف شبيبا بأنه نار، لكثرة غاراته، استعار له ما يشبه الدّخان في ارتفاعه وإظلامه، وهو الغبار، فلا يجوز أن يجعل الدخان
غبارا من غير قرينة تدلّ عليه، ولا الغبار دخانا، والشّاعر إنما وصف الممدوحين بالسّماح والإطعام ليلا ونهارا، فجعل نارهم لقوّتها وعظمها، تعيد الليل نهارا، وجعل دخان نارهم، لكثرته وارتفاعه، يعيد النّهار ليلا، ولم يتعرّض في هذا البيت لذكر حرب ولا غبار.
وقوله:
ونفوس إذا انبرت لقتالنفدت قبل ينفد الإعدام
قال: زعم أن نفوسهم لا تفرق من الموت، وإنها إذا انبرت لقتال أنفدتها الحرب وإقدامها لم ينفد.
وأقول: هذا من جملة تفسير معنى البيت، بإعادة لفظه!
والمعنى: أن الإقدام يصاحبهم، فلا يفنى قبل فناء نفوسهم، فيكونون في وقت جبناء، بل تفنى نفوسهم قبل فناء الإقدام، وان كان ذلك مستحيلا، وإنما ذكره مبالغة في بقاء إقدامهم.
وقوله:
فارس يشتري برازك للفخر بقتل معجّل لا يلام
قال: يقول: برازك فخر عظيم يفتخر به مبارزك، فالذي يشتري بالقتل لا يلام على ما صنع، لأنه بنى له مجدا باقيا.
وأقول: يدلّ على ذلك، ما روي عن أخت عمرو بن عبد ودّ، لما قتله عليّ ﵇ إنها سألت عمّن قتله، فقيل لها: عليّ بن أبي طالب، فقالت: كفؤ كريم، لا رقأت عيني إن بكت عليك بعد اليوم! ثم أنشأت تقول:
لو كان قاتل عمرو غير قاتلهلكنت أبكي عليه آخر الأبد
لكنّ قالته من لا يعاب بهمن كان يدعى قديما بيضة البلد
وقوله:
قد لعمري أقصرت عنك وللوفد ازدحام وللعطايا ازدحام
خفت أن صرت في يمينك لن يأخذني في عطائك الأقوام
قال: هذا معنى، لم يعلم أن أبا الطّيب سبق إليه، لأنه احتجّ لتأخّره عنه بأنّ طلاّب الأعطية يزدحمون لديه، فخشي أن يؤخذ في الهبات، وهذه مبالغة لم يأت بمثلها سواه.
فيقال له: هذه مبالغة حسنة، إلا أنك ما فهمت معناها! ولم خاف أبو الطّيب ذلك الممدوح ولم يخفه غيره؟
والمعنى: إنني لمحبتي وطاعتي لك، ومعرفتي واختصاصي بك، بمنزلة مالك وملكك، ومالك تفرّقه يمينك، فخشيت أن يأخذني الأقوام في عطائك فأفارقك. وفي هذا نظر إلى قوله:
تسرّ طرباته كرائمهثم تزيل السّرور عقباها
من كلّ موهوبة مولولةقاطعة زيرها ومثناها
وقوله:
هابك اللّيل والنّهار فلو تنهاهما لم تجر بك الأيّام
قال: يرحم الله أبا الطّيب! لقد اجتهد في قيل الباطل، ورضي على ذلك بعطاء زهيد! ولو أن هذا البيت في صفة الله - عزّ سلطانه - لجاز أن ينال بذلك رضوانه!!
وأقول: أن الشّيخ أبا العلاء يطالب أبا الطّيب في تحقيق الالفاظ، وحملها على الصحة والصدق، وهو أكثر الشّعراء إغراقا، وأشدّهم إيغالا في الاستعارة والمجاز الذي يخرج إلى المحال، مطالبة أبي ذرّ، وهو في ذلك الأخيذ الصّبحان، وقد قيل: أحسن الشّعر أكذبه، وأمّا إغراقه في هذا البيت وقوله:
هابك الليل والنّهار............
فله وجه من الاستعارة، يحمل عليه من ردّه الليل بالنّيران، أو بلمع الحديد نهارا، ومن ردّه النّهار بدخان النّار للقرى، أو بعجاج الخيل في الحرب ليلا، وهذه استعارة مشهورة، ولمّا وصفهما بالهيبة، والهيبة من صفات من يعقل، وصفه بالنّهي لهما، ووصفهما بامتثال ترك المنهيّ عنه، فهذا ابلغ ما يحتجّ به له.
وقوله:
فلا تلمها على تواقعهاأطربها إن رأتك مبتسما
قال: هذا البيت مناقض للبيت الأول، لأنه وصفها بأن لا تشاء ولا نحسّ بألم يعني قوله:
ما نقلت في مشيئة قدماولا اشتكت من دوارها ألما
ثم جعلها في البيت الآخر، تطرب من ابتسام الممدوح.
وأقول: وجه التّناقض عنده، إنه لمّا وصفها بعدم المشيئة، وعدم الاشتكاء للألم، جعلها على اصلها جمادا، فكيف يصفها، مع ذلك، بالتواقع للإطراب، وذلك من صفات الحيّ العاقل؟ والجواب: أن هذه (إنمّا) جعلها بمنزلة الحيّ، فعدم المشيئة والتّشكّي للألم لا يدلّ على الجماديّة فيلزم ما رتّبه عليه، لأن كثيرا من الأحياء يفعل بغير مشيئة، مكرها، ولا يشتكي ألما لكثرة تعب، لكونه قويا صابرا، فلا يلزم أبا الطّيب ما الزمه من كونه مناقضا بالكذب والمحال.
وقوله:
ويطعن الخيل كلّ نافذةليس لها من وحائها ألم
قال: لم توصف الطّعنة قطّ بوحاء أسرع من هذا الوصف! لأنه زعم أن الطّعين
لا يحسّ بألم الطّعنة، لأنّها تقتله قبل أن يصل إليه الألم.
وقد قال الأول في صفة السّيف:
ترى ضرباته أبدا خطاياإلى أن يستبان له قتيل
وأقول: لم يرد بقوله:
......... ليس لها (من وحائها) ألم
إنها تزهق النفس وتقتل قبل الإحساس بالألم، لأن ضربة على أم الدماغ تفعل ذلك، فليس فيه كثير فائدة! وإنما أراد إنها ليس لها ألم مع بقاء النّفس وفي وقت يقع فيه الإحساس، لا يحسّ بها من سرعتها، كأنّ المطعون بها ما طعن. وهذا إنما يكون في أول الحال، ثم يتبيّن الألم بعد ذلك. وكأن أبا الطّيب نقل معنى البيت، الذي أنشده في مضاء السّيف بالضّرب، إلى مضاء الرّمح وسرعته بالطّعن، فكلاهما لا يتبيّن، في أول الحال، للرائي وللمطعون.
وقوله:
فؤاد ما تسلّيه المداموعمر مثل ما تهب اللئام
قال: قوله: فؤاد خبر كلام محذوف، أو يكون مبتدأ محذوف الخبر، ويجوز أن يعني نفسه، ويحتمل أن يعني كلّ من له فؤاد، فإذا عنى نفسه قال: لي فؤاد أو فؤاد بين جنبيّ أو نحو ذلك. وإذا عنى كلّ فؤاد من النّاس، فالمعنى لكلّ فؤاد، أو: لكلّ إنسان، والعموم في هذا حسن من الخصوص، لأن أعمار أهل هذا العصر إذا قيست إلى القدم بطول الآباء، فأنها كالشّيء الحقير المتناهي في القصر.
(وأقول:) انظر إلى هذا التقسيم السّقيم!
وأقول: إنه لم يرد العموم بذكر الفؤاد والعمر، وإنما أراد الخصوص بهما - وهو يعني نفسه - أي: فؤادي فيه من الهموم ما لا تسلّيه المدام الموصوفة بنفي ألهمّ.
كقول أبي نواس:
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتىدعا همّه عن صدره برحيل
وأشباه ذلك. وعمري منكّد بالأسفار والأقتار والأوجال، كعطاء اللئام، فأنه منكّد بالمنّ والتّسويف والتّرديد والمطال. فلا يريد بذلك العموم، وفؤاد كلّ أحد، وعمر
كلّ احد، لأنه ليس كذلك، فم يبق إلا الخصوص، والمراد به نفسه، لأنه لا معنى للعموم على ما بيّنته.
وقوله:
وما أنا منهم بالعيش فيهمولكن معدن الذّهب الرّغام
قال: زعم إنه ليس من العالم لكونه فيهم، وإنما مثله مثل الذهب، معدنه الرّغام، وليس هو منه.
وأقول: هكذا قال الشّاعر، وكلا القولين يحتاج إلى تفسير:
والمعنى: أني وإن كنت فيهم، بعيشتي معهم ومقامي بينهم، فأنّي لست منهم، لأني شريف، وهم أخسّاء، فأنا فيهم كالذّهب في التراب، والمعدن موضع الإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا قام به، ومنه قوله تعالى: (جنات عدن).
وقوله:
وخيل لا يخرّ لها طعينكأنّ قنا فوارسها ثمام
قال: أن أراد بعض الخيل، فهو صادق في ذلك، لأن كثيرا من الملوك تجري خيلهم في الميادين، ويلعب فرسانها بالرّماح المدة الطويلة، ولا يكون هنالك قتل ولا جرح، فكأنّ قناهم ثمام، وهو نبت ضعيف يغطّى به الاسقية، ويظلّل به الخيام المتّخذة من الشّجر.
وأقول: أن الشّيخ لهم يفهم المعنى وترتيبه على ما قبله، وذلك إنه وصف الملوك قبل، بالتّغفّل والتواني، وترك التّيقّظ بجعلهم أرانب، ثم وصفهم بالنّهم وكثرة الأكل،
وأنهم لا تقتلهم، الأقران من الفرسان، وإنما يقتلهم الإمعان في الطّعام. ثم وصفهم وأصحابهم بالضّعف، وكنى عنه بضعف رماحهم، وإنها ليست قنا في الصّلابة التي ينكت بها الفرسان، وإنما هي من ثمام.
وقوله:
ولو حيز الحفاظ بغير عقلتجنّب عنق صيقله الحسام
قال: هذا البيت متّصل بما قبله، يقول: الناس لا عقول لهم، وإنما يؤدي إلى حفظ المودّة عقل الإنسان. ولو جاء الحفاظ من غير ذي عقل، لوجب أن يجتنب السيف عنق صيقله، وابن آدم كالسّيف، لا عقل له صحيح، فكيف يعتمد جميل الأفعال؟
وأقول: أن هذه عبارة سيئة عن كشف هذا المعنى الحسن، وتفسيره يذكر، فيما بعد، في شرح التّبريزي فأنّهما كالشّرح الواحد.
وقوله:
وما كلّ بمعذور ببخلولا كلّ على بخل يلام
قال: يريد أن المكثر أخا اليسار يلام على بخله، والمقتر إذا بخل فلا لوم عليه.
(قال: وكأنه مستخرج من قول الحكميّ:
كفى حزنا أن الجواد مقتّرعليه ولا معروف عند بخيل
فيقال له: البخل إنما يكون بمنع شيء من الطّالب، قليلا كان أو كثيرا، فالمقتر، أن كان معه شيء ومنعه سمّي بخيلا (وليم على بخله)، وإن لم يكن معه شيء، فلا يسمّى بخيلا. على أن المعطي من فضول ماله، وقد تجوّز فيه، أن لا يسمّى كريما (وإنما الكريم الذي يجود مع القلّة والحاجة) كما قال:
ليس العطاء من الفضول سماحةحتّى تجود وما لديك قليل
والجيّد في تفسيره ما ذكره الواحديّ: وهو أن الذي لا يعذر في البخل، من ولدته الكرام، والذي لا يلام على بخله، من كان آباؤه لئاما بخلاء، لم يتعلّم منهم غير البخل، ولم ير فيهم الجود والبذل. قال: ويكون ذلك من قول الطّائي:
لكلّ من بني حوّاء عذرولا عذر لطائيّ لئيم
وقوله:
وقد خفي الزّمان بها عليناكسلك الدّرّ يخفيه النّظام
قال: قوله: بها الهاء راجعة إلى عطاياه، وادّعى إنها قد انتظمت الزّمان فغطّته، كتغطية الدّرّ ما نظم فيه من السّلوك.
وأقول: لم يذكر المعنى، وقد روي بها وبه، فإذا كان الضّمير بها فهي كناية عن عطاياه، وإنها بحسنها واتّساقها قد غطّت الدّهر الحقير الدّنيء، وشرّفته تشريف السّلك بالدّرّ. وإذا كان الضّمير به فهو كناية عن الممدوح، والتّفسير كذلك.
وقوله:
تلذّ له المروءة وهي تؤذيومن يعشق يلذّ له الغرام
تعلّقها هوى قيس لليلىوواصلها فليس به سقام
قال: هذا الممدوح، يحبّ المعالي حبّا شديدا، كحبّ قيس لليلى.
وأقول: عادته، إذا لم يفهم معنى البيت، أن يعيد ألفاظه، وهاهنا، لم يعدها كلّها، بل ترك منها بقيّة يحسن بها المعنى، بل لا معنى دونها، وهي:
... وواصلها فليس به سقام
والمعنى: أن قيسا، مع شدّة حبّه لليلى، لم يواصلها فسقم، والممدوح وأصل المروءة التي عشقها فلم يسقم لعدم الوصال، كما سقم قيس لذلك.
وقوله:
ولا يشتهي يبقى وتفنى هباتهولا يسلم الأعداء منه ويسلم
قال: يقول هذا الممدوح، لا يشتهي أن يسلم ويسلم أعداؤه، ولكن يريد أن يسلم في نفسه، ويهلك جميع أعدائه.
(أقول:) تأمّل هذا الذّكاء وهذه الفطانة بهذا التّفسير!
والمعنى في قوله:
......... ولا يسلم الأعداء منه ويسلم
أي: لا يريد مسالمة الأعداء، ومواعدتهم ضعفا وجبنا وخوفا منهم، وكراهة للقتال.
والتقدير: لا يريد أن يسلموا منه ويسلم منهم، فحذف منهم للعلم به.
وقوله:
بكيت عليها خيفة في حياتهاوذاق كلانا فقد صاحبه قدما
قال: يقول: كنت اعلم أني لا بدّ لي من فراقها، فكنت أبكي عليها والفراق لم يكن، وكانت هي من إشفاقها عليّ كأنّها ثاكلة، وهذا نحو من قوله:
من رآها بعينه شاقه القطّان فيها كما تشوق الحمول
وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى: أني كنت أبكي عليها قبل فراقي لها، خوفا وإشفاقا من موتها، كما قال عبد السّلام بن رغبان:
أخ كنت ابكيه دما وهو حاضرحذارا وتعمى مقلتي وهو غائب
ثم فارقتها، فثكلتها وثكلتني قبل الموت.
وقوله:
أبديت مثل الذي أبديت من جزعولم تجنّي الذي أجننت من ألم
قال: وصفها بصحّة الوفاء في أول الأبيات - يعني قوله:
تبسّمت عن وفاء غير منصدع.........
ثم نقض ذلك بقوله: إنما أبدت مثل ما أبدى من الجزع، ولم تخف كما أخفى من الألم، ولوأنّ وفاءها غير المنصدع لأجنّت الألم كما اجنّه. ثم قال: ولو أنّك أجننت كما أجنّ: لبزّك ثوب الحسن اصغر ذلك، وصرت مثلي في ثوبين من سقم، وإنما ذكر الثوب لإقامة الوزن.
وأقول: ليس في هذا تناقض كما ذكر، لأنّ قوله:
....... ولم تجنّي الذي أجننت...
أي: مثل الذي أجننت، فقد أجنّت، على الجملة، ألما إلاّ إنه دون ألمه، وذلك يدلّ على الوفاء، ولا يدلّ كونه ناقص (عن ألمه)، على الغدر، إذ لو كان المها كألمه، ووجدها مثل وجده على سواء، لكانت عاشقة لا معشوقة، لأنه لا تميّز لها، ولوجب أن تكون مثله، كما ذكر، في ثوبين من سقم، فيلتبس العاشق بالمعشوق.
وقوله: إنما ذكر الثوب لإقامة الوزن.
فيقال له: إنما ذكره لحسن الاستعارة كناية عن الصّغرة، وجعله ثوبين لأنه أراد الحلّة، وهي إنما تكون من ثوبين.
وقوله:
ملومكما يجلّ عن الملامووقع فعاله فوق الكلام
قال: يريد، إنه إذا قال قولا، اتبعه بالفعل من غير تثبّت، لا كمن يمطل إذا وعد أن يفعل.
وأقول: لم يرد ذلك، وإنما أراد إنه إذا قال: إنه يفعل فعلا، جودا أو بأسا، كان فعله أكثر من قوله، كقول الشّاعر:
يقول فيحسن القول ابن ليلىويفعل فوق أحسن ما يقول
وقوله:
عيون رواحلي أن حزن عينيوكلّ بغام رازحة بغامي
قال: الناس يروون التاء، والنون أشبه، لأنه وصف نفسه فيما تقدّم بأنه لا يحتاج إلى دليل. فوجب أن يقول: أن حارت رواحلي، فعيني نائبة عن عيونها، لأنّها تهديها السّبيل.
وأقول: إنه لم يرد هذا، لأنه يفسد عليه قوله:
............ وكلّ بغام رازحة بغامي
إذ لا يخبر عن نفسه بذلك، لما فيه من الخوف والضّعف، وإنما هذا الكلام أخرجه مخرج الدّعاء، يريد به القسم، كقول الأشتر:
بقيّت وفري وانحرفت عن العلاولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشنّ على ابن هند غارةلم تخل يوما من نهاب نفوس
وسواء في ذلك رواية النون والتّاء، وتابعه التّبريزيّ في تفسير رواية النون، وهو خطأ لما بيّنته.
وقوله:
عجبت لمن له حدّ وقدّوينبو نبوة القضم الكهام
ومن يجد الطّريق إلى المعاليفلا يذر المطيّ بلا سنام
قال: من في هذا البيت معطوف على من في البيت الأول. يقول: أني لأعجب ممن يجد طريقا إلى معالي الأمور فلا يطلبها، حتى يذهب لسنمة الإبل.
وأقول: هذا التّفسير ليس بشيء! وسيجيء تفسيره فيما بعد.
وقوله:
حتّام نحن نساري النّجم في الظلّموما سراه على خفّ ولا قدم
قال: نساري النّجم نفاعله، أي: نحن نسري بخيل وابل، وربّما سعينا بالأقدام، والنجم ليس يسري بخفّ ولا قدم فلا يجد ألما كما نجد. وأقول: إنه لم يرد الخيل هاهنا في المساراة، ولو أرادها لذكر ما تسري عليه من حافر، وإنما أراد الإبل والقوم السّارين بها، المعلمين لها.
يقول: نحن والإبل نسري
على خفّ فنألم، والنّجم يسري فلا يألم، لأنه ليس بذي خفّ أو قدم كالإبل والناس، وهذا استفهام إنكار واستعظام، وهو، وان لم يذكر الخيل لم ينف أن تكون معه سائرة.
وقوله:
تبري لهنّ نعام الدوّ مسرجةتعارض الجدل المرخاة باللّجم
قال: ذكر أن الخيل تعارض الإبل، وإنما جرت عادة العرب، أن يوصفوا بركوب الابل، وانهم قد جنبوا الخيل وراءها، وقد ذكره أبو الطّيب في قوله:
ولا اتّبعت آثارنا عين قائففلم تر إلاّ حافرا فوق منسم
وأقول: لم يقصد أبو الطّيب بقوله:
......... تعارض الجدل المرخاة باللّجم
نفس المعارضة في حال السّير فيلزمه ما ذكر، وإنما كنى بذلك عن طول أعناق الخيل، وإنها تحاذي أعناق الإبل، إذ كانت المعارضة قد تقع في بعض السّير، فبالغ في ذلك، كقول امرئ القيس:
ومستفلك الذّفري كأنّ عنانهومثناته في رأس جذع مشذّب
وقوله:
أتى الزّمان بنوه في شبيبتهفسرّهم وأتيناه على الهرم
قال: وقد بدأ حبيب بن أوس بذكر هرم الزّمان بقوله:
مجد رعى تلعات الدّهر وهو فتىحتى أتى الدّهر يمشي مشية الهرم
فيقال له:
شتّان ما يومي على كورهاويوم حيّان أخي جابر
على أنه، وإن سبقه إلى اللّفظ، فلم يسبقه إلى المعنى، لأن معنى بيت أبي تمّام غير معنى بيت أبي الطيب.
وقوله:
وأمّ عتيق خاله دون عمّهرأى خلقها من أعجبته فعانها
قال: زعم أن هذا المهر، خاله دون عمّه، فكأنه وصفه بالهجنة مع شهادته له بالعتق.
فيقال له: العتيق من الخيل: الرائع الحسن الخلق، قال ابن دريد: يقال للجميل: ما أعتقه وأبين العتق فيه!! فإذا كان كذلك لم يكن مناقضا.
وقوله:
أن خلّيت ربطت بآداب الوغىفدعاؤها يغني عن الأرسان
قال: أشطرتّه القافية إلى الأرسان ولو وصفها بالغناء عن اللّجم، لكان ذلك (أبلغ) في وصفها بالأدب.
فيقال له: لم تضطّره القافية إلى ذلك، لأن الرّبط إنما يستعمل في الأرسان لا في اللّجم.
يقول: هذه الخيل مؤدبة بآداب الحرب، لا يخشى شرادها إذا خلّيت وأرسلت، لأن دعاء فرسانها، يوم مقام الارسان، فلا تحتاج إلى الأرسان مع اللّجم، لأن من الخيل ما يلجم على رسنه خوفا من شراده، وهذه غنيّة عن ذلك.
وقوله:
والماء بين عجاجتين مخلّصيتفرّقان به ويلتقيان
ابن دريد، الجمهرة.
قال: يعني أن الماء قد صار في جانبيه عجاجتان، فكأنه مخلّص بينهما لأنه ليس يشاكلهما في اللّون والخلقة، فتارة تفترق العجاجتان، وتارة تلتقيان.
وأقول: تعليله للتّخليص بينهما بكونه مخالفا لهما في اللون والخلقة غير جيّد، لأن هذه العلّة يشارك النّهر فيها أكثر الأجسام. وإنما يريد، أن خيل سيف الدولة بعضها قطع (ذلك) النّهر، وبعضها لم يقطعه، فالخيلان تثير في جانبي النّهر عجاجتان، النّهر مخلّص بينهما، ما لم تقو الرّيح، فأن قويت التقتا.
وقوله:
نظروا إلى زبر الحديد كأنّمايصعدن بين مناكب العقبان
قال: شبّه الدّارعين بزبر الحديد، وشبّه خيلهم بالعقبان كأنما تحمل الزّبر على المناكب.
وأقول: أن قوله:
نظروا إلى زبر الحديد............
يحتمل أن يكون إشارة إلى دروع الفرسان وبيضهم، وان يكون كناية عنهم لشدّتهم وجلدهم، كما يروى عن أمير المؤمنين ﵇ إنه مرّ في بعض ليالي صفّين بمالك ابن الحارث الأشتر ﵀ والناس نيام من شدّة القتال، وهو يقوّم رماحا. فقال له: لله درّك يا مالك! لو أن الرجال من حديد لكنت زبره، أو من حجارة لكنت صخره!
وقوله:
وفوارس يحيي الحمام نفوسهمفكأنّها ليست من الحيوان
قال: أسرف في المبالغة، فجعل الحمام يحيي انفسهم، كأنها ليست حيوانا، أي: كأنهم كانوا أمواتا، أو جمادا فجعلهم الحمام أحياء.
وأقول: أن قوله: فكأنهم (كانوا) جمادا، أو امواتا، فجعلهم الحمام أحياء ليس بشيء!
والمعنى: أن هؤلاء الفوارس، كأنهم بخلاف غيرهم من الحيوان، لأنّ الحمام يحيي نفوسهم، وغيرهم الحمام يهلك أنفسهم، وهذا مثل قوله:
............ إذا تلفوا قدما فقد سلموا
وقوله:
ما زلت تضربهم دراكا في الذّرىضربا كأنّ السّيف فيه اثنان
قال: يريد انك سيف ومعك سيف.
وأقول: لم يرد بقوله: تضربهم سيف الدولة وحده، حتى يفسره على ما قال،
وإنما
أراد سيف الدّولة وأصحابه، وأضاف ضربهم إليه، لأنه بأمره، ويدلّ عليه ما قبله من قوله: وفوارس وإنما يعني أن الضرب منه ومن أصحابه، كان متداركا متتابعا لسرعته، فكأنّ السّيف بسرعة وقعه عليهم سيفان مختلفان.
وقوله:
خصّ الجماجم والوجوه كأنّماجاءت إليك جسومهم بأمان
قال: ترك المبالغة في هذا البيت، لأنّ رسوب السّيف في الضّريبة محمود، وقد قال في موضع آخر:
إذا ما ضربته به هامةبراها وغنّاك في الكاهل
فيقال له: ترك المبالغة هاهنا، وان كانت محمودة، لما هو أحمد منها، وذلك وصفهم بثبات القلوب والأذهان، عند لقاء الأقران مواجهين لهم، وأنهم خصّوا رؤوسهم ووجوههم بالضّرب، معتمدين ذلك، غير ذاهلين عنه خوفا وفرقا، كما قال بلعاء بن قيس:
بضربة لم تكن منّي مخالسةولا تعجّلتها جبنا ولا فرقا
وقوله:
فرموا بما يرمون عنه وأدبروايطئون كلّ حنيّة مرنان
قال: يقول: رموا قسيّهم، وهي التي يرمون عنها، وهذه صفة رجّالة الأرمن.
وأقول: ما اعلم لم خصّ برمي القسيّ الرّجّالة دون غيرهم؟ ولم خصّ من الرّجّالة الأرمن دون غيرهم؟ فهذا تخصيص بغير دليل. وقوله:
......... يطئون كلّ حنيّة...
لا يدلّ على قوله، لأنه يحتمل أن (يكون) وطؤها بخيلهم، وذلك أبلغ في مدح سيف الدولة.
وقوله:
إذا قدمت على الأهوال شيّعنيقلب إذا شئت أن يسلاكم خانا
قال: يقول: أنا اقدم على الأهوال التي كأنّها غائبة عنّي، وأسافر إليها، كما يسافر الغائب إلى أهله. وشيّعني أي: قوّاني، فكان لي مشايعا على ما أريد.
وأقول: لم يذكر الشّيخ معنى البيت، وإنما فسّر بعض ألفاظه!
والمعنى: أخباره عن صدق محبّته، وشدّة هواه ووجده بأحبابه، يقول: إذا قدمت على الأمر المهول، والخطب المخوف، شيّعني قلبي، أي: صاحبني وتابعني، وذلك وفاء من قلبه له، وإذا رمت سلوّكهم، لم يشايعني، وخذلني فخانني. فجعل قلبه يقدم على الاهوال، ولا يقدم على السّلوان، وهذا نسيب تشوبه حماسة!!
وقوله:
وتسحب الحبر القينات رافلةفي جوده وتجرّ الخيل أرسانا
قال: وصفه بالجود على كلّ الخلق، وإنّ الحبر تجرّه القينات أي: الإماء وإنما هو من عطاياه، وجعل الخيل تسحب أرسانها في ملكه، فيجوز أن يعني بذلك، إنها تترك وشأنها، فلا ترتبط، فهي تسحب الأرسان لذلك. وهذا الوجه ابلغ من أن يصفها بطول الأرسان المانعة لها من التّصرف.
وأقول: أن قوله: وجعل الخيل تسحب أرسانها في ملكه (خطأ) وإنما هو في جوده بمنزلة القينات، فالقينات في جوده تسحب الحبر والخيل تسحب الأرسان. وهذا معنى مطروق، من ذلك قول النّابغة:
الواهب المائة الأبكار زيّنهاسعدان توضح في أوبارها اللّبد
والراكضات ذيول الرّيط فنّقهابرد الهواجر كالغزلان في الجرد
وقوله:
طربت مراكبنا فخلنا إنهالولا حياء عاقها رقصت بنا
قال: المراكب: جمع مركب، وهو الذي يوضع على ظهر الدّابة لتركب، ويجوز
أن تسمّى الدابة مركبا، وكون المركب في معنى السّرج، ابلغ في هذا الموضع، لأن الدّابّة حيوان، فهي اقرب إلى الرّقص من الذي يركب فيه.
وأقول: أن الشّيخ، دائما، ينكر عليه الغلوّ في الاغراق، وينسبه إلى الإحالة، ثم هو يجعل هاهنا الذي هو اقرب إلى الإحالة، أولى من الأبعد! على أن الإغراق ليس بمستحسن في كل موضع. ومع هذا، فأنّ المراكب، التي هي السّروج، إذا كانت لازمة لظهور المراكب، التي هي الخيل، شدّا وحزما، فلا يمكن حركتها بالرّقص من دون حركة ما لزمته، فالأولى أن يضاف الرّقص إلى الخيل، وان كانت اقرب إليه من السّروج.
وقوله:
فطن الفؤاد لما أتيت على النّوىولما تركت مخافة أن تفطنا
قال: وصفه بالفطنة، وزعم إنه يفطن لما يفعله الشّاعر، ولما لم يفعله، مخافة أن يعلم به فكأنه يقول: لم أزل أثني عليك في غيبتك، وفي حضورك، وأنت عالم بذلك.
وقوله:
......... ولما تركت مخافة أن تفطنا
كأنه أراد ذمّ قوم، فترك ذّمهم، لأنه خشي أن يفطن بذلك.
وأقول: أن قوله: وصفه بالفطنة، وزعم إنه يفطن لما يفعله... ولما لم يفعله مخافة أن يعلم به كاف في تفسير البيت، وما بعده زيادة كزيادة الأصابع! وهي من قوله: لم أزل أثني عليك إلى الآخر، لأن اللفظ لا يدلّ عليه، ولا القرينة ترشد إليه.
وقوله:
أضحى فراقك لي عليه عقوبةليس الذي قاسيت منه هينا
قال: الهاء في عليه عائدة على ما ذكره مخافة أن يفطن الممدوح، أي: فراقك أضحى كالعقوبة على ما تركته. والهاء في منه عائدة على الفراق.
وأقول: أن قوله: الهاء... عائدة على ما ذكره مخافة أن يفطن، وهو إنه أراد أن يهجو أناسا، خطأ! بل الضّمير في عليه ومنه عائد على الفراق، وذلك إنه تخلّف عن الممدوح، ولم يسر في صحبته، وكان الواجب عنده أن لا يفارقه فقال: أضحى فراقك عقوبة لي عليه، فكأنّه يقول: عوقبت بالفراق على الفراق، وبيّن ذلك بقوله:
... ليس الذي قاسيت منه هينا
أي: من الفراق. فهذا هو التقدير الصّحيح الذي يدلّ عليه لفظ البيت، وما سواه ففاسد.
وقوله:
كأنّه زاد حتّى فاض عن جسديفصار سقمي به في جسم كتماني
قال: صار السّقم الذي كان بي في جسم كتماني، أي: كتماني ذاب وضعف، حتى صار يشبهني في السّقم وأنا أخفى عن النظر.
وأقول: قوله: وأنا أخفى عن النّظر زيادة لا يدلّ عليها اللّفظ، ولو قال: وأنا ناحل جدا من السّقم بالحبّ، لكان أولى.
وقوله:
تحمّلوا حملتكم كلّ ناجيةفكلّ بين عليّ اليوم مؤتمن
قال: هذا ضدّ ما ذكره في قوله:
ليت الذي خلق النّوى جعل الحصىلخفافهنّ مفاصلي وعظامي
وأقول: لو كان قال ضدّ قوله:
وإذا الجياد - أبا البهيّ - نقلنناعنكم فأردأ ما ركبت الأجود
لكان أولى.
وقوله:
وتغضبون على من نال رفدكمحتى يعاقبه التّنغيص والمنن
(قال:) أي حتى يكون في عاقبته تنغيص بالمنن على أخذه. ويجوز أن يكون يعاقبه من تعاقب الراكبين على الدّابة، يريد أن رفدكم والتّنغيص لا يجتمعان، فيسهل أحدهما الآخر، ولكن التّنغيص يجيء ولا رفد معه.
وأقول: الصّحيح، إنه أراد بقوله يعاقبه من العقاب، يقول: تغضبون على من نال منكم رفدا، فتعاقبونه بتنغيصه بمنّكم) كأنه مذنب بأخذه منكم. وأما تفسيره يعاقبه بمعنى يعقبه أي: يتبعه فحسن، والذي ذكرته احسن منه.
وأمّا قوله: ويجوز أن يكون من تعاقب الرّاكبين على الدّابّة، ويريد أن
رفدهم والتنغيص لا يجتمعان، فيسهل أحدهما على
الآخر، ولكنّ التنغيص يجيء ولا رفد معه فهذا لا يصحّ إلا إذا عطف على قوله:
رأيتكم لا يصون العرض جاركم.........
كأنّه قال: ولا تغضبون على من نال رفدكم، حتى تحصل المعاقبة بينه وبين التّنغيص والمنن، ولكنه وجه خفيّ، ومع الخفاء، بعيد.
وقوله:
فغادر الهجر ما بيني وبينكميهماء تكذب فيها العين والأذن
قال: تكذب فيها العين والاذن، لأنها بعيدة الارجاء، فالعين لا تتبيّن فيها الشّخص على الحقيقة، وكذلك الأذن، ليس سمعها في هذه المقفرة بالصّحيح.
وأقول: إنه أراد بكذب العين، إنها ترى السّراب فتظنّه ماء، وكذب الأذن إنها تسمع دويّها فتظنه شيئا من خارج، كقول ذي الرّمّة:
إذا قال حادينا ليسمع نبأة:صه، لم تكن إلا دويّ المسامع
وقوله:
وإذا لم يكن من الموت بدفمن العجز أن تموت جبانا
قال: حثّ بهذا البيت على الشّجاعة، ونهى عن الجبن. وإنما يكون الإنسان كما خلق، فأن كان شجاعا لم يكن موصوفا بالجبن، وان خلق جبانا، فليس له إلى الشجاعة سبيل. وقد قال الأول:
لقد علمت ولا أنهاك عن خلقإلا يكون امرؤ إلا كما خلقا
فيقال له: هذا، مبنيّ على أن الإنسان مجبر أو مطبوع على الأفعال، وليس كذلك بل الصّحيح، أن الإنسان مخير، له فعل يكسب به الخصال الحميدة والذّميمة ويألفها، فتصير له كالطبع اللاّزم، فيمكن الإنسان أن يتعلّم ممّن يصاحبه، كقول أبي الطّيب:
فربّ غلام علّم المجد نفسهكتعليم سيف الدولة الطّعن والضّربا
وقوله:
كأنّك ما بيننا ضيغميرشّح للفرس أشباله
وقد قال رسول الله ﷺ الخير عادة، والشّرّ لجاحة.
وقال الشّاعر:
باتت تلوم وتلحاني على خلقعودته عادة والخير تعويد
وقوله:
رأت كلّ من ينوي لك العذر يبتلىبغدر حياة أو بغدر زمان
قال: فرّق بين غدر الحياة وغدر الزّمان، وإنما حمله على ذلك إقامة الوزن، والزّمان غدره على ضربين.
أحدهما: هلاك النّفوس.
والآخر: هلاك المال، وزوال الدّول، وموت الأعزاء، وغدر الحياة داخل في
غدره.
وأقول: أن غدر الحياة وغدر الزّمان كلاهما مجاز، فليس أحدهما داخل في غدر الآخر، فكنى بغدر الحياة عن الموت، وبغدر الزّمان عن زوال الملك والمال، وما يناله الإنسان في من السّرور والرّاحة، لأنّ ذلك أكثر ما يستعمل في عطاء الدّهر، وقلّما يستعمل في عطاء الحياة. فلذلك خصّه بما سوى الحياة وجعلهما قسمين.
وقوله:
كأنّ رقاب النّاس قالت لسيفهرفيقك قيسيّ وأنت يماني
قال: في هذا البيت معنى حسن لطيف، وذلك أن الشّاعر قال:
كأنّ رقاب النّاس قالت لسيفهرفيقك قيسيّ وأنت يماني
أي: رفيقك يا سيف من قيس عيلان، وأنت منسوب إلى اليمن، فأفسدت بين شبيب وبين السيف، لأنّ عادة من ينسب إلى قيس عيلان، أن يتعصّب على اليمن.
وأقول: ذكر أن الرّقاب أغرت بين وبين سيفه البغضاء، إلا إنه لم يذكر لأيّ معنى ذلك. والعّلة بذكر ذلك، أن يتخلّص من الضّرب والقطع.
وقوله:
فنال حياة يشتهيها عدوّهوموتا يشهّي الموت كلّ جبان
قال: أي إنه مات موتة وحيّة، ولم يمت حتف انفه، فيعاني العلل والأمراض.
وأقول: أن الجبان يشتهي أن يموت حتف انفه، أي: على فراشه من غير قتل، كقوله:
وما مات منّا سيّد حتف أنفهولا طلّ منّا حيث كان قتيل
والشّجاع يشتهي أن يموت في الحرب. والأقرب أن يكون معنى قوله:
......... وموتا يشهّي الموت كلّ جبان
أنه مات صرعا من شرب الخمر، كما ذكر، فهذا موت يشتهيه الجبان.
وقوله:
ثنى يده بالإحسان حتّى كأنّهاوقد قبضت كانت بغير بنان
قال: يقول: ملأت يده بالإحسان، حتى ثناها إلى ورائها، فكأنها لمّا قبضت ما وهبت له لم يكن لها بنان تطبقه على الموهوب فأرسلته.
وأقول: أن قوله: ثناها إلى ورائها ليس بشيء! وإنما ثناها: ردّها، (أي جلعها) وقد كانت ذات بنان، كأن لا بنان لها لما قبضت على إحسانك، أي: لم تحفظ إحسانك، ولم تحافظ عليه فضيّعته، وفي هذا إشارة إلى غدره وجحده للجميل، وكفره للأنعام، وقد بيّن ذلك بما بعده.
وقوله:
ومالك نختار القسيّ وإنماعن السّعد يرمي دونك الثّقلان
قال: يعني بالثّقلين الجنّ والإنس، وجاء في الحديث إنه - صلّى الله عليه - قال): خلّفت فيكم الثّقلين: كتاب الله وعترتي! فالثقلان في الحديث تثنية ثقل، ومن قولهم: حطّ فلان ثقله، أي: متاعه الذي يحمله، فأراد - صلّى الله عليه - أن كتاب الله وعترته ثقلاه الذي يهمّه حفظهما.
وأقول: اشتغل الشّيخ بذكر اللّغة ولم يذكر المعنى، وهو إنه استفهمه إنكارا عليه اختيار القسيّ ليرمى عنها أعداؤه لأنها قد تصيب وتخطئ، وقال: إذا كان الإنس والجنّ ترمي دونك الأعداء عن السّعد، فلا حاجة إلى القسيّ. ويحتمل أن يكون أراد قسيّ السّعد، فحذف المضاف وأقام مقامه المضاف إليه، لدلالة الأول عليه.
وقوله:
مغاني الشّعب طيّبا في المغانيبمنزلة الرّبيع من الزّمان
قال: الرواية التي في ايدي الشّاميين، ينصبون طيبا، ويجب أن يكون نصبه بإضمار فعل، كأنه قال: تزيد طيبا، أو: تطيب طيبا، كلا تقول: فلان سيرا، أي:
يسير سيرا.
والبغداديّون ينشدون: طيب بالرّفع، وإنما فرّوا من النّصب، لأنه ليس ثمّ فعل يحمل عليه. والرّفع على أن طيب خبر مبتدأ، وهذا كلام النّحاة من البصريين.
وأقول: أن الشّعر موضع ضرورة، يقع فيه التقديم والتأخير، وهو على أصله في الكلام، فيكون تقدير هذا البيت: مغاني الشّعب في المغاني طيبا، أي: استقرّت طيبا، بمنزلة الرّبيع من الزّمان طيبا، ويكون مثل قولهم: زيد في الدار قائما (وأجيز في قائما التقديم في الشعر). وإذا جاز أن يؤخّر الفاعل ويقدّم المفعول في قولهم: ضرب غلامه زيد، وفي قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه)، والفاعل كالجزء من الفعل، ولهذا إذا كان مضمرا مرفوعا لم يعطف عليه حتى يؤكّد، فلم لا يجوز التقديم (والتأخير) في مثل هذا البيت؟
وقوله:
ولكنّ الفتى العربيّ فيهاغريب الوجه واليد واللّسان
قال: ذهب بعض الناس، إلى أن في هذا البيت النّعمة، إنما أراد، أن العرب تخالف العجم في خلقها ولفظها، لأنّ وجوههم بيّنة من وجوه العرب، ولحاهم شقر وصهب، وكان مرور أبي الطيب بالكرد، وايديهم لا تشبه أيدي العرب، لأنها غلاظ جعدة.
وأقول: أن الصّحيح إنه أراد بغريب اليد ما أراد بغريب اللّسان أي: كتابتهم أعجمية، كما أن لغتهم أعجمية، فهذا لسان غريب في الألسن، وهذا خطّ غريب في الخطوط، فكنى بغربة اليد واللّسان عن عجمة الخطّ والكلام.
وقوله:
وأمواه يصلّ بها حصاهاصليل الحلي في أيدي الغواني
قال: زعم الشّاعر، أن هذه الأمواه حسنة، فحصاها يصلّ فيها، كما يصلّ حلي
الغانية عليها، وفي هذا البيت صفة الأمواه وحصاها، لأنه جعل حصاها كالحلي، وجعلها كالغانيات من النّساء.
وأقول: لم يرد في هذا البيت، إلا وصف صوت المياه بجريها على الحصى، وإنها تشوق (بصوتها) كما يشوق صليل الحلي في أيدي النّساء، يعني: قلائدهنّ إذا عبثن بها ولعبن. ولا يريد بالحلي في أيدي الغواني، سورهنّ وما أشبهها، لأنّ المحمود من ذلك أن لا يصلّ ولا يصوّت.
وقوله:
رقاه كلّ ابيض مشرفيّلكلّ أصمّ صلّ أفعوان
قال: يقول: إنه أقام السيوف مقام رقى، يرقي بهن الأعداء، فشبّه أهل العصيان بالصّمّ من الحيّات.
وأقول: لم يرد بقوله:
............ أصمّ صلّ أفعوان
الأعداء، وإنما أراد رماح الأعداء، فجعل رقاها السّيوف، وهي اعظم منها، يقول: ليس له رقى من كلام، كما يفعله رقاة ذوات السّموم، إنما رقاه فعال أعظم من فعال ذلك المرقيّ فيدفع لسعة صلّ الرّمح برقية لسان السّيف.
وقوله:
حمى أطراف فارس شمّريّيحضّ على التّباقي بالتّفاني
قال: يحضّ: يحثّ، ويجب أن يكون:
.................. على التباقي بالتّفاني
بالباء، أي: يحضّ على ترك النّاس القتل بالقتل، وفي الكتاب العزيز: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) وهذا اللّفظ يشير إلى اللفظ الأول: القتل أنفى للقتل. وإن رويت في التفاني فله معنى يؤدّي المعنى الأول. ويحتمل أن يريد:
على التّفاني في الدار التي فيها التّفاني، أما من تفاني النّاس بالقتل، وأمّا من تفانيهم بالموت.
وأقول: إنه ذكر وجهين (الأول) ظاهر سائغ، وهو المقدّر بالباء، لأنه معنى القرآن، وكلام العرب القديم. والثاني مظلم، وهو المقدّر بفي من قوله: يريد أن يحضّ على التّفاني في الدّار التي فيها التّفاني وتقسيمه له. والصحيح أن هذا الوجه ينظر إلى قوله:
ضربته بصدور الخيل حاملةقوما إذا تلفوا قدما فقد سلموا
يعني: بما يبقى له من الذّكر الجميل، الذي يقوم مقام الحياة. وكذلك قوله:
......... يحضّ على التّباقي في التّفاني
أي: يحضّ على البقاء في الفناء - يعني القتل في موطن الحرب، بما يكسبه من الثّناء الجزيل، والذّكر الجميل لقوله:
ذكر الفتى عمره الثاني............
وقوله:
تبلّ خدّيّ كلّما ابتسمتمن مطر برقه ثناياها
قال: هذا البيت يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون: كلّما ابتسمت أخذه البكاء لأنه يخاف من الفراق، أو من تغيّر النيّة، فيكون المعنى كقوله:
............ ظلت أشكو وتبسم
والآخر: أن تكون تقبّله فيصيب خدّيه من الرّيق، وإن قلّ. ويقوّي هذا الوجه قوله:
فقبّلت ناظري............
وأقول: الوجه الصّحيح هو الاول، والثاني قول ابن جنّي وقد ذكرت ما فيه.
وقوله:
في بلد تضرب الحجال بهعلى حسان ولسن أشباها
قال: لسن أشباها: أي بعضهنّ أفضل من بعض، كأنه فضّل التي ذكرها عليهن.
وأقول: هذا التّفسير ليس بشيء! والصحيح أن هذه حسان من ظباء يضرب عليهن الحجال بخلاف الظّباء، وإنهنّ لا يتشابهن، لأنهنّ نساء بخلاف الظباء فأنهن يتشابهن، ويدل عليه قوله فيما بعده:
كلّ مهاة..................
وقوله:
فإن أتى حظّها بأزمنةأوسع من ذا الزّمان أبداها
وصارت الفيلقان واحدةتعثر أحياؤها بموتاها
قال: قوله:
وصارت الفيلقان...
أراد بإحداهما الجماعة التي في طاعة هذا الملك، وبالأخرى الجماعة التي ليست في طاعته. فأن كان الذي ذكره الشّاعر من حظّ الدنيا، فأنّ المخالفين لهذا الممدوح يصيرون من عبيده وأصحابه.
وأقول: هذا التّفسير ليس بشيء! وإنما المراد بقوله:
وصارت الفيلقان واحدة.........
اختلاط الكتيبتين والفئتين في الحرب، ووصف القتال بالشدّة إلى أن يعثر الحيّ بالميت، ولم يره، لكثرة القتلى وظلام النّقع.
وقوله:
ودارت النّيرات في فلكتسجد أقماره لأبهاها
قال: أن صحّ هذا المرجوّ، صار الناس كلّهم في طاعة واحدة، ودارت ذوات
النّور في فلك، أقماره تسجد لأكثرها بهاء ونورا، يعني الممدوح.
(وأقول:) وهذا ليس بشيء! وإنما استعار للحرب فلكا، وجعل الأبطال فيه كالكواكب، والملوك كالأقمار، والممدوح أبهى الأقمار، يعني الشّمس، وهي تسجد له، أي: تذلّ وتخضع.
وقوله:
لو أنكرت من حيائها يدهفي الحرب آثارها عرفناها
وكيف تخفى التي زيادتهاوناقع السّمّ بعض سيماها
قال: ذكر ابن جنّي أن الزيادة في هذا البيت (السّوط) ولا يمتنع ذلك. والأشبه أن تكون الزيادة هاهنا السّيف لأنه قرنه بناقع السّمّ.
وأقول: أن ابن جنّي، إنما جعل الزيادة سواء لقول المرّار:
ولم يلقوا وسائد غير أيدزيادتهنّ سوط أو جديل
والسّوط والجديل يجعلان زيادة فوق الوسادة، التي هي أما يد النّاقة أو يد راكبها تحت خدّه. فلا يحسن، على قول أبي العلاء، أن يجعل السّيف زيادة، لأنه لا يجعل هناك.
وقوله:
النّاس كالعابدين آلهةوعبده كالموحّد اللاّها
قال: يقول: الناس الذين في طاعة غيره، كأنهم يعبدون آلهة مختلفة، وعبيده الذين يطيعونه، كأنهم الموحّدون، (وهذا كقوله:
ولست مليكا هازما لنظيرهولكنّك التّوحيد للشّرك هازم
وأقول: أن هذا تفسير الشّيء بنفسه على عادته الجاية!
والمعنى: أن الناس الطّائعين غيره، التّابعين سواه، في ضلال، كالعابدين آلهة، لا إلها واحدا، وعبده المقتدي به، والطائع له، كالموحّد الله في الهداية والاستقامة.
والبيت الذي مثّل به هذا البيت، ليس بينه وبينه تماثل إلا بلفظ التّوحيد.
وقوله:
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذىفلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
قال: في هذا البيت تعريض بذمّ من فارق، لأنه ذكر، انهم جادوا له جودا لم يخلص من أذية، وإذا كان الجود كذلك، فالجود ما حمد والمال ما بقي.
وأقول: أن قوله: فالجود ما حمد الأولى منه قوله: فالحمد ما كسب، وذلك أن الإنسان إنما يعطي ماله ليكسب الحمد، فإذا منّ بالعطاء لم يحصل له ذلك، وهذا من قوله تعالى: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) وفيه نظر إلى قوله - صلّى الله عليه -: أوغلوا في هذا الدّين برفق فأنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
وقوله:
خلقت ألوفا لو رحلت إلى الصّبالفارقت شيبي موجع القلب باكيا
قال: هذا البيت شرح ما قبله، وفي دليل على إنه لمن فارق ذامّ، لأنه جعله كالشّيب.
وقال: لو فارقت الشيب الذي هو ذميم برحيل (إلى) الصّبا، الذي هو أفصل حياة الإنسان، لكان ذلك الفراق موجعا للقلب مبكيا للعين. وقد وصف نفسه في هذا البيت بوفاء لم يسمع مثله.
وأقول: هذا البيت، ليس هو شرحا لم أقبله، وليس فيه دليل على إنه لمن فارق ذامّ، وإنما هذا البيت قائم بنفسه، وصف نفسه فيه بكثرة الوفاء، وبالغ إلى إنه لو كان - كمن رحل إلى الشّيب الذي يسوء الإنسان ويغمّه، وهو نذير الموت - راجعا إلى الصبا الذي يسّر الإنسان ويفرحه، وهو مظنّة الحياة، وأطيب العمر، لفارق الشّيب موجع القلب باكي العين. وان كانت في الأبيات التي قبله تعريض بالذمّ تارة وتصريح اخرى.
وقوله:
تماشى بأيد كلّما وافت الصّفانقشن به صدر البزاة حوافيا
قال: البزاة جمع باز، وهو هذا الطائر المعروف. وهذه كلمة أخذها الشّاعر من كلام العامّة، لأنّ النّساء يقلن: نقشتها النّاقشة صدر البزاة. يقول: إنها إذا وطئت الأرض، وهي غير منعلة، نقشت في صفا الأرض نقشا يشبه ذلك المذكور. وقد اقتصر في هذا الوصف، لأنه شبه في الأخرى (تشبيه) آثار الخيل (بآثار) قلع الحلي من المناطق وزعم إنه إذا عدا غادر آثارا كالخنادق. وهذه مبالغة في شدّة الوطء. ويحتمل أن يكون في هذا الموضع وصفه بالخفّة، إنه لا يمكّن الحوافر من الوطء.
وأقول: أن قوله:
......... نقشن به صدر البزاة حوافيا
تشبيه حسن واقع، صحيح اللّفظ والمعنى، وأقول ألفاظ العامّة أو خالفها، وإذا كان كذلك، فليس فيه عيب، ولا عليه دخل، على أن أبا الطّيب (لم يكن جاهلا) إلى أن يستعمل من كلام العامّة ما ليس له أصل في كلام الخاصة.
وقوله: قد اقتصر في هذا الوصف.
فيقال له: لا يلزم الشّاعر الإغراق في كل موضع، فإذا غرق لا يلزمه التّساوي في ذلك، على إنه يقال له: أن في هذا البيت، من الإغراق ما يساوي المكان الأول، بل يزيد عليه، لأن في قوله:
يترك في حجارة الأبارق
وصفها بقلعها، والأبارق: جمع أبرق، وهي الأرض التي فيها حجارة ورمل وطين، فإذا مشى قلع حجارتها، لأنّها سهلة في المرطوبة، وإذا عدا كان وقعه واعتماده عليها أشدّ من ذلك فأثّر فيها أكثر من القلع، وهي الخنادق، وتكون
صغيرة وكبيرة. وأمّا الصّفا فهو الحجر الأملس الصلب، فذكر أن الخيل التي معه إذا مشت عليه حوافيا أثّرت فيه آثارا بيّنة كنقش صدور البزاة وذلك لصلابة الحوافر، فتعليله بقلّة تأثيرها في الصّفا بالخفّة غير صحيح لما بيّنته.
وقوله:
لقيت المروري والشّناخيب دونهوجبت هجيرا يترك الماء صاديا
قال: قد وصفت العرب ضنّهم بالماء إذا قلّ، وإنه لا يسمح به الكريم كما فعل كعب بن مامة. وقد زعم الفرزدق إنه منّ على رفيق له بحظّه من الماء لمّا اقتسموه، وأنشد:
فلمّا تصافنّا الأداوة أجهشتإليّ غضون العنبريّ الجراضم
فجاء بجلمود له مثل رأسهليشرب ماء القوم بين الصّرائم
على حالة لو أن في القوم حاتماعلى جوده ضنّت به نفس حاتم
وأقول: إن الفرزدق لم يؤثر بحظّه من الماء، وقد ذكر ذلك أبو العباس المبرّد في الكامل وقال: إنه صاحب رجلا من بلعنبر، فقلّ عليهم الماء، فتصافنوه، فسأم العنبريّ الفرزدق أن يؤثره بحظّه من الماء، وكان جوادا، فلم تطب نفسه عن نفسه، وأنشد الأبيات وفيها دليل على ما قلت.
(انتهى)
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع