من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)
الجزء الثاني (٧)
مثله:
وهوَّنَ وجدي عن خليليَ أننيمتَى شئتُ لاقيتُ امرأً ماتَ صاحبُهْ
فاطمة ابنة الأحجم:
يا عينُ بكِّي بَني سعدٍ ومثلهمُأبْكِي إذا أعوزَ اللَّحمُ الأياسيرُ
شُمٌّ أنوفهمُ غلبٌ رقابهمُكأنَّ أوجههم حُسناً دَنانيرُ
كأنَّ عينيَ لمَّا أنْ ذكرتهمُغُصنٌ يُراحُ من الطَّرفاءِ ممطورُ
ما نعرف في سرعة تحدُّر الدمع مثل هذا البيت، وقريبٌ منه بيت جِران العَود:
فبتُّ كأنَّ العين أفنانُ سِدرةٍعليها سَقيطٌ من ندَى اللَّيل ينطُفُ
إلاَّ أنَّ البيت الأول أتمُّ معنًى وأكثر زيادةً من بيت جران العود هذا لأنَّه ذكر أنَّ عينه مثل الغصن الممطور إذا حرَّكته الرِّيح وهذا النّهاية في سرعة تحدُّر الدَّمع، ومن أحسن ما قيل في سرعة الدَّمع بعد هذين البيتين:
وما شَنتا خرقاءَ واهِيتا الكُلَىسقَى بهما ساقٍ ولمَّا تبلَّلاَ
بأضيعَ من عينَيك للدَّمْع كلَّماتذكَّرتَ إلفاً أو توهَّمتَ منزِلا
جوَّاس بن القعطل:
لا زالَ صوبٌ من ربيعٍ وصيّفٍبهضب القليب فالتِّلاعُ به خُضرُ
يُروِّي عظاماً لم تكنْ في حياتهايرِنُّ بها حِنثُ اليمين ولا الغدرُ
الغطمَّش الضَّبّيّ يرثي عبيدة بن الأعور:
لعَنَ الإلهُ النَّاسَ إلاَّ مُسلماًوالدَّهرُ بعد بعيدة بنِ الأعورِ
بعدَ امرئٍ واللهِ لم يكُ عاجزاًعند الحروبِ ولا ضعيفَ المَكسرِ
وإذا جنَيتُ عليه حرباً حاطَنِيولجأتُ تحتَ لَبان لَيثٍ مُخدِرِ
فمضَى وغادرَني أُعالجُ بعدَهحربَ النَّوائبِ في زمانٍ مُدبرِ
مغلِّس بن لقيط يرثي أخاه:
سقَى اللهُ أصداءً برقدٍ وذمَّةٍبرقدٍ ذهاباً لا تحلِّي غُيومُها
ولا زالَ فينا كلُّ مَيثاءَ يُرتَعَىبها النَّورُ والبُلدانُ يُرعَى هَشيمُها
ألا لا أرَى بعد ابنِ زينبَ لذَّةًلدُنيا ولا حالاً يَدومُ نَعيمُها
ولا ذا أخ إلاَّ سيفجعُهُ بهحِمام المنايا حين يأتِي غَريمُها
ابن يربوع بن حنظلة:
يُذَكِّرُني عمراً بكاء حَمامةٍعلى فَنَنٍ من بطنِ بِيشةَ مائلِ
ترَى أهلَهُ في نعمةٍ وهْوَ شاحبٌطَوِي البطنِ مخماصُ الضُّحَى والأصائلِ
جُمانة ابنة الأحنف الدَّارميَّة:
طلبتُ ولمْ أُدركْ بوجْهي ولَيتَنيقَعدتُ فلم أبْغِ النَّدَى بعد غائبِ
ولو جاءَ باغِي الخيرِ في عهد سائبٍثَوَى غيرَ قالٍ أو غَدا غيرَ خائبِ
أقول وما يدري الَّذين غَدَوا بهِعلى النَّعش ماذا أدْرَجوا في السَّبائبِ
وكلُّ فتًى يوماً سيركبُ مرَّةًعلى النَّعش أعناقَ العدَى والأقاربِ
أعرابيّ من بني سعد يرثي قومه:
ألم ترَ خُلاَّني مضَوا لسبيلهمأبانٌ وعمرٌو منهمُ وجريرُ
يقولُ رجالٌ لا يَضيرك فقدُهمبلَى إنَّ فقدَ الصَّالحين يَضيرُ
هذا مثل قول الآخر:
وقالَ أُناسٌ لا يضيرك نأيُهابلَى كلُّ ما شفَّ النُّفوسَ يضيرُها
أليسَ يضيرُ العينَ أنْ تألَفَ البكاويُمنعَ منها نومُها وسُرورُها
وقريبٌ من هذا المعنى وإن لم يكن بعينه قول الآخر: وقالوا:
لا يضيرك نأى شهرٍفقلت لصاحبي: فلمن يضير
الستمدرل بن شريك:
دَلَّوْه فوق يديَّ تحت رِدائهِخَفِرَ الشَّمائل مُسلَمَ الأسرارِ
جَدَثا تضمَّنَ نائلاً وعفافةًأُسْقيتَ من جدثٍ كذاكَ كُبارِ
كاللَّيث يُبطئُ عن أذَى جِيرانهويكون أسرعَهم إلى الأثْآرِ
عبيد بن أيوب العنبري:
سأبْكي حُصيناً ما تغنَّى حَمائمٌوأبْكي حُصيناً والحمائمُ هُجَّدُ
لقد هَدمُوا قِدْراً جِماعاً وجَفنةًبوارى سَديف الشَّولِ كانتْ تُشيَّدُ
وقد عاشَ محموداً وأصبح فقْدُهُعلى الأقرَبين والعِدَى وهْوَ أَنْكدُ
أبو العالية:
صبرتُ ولم أُبدِ اكْتِئاباً ولا تَرَىأخا جَزَعٍ إلاَّ يصيرُ إلى الصَّبرِ
وإنِّي وإنْ أبديتُ صبراً لمُنطوٍعلى حَرّ أحزانٍ أحرَّ من الجمرِ
وأملِكُ من عَيني الدُّموعَ وربَّماتبادرَ عاصٍ من سوابقها يجرِي
تمثَّل قتيبة بن مسلم حين أتاه موت الحجَّاج بقول الحطيئة:
لعَمري لَنعم المرءُ من آل جعفرٍبحَورانَ أمسَى ألقَتْهُ الحبائلُ
لقد فقدُوا عزماً جليلاً وسُؤدداًوحِلماً أصيلاً خالفتهُ المجاهلُ
إذا عِشتَ لم أملَلْ حياتي وإنْ تمُتْفما في حياةٍ بعدَ موتكَ طائلُ
وما كانَ بيني لو لَقيتُك سالماًوبين الغنَى إلاَّ ليالٍ قلائلُ
طُفيل بن عوف الغنويّ يرثي زرعة بن عمرو بن الصَّعق:
فلم أرَ هالكاً من أهلِ نجدٍكزُرعةَ يوم قامَ به النَّواعِي
أعزَّ رَزِيَّةً وأجلَّ فقداًعلى المولَى وأفضلَ في المساعِي
وأعزَزَ نائلاً لمَن اعْتَفاهُوأصبرَ في اللِّقاء على المِصاعِ
وأقْولَ للَّتي نبذَتْ بَينهاوقد رأتِ السَّوابقَ لا تُراعِي
فلا وَقَّافة والخَيلُ تُردِيولا خالٍ كأنبوب اليَراعِ
شِهابٌ يُستضاءُ به إذا مادَجا الإظلامُ أوقَدَ باليَفاعِ
زينب بنت الطَّثريَّة ترثي أخاها يزيد:
أرَى الأثْلَ من بطن العقيق مُجاورِيمقيماً وقد غالَتْ يزيدَ غوائلُهْ
فتًى قُدَّ قدَّ السَّيف لا مُتضائلٌولا رَهِلٌ لَبّاتُهُ وبَآدِلُهْ
فتًى لا يُرَى خَرقُ القميص بخَصْرهولكنَّما تُوهِي القميصَ حَمائلهْ
فتًى ليسَ لابن العمّ كالذِّئب إنْ رَأَىبصاحبه يوماً دَماً فهْوَ آكلُهْ
يسُرُّك مظلوماً ويُرضيك ظالماًوكلّ الَّذي حمَّلْتَه فهْوَ حاملُهْ
إذا القومُ أمُّوا بيتَهُ فهو عامِدٌلأفضلِ ما أمُّوا له فهو فاعلهْ
إذا نزلَ الأضيافُ كانَ عذَوّراًعلى الحيِّ حتَّى تستقِلَّ مَراجلهْ
إذا كانَ خيرُ الجِدّ أرْضاك جِدُّهوذو باطلٍ إنْ شئتَ أرضاك باطِلهْ
مضَى ووَرِثْناهُ دَريسَ مُفاضةٍوأبيضَ هنديّاً طويلاً حَمائلهْ
أمَّا قولها: " أرى الأثْلَ " البيت، فبذا أخذت أخت الوليد بن طريف الشَّارِي قولها ترثي أخاها الوليد:
أيا شجرَ الخابور مالكَ مُورِقاًكأنَّك لم تجزعْ على ابْن طَريف
أمَّا قولها: " فتًى قُدَّ قدَّ السيف " البيت، وقولها: " فتى لا يرى خرق القميص " البيت، تقول: إنَّه لطيف البطن مضطمِر الخصر، وهذا عندهم غايةٌ في المدح للصّعلوك والفارس، بل يرونه مدحاً للعظيم القَدر، فأمَّا الفارس فيمدح بالنَّحافة، فتقول: إنَّ خصره غير منتفخ لضُمره فما يتخرَّق قميصه في خصره لذلك، بل تتخرَّق أكتافه من نجاد سيفه، ويجوز أيضاً أن تكون مناكبه قليلة اللَّحم فيخرق قميصه، وشبيه بهذا المعنى قول متمِّم في أخيه مالك:
لقد غيّب المِنهالُ تحت ردائهفتًى غير مِبطان العشيَّات أرْوعا
ومثله:
رأيتُكما يا بْنَي أخي قد سمِنتماوما يُدركُ الأوتارَ إلاَّ المُلوَّحُ
وأمَّا قولها: " فتى ليس لابن العمّ " البيت، فإنَّ صاحب المنطق يذكر أنَّ الذِّئب إذا كان عليه أدنَى دمٍ اجتمعت عليه الذِّئاب فتوزَّعته بينها أشلاءً، ومثله قول الآخر:
وكنتُ كذئب السَّوء لمَّا رأَى دماًبصاحبه يوماً أحال على الدَّمِ
الغطمَّش الضِّبّيّ:
أقول وقد ضاقتْ شؤوني بعَبرةٍأرَى الأرضَ تبقَى والأخلاَّء تَذهبُ
أخِلاَّيَ لو غير الحِمَام أصابَكمعَتبتُ ولكن ما على الموت مَعتِبُ
أمَّا قوله: " أقول وقد ضاقت " البيت، فمثل قول الآخر:
إذا زرتُ أرضاً بعد طول اجْتنابهافقدتُ صديقِي والبِلادُ كما هِيا
والأصل قوله:
بَلِينا وما تَبْلَى النُّجومُ الطَّوالعُوتبقَى البلادُ بعدنا والمَصانعُ
وَسْنَى ابنة عمرو القيسيَّة:
فتًى مثل صدر الهُنْدُوانيّ لم يكنْجَباناً إذا الحربُ العَوانُ اشْمَعلَّتِ
ولو فُجعتْ غُرّ النُّجوم بمثلهإذاً لتولَّى ضوءها واضْمحلَّتِ
رأيتُ حالَ العِيس بعدك عُرِّيتْومكرمةَ الفتيان في النَّاس قلَّتِ
توسعة بن أبي غسَّان:
قلْ للأراملِ واليتامَى قد ثوَىفلْتَبْكِ أعينُها على عتَّابِ
أودَى ابنُ كلّ مُخاطرٍ بتِلادِهِوبنفسهِ بُقْياً على الأحسابِ
الرَّاكبين من الأمورِ صدورَهالا يركبونَ مَعاقدَ الأذْنابِ
أنيف بن مخارق الأسديّ:
أصبحتُ بعد ربيعةَ بن مُكدمغَرَضاً بصَرْدَحةٍ لِمن رامانِي
فلأرْمينَّهمُ برغم أُنوفهمجَهدي على عَوَزِي من الفتيانِ
ميَّة ابنة ضِرار ترثي أخاها قَبيصة:
ما بات من ليلة مذ شَدَّ مِئزَرَهُقَبيصةُ بن ضِرارٍ وهْوَ مَوتورُ
لا يعرفُ الكلِمُ العُورانُ مجلسَهُولا يذوق طعاماً وهْو مستورُ
الطَّاعن الطَّعنةَ النَّجلاءَ عن عُرُضٍكأنَّها ضَرَمٌ باللَّيل مسعورُ
عُتَيّ بن مالك العقيليّ:
إذا النَّاسُ عَزَّوني تذكَّرتُ هل إلىلقاء ابْن أوسٍ في الحياةِ سبيلُ
يُعزِّي المُعزِّي ساعةً ثمَّ يَنكفيوفي النَّفس حاجاتٌ لهنَّ غَليلُ
كأنْ لم يُسايِرْني ابنُ أوسٍ ولم نرُعْقلائصَ أطلاحاً لهنَّ ذميلُ
ولم نُلقِ رَحْلَينا معاً بتَنوفةٍولم نرمِ جَوزَ اللَّيل حين يَميلُ
قُتَيْلة بنت النَّضر بن الحارث بن كلدة بن عبد الدَّار بن قصيّ، وكان النَّضر لعنه الله من المستهزئين برسول الله ﷺ فأُسر يوم بدر كافراً، فضرب النَّبيّ ﷺ عنقه صبراً بالصفراء في طريق بدر إلى المدينة، وكانت ابنته قُتيلة من أحسن نساء العرب وأفصحهنَّ، وكان النَّبيّ ﷺ أراد أن يتزوَّجها حتَّى كان من أمر أبيها ما كان، فكتبتْ إلى النَّبيّ ﷺ:
يا راكباً إنَّ الأُثَيلَ مَظِنَّةمن صُبح خامسةٍ وأنتَ مُوفَّقُ
أبلغْ به مَيتاً بأن تحِيَّةما إن تزالُ بها الرَّكائبُ تخفقُ
منِّي إليك وعَبرةً مسفوحةًجادتْ بَوادرُها وأُخرى تخنُقُ
هل يسمعنَّ النَّضرُ إنْ نادَيتَهُبلْ كيفَ يسمعُ مَيِّتٌ لا ينطقُ
ظلَّتْ سيوفُ بني أبيه تَنوشُهُللهِ أرحامٌ هناك تُشقَّقُ
قسراً يُساقُ إلى المنيَّة مُتعباًرَتَكَ المقيَّدِ وهْو عانٍ مُوثقُ
أمحمَّدٌ ها أنتَ صِنْوُ نَجيبةٍفي قومها والفحلُ فحلٌ مُعرِقُ
ما كانَ ضرَّك لو مَنَنْتَ فربَّمامنَّ الفتَى وهو المَغيظُ المُحنَقُ
فلمَّا اتَّصل شِعرها بالنَّبيّ ﷺ قال: لو كانَ اتَّصل بي قبلُ لمننتُ عليه.
المرّار الفقعسيّ:
ألا نوَّهَ الدَّاعي بعمرٍو فأسمَعَاونادَى خبيرٌ منك يا عمرو أفظَعَا
فقلتُ ألمَّا اسْتُكملتْ خَيراتُهُوبَرَّز حانَتْه المنايا فودَّعا
مضَى عنِّي به كلُّ لذَّةٍتَقَرُّ بها عينايَ فانْقطعا مَعا
شهدتُ على أرضٍ بها حفَروا لهبِطيبِ الصَّعيد نكهةً وتَضوُّعا
وما دنِسَ الثَّوبُ الَّذي زوَّدُوكَهُوإنْ خانهُ رَيبُ البِلَى فتقطَّعا
وطابَ ثرًى أصبحتَ فيه وإنَّمايطيبُ إذا كانَ الثَّرى لك مضجَعا
دَفَعنا بك الأيَّامَ حتَّى إذا أتتْإليك المنايا لم نجِد عنك مَدفَعا
معروف بن مالك النَّهشليّ:
سأبْكيك ما فاضتْ دُموعي وإنْ تغِضْفحسبك منِّي ما تُجنُّ الجوانحُ
كأنْ لم يمتْ حيٌّ سِواك ولم تقُمْعلى أحدٍ إلاَّ عليكَ النَّوائحُ
لئن حسُنتْ فيك المَراثي وذِكرُهالقد حسُنتْ من قبلُ فيك المدائحُ
فما أنا من رُزءٍ وإنْ جلَّ جازعٌولا في سُرور بعد موتك فارحُ
كعب الغنويّ يرثي أخاه:
تقولُ سليمَى ما لجسمك شاحباًكأنَّك يحميك الشَّرابُ طَبيبُ
أتَى دون حُلوِ العيش حتَّى أمَرَّهُنُكوبٌ على آثارهنَّ نُكوبُ
أخو شَتَواتٍ يعلمُ الضَّيفُ أنَّهسيكثُرُ ما في قِدره ويَطيبُ
إذا ما تراءاهُ الرِّجالُ تحفَّظُوافلم تنطقِ العوراءُ وهْوَ قريبُ
فتًى لا يُبالي أن يكونَ بجسمهإذا نالَ خَلاَّتِ الكرام شُحوبُ
وحدَّثْتُماني أنَّما الموتُ في القُرَىفكيف وهذِي هَضبةٌ وكَثيبُ
وماءُ سماءٍ ليس فيه مَحَمَّةٌببرِّيَّةٍ تجري عليهِ جنوبُ
وإنِّي لَباكيهِ وإنِّي لَصادقٌعليهِ وبعضُ القائلينَ كَذوبُ
لعمرُكُما إنَّ البعيد الَّذي مضَىوإنَّ الَّذي يأتِي غداً لقريبُ
أما قوله: " إذا ما تراءاهُ الرِّجال " البيت فقريب من قول مُهلهل:
نُبِّئتُ أنَّ النَّارَ بعدك أُوقدتْواسْتَبَّ بعدك يا كُليبُ المجلسُ
وتَفاوَضوا في أمرِ كلّ نقيصةٍلو كنتَ شاهدَ أمرِهم لم ينْبِسوا
وأمَّا قوله: " وحدَّثتماني " البيت والبيت الَّذي بعده فمثل قول أبي ذُؤيب:
يقولونَ لي لو كانَ بالرَّملِ لم يمتْنُبَيْشةُ والطُرَّاق يكذِب قيلُها
ولو أنَّني أودعتُهُ الجوَّ لارْتَقتْإليه المنايا عينُها أو رسولُها
على حين ساواهُ الشَّبابُ وقاربتْخُطايَ وخِلتُ الأرضَ وعْراً سُهولُها
أوس بن حجر، وكان الأصمعي والمفضّل الضَّبّيّ وأكثر الرُّواة يقولون إنَّه لم يبتدئ أحدٌ من الشعراء ابتداء مرثية أحسن من ابتداء هذا الشِّعر، وهو:
أيَّتُها النَّفسُ أجمِلي جزعاإنَّ الَّذي تحذَرين قد وقَعا
ألا لمِّعِي الَّذي يَظنّ لك الظَّنَّ كأن قد رأَى وقد سمِعَا
والحافظ النَّاسَ في المُحول إذالم يُرسِلوا خلفَ عائذٍ رُبعا
وهبَّتِ الشَّمألُ البَليلُ وقدأمسَى ضجيعُ الفتاة مُلتَفِعا
عامَ تُرَى الكاعبُ المنَعَّمةُ الحسناءُ في زادِ أهلِها سَبُعا
ليبككَ الضَّيفُ والمجالسُ والفِتيا طرّاً وطامعٌ طَمِعا
والحيُّ إذْ حاذَروا الصَّباحَ وقدخافوا مُغاراً وآنَسوا فَزَعا
والتحمَتْ حَلْقتا البِطان على القومِ وجاشتْ نفوسُهم جَزَعا
كثيِّر:
تاللهِ أنسَى مصيبتي أبداًإن أسْمعتْني حَنينَها الإبِلُ
لم يعلمِ النَّعشُ ما عليه من الجُود ولا الحاملونَ ما حَمَلوا
حتَّى أجَنُّوهُ في ضريحهمُحيثُ انتهَى من خليلك الأمَلُ
أما قوله: " لم يعلم النَّعش ما عليه " البيت، فأخذه ابن ميَّادة في قوله:
ما دَرَى نعشُهُ ولا حاملوهما على النَّعشِ من عَفاف وجُود
حُميد بن ثور:
لقد غادرَ الموتُ قبل الصَّفاوبعد المُشقَّر قدراً جليلا
كثيراً حلاوةُ أخلاقِهِشديدَ المَرارة صَعباً ذَلولا
خذلتَ الوليَّ لِكأس الحِمامِولم تكُ يا بْن عُمَيرٍ خذولا
وأيَّمتَ منَّا الَّتي لم تلدْكيُتْمِ بَنيك وكنتَ الخليلا
وكنتَ لنا جَبَلاً مَعْقِلاًوعند المَقامة بُرْداً جميلا
وتَغْدِي بمالِك أموالَنافلا يحسبُ النَّاسُ فينا بخيلا
مطر بن جبير العجليّ:
أقلِّي من التِّبْكاءِ يا أُمَّ مالكٍعليك فإنَّ الدَّهرَ جَمٌّ غوائلهْ
لقد رحلَ الحيُّ المُقيمُ وخلَّفوافتًى لم يكنْ يَبدأْ به من يُنازلهْ
ولم يكُ يخشَى الجارُ منه إذا دَناأذاهُ ولا يخشَى الحَريمةَ سائلهْ
وقد كانَ عبد الله ذا أرْيَحِيَّةٍإذا اهتزَّ للخير الَّذي هو فاعلهْ
ولو أنَّني قدَّرتُ يومَ حِمامهلقاتلْتُ عنه لو أرَى من يُقاتلهْ
سَلَمة بن مالك الجعفيّ:
أقولُ لنفسِي في الخَلاءِ ألومُهالكِ الويلُ ما هذا التَّجلُّدُ والصَّبرُ
أما تفهمينَ الخُبرَ أنْ لستُ لاقِياعِراراً وقد واراهُ من دونيَ القبرُ
وكنتُ أعدُّ بَينهُ بعضَ ليلةٍفكيف ببينٍ دون ميعادهِ الحشرُ
وهوَّنَ وَجْدي أنَّني سوف أغتَدِيعلى إثرهِ يوماً وإنْ طالَ بِي العُمرُ
فلا يُبعِدَنْك اللهُ إمَّا تَركتناحميداً وأودَى بعدك الخوفُ والبِشرُ
فتًى كانَ يُعطي السَّيفَ في الرَّوع حقَّهُإذا ثوَّبَ الدَّاعِي وتشقَى به الجُزرُ
فتًى كانَ يُدنيهِ الغِنَى من صديقهِإذا ما هو استغْنَى ويُبعدُهُ الفقرُ
فنِعم مُناخُ الحيّ كانَ إذا انبرتْشَمالٌ وأمستْ لا يُعرِّجُها سِترُ
ومأوَى اليتامَى المُمْحِلين إذا انْتَهواإلى بابهِ شُعثاً وقد قحَطَ القطرُ
وقال:
سقر اللهُ قبراً لستُ زائرَ أهلهِببِيشةَ إمَّا أدركتْهُ المَقابرُ
تضمَّن خِرقاً كالهلال ولم يكنْبأوَّل خِرقٍ ضُمِّنتهُ المقابرُ
كأنِّي غداةَ اسْتَعْلَنوا بنَعيِّهعلى النَّعشِ يهفُو بين جَنبَيَّ طائرُ
هشام بن عُقبة أخو ذي الرُّمَّة:
نعَى الرَّكبُ أوفَى حينَ آبتْ رِكابُهملعمري لقد جاءوا بشرٍّ فأوجَعوا
نَعَوا باسقَ الأخلاق لا يخلفونَهُتكادُ الجبالُ الصمُّ منه تصدَّعُ
تعزَّيتُ عن أوفَى بغَيلانَ بعدَهعَزاءً وجفنُ العين مَلآن مُترعُ
ولم يُنسني أوفَى المُصيباتُ بعدَهولكنَّ نَكْأَ القَرح بالقَرح أوجعُ
عجز هذا البيت من المعاني الجياد والأمثال السَّائرة وما نعرف له نظيراً فنورده.
لمَّا فرغ خالد بن الوليد من قتال طليحة بن خويلد الأسديّ ومن كان معه، مضى إلى أرض بني تميم لقتال من ارتدَّ بها من العرب، فلمَّا صار بمكانٍ يقال له البطاح من أرضهم ألفَى به بني يربوع وعليهم مالك بن نويرة اليربوعيّ فقتله في جماعة من قومه، ويقال أنَّ خالداً قتل مالكاً ومن معه وهم مسلمون وذلك أنَّ أبا بكر ﵁ قدم إلى خالد ومن معه من المسلمين إذا نزلوا بحيّ من أحياء العرب أمهلوهم إلى وقت الصلاة فإن رأَوهم يصلُّون وإلاَّ قاتلوهم، فيقال إنَّ أصحاب خالد وافوا بني يربوع وقت الفجر، فأذَّن مؤذّنهم وأذَّن مؤذّن الآخرين سواء فأتوا جميعاً الصلاة، إلاَّ أنَّ خالداً قتلهم أجمعين. ويقال إنَّ خالداً لمَّا أمر بضرب عنق مالك التفت وهو يُقاد إلى القتل، فنظر إلى امرأته وهي أجمل نساء العرب وهي تبكي مسفرةً عن وجهها، فقال لها: أنت والله قتلتني بهذا الجمال، لأنَّ خالداً لمَّا نظر إليك وقعتِ بقلبه فأمر بقتلي. ويقال إنَّه لما قتله أخذ رأسه فجعله أثْفِيَّةً للقِدر وجعل وجهه مما يلي النَّار، فنظرت إليه على تلك الحال امرأة من قومه فقالت: اصرفوا وجهه عن النَّار فإنَّه والله كان غضيض الطَّرف عن الجارات، حديد النَّظر في الغارات، لا يشبع ليلة يُضاف، ولا ينام ليلة يخاف. ولمَّا قتله خالدٌ تزوَّج امرأته، وكان مالك من فرسان العرب وفتيانهم، وأكثر فيه أخوه متمِّم من المراثي. ويقال إنَّه قدم المدينة بعد قتل أخيه متظلِّماً، فاستنشده المسلمون شعرَه في أخيه، فأقبل ينشدهم وهو يبكي، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: سألتك الله، يا متمِّم، هل كان أخوك على ما تصفه في شعرك؟ قال: اللهم نعم، إلاَّ أني قلت في بعض ذلك: " فتًى غيرَ مِبطان العشيَّات أروَعا " وقد كانت له بطنٌ حادرةٌ، ويقال إنَّه سئل عن أخيه وجَلده فقال: كان يركب الجمل الثَّفالَ بين المزادتين النَّضوحَين في اللَّيلة القَرَّة ويعتقل الرُّمح الخطل ويجنِّب
الفرس الجرور وعليه الشَّملة الفَلوت ثمَّ يصبح ضاحكاً طلق الوجه، وسئل مرَّةً أخرى فقيل له: أين كان مالك منك؟ فقال: ساعةٌ واحدة - والله - من مالك مثل حولٍ منِّي مجرَّمٍ، قيل: وكيف ذاك؟ قال: أُسرت في بعض أحياء العرب فأقمتُ حولاً مجموعةً يدايَ إلى عنقي، فلمَّا كان في الشَّهر الحرام جاء مالك لفدائي، فلمَّا أشرف على الحيّ ونظروا إلى جماله لم يبقَ فيهم قاعدٌ إلاَّ قام ولا ذات خِدرٍ إلاَّ كشفت سِجفَ خِدرها لتنظر إليه، فلمَّا كلَّمهم وسمعوا فصاحته وبيانه أطلقوني له بغير فداء فعلمتُ أنَّ ساعةً منه خيرٌ من حول منِّي. وكان متمِّمٌ أعور فيُروى أنَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب قال له: يا متمِّم! ما بلغ من حزنك على مالك؟ فقال: بكيتُ عليه بعيني الصحيحة حتَّى أسعدتها بالبكاء عيني العوراء، فقال أمير المؤمنين: هذا نهاية الحزن. ومراثي متمِّم في مالك كثيرة إلاَّ أنَّا نورد ما نختار من بعضها، فمن ذلك قصيدته المشهورة وأوّلها:
لعمري وما عَمري بتأبين مالكٍولا جزعاً ممَّا أصابَ فأوجَعا
لقد غيَّبَ المِنهال تحت ردائهِفتًى غيرَ مِبطان العشيَّاتِ أروعا
لبيباً أنارَ اللُّبَّ منه سماحةًخَصيباً إذا ما راكبُ الجَدب أمْرَعا
تَراهُ كمثل السَّيف يندَى بَنانهُإذا لم تجدْ عند امرئ السَّوء مطمَحا
ويوماً إذا ما كظَّك الخصمُ إنْ يكنْنَصيرَك فيه لا تكنْ أنتَ أضْرَعَا
أبَى الصَّبرَ آياتٌ أراها وأنَّنيأرَى كلَّ حَبلٍ بعد حبلك أقطَعا
أقول وقد طارَ السَّنا في رَبابهبجَونٍ يَسُحُّ الماءَ حتَّى تَريَّعا
سقَى اللهُ أرضاً حلَّها قبرُ مالكٍذهابَ الغَوادي المُدجِنات فأمْرعا
لَعِشنا بخَير في الحياة وقبلَناأصابَ المنايا رهطَ كسرَى وتُبَّعا
وكنَّا كنَدمانَي جَذيمةَ حِقبةًمن الدَّهر حتَّى قيلَ لن يتصدَّعا
فلمَّا تفرَّقنا كأنِّي ومالكاًلطولِ اجتماعٍ لم نبتْ ليلةً مَعَا
تقولُ ابنةُ العَمْريّ مالَكَ بعدَناأراكَ قديماً ناعمَ البالِ أفرَعَا
قَعيدَكِ ألاَّ تُسمعيني مَلامةًولا تَنْكَئي قرحَ الفؤاد فييجَعَا
بحسبك أنِّي قد جهدتُ فلم أجدْبكفِّي عنهُ للمنيَّة مدفَعَا
فما وجْدُ أظْآرٍ ثلاثٍ روائمٍرأينَ مَجَرّا من حُوارٍ ومصرَعَا
ولا شارِفٍ جَشَّاء رِيعت فرجَّعتْحَنيناً فأبكَى شجوُها البَرْكَ أجمَعَا
بأوجَدَ منِّي يومَ فارقتُ مالكاًونادَى بهِ الموتُ الحثيثُ فأسمَعَا
فإنْ يكُ حُزنٌ أو تتابُعُ عَبرةٍأذابتْ عَبيطاً من دمِ الجوف مُنقَعَا
تجرَّعتُها في مالكٍ واحْتَسَيْتُهالأعظمَ منها ما احْتَسَى وتجرََّعَا
وكان الَّذي قتل مالكاً رجلٌ يعرف بابن الأزور وفيه يقول متمّم:
نِعم القتيلُ إذا الرِّياحُ تناوحتْخلفَ البُيوت قتيلُك ابنَ الأزورِ
أدَعَوتَهُ بالله ثمَّ غَدَرتَهُلو هُو دعاكَ بذمَّةٍ لم يغدِرِ
لا يُضمرُ الفحشاءَ تحتَ ثيابهحلوٌ شمائلُهُ عفيفُ المَيْزَرِ
فلَنِعم حشوُ الدِّرع كنتَ وحاسراًولَنِعم مأوَى الطارق المتنوِّرِ
سمحٌ بأذناب المخَاض إذا شَتَاطلقٌ حلالُ المال عير عَذَوَّرِ
وله من أُخرى:
ولو شئتُ بالله الَّذي نزَّلَ الهُدَىحَلَفتُ وبالأدْم المجلَّلَة الهُدْلِ
لئن مالكٌ خلَّى عليَّ مكانَهُلنِعمَ فتَى العَزّاء والزَّمن المحْلِ
شديدٌ على الأعداءِ سهلٌ جَنابُهُلمنْ يَجتدِي معروفَهُ غير ذي دخْلِ
كريم الثَّنا حُلْو الشَّمائل ماجدٌصَبورٌ على العَزَّاء مُشترَكُ الرَّحْلِ
حليمٌ إذا القومُ الكرامُ تَنازَعوافحُلَّتْ حُباهم واسُخِفُّوا من الجهْلِ
وإنْ كانتِ الظَّلماءُ سِتراً لبعضهمبدَا وجهُهُ في غير فُحش ولا بخْلِ
أخو ثقة لا يعتَري الذَّمُّ نارَهُإذا أُوقدتْ بين الرَّكائب والرَّحْلِ
وكلُّ امرئٍ في النَّاس بعد ابنَ أُمِّهكساقطةٍ إحدَى يَدَيه من الخبْلِ
وبعضُ الرِّجال نخلة لا جَنَى لهاولا ظلَّ إلاَّ أن تُعَدَّ من النَّخْلِ
وله من أُخرى:
حَلَفتُ بربّ الرَّاقصات عشيَّةًوحيث تُناخ البُدْنُ دافَعها العقلُ
لئن فاتَني ريبُ الزَّمان بمالكوقد كملتْ فيه المروءةُ والعقلُ
ففاتَ ولو قيل الفِداءُ فديتُهُوما عزَّ مالٌ عن فِداهُ ولا أهلُ
لنِعم مُناخ الضَّيف إنْ جاءَ طارقاًإذا أخمدَ النِّيرانَ أو حارَدَ المحلُ
ونِعم محلُّ الجار حلَّ بأهلهإذا ما بدَا كعبُ المَصونة والحِجْلُ
ونِعم أخو العاني إذا القيدُ عضَّهُوأسرَعَ في ضاحِي سواعده الغُلُّ
حَييٌّ بَذِيٌّ أيّ ذلك التمستَهُوذو لبدٍ شَثْنٌ براثنُهُ عَبْلُ
وإن جاءَ طاري اللَّيل يخبِط طارقاًتهلَّلَ معروفٌ خلائقُه جَزْلُ
أخو ثقة لا يَعتري الذَّمُّ نارَهُإذا لم يكنْ في القومِ شُربٌ ولا أكلُ
ومراثي متمّم في مالك كثيرةٌ جدّاً وإنَّما أتينا منها باليسير اجتناباً للتطويل.
جرير يرثي امرأته أمّ حَزْرة:
لولا الحياءُ لهاجَني استعبارُولزُرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ
فسقَى ثرَى جدثٍ ببُرقة ضاحكٍهزِمٌ أجشُّ وديمةٌ مِدرارُ
متراكمٌ زجِلٌ يُضيءُ وميضُهُكالبُلقِ تحت بطونها الأمهارُ
صلَّى الملائكةُ الَّذين تُخيِّرواوالمُصطفونَ عليك والأبرارُ
فلقد أراكِ كُسيتِ أجملَ منظرٍومع الجَمالِ سكينةٌ ووقارُ
فعليكِ من صلواتِ ربّك كلَّماضجَّ الحجيجُ ملبِّينَ وغاروا
كانتْ مُكارمةَ العَشير ولم يكنْيخشَى غوائلَ أمّ حَزْرةَ جارُ
ولَّهتِ قلبِي إذ عَلَتْني كبرةٌوذَوو التَّمائمِ من بَنيكِ صغارُ
أرعَى النُّجومَ وقد مضتْ غَورِيَّةٌعُصَبُ النُّجوم كأنَّهنَّ صِوارُ
يا نظرة لك يوم هاجتْ عبرةًمِن أُمّ حَزْرة بالنُّميرةِ دارُ
تُحيي الرَّوامسُ ربعَها فتجدُّهُبعد البلَى وتُميتُهُ الأمطارُ
كانَ الخليطُ همُ الخليطُ فأصبحوامُتبدِّلين وبالدِّيار ديارُ
لا يلبثُ القُرناءُ أنْ يتفرَّقواليلٌ يكرُّ عليهمُ ونهارُ
كثيّر في خالد بن عبد الله الأسديّ:
على خالد أصبحتُ أبْكي لخالدوأصدُقُ نفساً قد أُصيبَ خليلُها
تذكَّرتُ منه بعد أوَّل هجعةٍمساعيَ لا أدرِي على مَن أُحيلُها
وكنتَ إذا نابتْ قُريشاً ملمَّةٌوقال رجالٌ سادةٌ مَن يزيلُها
تكون لها لا مُعجَباً بنجاحهاولا يحمل الأثقالَ إلاَّ حمولُها
فأينَ الَّذي كانتْ معدٌّ تنوبُهُويحتملُ الأعباءَ ثمَّ يَعولُها
النابغة الجعديّ:
ألا أبلِغا عَوفاً وصاحبَ رَحلهومن يغوِ لا يعدمْ على الغيِّ لاحِيا
فأيّتما عينٍ بكتْ إنْ هلكْتمافلا رقأتْ حتَّى تموتَ كما هِيا
ولو أنَّ قومي لم تحنى جُدودهموأحلامُهم أصبحتُ للفتقِ آسِيا
ولكنَّ قومي أصبحوا مثلَ خيبرٍبها داؤُها ولا تضرُّ الأعادِيا
تلومُ على هلكِ البعير ظَعينتيوكنتُ على لَوم العواذل بازِيا
ألم تعلَمي أنِّي رُزئتُ مُحارباًفما لكِ منه اليومَ شيءٌ ولا لِيا
فتًى تمَّ فيه ما يسرُّ صديقَهُعلى أنَّ فيه ما يسوءُ الأعادِيا
فتًى كمُلتْ أخلاقُهُ غيرَ أنَّهجوادٌ فيما يُبقي من المالِ باقِيا
ومِن قبله ما قد فُجعتُ لعامرٍوكانَ ابنَ عمِّي والخليلَ المُصافِيا
وما شَكِسُ الأنياب شَثنٌ بنانُهُمن الأسْدِ يَحمي من تِهامةَ وادِيا
إذا ما رأَى قِرنا مُدِلاً هوَى لهجرِيئاً على الأقرانِ أغضَفَ ضارِيا
فليس بمسبوقٍ بشيءٍ أرادَهُوليس بمغلوبٍ وليس مُفادِيا
بأعظمَ منهُ في الرِّجالِ مَهابةًوآخرَ معدوّاً عليه وعادِيا
فلا يُبعدْنكَ اللهُ إنْ كانَ حدثٌأصابكَ عنَّا نازحَ الدَّار نائِيا
ولكنْ جزاكَ اللهُ حَيّا وهالكاعلى كلِّ حالٍ خيرَ ما كانَ جازيا
مُرَّة بن عمرو النَّهشلي:
لعمري لئنْ أمسَى يزيد بن نهشلٍحَشا جَدَثٍ تسفِي عليه الرَّوائحُ
لقد كانَ ممَّن يبسطُ الكفَّ بالنَّدَىإذا ضنَّ بالخير الأكُفُّ الشَّحائحُ
إذا ابتدَرَ البابَ المَهيبَ رأيتَهُيَدِنُّ جَنابَيه الكهولُ الجحاجحُ
فبعدك أبدَى ذو الضَّغينة ضِغنَهُوسدَّ ليَ الطَّرفَ العيونُ الكواشحُ
ذكرتُ الَّذي ماتَ النَّدَى عند موتِهِبعاقبةٍ إذ صالحُ العيش طالحُ
إذِ العيشُ لم يكدَرْ عليَّ ولم يمتْيزيدُ وإذْ لِي ذو العداوة ناصِحُ
وعافتْ عليَّ النَّومَ عينٌ مريضةٌإذا أُشربَ النَّومَ العيونُ الصَّحائحُ
إذا جمدتْ عنك العيونُ وحادَرَتْفيَبكيك من عينيَّ دمعٌ مُسامحُ
إذا أرَقِي أفنَى من اللَّيل ما مضَىتمطَّى به ثِنْيٌ من اللَّيل جانِحُ
ليَبْكِ يزيدَ ضارعٌ لخصومةومُستنبحٌ في أوَّل اللَّيل طائِحُ
ولعبد الرَّحمن بن حسَّان الكلابيّ:
كأنَّ العين حين تُريد نَوماطريفٌ أو بفُلْفُلة كَحيلُ
أعاذلَ أقصِري عن بعض لَوميفإنَّ اللَّومَ محمِلُهُ ثقيلُ
وقُولي لا ألومُكَ أو تنحَّىوقد يُعصَى وإن نصحَ العَذولُ
أعاذلَ إنَّ صبْرِي عن عميرلَتَجميلٌ وما ذهبَ الغَليلُ
إذا وطَّنتُ جأشي للتَّعَزِّيأبَى الذِكِراتُ والعينُ الهمولُ
رأينا مَن تقاسمُهُ المنايايُضامُ ولا يُفاداهُ قَتيلُ
فصبراً يا عُمَيْرُ فكلُّ قومسيسلبهُم كريمهمُ السَّبيلُ
وقولِي غيرَ كاذبةٍ رُزئنافتَى صدقٍ إذا برَدَ الأصيلُ
لأمَّمتُ النَّدَى وطَلَعتَ فيهثنايا الطَّالعونَ لها قليلُ
وركبٍ قد هوَوْا لك بعد ركبٍتلفُّهم شآميَّةٌ بَليلُ
تخطَّوْا نحو نارك كلَّ نارٍووجهُك والنَّدَى لهمُ دليلُ
إلى رَحب الفِناء نَدٍ نَجيبٍكأنَّ جبينَهُ سيفٌ صقيلُ
أغرّ تُفرِّجُ الغَمَّاءَ عنهإمامتُهُ الكريمةُ والرَّحيلُ
يزينُ الرَّكبَ حين يكون فيهمويحمَدُهُ المُرافقُ والخَليلُ
وقد غلِقَ النَّدَى بلوَى زَرودٍلقد غالَ ابن عبد الله غُولُ
كأنَّ الأرضَ إذ فقدتْ عميراًوإنْ جادَ الرَّبيعُ بها مَحولُ
أمَّا قوله: " كأنَّ العين حين تُريد نوما " البيت، فمأخوذ من قول المرقِّش:
وكأنَّ حبَّةَ فلفلٍ في عَينهما بين مُصبَحها إلى إمْسائها
ومنه أخذ عبد العزيز قوله: " كأنَّ فلفلة كُحِلَ بها مذبوحه.
وأمَّا قوله: " تخطَّوا نحو نارك " البيت، فمنه أخذ النَّمريُّ قوله:
ليلٌ من النَّقع لا شمسٌ ولا قمرُإلاَّ جبينك والمذروبة الشَّرَعُ
ومثله للأُخيطل:
لا نجمَ إلاَّ البِيضُ والبَيضاتُ والدَّرَق اللَّوامِعْ
ومثله:
تَبني سنابكُها مِن فوق هامهمُليلاً كوكبُهُ البِيضُ المباتيرُ
ومثله لبشَّار:
كأنَّ مُثارَ النَّقع فوق رُؤوسناوأسيافَنا ليلٌ تَهاوَى كواكبُهْ
ولعبد الرحمن بن حسَّان أيضاً:
يا أُمَّ بشرٍ ثِقي بالله واعْترِفيبالحقِّ إنَّ قضاءَ الله مَبرومُ
وانْعَيْ أباكِ إذا ما قالَ مُختبطٌأين الكرامُ المَطاعينُ المَطاعيم
مثل السِّنان لطيف البطن لا مرِحٌإنْ نالَ دُنيا ولا بالزَّاد مَنهومُ
لا يُسلمُ الجارَ والمولَى لعَثْرتهولا يُسالمُ وابنُ العمّ مظلومُ
وله أيضاً:
قالتْ سُلَيْمَى وأبصرتْ عَجَبامالَكَ نِضْواً واللُّبُّ مُشترَكُ
فقلتُ بي غُصَّةٌ أُكابدُهاأولادُ عوفٍ وعامرٍ هَلَكوا
خَلَّوا فِجاجاً عليَّ فانْحرفتْلم يستطعْ سدَّهنَّ مَن تَرَكوا
ومن مشهورات المراثي وجِيادها قصيدة أبي ذؤيب الهذليّ يرثي بَنيه ونحن نختارها وأوَّلها:
أمِن المَنون ورَيبها تتوجَّعُوالدَّهرُ ليس بمُعتبٍ مَن يجزَعُ
ولقد أرَى أنَّ البُكاءَ سلامةٌولَسَوفَ يولَعُ بالبُكا مَن ييْجَعُ
قالتْ أُميمةُ ما لِجسمك شاحباًمنذُ ابتُذِلْتَ ومثلُ مالِكَ ينفَعُ
أمْ ما لِجسمك لا يُلائمُ مضجعاًإلاَّ أقضَّ عليك ذاكَ المضجَعُ
فأجبتُها أنْ ما لجسميَ أنَّهُأودَى بَنِيَّ من البلادِ فودَّعوا
أودَى بنيَّ وأعقَبوني حَسرةًعند الرُّقاد وعَبرةً ما تُقلعُ
فالعينُ بعدهمُ كأنَّ حِداقَهاسُملتْ بشوكٍ فهْيَ عُورٌ تدمَعُ
سَبَقوا هوايَ وأعْنَقوا لِهواهُمُففقدتهمُ ولكلِّ جنبٍ مصرَعُ
فلبثتُ بعدهمُ بعيش ناصِبوإخالُ أنِّي لاحقٌ مُستتبَعُ
ولقد حَرَصتُ بأن أُدافعَ عنهمُفإذا المنيَّةُ أقبلتْ لا تُدفَعُ
وإذا المنيَّةُ أنشبتْ أظفارَهاألفيتُ كلَّ تميمةٍ لا تنفَعُ
وتجلُّدي للشَّامتينَ أُريهمُأنِّي لرَيب الدَّهر لا أتضعضَعُ
حتَّى كأنِّي للحوادثِ مَروةٌبصفا المُشَقَّر كلَّ يوم تُقرَعُ
والنَّفسُ راغبةٌ إذا رغَّبْتَهاوإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تقنَعُ
والدَّهرُ لا يبقَى على حَدَثانهجَونُ السَّراة له جدائدُ أربَعُ
بقَرار قِيعانٍ سقاها صَيِّفٌواهٍ فأثْجَمَ بُرهةً لا يُقلِعُ
والدَّهرُ لا يبقَى على حَدَثانهشَبَبٌ أفَزَّتْهُ الكلابُ مُفزَّعُ
حَمِيتْ عليه الدِّرعُ حتَّى وجهُهُمن حرِّها يومَ الكريهةِ أسفَعُ
بَينا تَعنُّقِهِ الكُماةَ وخُدعةٍمنه أُتيحَ له جَريءٌ سَلْفَعُ
فتنادَيا وتواقفتْ خَيلاهُماوكِلاهما بطلُ اللِّقاءِ مخدَّعُ
متحاميَين المجدَ كلٌّ واثقببلائِهِ واليوم يومٌ أشنَعُ
وعليهما مَسرودَتانِ قَضاهماداوُدُ أو صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
وكلاهما في كفِّهِ يَزَنيَّةٌفيها سنانٌ كالمَنارة يلمَعُ
وكلاهما متوشِّحٌ ذا رونقٍعَضْباً إذا مسَّ الضَّريبة يقطَعُ
فتخالَسَا نفسَيْهما بنوافذٍكنوافذِ الخرق الَّتي لا تُرقعُ
وكلاهما قد عاشَ عيشَةَ ماجدٍوجنَى العلاءَ لَوَ انَّ شيئاً ينفَعُ
ومن المراثي الجِياد قصيدة زياد الأعجم يرثي المغيرة بن المهلَّب، فاستنشده المهلَّب هذه القصيدة حتَّى أتى على قوله:
فإذا مررتَ بقبره فاعْقِرْ بِهِكُومَ الهِجان وكلَّ طرفٍ سابِحِ
فقال له المهلَّب: فهل عقرتَ عليه، يا أبا أُمامة، فرسك؟ قال: لا، قال: ولِمَ؟ قال: لأنِّي كنت على مُقْرِف ولو كنتُ على عتيق لفعلت، فاستحسن المهلَّب قوله وقال لمن حضر مجلسه من ولده ومواليه: ليُهد كلُّ واحدٍ منكم إلى زياد فرساً من خيله، فيقال إنَّه انصرف بأكثر من مائة فرس، وأوَّل هذه القصيدة المختارُ منها قوله:
قلْ للقوافلِ والغُزاة إذا غَزَواوالباكِرين وللمُجِدّ الرَّائحِ
إنَّ السماحةَ والمُغيرةَ ضُمِّناقبراً بمروَ على الطَّريقِ الواضحِ
فإذا مررتَ بقبرِهِ فاعْقِرْ بِهِكُومَ الهِجان وكلَّ طرفٍ سابِحِ
وانْضَحْ جوانبَ قبرهِ بدِمائهافلقد يكون أخا ندًى وذبائحِ
وإذا يُناحُ على فتًى فتعلَّمَنْأنَّ المغيرةَ فوق نَوح النَّائحِ
وأرَى المكارمَ يوم زِيلَ بنَعْشهزالتْ بفضلِ مكارمٍ ومَمادحِ
فكفَى لنا حَزَناً ببيتٍ حَلَّهُأُخرى الزَّمان فليس عنه ببارحِ
لعَفَتْ منابِرُهُ وحُطّ سُروجُهُعن كلِّ طامحةٍ وطِرْفٍ طامِحِ
ماتَ المغيرةُ بعد طولِ تعرُّضٍللموتِ بين أسنَّةٍ وصفائحِ
والقتلُ ليس إلى القتالِ ولا أرَىحَيّاً يؤخِّرُ للشَّفيق النَّاصِحِ
للهِ درُّ منِّيَّةٍ فاتتْ بهِفلقد أراهُ يردُّ غَرْب الجامحِ
الآنَ لمَّا كنتَ أكملَ مَن مَشَىوافترَّ نابُكَ عن شَباة القارحِ
وتكامَلَتْ فيك المروءةُ كلّهاوأعنْتَ ذلك بالفَعال الصَّالحِ
فانْعَ المغيرةَ للمُغيرة إذ بدتْشَعواءَ مُجْحِرةً نُباحَ النَّابحِ
صفَّانِ مختلفانِ حين تلاقَياآبُوا بوجْه مُطلِّق أو ناكحِ
تَشفي بحِلْمك لابْن عمِّك جهلَهُوتَرُدُّ عنه كفاحَ كلّ مُكافحِ
وإذا الأُمورُ على الرِّجالِ تشابَهَتْوتُوُزِّعتْ بمغالقٍ ومَفاتحِ
فتَلَ السَّحيلُ بمبْرَمٍ ذي مِرَّةدون الرِّجال بفضل عقلٍ راجحِ
صِلٌّ يموتُ سليمُهُ قبل الرُّقَىومُخاتِل لعدوّه بتصافُحِ
إنَّ المَهالبَ لا يزالُ لهم فتًىيمرِي قوادمَ كلّ حربٍ لاقحِ
ملكٌ أغرُّ متوَّجٌ يَسمو لهُطرفُ الصَّديق وغُضَّ طرفُ الكاشحِ
رفَّاعُ ألوية الحروبِ إلى العِدَىبسُعود طيرِ سوانحٍ وبَوارحِ
أمَّا قوله: " فإذا مررتَ " البيتين، فكثير جدّاً وقد ذكرنا شيئاً منه، ومن مليح ما لم نذكره قول ابن الرومي يرثي بستان المغنّية:
إنَّ ثرًى ضمَّها لأفضلُ مَحجوج لصبٍّ وخيرُ مُعتَمَرِ
أقسمتُ بالدَّلِّ من مَلاحتهاوحسنِ ذاك السُّجُوِّ والحَوَرِ
لو عُقرتْ حول قبرها بَقَرُ الإنسِ مكانَ القِلاص والجَزَرِ
وانْتُحِرتْ في قبابها بُهُمُ الحرب وصِيدُ المُلوك من مُضرِ
يقول فيها:
بستانُ أُسقيتِ من مدامِعِنالا مِن سَواري الغُيوث والمطرِ
بلْ حَقُّ سُقياكِ أنْ تكون من الصَّهباء حِمصَ أو جَدَرِ
بل من رحيق الجِنان يُختمُ بالمِسكِ سُلافاً به بلا عَكَرِ
بل منْ نَجيع القلوب يُمزَجُ بالعَطف وصَفو الوِداد لا الكَدَرِ
ما أحسن ما أتى ابنُ الرُّومي بهذين المعنيين إذ كانت مرثيته هذه لمُغنِّية وليست في شجاع ولا كريم فيذكر فيها من المعنى المتقدّم الَّذي كنَّا في ذكره، كما يُذكر في أمثالهما.
وأمَّا قول زياد: " لعفت منابره " البيت، فإليه نظر البحتريّ بقوله في مرثية أبي سعيد:
حُطَّتْ سروجُ أبي سعيدٍ واغْتَدتْأسيافُهُ دون العدوِّ تُشامُ
وأمَّا قوله: " صفَّان مختلفان " البيت، فمعنى غريب وما نعرف له نظيراً في تمامه وزيادته لأنَّه ذكر أنَّ هذين الصَّفَّين لمَّا تلاقيا قُتل بعضهم فطُلِّقت نساء المقتولين ونكح آخرون، أراد أنَّهم سَبَوا نساءً فنكحوهنّ، وقد أتينا بقطعة صالحة من المراثي فيها مَقنع لما أردناه.
ونذكر ههنا أشباه لها نظائر إلاَّ أنَّها غريبة قليلة، فمن ذلك قول زياد الأعجم:
لقد لجَّ هذا الدَّهرُ في نَكَباتهعليَّ إلى أنْ ليسَ في الكِيسِ درهمُ
وأمستْ جَواليقي برغم ظعينَتيرِهاناً على ما في الجَواليقِ يعكَمُ
وأعظم مِن ذا أنَّ شِعريَ مُعربٌفصيحٌ وأنِّي حين أنطِقُ أعْجمُ
المعنى الَّذي في البيت الأوسط من هذه الأبيات غريب قليل في الشِّعر وما نعرف أحداً من الشعراء المتقدمين والمحدثين أتى به إلاَّ زيادٌ وأخذ منه ابن زرعة الكنانيّ فقال:
وسُفرتي في السُّوق مَرهونةعلى الَّذي يُؤكَلُ في السُّفره
عمرو بن برّاقة الهَمْدانيّ:
غَبرتْ خَيلُنا نُقاسمُها القُوتَ ولمْ يُبقِ حاصدُ المَحْل عُودا
شتوةً تُوسعُ الجِمالُ لها الرِّسْلَ ونَسقي عِيالَنا تَصريدا
ذاكَ حتَّى إذا الرَّبيعُ نفَى الأزمةَ قُدْنا بها شياطينَ قُودا
حبَّذا هنَّ مَتجراً رَبَحَ الصَّفْقَةِ تَحوي الغِنَى وتَشفي الحُقودا
وهذا المعنى أيضاً قليل، ومن أجود ما نعرف فيه بعد هذه الأبيات قول طُفيل الغَنويّ:
نُولِّيها الصَّريحَ إذا شَتَوناعلى عِلاَّتنا ونَلِي السَّمارا
رجاءً أنْ تؤدِّيَهُ إلينامن الأعداءِ غَصْباً واقْتِسارا
الأوَّل أجود لأنَّ الثاني جعله " رجاءً " والأوَّل جعله حقّاً وبيَّن عنه فقال: " بكلّ قَعب لبنٍ قعودُ " والشيء إذا كان من جنسه كان أحذق لقائله، وهو يشبه قول أبي تمَّام:
رَقاحِيُّ حربٍ طالَ ما انقلبتْ لهُقَساطلُ يوم الرَّوع وهْيَ سَبائكُ
ومثله قول البحتريّ:
فلا تَسألوها عن قديم تُراثهافعَسجدُها ممَّا أفادَ حَديدُها
وشبيه بهذا وإن لم يكن هو بعينه قول الآخر:
شكرتْ جِيادُك منك حُسنَ مَقيلهافي الصَّيف بين بَراقعٍ وجِلالِ
فَجَزتكَ صبراً في الوَغَى حتَّى انثنتْجَرْحَى الصُّدور سليمةَ الأكفالِ
لم نُرد بهذين البيتين سلامة الأعجاز وجِراحات الصُّدور، وأن ذلك مدحٌ للفارس، ولو أردنا ذلك لجئنا ببيت صالح الدَّيلميّ ونظائره، وهو:
كم قدَّ في الرَّوع للأعداءِ من ثُغَروكم له قدَّتِ الأعداءُ من لَبَبِ
وإنَّما أردنا صبرَ الخيل ومكافأتها على الإحسان إليها.
أبو حيَّة النُّميريّ:
إذا أنتَ رافقتَ الحُتاتَ بن جابرفقلْ في رفيقٍ غائبٍ وهْوَ شاهِدُ
أصمّ إذا ناديتَ جَهلاً وإنْ تَسِرْفأعمَى وإنْ تَفعلْ جميلاً فجاحِدُ
أواني وإيَّاهُ الطَّريقُ عشيَّةًيهابُ سُراها الأحْمَسيُّ المُعاوِدُ
فأُقسمُ بَرّاً أنَّ لولا خيالُهُلما كنتُ إلاَّ مثل من هو واحدُ
هذا مليح وهو أيضاً قليل للمتقدّمين وقد ذكره قومٌ من المحدثين، فمنهم الَّذي يقول:
خرجنا جميعاً إلى نُزهةوفينا زيادٌ أبو صَعْصَعَهْ
فسِتَّةُ رهطٍ به خمسةٌوخمسةُ رهطٍ به أربَعَهْ
مثله:
عندي جُعلتُ لك الفِدَىسهلٌ وسهلٌ ليس عندِي
إن لم يكنْ لي ثانياًفكأنَّني في البيتِ وَحْدِي
مثله لآخر:
وصاحبٍ أصبحَ مِن بَرْدِهِكالماءِ في كانونَ أو في شُباطْ
نادَمتُهُ يوماً فألفَيْتُهُمتَّصل الصَّمت قليلَ النَّشاطْ
حتَّى لقد أوهَمَني أنَّهبعضُ التَّماثيل الَّتي في البِساطْ
وهذا المعنى قريب من قول الخليل بن أحمد:
فهُمْ كثيرٌ بِي وأعْلمْ أنَّني بِهِمُ قليل
قد اخترنا في هذا الكتاب من أشعار العرب وبديع معانيهم وطريف استعاراتهم وتشبيهاتهم ما وقع في جملة من الورق كثيرة، وضمَّته عدة أجزاء، ولو أردنا أضعاف ذلك لمَا تعذَّر علينا ولكُنَّا نقوم به إلاَّ أنَّا مِلنا إلى الاختصار وتجنَّبنا الإكثار، وفيما ذكرنا من ذلك مَقنع وبلاغ ودلالة على فضل المتقدمين. وجميع ما أثبتناه فاختيار من أشعارهم المشهورة والمجهولة وما لنا إلاَّ الجمع والتَّأليف، ولعلَّ غيرنا ممَّن يقرأ هذا الكتاب يُرذل شيئاً ممَّا اخترناه ويهجِّن شيئاً نقلناه، وهذا غير مزرٍ بنا ولا ناقصٍ لنا، لأنَّ لكلّ إنسان اختياراً، ولعلَّ آخر ممَّن يتصفَّحه يعرف النَّظير لشيء ممَّا ذكرناه وهو لا يعرف غيره فيشنِّع علينا ويقول: تركوا نظائر، ولن نشرط أنَّا نأتي بجميع النظائر ولعلَّنا أعرفُ بما خرَّجه الرَّازي علينا منه إلاَّ أنَّا تركناه لمعنًى، ويجوز أن لا نعرفه لأنَّا لم نُحط بجميع العلم والشِّعر أكثر ممَّا يُحصى، والغرض الَّذي ذكرناه وأوردنا من التَّنبيه على محاسنهم فقد بلغناه والآن نبدأ بعون الله وحسن توفيقه في اختيار أشعار المحدثين وغريب معانيهم وحسن استعاراتهم بعد هذا الكتاب ليشتمل الكتابان على الفنَّين من الشِّعر القديم والمحدث، ونرجو أن يقع هذا الكتاب الآخر موقع الكتاب الأوَّل من قلب من صنَّفناه من أجله - أيَّده الله - إن شاء الله تعالى، والحمد لله وصلَّى الله على محمد نبيِّه الكريم وعلى آله وسلَّم تسليماً وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تم الكتاب.
كتبه العبد الفقير إلى رحمة الله مَودود بن أبي الفضل الكرديّ، حامداً لله على نعمه ومصلِّياً على محمد نبيِّه الكريم وعلى آله، وافق الفراغ منه يوم الثلاثاء سابع ذي القعدة من سنة ثلاث وستمائة.
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع