من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
وقال تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي المتوفى سنة ٨٣٧ ه
ـ?
"أرجوزة استخلصها من كتاب الصادح والباغم"
العيشُ بالرزق والتّقديروليس بالرأي ولا والتدبير
في الناس من تسعدهُ الأقداروفعلهُ جميعهُ إدبار
من عرف الله أزال التُّهمةوقال كلُّ فعلهِ للحكمة
من أنكر القضاءَ فهو مشركإن القضاء بالعباد أملكُ
ونحن لا نشرك بالله ولانقنط من رحمته إذ نبتلى
عارٌ علينا وقبيحُ ذكرِأن نجعل الكفرَ مكان الشكر
وليس في العالِم ظلمٌ جاريإذ كان ما يجري بأمرِ الباري
وأسعدُ العالِم عند اللهمن ساعد الناسَ بفضل الجاه
ومن أغاث البائس الملهوفاأغاثهُ الله إذا أخفيا
إنّ العظيمَ يدفع العظيماكما الجسيم يحمل الجسيما
فإنّ من خلائق الكرامرحمةَ ذي البلاء والأسقام
وإنّ من شرائط العلوالعطفَ في البؤس على العدو
قد قضت العقول أنّ الشفقةعلى الصديق والعدوّ صدقه
وقد علمتَ واللبيب يعلمبالطبع لا يرحم من لا يرحم
فالمرءُ لا يدري متى يمتحنفإنه في دهره مرتهن
وإن نجا اليومَ فما ينجو غداًلا يأمن الآفات إلا ذو الرَّدى
لا تغْترِر بالخفض والسلامةفإنما الحياة كالمدامه
والعمرُ مثل الكأسِ والدَّهر القدروالصفو لا بدَّ له من الكدر
وكلُّ إنسان فلا بدَّ لهمن صاحب يحمل ما أثقلهُ
جهد البلاء صحبة الأضدادفإنها كيٌّ على الفؤاد
أعظم ما يلقى الفتى من جهدأن يبتلى في جنسهِ بالضَّدّ
فإنما الرّجال بالإخوانواليد بالساعد والبنان
لا يحقر الصُّحبة إلا جاهلأو مارقٌ عن الرّشاد غافل
صحبةُ يوم نسبٌ قريبوذمَّة يحفظها اللّبيب
وموجب الصّداقة المساعدةومقتضى المودَّة المعاضدة
لا سيّما في النوب الشدائدوالمحن العظيمة والأوابد
فالمرءُ يحيي أبداً أخاهوهو إذا ما عدّ من أعداه
إن من عاشر قوماً يوماًينصرهم ولا يخاف لوما
وإن من حارب من لا يقوىلحربه جر إليه البلوى
فحارب الأكفاءَ والأقرانافالمرء لا يحارب السلطانا
واقنع إذا حاربت بالسلامةواحذر فعالاً لا توجب النَّدامة
فالتاجر الكيّس في التجارةمن خاف من متجره الخسارة
يجهد في تحصيل رأس مالهثم يروم الّربح باحتياله
وإن رأيت النّصر قد لاح لكافلا تقصر واحترْز أن تهلكا
واسبق إلى لأجود سبق الناقدِفسبقك الخصم من المكايد
وانتهز الفرصة إن الفرصةتصير إن لم تنتهزها غصّة
كم بطر الغالب يوماً فتركعنه التوقّي واستهان فهلك
ومن أضاع جنده في السّلملم يحفظوه في لقاء الخصم
وإن من لا يحفظَ القلوبايخذل حين يشهد الحروبا
والجند لا يرعون من أضاعهمكلاّ ولا يحمون من أجاعهم
وأضعفُ الملوك طرَّا عقدامن غرَّه السلم فأقصى الجندا
والحزم والتّدبير روح العزملاخيرَ في عزم بغير حزم
والحزم كلذ الحزم في المطاولةوالصّبر ف يسرعة المزاولة
وفي الخطوب تظهر الجواهرُما غلبَ الأيام إلاّ الصابر
لا تيأسنْ من فرج ولطفوقوَّة تظهرُ بعدَ ضعف
فربَّما جاءك بعد اليأسروحٌ بلا كدّ ولا التماس
في لمحة الطرف بكاءٌ وضحكْوناجد بادٍ ودمع ينسفك
ينال بالرّفق وبالتأنّيمالم تنلْ بالحرص والتّعنّي
ماأحسنَ الثَّباتَ والتجلُّداوأقبح الحيرة والتَّبلُّدا
ليس الفتى إلا الذي إن طرقهخطبٌ تلقّاه بصبر وثقة
إذا الرَّزايا أقبلت ولم تقففثمَّ أحوالُ الرّجال تختلف
وكم لقيتُ لذَّة في زمنيفأصبرُ الآن لهذي المحن
فالموتُ لايكون إلا مرّةوالموتُ أحلى من حياة مرّة
إني من الموت على يقينفأجهدُ الآن لما يقيني
صبراً على أهوالها ولا ضجرْوربّما فاز الفتى إذا صبر
لا يجزع الحرّ من المصائبكلاّ ولا يخضع للنَّوائب
فالحرُّ للعبءِ الثّقيل يحملُوالصبرُ عند النّائبات يحمل
لكل شيءٍ مدَّةٌ وتنقضيما غلب الأيامَ إلا منْ رضي
قد صدق القائلُ في الكلامليس النُّهى بعظم العظام
لا خيَر في جسامة الأجسامبل هو في العقول والأفهام
فالخيل للحرب وللجمال=والإبل للحمل وللتَّرحال
لاتحتقر شيئاً صغيراً يحتقرفربمّا أسالت الدّم الإبرْ
لاتحرج الخصم ففي إحراجهجميعُ ما تكره من لجاجهِ
لاتطلب الفائتَ باللّجاجوكنْ إذا كويت ذا إنضاج
فعاجز من ترك الموجوداطماعةً وطلبَ المفقودا
وفتّش الأمور عن أسرارهاكم نكتةٍ جاءتك معْ إظهارها
لزمتَ للجهل قبيح الظاهرِوما نظرتَ حسن السَّرائر
ليس يضرُّ البدر في سناهأنّ الضّرير قطُّ لا يراه
كم حكمةٍ أضحت بها المحافلنافقةً وأنت عنها غافل
ويغفلون عن خفي الحكمةولو رأوها لأزالوا التُّهمة
كم حسن ظاهرهُ قبيحُوسمجٍ عنوانهُ مليح
والحق قد تعلمه ثقيلُأبوهُ إلا نفرٌ قليلُ
فالعاقل الكامل في الرّجاللا ينثني لزخرف المقال
إن العدوّ قولهُ مردودُوقلّما يصدق الحسود
لا تقبلُ الدعوى بغير شاهدلاسيما إن كان من معاند
أيؤخذ البريءُ بالسَّقيموالرَّجل المحسن باللّئيم
كذاك من يستنصح الأعادييردونه بالغشّ والفساد
إن أكلَّ من ترى أذهانامنْ حسب الإساءة الإحسانا
فادفع إساءة العدى بالحسنىولا تخلْ يسراك مثل اليمنى
وللرجال فاعلمنْ مكايدُوخدعٌ منكرةٌ شدائدُ
فالنَّدب لا يخضع للشّدائدقطّ ولا يغتاظ بالمكائد
فرقّع الخرق بلطفٍ واجتهدوامك إذا لم ينفع الصّدق وكد
فهكذا الحازم إذ يكيدُيبلغ في الأعداء ما يريد
وهو بريءٌ منهم في الظاهروغيرهُ مختضب الأظافر
والشهمُ من يصلح أمر نفسهولو بقتل ولده وعرسه
فإن من يقصد قلعُ ضرسهلم يعتمدْ إلاّ صلاح نفسه
وإن من خصّ اللئيم بالندىوجدته كمن يربّي أسدا
وليس في طبعِ اللئيم شكروليس في أصل الدّنيء نصر
وإن من ألزَمهُ وكلّفهضدُّ الذي في طبعه ما أنصفه
كذاك من يصطنع الجهّالاويؤثرِ الأرذال والأنذال
لو أنكم أفاضلُ أحرارُما ظهرتْ بينكم الأسرار
إن الأصول تجذب الفروعاوالعرق دساسٌ إذا أضيعا
ما طاب فرعٌ أصله خبيثُولازكا من مجدهُ حديث
قد يدركون رتباً في الدُّنياويبلغون وطراً من بقيا
لكنك لا يبلغون في الكرممبلغ من كان له فيها قدم
وكلّ من تماثلتْ أطرافهُفي طيبها وكرمتْ أسلافه
كان خليقا بالعلى وبالكرموبرعتْ في أصله حسن الشّيم
لولا بنو آدم بين العالمِما بان للعقول فضل العالم
فواحدٌ يعطيك فضلاً وكرمفذاك من يكفرهُ فقد ظلم
وواحدٌ يعطيك للمصانعةأو حاجةٍ له إليك واقعة
لا تشرهنْ إلى حطامٍ عاجلِكم أكلةٍ أودت بنفس الآكل
واحذر أخيَّ يا فتى من الشّرهوقس بما رأيته مالم تره
فليس من عقل الفتى أو كرمهإفسادُ شخص كامل لقرمه
فالبغيُ داءٌ ماله دواءليس لملكِ معه بقاء
لاتعطيْن شيئاً بغير فائدةفإنها من السّجايا الفاسدة
"
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع