من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
ذكر أبي عتاهية
كان من أكثر المحدثين شعراً، واسهلهم في المعاني والألفاظ، وأبعدهم عن التكلف. وقال ابن الأعرابي: إن أبا عتاهية وبشاراً أجود المحدثين شعراً، وأبعدهم من التكلف. وقيل لربة بن العجاج: من أشعر المحدثين؟ قال: الذي إذا جد جد، وإذا هزل هزل، كأنما يتناول الكلام من كمه. يعني ابا عتاهية. وقال مسعود بن بشر الأزدي.: قلت بمكة لابن مناذر: من أشعر الناس؟ قال: من إذا شبب لعب، وإذا جد جد. قلت: مثل من؟ قال: مثل جرير حيث يقول:
إنَّ الذين غدوا بقلبكَ غادرواوشلاً بعينكَ لا يزالُ معينا
غيضنَ من عبراتهنَّ، وقلنَ ليماذا لقيتَ من الهوى، ولقينا
ثم قال حين جد:
إن الذي حرمَ الخلافةَ تغلباًجعلَ الخلافةَ والنبوةَ فينا
هذا ابنُ عمي في دمشقَ خليفةٌلو شئتُ ساقكمُ إلي قطينا
فيروى عن الوليد أنه قال: لو قال جرير: لو شاء لفعلت، ولكن جعلني شرطياً له. ثم قال ابن الأعرابي: ومن هؤلاء المحدثين هذا الخبيث، الذي يتناول الشعر من كثب، يعني ابا عتاهية، حيث يقول:
الله بيني وبين مولاتيأبدتْ ليَ الصدَّ والملالاتِِ
ثم يخرج من الغزل فيجد ويقول:
ومهمهٍ، قد قطعتُ، طامسةٍقفرٍ على الهولِ والمخافاتِ
بحرةٍ، جسرةٍ، عذافرةٍخوصاءَ عيرانةٍ علنداةِ
تقولُ للريح كلما بسمتْهل لك يا ريحُ في مباراتي
وبهذا الشعر قال ابن العجاج ما قال، لأنه كان أنشده إياه، فقال: ما كنت أظن أنه يكون بحضرتي مثل طبعك.
وسمعه أبو نواس ينشد بحضرة قوم، فقال: أفجر هذا، أم أنتم لا تبصرون. وبطريق هذه التائية تاب عن الشعر، وذلك أنه رأى في منامه كأن شخصاً يقول له: ما كان في الدنيا احد يكون بينك وبين مولاتك وحبيبتك إلا الله تعالى، حتى تقول: بيني وبين مولاتي. فصار يميل في أشعاره إلى الزهديات.
وكان أبو عمرو الشيباني يفضله. وقد ذكر محمد بن يزيد في كتاب الروضة من أخبار أبي عتاهية جملاً، فلم آت في هذا بشيء مما ذكره، ذلك إلا القليل، قصداً للفائدة. حدث أبو عمرو الشيباني قال: جاء أبو عتاهية، ومسلم بن الوليد، وأبو نواس إلى أبي، فاستنشد أبا عتاهية، فأنشده قوله:
وعظتكَ أجداثٌ صمتْونعتكَ ساكتةٌ خفتْ
وتكلمتْ عن أعظمٍتبلى، وعن صورٍ سبتْ
وأرتك قبرك في القبوررِ، وأنتَ حيٌ لم تمتْ
والدهرُ كم من غيرةٍلكَ في نوائبهِ الثبتْ
غيرٌ مقلعةٌ لأوتادٍ وأطنابٍ ثبتْ
لا تغفلنَّ، فأنهُمن تمضِ ساعتهُ تفتْ
ولربما انتقلَ الشماتُ، فحلَّ بالقومِ الشمتْ
وهذه أبيات ما وجد لمحدث مثلها.
وله ايضاً:
لكم من رجاءٍ، ومن شدةٍإلى غايةٍ، وإلى مدةِ
وكم عقدَ الدهرُ من عقدةٍفرقتْ، وكم حلَّ من عقدةِ
على سرعةِ الشمسِ في سيرهادبيبُ الخلوقة في الجدةِ
وأنشدهم أيضاً:
يا عجبي للبلى وجدتهِيدبُ في الخلقِ ساكناً حركا
ثم انصرفوا، ولم يستنشد مسلماً، ولا أبا نواس شيئاً، فعادوا إليه بعد أيام، فاستنشد مسلماً، فأنشده قصيدته التي منها:
أجررتُ حبلَ خليعٍ في الصبا، غزلِ
حتى إذا بلغ إلى قوله:
ينالُ بالرفقِ ما تعيا الرجال لهكالموتِ مستعجلاً يأتي على مهلِ
قال له أبو عمرو: أحسنت يا أبا الوليد، إلا أنك أخذت قول أبي إسحاق، حيث يقول:
وحكتْ لكَ الساعاتُ ساعاتٍ أتياتٍ بغتُ
ثم استنشد أبا نواس، فأنشده:
يا شقيقَ النفسِ من حكمِ
حتى بلغ إلى قوله:
فتمشتْ في مفاصلهمكتمشي البرءِ في السقمِ
قال له أبو عمرو: احسنت يا ابا علي، غلا أنك أخذت معنى قول أبي إسحاق:
على سرعةِ الشمسِ في مرهادبيبُ الخلوقةِ في الجدةِ
ولأبي عتاهية:
كلٌّ على الدنيا له حرصُوالحادثاتُ أناتها غفصُ
وكأنَّ منْ واروهُ في جدثٍلم يبدُ منه لناظرٍ شخصُ
ليدِ المنيةِ في تلمسهاعن ذخرِ كلِّ شقيقةٍ فحصُ
نبغي من الدنيا زيادتهاوزيادةُ الدنيا هي النقصُ
وأخذ هذا المعنى مؤلف هذا الكتاب فقال:
زيادةُ عمر المرءِ نقصُ حياتهِفكيفَ غدتْ تلك الزيادةُ نقصانا
وللمتنبي:
لا يكثرُ الأمواتُ كثرةَ قلةٍإلا إذا شقيتْ بكَ الأحياءُ
وأما قول أبي عتاهية:
لم يبدُ منه لناظرٍ شخصُ
فمأخوذ من قول الأول:
وكأنَّ أقواماً مضوا لم يخلقوا
وأما قوله:
ليد المنيةِ في تلمسهاعن ذخرِ كلِّ شقيقةٍ فحصُ
وقوله:
نبغي من الدنيا زيادتهاوزيادةُ الدنيا هي النقصُ
فقد تردد هذا في كثير من شعره. فمن ذلك:
إذا ازددتُ من عمري قربتُ من البلىوألفيتُ نقصي بيناً في زيادتي
وقوله:
وكلُّ زيادةٍ فليومِ نقصٍوكلُّ جماعةٍ فليومِ بينِ
وقوله:
وأسرعَ في نقضه امرئٍ تمامهُيا لكَ أمراً نقصهُ إبرامهُ
وقوله:
وأسرع ما يكونُ المرءُ نقصاًوأقربُ ما يكونُ من الزيادةُ
ومعانيه قريبة بعضها من بعض. وللنمر بن تولب مما يلم بهذا المعنى قوله:
يحبُّ الفتى طولَ السلامةِ جاهداًفكيف ترى طول السلامةِ يفعلُ
ويروى عن النبي، ﷺ: " كفى بالسلامة داء ".
وقال حميد بن ثور:
أرى بصري قد رابني بعدَ صحةٍوحسبكَ داءً أن تصحَّ وتسلما
وهذا من كلام الحكماء. قال بعض الحكماء، وقد سئل كيف أنت، فقال: كيف حال من يفنى ببقائه، ويسقم بصحته، ويؤتى من مأمنه. وقال بعض الشعراء:
وما ازدادَ شيءٌ قطُّ إلاّ لنقصهِوما اجتمعَ الالفانِ إلا تفرقا
وقال آخر:
كانتْ قناتي لا تلينُ لغامزٍفألانها الاصباحُ والإمساءُ
ودعوتُ ربي بالسلامةِ جاهداًليصحني، فإذا السلامةُ داءُ
وقال آخر:
يحبُّ الفتى طولَ البقاءِ، وإنهُعلى ثقةٍ أنَّ البقاءَ فناءُ
زيادتهُ في الجسمِ نقصُ حياتهِليس عى طولِ البقاءِ بقاءُ
ولأبي عتاهية في الشيب ما قد أكثر فيه، فمن ذلك:
إنما الشيبُ لابنِ آدمَ ناعٍقامَ في عارضيهِ، ثمَّ نهاهُ
وهذا المعنى قس اتسع فيه الشعر، وقالته الخطباء والوعاظ. وقد قال عدي بن زيد:
وابيضاضُ المشيبِ من نذر الموتِ، وهل بعدهُ لحيٍّ نذيرُ
وقال مزرد:
فلا مرحباً بالشيبِ من وفدِ زائرٍمتى زارَ لا تحجب عليهِ لمداخلُ
وقال بعض أهل العصر:
إن الشبابَ نذيرُ الموتِ، ثمَّ إذاجاءَ المشيبُ، فذاكَ القبرُ والكفنُ
وقال المتنبي:
وإذا الشيخُ قالَ: أفٍ، فما ملَّحياةً، وإنما الضعف ملا
وقال أيضاً:
وقد أراني الشبابُ الروحَ في بدنيوقد أراني المشيبُ النقصَ في بدني
وقال آخر:
والشيبُ ضيفٌ إذا ما حلَّ ربعَ فتىًأعيى ترحلهُ، أوْ يرحلانِ معا
وعن أبي شقيقة الوراق قال: أتاني أبو عتاهية يوماً فجلس في دكاني، وجلس الناس حوله وكتبه عنه، ثم تناول دفتراً من كتبي فكتب عليه:
أيا عجباً كيفَ يعصى الإلهُأم كيفَ يجحدهُ الجاحدُ
وللهِ في كلِّ تحريكةٍوتسكينةٍ، أبداً، شاهدُ
وفي كلّ ما أبصرتهُ العيونُدليلٌ على أنهُ الواحدُ
ثم قام، وجاء أبو نواس فنظر إلى الكتاب، وقرأ ما تب أبو عتاهية، فسألني عن قائل الأبيات، فأخبرته، فقال: أحسن والله لوددت أنها ي بجميع شعري. ثم تناول القلم وكتب:
سبحانَ منْ خلقَ الخلقَ من ضعيفٍ مهينِ
يسوقهُ من قرارٍإلى قرار مكينِ
يجوزُ شيئاً فشيئاًفي الحجبِ دون العيونِ
حتى بدتْ حركاتٌمخلوقةٌ من سكونِ
فجاء أبو عتاهية فنظر إليها: فقال: لمن هذه؟ لوددت أنها لي بجميع شعري فانظر إلى اتفاق قوليهما.
ومن معنيه:
نراعُ إذا الجنائزُ قابلتناونلهو إنْ تولتْ مدبراتِ
كروعةِ ثلةٍ لمغارِ سبعٍفلما غابَ عادتْ راتعاتِ
وقول الآخر:
نزاعُ لذكرِ الموتِ ساعةَ ذكرهِونعترضُ الدنيا فنلهو ونلعبُ
ومثله لابن دريد:
نهالُ للشيءِ الذي يروعناونرتعي في غفلةٍ إذا انقضى
ومثل ذلك:
إذا مرضنا نوينا كلَّ صالحةٍ
ومن معانيه المسترقة:
ألا يا موتُ لم أرَ منكَ بداًأبيتَ فما تحيفُ، ولا تحابي
كأنكَ قد هجمتَ على مشيبيكما هجمَ المشيبُ على شبابي
وله أيضاً:
نحمدُ الله كلنا سنموتلخرابِ البيوتِ تبنى البيوتُ
وهذا معنى أخذه من قول أبي ذر ﵀، فإنه قال: تلدون للموت، وتعمرون للخراب، وتذرون ما يبقى، وتحرصون على ما يفنى.
وقال الآخر:
وللموتِ تغذو الوالداتُ سخالهاكما لخرابِ الدورِ تبنى المنازلُ
وله أيضاً:
منْ أحبَّ الدنيا تحيرَ فيهاواكتسى عقلهُ التباساً وتيها
قنعِ النفسَ بالكفافِ، وإلاّطلبتْ منكَ فوقَ ما يكفيها
ليسَ فيما مضى، ولا في الذي لميأتِ من لذةٍ لمستحليها
إنما أنتَ طول عمركَ ما عمرتَ في الساعةِ التي أنتَ فيها
أخذه غيره:
ما مضى فاتَ، والمؤملُ غيبٌولكَ الساعةُ التي أنتَ فيها
وهذا المعنى يروى عن محمد بن الحسن بن عبيد اله الكوفي، قال: كتب إلي داود الفارسي: يا ابن أخي الدنيا دار زلل وزوال، وتغير حال عن حال. ثم كتب في آخر كتابه:
أفرطتَ في العيشِ وتأميلهِوللمنايا شيمٌ نكدُ
وإنما عيشُ الفتى ساعةٌلا قبلها منهُ، ولا بعدُ
ما أوسعَ الدنيا على أهلهالو لم يكنْ آخرها لحدُ
وأتى بهذا المعنى ذو اليمينين طاهر بن الحسين فقال:
دنياكَ دنيا هوىً ومتعبةٍيشقى بها مستهامها الأشرُ
تبدي لأبنائها مساوئهاعوداً وبدءاً، وليس معتبرُ
ما فاتَ منها كأنهُ حلمٌليسَ له لذةٌ، ولا خطرُ
وليسَ للمرءِ غيرُ ساعتهِإن طالَ، أو لم يطلْ به العمرُ
وقال محمود في معنى بديع:
مازالَ يظلمني وأرحمهُحتى بكيتُ له من الظلمِ
أخذ هذا المعنى من أبي ذر، إذ أتاه رجل فقال: رأيت فلاناً شتمك حتى رحمتك، فقال: هل سمعتني شتمته؟ فقال: لآ، قال: فياه فارحم. وقال محمد ابن الحجاج: حضرت مجلساً فيه بشار وأبو عتاهية، فقال بشار لأبي عتاهية: أنشدني، فأنشده:
كمْ من صديقٍ لي أسارقهُ البكاءَ من الحيا
فإذا تفطنَ لامنيفأقولُ ما بي من بكاءِ
لكنْ ذهبتُ لأرتديفطرفتُ عيني بالرداءِ
قال بشار: يا عتبة ما أشعرك! إلا أنك سرقتني، قال: وما قلت يا ابا معاذ؟ قال:
وقالوا: قد بكيتَ، فقلتُ: كلاوهل يبكي من الجزعِ الجليدُ
ولكني أهابُ سوادَ عينيعويدُ قذىً له طرفٌ حديدُ
فقالوا: ما لدمعهما سواءٌأكلتا مقلتيكَ أصابَ عودُ؟
فقال له أبو عتاهية: وأنت يا بشار أخذت هذا المعنى من قول الآخر:
يقولُ خليلي يومَ أكثبةِ النقاوعيناي من فرطِ البكا تكفانِ
أمنْ أجل دارٍ بين لوذانَ فالنقاغداةَ اللوى عيناكَ تبتدرانِ
فقلتُ: ألا لا، بل قذيتُ، وإنماقذى العينَ مما هيجَ الطللانِ
ومن معاني أبي عتاهية المخترعة:
وإذا شكوتُ إلى المحبِّ رأيتهُيجدُ الذي أشكو إليه لديهِ
وإذا شكا أيضاً إليَّ ظننتهُقد مسَّ قلبي، مرةً، بيديهِ
منْ لم يكنْ فيما شكوتُ به الذيفي الحبِّ مثلي، هانَ ذاكَ عليهِ
إنَّ المحبَّ إذا تطاولَ سقمهُيلقى المحبَّ، فيستريح إليهِ
أخذه بعض المحدثين فقال:
لو علقتَ الهوى عذرتَ، ولكنإما يعذرُ المحبَّ المحبُّ
ومثله:
لا تلمْ صبوتي فمن حبِّ يصبوإنما يرحمُ المحبَّ المحبُّ
ويقال: إن أبا عتاهية غلب على قلب الرشيد، فغضب عليه موسى الهادي بذلك السبب، وتوعده، فقال يخاطب المهدي:
ألا شافعٌ عندَ الخليفةِ يشفعُفيدفع عني كربَ ما أتوقعُ
فإني، على علمِ الرجاءِ، لخائفٌكأنَّ على رأسي الأسنةَ شرعُ
رماني وليُّ العهدِ موسى بغضبةٍفلم يكُ لي، إلاّ الخليفةُ، مفزعُ
وليس امرؤٌ يمسي ويصبحُ عائذاًبظلِّ أميرِ المؤمنينَ، مروعُ
ثم أقبل على مديح موسى. فمن مدائحه قوله:
لهفي على الزمنِ القصيرِبين الخورنقِ والسديرِ
إذ نحنُ في غرفِ الجنانِ نعومُ في بحرِ السرورِ
في فتيةٍ ملكوا عنانَ الدهرِ، أمثالِ الصقورِ
ما منهمُ إلا الجسورُ على الهوى، غيرُ الحسورِ
يتعاورونَ مدامةًصهباءَ من حلبِ العصيرِ
عذراءَ، رباها شعاع الشمس في حر الهجيرِ
حلبتْ على قومٍ كرامٍ سادةٍ، في درعِ قيرِ
ومشمر يسعى أمام القومِ كالرشأ الغريرِ
بزجاجةٍ تستخرجُ السرَّ الدفينَ من الضميرِ
تذرُ الحليمَ، وليس يدري ما قبيلٌ من دبيرِ
ومخدراتٍ زرننابعدَ الهدوِّ من الخدورِ
نفحٌ روادفهنَّ يلبسنَ الخواتمَ في الخصورِ
متغمساتٍ في النعيمِ، مضمخاتٍ بالعبيرِ
يرفلنَ في حللِ الجمالِ، وفي المجاسدِ والحريرِ
ما إنْ يرينَ الشمس إلاّالفرط من خللِ الستورِ
ولقد غططنا البؤسَ فيلججِ الغضارةِ والسرورِ
فمحا لذاذةَ عيشنامرُّ الليالي والشهورِ
وغدا فألهب في الرؤوسِ، وفي اللحى شعلَ القتيرِ
فالى ولي العهدِ مهربنا من الدهرِ العثورِ
وإليهِ أتعبنا المطيَّ بالرواحِ، وبالبكورِ
صعرَ الخدودِ كأنهنَّ كسينَ أجنحةَ النسورِ
هوجاً يطرنَ بزائرٍيهدي المديحَ إلى مزورِ
أضحتْ لموسى بيعةٌفي الملكِ أثبتُ من ثبيرِ
فرضي عنه وأجازه. فلما أفضت الخلافة إلى الرشيد قدمه ووفر له الجراية، وأمره بملازمته. فكان لا يفارقه في سفر ولا حضر. وقيل: إنه حج مع الرشيد، فجاء الرشيد يوماً في الطريق، وقد استلقى في ظل ميل، وهو يقول:
ألا يا طالبَ الدنيادع الدنيا لشانيكا
فلما تصنعُ بالدنياوظلُّ الميلِ يكفيكا
فعجب الرشيد من بديهته.
وعمر أبو عتاهية إلى أيام المأمون، وقد جاوز لسبعين، فقال:
أعينيَّ هلا تبكيانِ على عمريتناهبتِ الأيامُ عمري ولا أدري
ألا في سبيل الله سوفتُ توبتيودفعتُ أيامي، وفرطتُ في أمري
إذا كنتُ قد جاوزتُ سبعينَ حجةًولم أتأهبْ للمعادِ، فما عذري
أمني البقا نفسي أحاديثَ ظلةًوقد أشرفتْ بي الحادثاتُ على قبري
وكان أبو عتاهية ي قول: إن المكارم موصولة بالمكاره، فمن أراد مكرمة إحتمل كروهاً. وولد أبو عتاهية في سنة إحدى وثلاثين ومائة، وتوفي في أيام المأمون سنة عشر ومائتين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع