من «الفلك الدائر على المثل السائر» لابن أبي الحديد (ت ٦٥٦هـ)
الفلك الدائر على المثل السائر (٣)
أقول: قد وقفت لأبي محمد بن الخشاب على رسالة في الفرق بين الفصاحة والبلاغة أتى فيها بنوادر شريفة. وقد ذكر أبو هلال العسكري في كتاب
الصناعتين كلاما جيدا في هذا المعنى. وقد ذكرنا نحن في كتاب "العبقري الحسان" أقوالا كثيرة في هذا الباب، وما أظن أن أحدا ممن يتصدى لكلام في هذا الفن إلا وقد قال قولا بالغا في هذه المسألة، فما أعلم كيف يدعي هذا الرجل على الناس أنهم يقتصرون في هذا البحث بتينك اللفظتين لا غير.
قال المصنف: ولا يجوز أن تفسر الفصاحة بهذا لوجهين: أحدهما أن اللفظ قد يكون ظاهر المعنى عند زيد لا عند عمرو، فيجب أن يكون فصيحا غير فصيح، وهذا محال، بل الفصيح يجب أن يكون فصيحا مطلقا.
والثاني: أن اللفظ القبيح الذي ينبو عن السمع ولكنه ظاهر المعنى يجب أن يكون فصيحا، وهذا محال؛ لأن الفصاحة وصف حسن، فلا يجوز أن يكون اللفظ قبيحا.
أقول إن أرباب علم البيان لم يقتصروا في حد الفصاحة على أنها ظهور المعنى من اللفظ فقط، بل قالو في حدها وحقيقتها ما يعرفه من تمارس كتبهم، ولو قالوا ذلك لم يكن ما أورده عليهم قادحا في كلامهم.
أما الوجه الأول فإنه ليس من شرط الفصيح أن يكون ظاهرا مكشوف المعنى لكل سامع، فإن الزنج والروم لا يفهمان المراد بالقرآن، ولا يقدح ذلك في كونه فصيحا، والفصاحة أمر نسبي لأنها صفة اللفظ، واللغات والألفاظ تختلف باختلاف الأمم قرونها وبلادها.
وأما الوجه الثاني فلأن القبيح الظاهر المعنى فصيح من حيث ظهور معناه وإن كان قبيحا من وجه آخر، ونظير ذلك الكلام الفصيح يتضمن شتم الأنبياء والثناء على إبليس والشياطين أو غير ذلك من الوجوه التي يقبح
لأجلها، فإنه حسن من وجه وقبيح من وجه، وليس يلزم من قبح الشيء من جهة ألا يكون حسنا من جهة أخرى، كما لا يلزم من كون سماع صوت العود حراما ألا يكون لذيذا.
قال المصنف: والفصاحة مختصة بالألفاظ دون المعاني، لوجوه منها أن الفصيح هو المألوف الاستعمال، وإنما كان مألوف الاستعمال لحسنه، وحسنه يدرك بالسمع؛ لأنه أمر عائد إلى تركيب حروفه وخفتهما وتباعد مخارجها، والذي يدرك بالسمع يكون صوتا يأتلف من مخارج الحروف، وكل ما ليس بمسموع لا يكون فصيحا.
أقول هذا الكلام يحتمل أمرين: أحدهما أن يجعل حد الفصاحة هي الألفاظ المألوفة الاستعمال، وإنما كانت مألوفة الاستعمال لخفتها وسلاستها. والآخر ألا يجعل ذلك حد الفصاحة، بل مراده تعليل اختصاص اللفظ بوصف الفصاحة، وكون المعاني لا يجوز أن توصف بالفصاحة.
فإن أراد الأول لم نضايق على ذلك؛ لأن لكل واحد أن يتكلم بما شاء، ويقول عنيت به كذا وكذا. وإن أراد الثاني وهو الظاهر من كلامه قيل له إن كان كثرة الاستعمال وسلاسة اللفظ توجب أن يسمى اللفظ فصيحا فليس
ذلك بمانع من أن توجد دلالة أخرى على تسمية المعنى فصيحا، فليس ذلك بمانع لأن دلالتك على ما تدعيه لا توجب انتفاء الأدلة على إطلاق هذه اللفظة على المعنى، فغاية ما في الباب أنك استدللت على أن اللفظ يطلق عليه الوصف بالفصاحة، فلم قلت إن الوصف بالفصاحة لا يطلق على المعاني؟
قال المصنف: وأيضا فإن لفظتي المزنة والديمة كلفظة البعاق، فكل واحد من هذه الألفاظ يدل على معنى واحد، ولو كانت الفصاحة ترجع إلى المعاني لما اختلفت هذه الألفاظ، ولا كان فيها ما يستحسن استعماله، وفيها ما يستقبح؛ لأنها في الدلالة على المعنى سواء. لكن لا ريب في حسن استعمال اللفظتين الأوليين، وأما لفظة البعاق فقبيحة منكرة.
أقول إن هذا الرجل يتوهم أن من قال إن المعاني قد توصف بالفصاحة فقد أراد المعاني المفردة، وهذا غلط، فإن أحدا لم يقل ذلك.
وإنما قالوا إن الكلام المركب الدال على معنى قد يسمى فصيحا أيضا، وقد يقولون لمعنيين أحدهما أكثر بيانا وأوضح عند السامعيين: هذا المعنى أفصح من هذا، بل قد يقال له بليغ، والفصاحة للألفاظ، فوقع بينهم النزاع في ذلك، لا في اللفظة المفردة الدالة على المسمى المفرد.
قال المصنف: وأيضا فإن الفصيح على وزن فعيل بمعنى فاعل، نحو كريم
وشريف ولطيف، والفاعل للإبانة عن المعنى هو اللفظ لا غير وكانت الفصاحة مختصة به لا غير.
أقول إن هذا الموضع من المواضع التي اشتبهت على هذا الرجل، وذلك أن أفعال الطبائع نحو فصيح وظريف وشريف وكريم إنما تُعطي الاتصاف بتلك الصفة فقط، ولا تعي معنى الفاعلية أصلا، ولا تدل على المؤثر. ألا ترى أن قولنا كريم ولطيف لا يدل على أنه فعل الكرم واللطف، وإنما يدل على أنه ذو لطف وكرم فقط، مع قطع النظر عن الفاعل لهما من هو.
فالفصيح معناه ذو الفصاحة، لا فاعل الفصاحة، كالجميل والصبيح معناهما ذو الجمال والصباحة لا فاعلهما، وهذا الرجل توهم أن فصيحا فاعل الفصاحة، ثم بنى الدليل على هذا وقال إن فاعل الإبانة للمعنى والمكيف له هو اللفظ، فكان الفصيح هو اللفظ، وهذا من الغلط على ما تراه.
وعلى أنه لو كان ما توهمه صحيحا لكان لخصمه أن يقول: المعنى الواضح هو الذي فعل الفهم والإدرك في نفس السامع، وأوضحه له فانكشف له فحواه ومغراه، فهلا سميت المعنى فصيحا بهذا الاعتبار؟
وإن النزاع في هذ المسألة لفظي محض. والذي قاله المحققون أنا وجدنا الاصطلاح واللغة يشهد أن بأن الفصاحة للألفاظ والبلاغة للمعاني، فإنهم يقولون: هذا معنى دقيق، وهذا معنى غامض، ولهذا يقولون في الحيوان غير الناطق كالببغاء هو فصيح، لإقامته الحروف ولا يسمونه بليغا؛ إذ ليس له
قصد إلى المعنى، وإذا كان أهل اللغة والاستعمال قد اصطلحوا على ذلك واتفقوا عليه وجب اتباعهم لأن البحث لفظي.
قال المصنف: "واعلم أن البيان علم عقلي يدرك بالذوق والعقل حسنه من قبحه، وليس كعلم النحو، فإنه تقليد العرف، والذي تكلفه النحاة من التعلات واه لا يثبت على محك النظر؛ لأنهم إنما سمعوا من واضح اللغة رفع الفاعل ونصب المفعول من غير دليل أبداه لهم، فاستخرجوا لذلك أدلة وعللا، وإلا فمن أين علم هؤلاء أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول من غير دليل أبدا هي التي ذكروها.
أقول: إن كان هذا الرجل ممن ينفي القياس في الشرعيات كلمناه كلاما أصوليا كما تكلم الشيعة والنظام وأهل الظاهر وغيرهم ممن نفى القياس في الفقه، وإن كان يعترف بالقياس في الشرعيات فالقياس في الشرعيات كقياس في النحويات؛ لأنا علمنا أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول هي الوجوه التي يذكرها النحاة، لكونها
مناسبة، والحكم ثابت على وفقها، نحو قولهم الفاعل للفعل الواحد لا يكون إلا واحدا، والمفعولات قد تكثر وتتعدد، والفعل واحد ويتعدى مع ذلك إلى أشياء، كالمفعولات في المعنى نحو الحال والظرف والمصدر، فكان الفاعل أخف لقلته فأعطي الرفع وهو أثقل الحركات تعديلا بين الثقيل والخفيف. ونحو قولهم لما كان الفعل والفاعل جملة مفيدة كالمبتدأ والخبر أُعطي الفاعل إعراب المبتدأ وهو الرفع للمشابهة بينهما من الجهة المذكورة، وغير ذلك من الوجوه التي قد ذكرناها في كتاب "العبقري الحسان" وذكرها غيرنا، فصار ذلك كتعليل سقوط قضاء الصلاة عن الحائض بالمشقة، فإنه مناسب، وقد ثبت الحكم على وقته في سقوط قضاء الركعتين المنقطعتين من صلاة الظهر في السفر، فهذا تعليل متفق بين القايسين على صحته. ولم يكن لقائل أن يقول من أين علمتم أن الحكمة التي دعت إلى إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض هي المشقة؛ لأن الشارع لم يذكر ذلك، وإنما حكم بسقوط القضاء فقط ولم يذكر العلة.
قال المصنف: فأما نثر المنظوم فينبغي أن يكون كذا وكذا، ثم ذكر له شروطا، وضرب من كلامه أمثلة أكثرها جيد، وفيها ما ليس بجيد مثل قوله: "فسرنا في غمامة من الكتائب، تظلها غمامة من الطيور الأشائب، فهذه يضمها بحر من حديد، وهذه يضمها بر من صعيد" وذلك لأن الصعيد وجه الأرض، والطيور التي تظل الجيس إنما يضمها بحر من الجو والهواء لا من الأرض. ومثل قوله في ذكر الصليب: "ولم يعلموا أن الله كتب عليه الهوان
عقب تلك الكرامة، وأنه ذو شعب أربع، والتربيع نحس في علم النجامة" فإن لفظة النجامة لفظة رديئة مستغفلة، على أنا لا نعرف صحتها أو جوازها، ولا سمعناها اسما للتننجيم ولا مصدرا.
ومثل قوله: "قد عد الخادم احتمال تثقيله من جملة الأيادي التي أثقلته وأراد أن يجري معها بسوابق شكره فأعجلته وما أمهلته، وهو الآن مرتهن منها بين قديم وجديد، وأصبح كخراش إذ تكاثرت الظباء عليه فلا يدري لكثرتها ما يصيد" فإن تشبيه نفسه بخراش قبيح جدا؛ لأنه إن كان لا يعلم أن خراشا في هذا البيت اسم كلب فهو معذور، حيث لم يعرف مراد الشاعر، وإن كان يدري فقد شبه نفسه تشبيها قبيحا. أليس هو الذي استقبح في هذا الكتاب قول الرضوي الموسوي:
يعز على أن أراك وقد خلتمن جانبيك مقاعد العواد
لأجل لفظة مقاعد؟
وقول أبي الطيب المتنبي:
أذاق الغواني حسنه ما أذقننيوعف فجازاهن عني على الصرم
لأجل لفظة الصرم:
وقول أبي تمام:
أعطيتني دية القتيل وليس ليعقل ولا حق عليك قديم
لأجل قوله ليس لي عقل.
ومثل قوله في صفة فرس: وخلفها جنيب من الخليل يقبل بجذع ويدبر بصخرة، وينظر من عين جحظة، ويسمع بأذن حشرة فإنا ما سمعنا إلا عينا جاحظة ولم نسمع جحظة، ولو قال من عين حذرة لاستغنى عن جحظة التي لم تستعمل.
وقد كان زاد في القرائن قرينة، وأتى بلفظة امرئ القيس في قوله:
عين لها حدرة بدرةوشقت ماقيهما من أخر
والعين الحدرة هي المكتنزة الصلبة.
ومثل قوله إن إنسانا كلفه أن يرصع قوله "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه سورة ولا تمثال" في فصل من الكتابة فقال: "قد أصبح الخادم وليس بقلبه سوى الولاء والإيمان، فهذا يظهر أثره في طاعة السر، وهذا في طاعة الإعلان، وما عداهما فإن دخوله إلى قلبه من الأشياء المحظورة، والملائكة لا تدخل بيتا فيه تمثال ولا صورة".
فإن ترصيع الخبر في هذا المقصد بعيد جد؛ لأن الولاء والإيمان ليسا بصورة ولا تمثال. ثم إن ما عداهما أمر يغم ويتسع جدا إلى مالا نهاية له، وقد يكون مضاد لهما كالكفر والنفاق، ولا يحسن أن يقال الكفر ونية الخروج على الإمام لا يدخلان في قلب؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ولا تمثال، ولا هذا مناسب ذاك، ولا قريب منه، وقد سألني بعض الأصدقاء هل يمكن استعمال هذا الخبر في الكتابة وإخراجه في معرض آخر، ألطف من هذا. فقلت: قد يمكن ذلك بأن يكتب إلى صديق أو حبيب: قد تمثلت صورتك في سواد العين وسويداء الجنان، وملأت أقطارهما؟ فلم يبق لغيرهما فيهما مكان، فإذا صليت الظهر لم أعلم أركعتان هي أم ثمان؟ وقد منعت صورتك القلبية محلها من اعتقاد الهدى، وفرغته لاعتقاد الضلال، لأنهما من آثار الملك والشيطان، والملائكة لا تدخل بيتا في صورة ولا تمثال".
واعلم أن هذا الباب وهو حل النظوم وهو عين هذا الكتاب وخلاصته ووجه جميعه، وطراز حلته، وكأنه لم يصنفه إلا لأجله، وليظهر صناعته فيه.
على أن كتابته كلها إذا تأملها العارف بهذا الفن وجدها من هذا الباب؛ لأنها إما محلول منظوم، أو ترضيع آية أو خبر أو مثل أو واقعة، وهذه إحدى طرائق الكتاب عندي، وإليها أذهب، ولها استعمل.
وقد كنت شرعت في حل سيفيات أبي الطيب المتنبي لشهرتها، وغلبتها على ألسنة الناس، وأن أجعل ذلك كتابا مفردا أتقرب به أيضا إلى الخزانة الشريفة -عمرها الله تعالى- فخرج بعضه، وصدف عن إتمامه- عوائق الوقت أو شواغله.
وأنا أوردها هنا بعض ذلك، ليكون معارضا لما جاء به هذا الرجل، ولكيلا يكون كتابنا هذا مقصورا على المناقضات النظرية والمؤاخذات الجدلية في علم الكتابة فقط، بل يكون حاويا لذلك، ولجزء من الكتابة نفسها
فصل في التهنئة بعيد:
"لا زالت المواسم تغشاك وأغصانها وريقة، وحدائقها أنيقة، والأعياد تلقاك، وأنت عيدها على الحقيقة، ولا برحت تهتصر من الشباب لدنارطيبا، وتنضو من الأعياد سملا وتلبس قشيبا، فهذا اليوم الشريف في الأيام مثلك في الأنام، لكنه أوحد عام محصور، وأنت أوحد الأعوام والدهور، ولا أحيل ذلك على محض الجد الذي أسهرك وحاسدك راقد وشانئك قاعد".
"لا زالت المواسم تغشاك وأغصانها وريقة، وحدائقها أنيقة، والأعياد تلقاك، وأنت عيدها على الحقيقة، ولا برحت تهتصر من الشباب لدنارطيبا، وتنضو من الأعياد سملا وتلبس قشيبا، فهذا اليوم الشريف في الأيام مثلك في الأنام، لكنه أوحد عام محصور، وأنت أوحد الأعوام والدهور، ولا أحيل ذلك على محض الجد الذي أسهرك وحاسدك راقد وشانئك قاعد".
هذا محلول قوله:
هنيئا لكل العيد الذي أنت عيدهوعيد لمن سمي وضحى وعيدا
ولا زالت الأعياد لبسك بعدهتسلم مخروقا وتعطي مجددا
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورىكما كنت فيهم أوحدا كان أوحدا
هو الجد حتى تفضل العين أختهاوحتى يكون اليوم لليوم سيدا
وقد زدت عليه بأن جعلت توحيده بالاستحقاق لا بالجد والإنفاق، وفيه زيادة، أخرى وهي عموم توحيده وخصوص توحيد العيد في أيام العاد مفردة.
فصل في لقاء عدو:
"فلو كشف لك عن قلوبنا لرأيت التشوق قد فعل فيها ببرحائه، فعلى قنا الأمير في صدور أعدائه، فإنه جعلهم هلكى يطعنون مخلوجة وسلكى، فالفضاء الرحب لديهم أحرج من التابوت، ونسج داود عليهم أوهن من بيت العنكبوت".
هذا محلول قوله:
نودعهم والبين فينا كأنهقنا ابن الهيجاء في قلب فيلق
قواض مواض نسج داود عندهاإذ أوقعت فيه كنسج الخدردنق
وفيه أيضا حل قول امرئ القيس:
نطعنهم سلكى ومخلوجةكرك لأمين على نابل
فصل في وصف منهزم:
"أجفل إجفال النعام، وانقشع إنقشاع الغمام، يتوهم كل حفيف يسمعه رشق نابل، ويرى الأرض في عينيه كفة حابل. وقد كان أبي ألا ينكص له قدم، وعقبى يمين الجبان حنث وندم، وإذا تزلزلت الأقدام لم ترد اليمين في الإقدام، والحرب يحسن الهزائم، ويغير العزائم، ويجعل أهون شيء ما يقول اللوائم".
هذا محلول قوله:
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندمماذا يزيدك في إقدامك القسم
وقوله:
والعيان الجلي يحدث للظنزوالا وللمراد انتقالا
وقول بعض شعراء الحماسة:
ملأت عليه الأرض حتى كأنهامن الضيق في عينيه كفة حابل
وقول القائل:
إذا هبت النكباء بيني وبينكمفأهون شيء ما يقول العواذل
فصل في الصفح عن الجرائم:
"سيف الإحسان والإجمال أقتل من سيف القتل والاستئصال، وطالما غل يدا مطلقها، واسترق رقبة معتقها، إلا أن اللئيم يفسده الإحسان، ويصلحه الهوان، كما ينفر من الضيم ذو الأنف الحمى، ويفر عنه فرار الطائر الوحشي".
هذا محلول قوله:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهمومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟
إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهوإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وقال الرضي الموسوي:
ما مقامي على الهوان وعنديمقول صارم وأنف حمى
وإباء محلق بي عن الضيمكما راغ طائر وحشي
وأدخلت أيضا فيه لفظة لبعض الخوارج قالها لقطري بن الفجاءة، والقصة مشهورة.
فصل في ذكر المرسلة:
"وتوالت منهم رسائل جعلوها عليهم أدراعا، وقصدوا بهما تزجية للوقت ودفاعا، فظاهرها الإعظام لنا والإجلال، وباطنها الإرجاء لهم والإمهال".
هذا محلول قوله:
دروع لملك الروم هذي الرسائليرد بها عن نفسه ويشاغل
هي الزرد الضافي عليه ولفظهاعليك ثناء سابغ وفضائل
فصل:
"باب المعمور كعبة الحيا، ومغناطيس الشفا، فالملوك تقبل بساط ديوانه، وتقصر عن تقبيل كمه وبنانه".
هذا محلول قوله:
تقبل أفواه الملوك بساطهويكبر عنها كمه وبراجمه
فصل:
"إذا كان الهوى من القلب في الشغاف والصميم، واللوم يحوم حول ذلك الحمى والحريم، وكلما شاهد الحر فتى ثار، وكلما عاين النار استطار، لا جرم أنه يستحيل جوهره هباء، ويذهب زبده جفاء، ويثبت في محله ذلك الهوى، ويلقي عصاه، ويستقر به النوى".
هذا محلول قوله:
عذل العواذل حول قلب التائهوهوى الأحبة منه في سودائه
يشكو الملام إلى اللوائم حرهويصد حين يلمن عن برحائه
فألقت عصاها واستقر بها النوىكما قر عينا بالإياب المسافر
فصل في ذكر معقل:
"حماها فأجلى، وبناها فأعلى، ونيران المران تضطرم، وأمواج الأرماح تلتطم، وشبا الظبا يصطدم، ولظى الوغى تحتدم، نقرت بعد انزعاجها، وسلمت بعد ارتتاجها، وشفيت من ألمها، وبرئت من لممها، وأصبحت متقلدة بغمائم من أشلاء الفوارس، تدفع عنها عين العائين ونفس النافس، وليست كقلائد عراف اليمامة وعراف نجد، ولكنها قلادة طرفاها الشرف وواسطتها المجد".
وقد حللت في هذا قوله في وصف قلعة الحديث:
بناها فأعلى والقنا يقرع القناوموج المنايا حولها متلاطم
وكان بها مثل الجنون فأصبحتومن جثت القتلى عليها تمائم
وأشرت فيه إلى قوله ﷺ للحسن والحسين ﵉: "أعيذكما من عين العائن ونفس النافس"
وإلى قوله عروة بن حزام:
ضمنت لعراف اليمامة حكمهوعراف نجد إن هما شفياني
وقد نثر هذا المصنف هذين البيتين، فقال: "بناها والأسنة في بنائها متخاصمة، وأمواج المنايا فوق أيدي البانين متلاطمة، فما أحلت الحرب عنها حتى زلزلت أقطارها بركض الجياد، وأصيبت بمثل الجنون، فعلقت عليها تمائم من الرءوس والأجساد، ولا شك أن الحرب تعرد عمن عز جانبه، وتقول ألا هكذا فليكسب المجد كاسبه".
ونثرهما على أسلوب آخر فقال: "بناها ودون ذلك البناء شوك الأسل، وطوفان المنايا الذي لا يقال سآوي منه إلى جبل، ولم يكن بناؤها إلا بعد أن همدت رءوس عن أعناق، وكأنما أصيبت بجنون فعلقت القتلى عليها مكان التمائم، أوشينت بعطل فعلقت مكان الأطواق".
ومن عنده أدنى ذوق في فن الكتابة يعرف الفرق بين كلامنا وهذا الكلام.
وقد نثر هذا الكتاب البيت الثاني خاصة فجاء أصلح مما قاله في نثر البيتين وهو: "سرى إلى حصن كذا مستعيدا منه سبية نزعها العدو اختلاسا، وأخذ مخادعة لا افتراسا، فأنزلها حتى استقادها، ولا نزلها حتى استعادها، وكأنما كان بها جنون فبعث لها من عزائمه عزائم، وعلق عليها من رءوس القتلى تمائم".
وهذا وإن كان حسنا لكن الزيادات العجيبة والتسميطات والأسجاع التي أتينا بها نحن تزرى على ما أتى به هذا الكاتب، وتتجاوزه أضعافا مضاعفة.
فصل:
"أنا أستعين بك عليك، فالخصومة فيك ومنك وإليك، وأستميحك عدل قضائك الذي عم الخلق وعداني، وشمل الناس وتخطاني. وأعيذ مرآة فكرك وهو الجوهر الشريف، والشغاف اللطيف، ألا يظهر فيها تلبيس
الحاسد، وبهتان الكاشح المعاند، وأخلاقك التي تظلم إذا قيست في اللطافة بالسلافة، وفي الصفاء بالصهباء، أن تحمل قذى الغش الصراح، وهي ألطف من أن تمزج بالماء القراح".
هذا محلول قوله:
يا أعدل الناس إلا في معاملتيفيك الخصام وأنت الخصم والحكم
وقوله غيره:
أخلاقك الغر الصفايا ما لهاحملت قذى الواشين وهي سلاف؟
واللبس في مكنون رأيك مالهيخفى وأنت الجوهر الشفاف؟
فصل في صفة جيش:
قد تسربل قميصا من الزرد المحكم إلا أنه محمل بالرماح، وتردى بردا من النقع المظلم إلا أنه معلم بوميض الصفاح، تسحب جياده الحديد فتخالها تمشي بغير قوائم، وتستغنى بعده عن المخالب بعد أن خلقت رماحه والصوارم، ولا يعرف في بريقه البرامك فالثياب مثلها والعمائم، وبطن حديده ماء، وهو يخدع خدع السراب، تحسب خيالته ساكنة وهي تمر مر السحاب.
هذا محلول قوله:
وملمومة زرد ثوبهاولكنه بالقنا مخمل
وقوله:
أتوك يجرون الحديد كأنماسروا بجياد مالهن قوائم
إذا برقو لم تعرف منهمثيابهم من مثلها والعمائم
وقوله:
وما ضرها خلق بغير مخالبوقد خلقت أسيافه والقوائم
فصل:
"العادة طبيعية غالبة، وسجية إلى فعل المعتاد جاذبة. وعادتك طعن الأحداق، وضرب الأعناق، وطبال، ونبال يهويان ذاك، وأنت تبلغ النفوس هواها، والقلوب مناها، فأجرمتهما على أعراقك، ومعهود عوائدك وأخلاقك، فإن الملك لا تثبت دعائمه، حتى تخضب بالدم صوارمه".
هذا محلول قوله:
لكل امرئ من دهره ما تعوداوعادات سيف الدولة الطعن في العدا
وقوله أيضا:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذىحتى يراق على جوانبه الدم
وقول ابن هند:
سيوفك تهوى أن تبيح لها العدافلا تحرمنها إن عادتك الندا
فصل في نثر قوله:
لا تعذل المشتاق في أشواقهحتى يكون حشاك في أحشائه
نثره هذا المصنف فقال: "لا تعذل المحب فيما يهواه، حتى تطوى القلب على ما طواه".
ونثره أيضا على وجه آخر فقال: "إذا اختلفت العينان في النظر، فالعذل ضرب من الهذر":
وقد نثرناه نحن على وجوه منها: "لا تعذل المحب في حبه، حتى ينطق لسانك عن قلبه" ومنها: "المتبول يعذل المتبول، والفارع مغري بالمشغول". ومنها. "لو ذقت ما يذوق العاشق لتركت عذل وعرفت عذره، ومن يضع يده في الماء يجد برده ويعرف حره" ومنها: "إذا لم يتوارد القلبان على مورد واحد، فالعادل يضرب في حديد بارد" ومنها: "لو اتحدت الغرائز والأخلاق، لعذرت المشتاق في الأشواق، ولكن النفس الواحدة لا تدبر تدبيرين، كما لا يكون الاتفاق واحدا ولا الواحد اثنين". ومنها: "لو كنت تود بقلبي، وتراني بطرفي لعذرتني فيما أبدي، ورحمتي مما أخفى" وفي هذا إشارة إلى قوله في هذه القصيدة:
ما الخل إلا من أود بقلبهوأرى بطرف لا يرى بسوائه
فصل في صفة السيوف:
فنهدنا إليهم وفي أيدينا النار الموقدة في الرءوس، المعبودة قبل ملة المجوس، التي يفسدها الماء، ولا يطفئها الهواء، ولا تحرق الأغماد، ولا خمدت ليلة الميلاد ترمي بالدم لا بالشرر، وتوقد بالناس لا بالحجر، تحكم تارة بالتعظيم وتارة
بالتصغير، وتجمع قوما جمع السلامة، وقوما جمع التكسير".
هذا محلول قوله:
وفي أكفهم النار التي عبدتقبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
هندية إن تصغر معشرا صغروابحدها أو تعظم معشرا عظموا
وفد زدت عليه زيادات كثيرة، ورمزت إلى الخبر الوارد في أن نار فارس خمدت ليلة ميلاد نبينا ﷺ، وخرجت إلى قوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْر﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ثم خرجت إلى نكتة نحوية وهي جمع السلامة وجمع التكسير.
فصل:
السيف بالضارب لا بمضاء المضارب، والحسام في دي الجبان كهام، والكهام في يد الشجاع حسام، ولذلك قال عمرو لعمر: لا لوم على ولا حيف، فإني لا أنحلك الساعد، وإنما نحلتك السيف.
هذا محلوله قوله:
إن السيوف مع الذين قلوبهمكقلوبهن إذا التقى الجمعان
تلقى الحسام على جراء حدهمثل الجبان بكف كل جبان
فصل في العتاب:
"العتاب نسيم الحياة، والعتب سمومن الحياة، فأنا أعاملك بالأول، لأنه من شيم الأحباب، والود باق ما بقي العتاب، وأجل مجدك الرفيع المباني عن المعاملة بالثاني".
نظرت في هذا إلى قوله:
هذا عتباك إلا أنه مقةقد ضمن الدر إلا أنه كلم
فصل في ذكر السبايا:
فلم يعتصم منا إلا ربات الفتاخ والوشاخ، ومن شيمها جر الذيول لأجر الرماح، فإنهن طعن فيه بالعدو بالمران، وكان لهن أوجه شفيع إلينا، وهو الشفيع العريان، فنحن بين لاه ولاعب، وأهلهن عليهن بين باك ونادب، وهذه سجية الدني تعمر البيت بخراب البيت، وتميت الحي بحياة الميت.
هذا محلول قوله:
فلم يبق إلا من حماها من الظبالمى شفتيها والثدى النواهد
تبكي عليهن البطاريق في الدجىوهن لدينا ملقيات كواسد
بذا قضت الأيام ما بين أهلهامصائب قوم عند قوم فوائد
وقد رمزت فيه إلى قول القائل:
كتب القتل والقتال عليناوعلى المحصنات جر الذيول
وقول آخر:
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرامثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
فصل في نثر قوله:
إن القتيل مضرجا يدموعهمثل القتيل مضرجا بدمائه
نثره المصنف فقال: "القتيل بسيف العيون، كالقتيل بسيف المنون،
غير أن ذاك لا يجرد من غمد، ولا يقاد صاحبه بعمده" ونثره على وجه آخر فقال: "دمع المحب ودم القتيل متفقان في التشبيه والتمثيل، ولا تجد بينهما بونا، سوى أنهما يختلفان لونا".
وقد نثرناه نحن على وجوه منها: القتيل المتشحط في نجيعه، كالعاشق المنخرط في دموعه، وكلا الماءين دم، إلا أن سال على أصل الخلقه، وهذا صعد من حرقه الفرقة.
ومنها "القتيل الذي قطعت شرايين نجيعه، أروح من القتيل الذي قطعت شرايين دموعه، فذاك قد فارق الدنيا فأمن شرها وخيرها، كلما نضجت جلوده بدل جلويا غيرها".
ومنها "الدمع دم أحالت لونه نار الهوى فابيض، وقطت سلكه يد النوى فتبدد وارفض، ولا فرق بينهما عند البصر والبصيرة، إلا ن هذا يسيل من عضو واحد، وذاك من أعضاء كثيرة".
ومنها "مصارع العشاق كمصارع الشجعان، يتماثلان في المعنى وإن اختلفا في العيان، وكلا القتيلين شهيد، فهذا نزيف من العين وذاك من الوريد".
فصل:
فلله آراؤك التي نكست القوم عن صهوات الشواهق لا من صهوات
السوابق، وطعنت فرسانها برماح الكيد والحط لا برماح سمهر والخط، فكأنما كانت جبالها تشكو عطل الأعناق، فنظمت جيادك لها مكان القلائد، وأدرتها مكان الأطواق، وخضبت ذلك الصعيد بخضاب من الدماء لا من الكتم والحناء، وجعلت حمامه سجودا في غير محراب، وهجودا لا برون حكما إلا حكم العذاب، وكم هدمت لهم من حصن بعد حصن، في مشهد بعد مشهد، وأعدتها أطلالا، ولكنها ليست لخولة ببرقة تهمد، وجعلت عمارة تلك المعالم كرواجع الوشوم في نواشر المعاصم، وأذقت الردى أهلها والجنادل، وسقت ما فوق المعاقل حتى كدت تسوق المعاقل.
هذا محلول قوله:
تنكسهم والسابقات جبالهموتطعن فيهم والرماح المكايد
وتضحى الحصون المشمخرات في الذرىوخيلك في أعناقهن قلائد
مخضبة والقوم صرعى كأنهاوإن لم يكونوا ساجدين مساجد
وألحقن بالصفصاف" سابور فانهوىوذاق الردى أهلاهما والجلامد
وأضفنا إليه من مواضع أخر ما كمل به المعنى، وهو قول الشاعر:
وأرضك أرضك إن تأتناتنم نومة ليس فيها حلم
وزدنا عليه أن نفوسهم تعذب بعد الموت فيتألمون، كما يتألم النائم بالأحلام المزعجة، وقول طرفة بن العبد:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
وقول زهير:
ديار لها بالرقمتين كأنهارواجع وشم في نواشر معصم
وقول البحتري:
وقد سقت ما فوق المعاقل منهمفلم يبق إلا أن تسوق المعاقلا
وزدنا على لفظة أبي الطيب وهي "مخضبة" قول علي وقد قبض لحيته: "أما والله لتخضبن هذه بخطاب دم لاخضاب عطر وعنبر" فخرج من مجموع هذا ما وقفت عليه.
فصل:
"عذر الخيمة واضح في السقوط، لأنها علت على مولانا فتأه بت له
يالهبوط، وعلمت عجزها عن أن تشمل من يشمل الزمان، وأن تعلو من يعلو على بهرام وكيوان، فأر جاؤها في السعة بحيث يركض في كل قطر منها جحفل، ولكنها تضيق عن العالم المجموع في الواحد الأجمل، وتقصر عنه وتطول على القنا الذبل، وأظنا لماأشرقت بأنواره، وتاهت لما عدت من جملة دياره، لم تملك نفسها فخرت وضعفت، ورب نفس أفرط عليها الفرح فزهقت. ولو رزق الناس ما رزقت من الشرف الباذخ البنيات لخانتهم الأرجل وخروا سجود اللجباه والأذقان، وما سقطت عبثا وإنما أشارت بالرحيل، كما أن القصواء ما خلأت وإنما حبسها حابس الفيل".
هذا محلوله قوله:
أيقدح في الخيمة العذلوتشمل من دهرها يشمل؟
وتعلو الذي زجل تحتهمحال لعمرك ما تسأل؟
تضيق بشخصك أرجلؤهاويركض في الواحد الجحفل
وتقصر ما كنت في جوفهاوتركز فيها القنا الذبل
رأت لون نورك في لونهاكلون الغزالة لا يغسل
وأن لها شرفا باذخاوأن الخيام بها تخجل
فلا تنكرن لها صرعةفمن فرح النفس ما يقتل
ولو بلغ الناس ما بلغتلخانتهم حولك الأرجل
ولما أمرت بتطنيهاأشيع بأنك لا ترحل
فما اعتمد الله تقويضهاولكن أشار بما تفعل
وزدت على ذلك الخبر المشهور وهو أن رسول الله ﵌ ركب ناقته القصواء في عام الحديبية متوجها إلى مكة، فلم تنبعث تحته، فزجرها مرارا وزجرها أصحابه فلم تنبعث، فقالوا خلات القصواء، فقال النبي: "ما خلأت، وإنما حبسها حابس الفيل". وجرى من توقفه عن مكة وصلحه قريشا في تلك السنة ما هو مشهور.
فصل:
"هنيئا لأهل كذا جميل رأيك وحسن بلائك، وعميم آلائك، فقد
كان الدهر جار عليهم واعتدى فثقفته فاعتدل، واعترق العظم منهم وانتقى، فزجرته فأنتقل، فأمرك ممتثل فيخطبه، وخوفك ماثل في قلبه، فإن شك فليحدث بهم ضربا من الحادثات، لترقل له القنا باللهازم والراعفات، فيوماك يوم يخمد نار الحرب والحرب، ويوم يبرد أوار الجدب والسغب".
هذا محلول قوله.
هينئا لأهل الثغر رأيك فيهموأنك حزب الله صرت لهم حزبا
وأنك رعت الدهر فيها وريبهفإن شك فليحدث بساحتها خطبا
فيوما بخيل تطرد الروم عنهمويوما بجود تطرد الفقر والجدبا
وقول أبي حية النميري:
أما إنه لو كان غيرك أرقلتإليه القنا بالراعفات اللهازم
فصل:
"كريم ما شَتم ولا شُتم، ولا ظَلم وظُلم، فالملوك تشتم بالفعل لا بالقول، كالأسود لا تفرس بالحيل بل بالحول، وما أفرجت الأعداء عن البلاد حباله بل حذرا من شدة نكاله، ولا عزبت عنه بقيا عليه، ولكن خوفا من ضرر يناله".
هذا محلول قوله:
ولم تفترق عنه الأسنة رحمةولم تترك الشام الأعادي له حبا
ولكن نفاها عنه غير كريمةكريم الثناما قط ولا سبا
وقد أضيف إليه قول الأول:
وتجهل أيدينا ويحكم رأيناونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وقول الآخر:
فما بقيا على تركتمانيولكن خفتما ضرر النبال
فصل في حل قوله:
تباري نجوم القذف في كل ليلةنجوم له منهن ورد وأدهم
قد حله المصنف فقال: "تركب ظهر الليل تباري مسير شهبه، وتستقرب بعد المدى في نيل مطلبه، غير أن ذاك يفري أديم الغياهب، وهذا يفري أديم السباسب.
وقد نثرناه نحن على وجوه منها: فما زلنا نقطع الأدهم الواقف بالدهم السائرات، ونساري الشهب النيرات بالشهب الطائرات، إلا أن تلك نجوم القذف والرجوم، وهذ نجوم الغارة والهجوم.
ومنها:
"فما زلت أباري أدهم الليل بدهم الخيل، وأجاري شهبة بالشهب التي تسبق جرى السيل، حتى وردت مدينة كذا قبيل الصباح، والثريا معترضة تعرض أثناء الوشاح، ومنها أدهم مقدود من الغياهب، ملطوم الوجه ببعض الكواكب، يفوت الرياح إذا جرى، ويسبق النجوم إذا انكدرت، إلا أن تقذف من أنصت ليسمع واسترق".
فسطاط مصور:
"فرأيت إلى خيمته من الحرير مصورة بأنواع التصاوير، تكاد آسادها تزأر وتصول، وفرسانها تنطق وتقول، وأفراسها تركض وتجول. لم نغن الحمائم على حدائق جنانها، ولا حاكت أيدي السحائب رياض جدرانها، ولا عطت إلى فروع الأراك أعناق غزلانها، ولا خضعت رعيتها لملوكها، ولا نظمت عقد عذارها في سلوكها، إذا صافحت الرياح جلبابها، ونازعتها أهدابها، مالت ميل الغزل، ورقصت رقص الشارب الثمل، قد تألفت الأضداد فيها تألف الأضراب والأشكال، فالكتاب ضيف الأرنب والفهد ونزيل الغزال".
هذا محلول قوله:
وأحسن من ماء الشبيبة كلهحيا بارق في فازة أنا شائمه
عليها رياض لم تحكها سحابةوأغصان دوح لم تغن حمائمه
وفوق حواشي كل ثوب موجهمن الدر سمط لم يثقبه ناظمه
ترى حيوان مصطلحا بهايحارب ضد ضده ويسالمه
إذا ضربته الريح ماج كأنهتجول مذاكيه وتدآى ضراغمه
فصل:
"قصار رمحك أطول من ظلالها، وطول رماح أعدائك أقصر من زجاجها ونصالها. وكم من رمح قصر فأطلته بخطاك، وكم من بلد بعد فقربته بسراك، وقطرك في الندى والردى سيول وبحار، وعزمك في الخصوم والعدا نصول وشفار، وأناملك راجحة ولكن خلقت سيوفك من عجل، فكلما نهيتها عن ولوغ الدماء قالت سبق السيف العذل. وقد
ينسب الجاهل حلمك أحيانا إلى تدبير أو خداع، ولا يعلم أن الليث لا يأكل الجيفة، ولا يفترس الضباع".
هذا محلول قوله:
طول قنا تطاعنها قصاروقطرك في ندى ووغى بحار
وفيك إذا جني الجاني أناهتظن كرامة وهي احتقار
وقول السموءل:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلهاخطانا إلى أعدائنا فتطول
فصل:
"الآراء الصائبة، والشجاعة الثاقبة، تستبعد الصوارم، وتستخدم المخاذم، فالتدبير أمير والشجاعة جنده، والرأي حسام والصرامة غمده.
ولو لم يلحظ هذا المعنى ويعتبر، لكانت السباع أفضل من البشر، وطالما نكست الأعلام بالأقلام، وملكت الأصقاع بالرقاع، ونفذت المكائد قبل نفوذ الحدائد. فإذا اجتمع لنفس سعيدة هذان الأمران نالت أقصى الإمكان، وبلغت من العليا كل مكان".
هذا محلول قوله:
الرأي قبل شجاعه الشجعانهو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرةبلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانهبالرأي قبل تطاعن الأقران
لولا العقول لكان أدنى ضيغمأدنى إلى شرف من الإنسان
فصل:
"عزائمك لا تفل، وآراؤك لا تضل، ومدائحك لا تمل، وأحكامك لا تميل، وسيفك شريك المنايا في قبض النفوس، فهذه لاختطاف الأرواح، وهذا لاقتطاف الرءوس. وكل دم لم تحصبه، ظباك أصبح مطلولا، وكل ممات لم تشارك فيه عدة خيانة وغلولا".
هذا محلول قوله:
شريك المنايا والنفوس غنيمةفكل ممات لم يمته غلول
فصل في حل قوله:
وما الحسن في وجه الفتى شرفا لهإذا لم يكن في فعله والخلائق
قد نثرناه على وجوه منها: "شرف الفتى بأفعاله، لا بحسنه وجماله، كالسيف يقطع بجوهره، لا بحسن منظره".
ومنها: "لو كان شرف الإنسان بصورته وخلقه لا بمعناه وخلقه، لما قيل ما الإنسان إلا القلب واللسان".
ومنها: "لا فخر في الصورة المليحة، وأفعالها قبيحة، كالشجرة السامية الخضراء الناضرة، وفي أكلها الفاقرة".
ومنها: "لو كان الفخر بما بدا في الصورة وظهر، لا بما بطن من المعنى واستتر، لكانت صورة النمارق، أشرف من الحيوان الناطق".
فصل في هيئة عسكر:
"للأمير أيده الله جيشان: النسور في الجو والجياد في الدو، فكأن الفضاء ثوب مطير، بالجوارح والعقبان، وكأن العز فرس محجل بالسوابق والفرسان، فعسكر الطير ضيف يستطعم عسكر السيف، فإذا رمى بهما جيشاه نفاه، فأباد هذا أرواحه، وأباد هذا أشباحه".
هذا محلول قوله:
له عسكر خيل وطير إذا رمىبها عسكر لم يبق إلا جماجمه
سحاب من العقبان يزحف تحتهاسحاب إذا استسقت سقتها صوارمه
وقد حله هذا المصنف فقال:
"فسرنا في غمامة من الكتائب، تظللها غمامة من الطيور الأشائب فهذه يضمها بحر من حديد، وهذه يضمها بحر من صعيد".
فصل:
"حسام لولا ترقرق الماء في جوانبه، لتلمست النار الموقدة من مضاربه، فقد أضربه حب الجماجم والأعناق حتى عاد نضوا كالهلال، وودت سباع الطير والوحش أنها تفديه بالمخالب والأنياب إذا فدى غيره بالأنفس والأموال، فأحسن ما خضب بالدم الممار، لا بالعسجد والنضار، والحسناء حسناء وهي في الأسمال والأطمار. وإذا كان الحلي لإتمام النقص يعمل، فتشف الأفضل أنبل، وعطل الأكمل أجمل".
هذا محلول قوله:
أحسن ما يخصب الحديد بهوخاضبيه النجيع والغضب
فلا تشييننه بالنضار فمايجتمع الماء فيه والذهب
فصل في ذكر الدنيا:
"هي الهرة تأكل أولادها، والموتورة تظهر أحقادها، أخون من البغايا، وأخدع من الحنايا، تصيد الصقر بالحزب، وتكسر النبع بالغرب، تغدر بأضيافها، وتقتل أزواجها ليلة زفافها، أفنت العشائر والقبائل، ولم يحصلوا من حبها على طائل".
هذا محلول قوله:
فلا تنلك الليالي إن أيديهاإذا ضربن كسرن النبع بالغرب
ولا يعن عدوا أنت قاهرهفإنهن يصدن الصقر بالخرب
وقوله:
فذي الدار أخون من مومسوأخدع من كفة الحابل
تفاني الرجال على حبهاوما يحصلون على طائل
فصل:
"فلما أبوا إلا شقاقا وجماحا، واستنزلوا حينا عليهم مكتوبا ولهم مباحا، نهد الأمير أيده الله إليهم في كتيبة حسناء، تهز حوله جانبيها، كما تنفض العقاب جناحيها، فهو ربيبها في السير، وحارسه في النزول، وطليعها في النفير، وسائقها في القفول".
هذا محلول قوله:
يهز الجيش حولك جانبيهكما نفضت جناحيها العقاب
وقول البحتري:
طليعتهم إن وجه الجيش غازياوساقتهم إن وجه الجيش قافلا
فصل في صفة الخيل:
جيش قد حملت فيه الرجال على السلاهب، بل الأفاعي على العقارب، وغلب فيه فائتهم الأبرد على الغزلان، بل الأجادل على العقبان، خوارق الأرض فلا تحمل إلا الأبطال والحديد، ومتبدلات الأحوال فكم لهما من بئر معطلة وقصر مشيد.
من كل جياش العنان، مضمون السبق يوم الرهان، إن قرع الطود فصقر، جارح، أو ركب البحر فنون سايح، لما من النقع، براقع وجلال، ومن الكواكب غرر، ومن الأهلة فعال. قد خالفتا صدورها، وعاقدتنا لباتها ونحورها أن تجول مع فارسها حيث جال، وأن تخوض دونه المكاره والأهوال، وأن تجري في المضيق ولو أم السراط، وأن تلج المأزق وإن كان أضيق من سم الخياط.
هذا محلول قوله:
فأتتهم خوارق الأرض ما تحــمل إلا الحديد والأبطالا
خافيات الألوان قد نسج النقــع عليها براقعا وجلالا
حالفته صدورها والعواليلتخوضن دونه الأهوالا
ولتمضين حيث لا يجد الرمــح مدارا ولا الحصان مجالا
الترصيع بالآيات القرآنية وغيرها:
أما الترصيع بالآيات القرآنية والحكم النبوية والأمثال في الكتابة فقد ذكر هذا المصنف من إنشائه فصولا تتضمن ذلك.
ولما كنا قد ذكرنا في حل المنظوم ما عارضنا به ما ذكره وجب أن نذكر من كلامنا في ترصيع الآيات والأمثال فصولا تعارض ما ذكره أيضا.
فمن ذلك قولي في توقيع إلى أحد النظار ببعض الصدقات الشريفة المتقبلة: "وليحرس فلان عليه هذا المشرب النمير عن رتق التكدير، ولا يشوه وجه هذه المبره المتقبلة بالمطل والتأخير، وليحذف عنه أسباب الإرجاء والمدافعات ومطاعن عن الاعتراض والتأويلات، فهذه صدقة يصدق بها مالك الرق، وإمام الحق، وسيد الخلق، جعل الله تعالى صدقاته المبرورة التي
لا تدركها الأوهام، ولا تحصرها الأفهام، ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، جنودا مجندة حول لوائه المنصور، وكافلة لدولته الشريفة بالخلود إلى يوم النفخ في الصور، ومعقبات من بين يديه ومن خلفه من أمر الله تحفظه أحقابا، وباقيات صالحات هي عند الله أحسن عملا وخير ثوابا".
وهذا الفصل قد رصع بثلاث آيات من الكتاب العزيز واقعة مواقعها. ومن ذلك قولي من جملة من كتاب أصف فيه حربا: "حتى إذا زلزلت الأرض عليهم زلزالها، وأخرجت أثقالها، وكرعتهم الحرب عرك الرحا ثفالها، وعصبتهم الهيجاء عصب السلم، ومرتهم غمر البين، وهزهم الروع هز الجنوب ضحى عيدان يبرين، لم يكن إلا كحسوة طائر أو خطوة سائر، حتى خالطت السيوف أجسامهم". فأول هذا الكلام من الكتاب العزيز، وقولي وعركتهم من قول زهير:
فتعرككم عرك الرحا بثفالها
وقولي وعصبتهم من قول الحجاج لأهل العراق: والله لأعصبنكم عصب السلم، ولألحونكم لحو العصا، ولأغمرنكم بغمار البين.
وقولي وهزهم من قول الشاعر:
يهززن للمشي أعطافا منعمةهز الجنوب ضحى عيدان يبرينا
وأحسن ما نقل المنظوم أو غيره إلى الكتابة إذا كان هكذا، لأن الشاعر ذكر هذا التشبيه في الغزل فقلبته أنا إلى الوصف.
وقولي حسوة طائر من قول الباخرزي شاعر العجم:
ولو غبت عن هذين حسوة طائرلزال نظام أو لفض ختام
النص من طبعة دار نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع