من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ السابع عشر في خلق الإنسان (٢)
وقال أبو نواس:
يقولون في الشيب الوقار بأهلهوشيبي بحمد الله غير وقار
وقال ابن المعتز:
لمّا تولّى الشباب عنّيصفعت وجهي على المشيب
وقال بعض العلويين:
إن يكتهل منه القذال فحبّهفي الغانيات وحبّهنّ غلام
همّ متعاطي التصابي ومشتاق إليه: حمل شاب غلاما إلى خربة فلما خلا به اطلع عليهما شيخ، فقال: فعل الله بكم فمن مثل فعلكم يغلو السعر وينزل البلاء. فعدا الشاب خوفا، فخلا الشيخ بالغلام فاطلع الشاب، فقال: يا عمّ الحمد لله قد رخص السعر وارتفع البلاء.
ودخل شيخ مسجدا فراود صبيا فعلم الإمام فعاتبه وعنّفه فلما أطال له قال له: كم ذا تعنفني كأن لم ير سفلة غيري. ورأى سفيان في مجلسه شيخا همّا يتخرّق صفوف النساء ويبكي فظنّ أن بكاه لما سلف من ذنوبه فاستقبلهنّ، ثم قال:
عليكنّ السلام فليس عنديلكن فدعنني غير السّلام
وكنّ إذا نظرن إليّ أمشينقبن عليّ من خلل الخيام
وقيل: إن إبليس إذا رأى شيخا ذا طرة قال فديت من لا يفلح.
تفضيل الشيب في الرأي على الشباب: في المثل: جري المذكيات غلاء جرى المذاكي حسرت عنه الحمر. وقيل: الشيخ في رأيه كالجذل المحكك، لا يهدّه خطب ولا يزعزعه صرف، والشاب كالغصن الناعم الذي يستحيل بأيسر ريح وأيسر آفة.
وقيل: الشيخ كالبازل المستقل بما يحمل والشاب كابن اللبون لا ينهض بما يحتمل.
وقال:
وابن اللبون إذا ما لزّ في قرنلم يستطع صولة البزل القناعيس
تفضيل الشبان فيه: قال ﷺ: وسّعوا للشبان في المجالس وأفهموهم الحديث. وكان عمر ﵁، إذا نزل به معضل دعا الفتيان واستشارهم وقال هم أجدّ قلوبا. وقيل: الشيخ كالزند
الذي قد انثلم، ورأي الشبّان كالزند الصحيح الذي يورى بأيسر اقتداح.
مدح الشيب بالوقار والعفة: تأمل حكيم شيبة فقال: مرحبا بزهرة الحنكة وثمرة الهدى ومقدّمة العفة ولباس التقوى. وروي أن إبراهيم ﵇ لما بدا الشيب بعارضيه قال: يا ربّ ما هذا؟ قال:
وقار. قال: يا ربّ زدني وقارا.
وعيّر حكيم بالشيب فقال: الشيب نور يورثه تعاقب الليالي والأيام، وحلم يفيده مرّ الشهور والأعوام، ووقار تلبسه مدة العمر ومضي الدهر.
قال دعبل:
أهلا وسهلا بالمشيب فإنّهسمة العفيف وحلية المتحرّج
ضيف ألمّ بمفرقي فقريتهرفض الغواية واقتصاد المنهج
وقال أبو تمّام:
ولا يروعك إيماض القتير بهفإنّ ذاك ابتسام الرأي والأدب
مناقضة من مدح الشيب بالوقار: قال أبو تمّام:
حلمتني زعمتم وأرانيقبل هذا التحليم كنت حليما
دقّة في الحياة تدعى جلالامثل ما سمّي اللديغ سليما
قال المتنبّي:
ليت الحوادث باعتني الذي أخذتمنّي بحلمي الذي أطعت وتجريبي
فما الحداثة من حلم بمانعةقد يوجد الحلم في الشبان والشّيب
قال عبدان:
إن شيئا نعى إلى حياتيلبغيض وإن أفاد الرشاد
قال الموسوي:
غالطوني عن المشيب وقالوالا ترع إنّه جلاء الحسام
قلت بل مرّ بي على الرأس منهصارم الجدّ في يد الأيام
التسمية بما يدل على الكبر ذمّ: لو قيل لعجوز منحنية يا عجوز ويا جدة لغضبت واستوحشت ولو قيل يا جارية لقالت
لبيك وسعديك، وعلى ذلك يا شيخ ويا فتى. قال يزيد بن عتاب:
يا حرقة القلب بيا شيخ ويابرد الفؤاد حين يدعى يا فتى
وقال:
وإذا دعوتك عمّهن فإنّهنسب يزيدك عندهنّ خبالا
وقد ظرف البحتري في قوله:
يتظرّفن للذليل المسمّىمن تصاب دون العزيز المكنّى
وقال أبو حازم:
إذا ما دعوت الشيخ شيخا هجوتهوحسبك مدحا للفتى قول يا فتى
رغبة الشيب عن النساء: قال بعض الشيوخ: كنت أخاف أني إذا شبت تزهد فيّ النساء فلما شبت كنت أزهد منهنّ فيّ. قال شاعر:
رمتني وستر الله بيني وبينهاونحن بأكناف الحطيم ذميم
فلو أنني لما رمتني رميتهاولكنّ عهدي بالنضال قديم
معرفة فضل الشباب عند فقده: قال بعضهم: شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما: الصحة والشباب. قال ابن الرومي:
لا تلح من يبكي شبيبتهإلا إذا لم يبكها بدم
لسنا نراها حقّ رؤيتهاإلا زمان الشيب والهرم
كالشمس لا تبدو فضيلتهاحتّى تغشّى الأرض بالظّلم
ولربّ شيء لا يبينهوجدانه إلا مع العدم
وقال ابن الأعرابي: لا أعرف في مدح الشباب وذمّ الشيب أحسن من قول محمد بن حازم:
لا تكذبنّ فما الدنيا بأجمعهامن الشباب بيوم واحد بدل
قال محمود الوراق:
سقيا لأيام تولّت بهأحسن ما كانت صروف الزّمن
ولى فما الدنيا بأقطارهالليوم والساعة منه ثمن
غمّ من ذهب شبابه قبل تمتعه به: قال منصور النمري:
ما كنت أوفي شبابي كنه عزّتهحتّى مضى فإذا الدنيا له تبع
وسمع ذلك الرشيد فقال وما خير دنيا لا يخطر فيها برداء الشباب قال عمر بن أبي ربيعة:
إن الشباب الذي كنّا نزن بهمضى ولم نقض من لذّاته أملا
البكاء على فقد الشباب والتأسف له: نظر رجل إلى شيبة في رأسه فجمع نساءه وقال: أندبنني فد مات بعضي.
قال الخزيمي:
إذا ما مات بعضك فابك بعضافبعض الشيء من بعض قريب
وقال محمود الورّاق:
أليس عجيبا بأنّ الفتىيصاب ببعض الذي في يديه
فمن بين باك له موجعوبين معنى معز إليه
ويسلبه الدهر شرخ الشبابوليس يعزّيه خلق عليه
وقال:
شيئان لو بكت الدماء عليهماعيناك حتّى يؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقّيهمافقد الشباب وفرقة الأحباب
ذمّ الشباب بقلّة الوفاء واللبث والتسلّي عنه: قال شاعر:
ما في يدي من الصّباإلا الندامة والأسف
كان الشباب كزائرملّ الزيارة وانصرف
قال بعضهم:
لم أقل للشباب في دعةالله وفي حفظه غداة تولّى
زائر زارني أقام قليلاسوّد الصحف بالذّنوب وولّى
قال منصور الفقيه:
ما كان أقصر أيام الشباب وماأبقى حلاوة ذكراه التي يدع
وقال المتنبّي:
مشيب الذي يبكي الشباب مشيبهفكيف توقّيه وبانيه هادمه
تمني عوده والدعاء له: قال أبو العتاهية:
ألا ليت الشباب يعود يومافأخبره بما فعل المشيب
وقال النمري:
والله لو أعطى المنىلوددت أيّام الصّبا
ومعاتبات كنّ ليومداعبات للدّمى
قال حميد:
فلا يبعد الله الشباب وقولناإذا ما صبونا صبوة سنتوب
ليالي سمع الغانيات وطرفهاإليّ وإذ ريحي لهنّ جنوب
وقال ديك الجن:
لله درّي في الشبيبة من أخي لهو أريب
أيام يحملني الشباب على التهاون بالذّنوب
تولّي العيش بتولي الشباب: قال كثيّر:
وكان الصبا خدن الشباب فأصبحاوقد تركاني في مغانيهما وحدي»
وقال:
ولّى الشباب وولّى العيش والعمروأقبل المدبران الشّيب والكبر
وقال رسبة بن الأبيض:
بان الشباب بكلّ ماتهوى النفوس وتطيب
طفئ السراج وكلّت الأضراس وانكسر القضيب
قال عليّ بن جبلة:
ولما انقضى عصر الشباب وعهدهذوى ورق الدنيا وأغصانها الهدل
كراهة ذهاب الشيب وكراهة نزوله: قال مسلم:
الشيب كره وكره أن يفارقنيفأعجب لشيء على البغضاء مودود
يمضي الشباب ويأتي بعده خلفوالشيب يذهب مفقودا بمفقود
قال البحتري:
تعيب الغانيات عليّ شيبيومن لي أن أمتّع بالمعيب
وأنشد ابن دريد في وصفه:
ولي صاحب ما كنت أهوى لقاءهفلما التقينا كان أكرم صاحب
عزيز علينا أن يفارق بعدماتمنّيت دهرا أن يكون مجانبي
الشيب داء متمنى: قيل لأبي العيناء: كيف أنت؟ قال في الداء الذي يتمنّاه الناس يعني الهرم. وقيل لأعرابي وقد ضعف من الكبر لقد أذنب إليك الدهر، فقال: كثّر الله من ذنوبه عندي.
طول العمر يفضي إلى الهرم والمصائب: قيل: من أخطأ سهم المنية قيّده الهرم. ومن وطّن نفسه على طول العمر فليوطنها على كثرة المصائب. وقال ابن الحارث في وصيته لبنيه: من متّع بكبر بلي بعبر، ومن تأخّر يوما ملّه قومه.
وقال زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصبتمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
وقيل: كفى بالسلامة داء، وقال:
فكيف ترى طول السلامة يفعل
من مات أقرانه فقد آن أوانه: قال أبو عيينة:
واستحصد القرن الذي أنا منهموكفى بذاك علامة لحصادي
وقال معاوية لجلسائه: ما تعدون الغريب فيكم؟ فقالوا: الذي لا أحد له فقال بل الغريب الذي مات نظراؤه الذين كان يأنس بهم قال أبو محمد التيمي:
إذا ذهب القرن الذي أنت منهموخلفت في قرن فأنت غريب
قال ابن المعتز:
لأيّ غايات رجائي بعد مارأيت أترابي وقد صاروا ترابا
وقال أبو سعيد الرستمي:
جاوزت سنّي الأشدّ ومارست بنفسي من الخطوب الأشدّا
وتفانى الأقران دوني جميعاوتبقّيت في الكنانة فردا
وقال العلوي الكوفي:
أجالس معشر الأشكل فيهموإشكالي قد اعتنقوا التجودا
في المتبرّم بحياته لضعفه: قال زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعشثمانين حولا لا أبا لك يسأم
وقال زهير بن حباب:
الموت خير للفتىفليهلكن وبه بقيّة
من أن يرى الشيخ البجال وقد تهادى بالعشيّة
وقال عبيد:
والمرء ما عاش في تكذّبطول الحياة له تعذّب
وقيل: أهون هالك شيخ يقاد به البعير وكان من عادتهم إذا تبرّموا بشيخ ربما أنهم تركوه إذا ارتحلوا ليموت أو يأكله الذئب أو يحملوه على بعير نفور يسقطه فيموت فيستريحوا منه وقيل: أهون هالك عجوز في سنة جدب.
فصل من ذلك: قيل: فلان أعمر من القراد وذلك أنه يعيش سبعمائة سنة، وأعمر من الضبّ. قال الأصمعي إن الحسل يبلغ مائة سنة ثم يسقط.
قال:
فقلت لو عمرت عمر الحسلأو عمر نوح زمن الفحظل
والصخر مبتل كطين الوحلصرت رهين هرم أو قتل
وقيل: أعمر من حيّة لأنّها لا تموت حتف أنفها فيما. يقال: واعمر من نسر وللفرس زيود هشتا دكور تيرست رهمنه مزواماري نه مريد خركش يوزينه مرد معناه يعيش العير ثمانين سنة وثلاثمائة والحية لا تموت إلا قتلا.
الترغيب في الاختضاب والرغبة فيه: قال عمر ﵁: اختضبوا بالسواد فإنه أسكن للزوجة وأهيب للعدو وقيل لرجل إلام أخضب؟ فقال: ما قام أيرك. قال شاعر:
الشيب ضيفك فاقره بخضاب
وقال: إن الخضاب هو الشاب الثاني.
وقال:
إن الخضاب لحيلةفي ردّ أيّام الشّباب
قال رستم بن محمود:
ولما رأيت الشيب قد شان أهلهتقنّعت وابتعت الشباب بدرهم
قال ابن المعتز وقد ناقض بذلك محمودا الوراق حيث قال:
يا خاضب الشيب الذيفي كلّ ثالثة يعود
إن النصول إذا بدافكأنّه شيب جديد
فقال:
وقالوا النصول مشيب جديدفقلت الخضاب شباب جديد
إساءة هذا بإحسان ذافإن عاد هذا فهذا يعود
الإعتذار لذلك: قال علي بن عيسى لإبراهيم بن إسماعيل يوما: الخضاب باطنه داء وظاهره غرور.
ثم لقيه وقد اختضب، فقال: أين كلامك؟ قال فكرت فإذا أمور الدنيا كلها مرمة وهذا من مرمتها. قال ابن الرومي:
فإن تسأليني ما الخضاب فإنّنيلبست على فقد الشباب حدادي
من اختضب لمجيء الشيب في غير وقته: قال محمود الوراق:
إذا ما الشيب جار على الشبابفعالجه وغالط في الحساب
فقل لأمر لا مرحبا من نزيلوعذّبه بأنواع العذاب
بنتف أو بقصّ كلّ يوموأحيانا بمكروه الخضاب
وإن هو لم يجر وأتى لوقتفقل في رحب دار واقتراب
مدح الصلع: قال الخليل: كان الشريف إذا لم يصلع نتفوا شعره تشبّها بذلك.
وأنشد العتبي:
قد حصّ رأسي فتيت المسك أخلطهبالعنبر الورد حتّى ما به شعر
فقال لشتان ما بينه وبين أبي قيس بن الأسلت في قوله:
قد حصت البيضة رأسي فماأطعم نوما غير تهجاع
ذمّ الصلع: دخل الأبرش الكلبي على هشام بن عبد الملك وحجّام يحجمه فمسّ رأسه فقال: يا أبرش ما صلع لئيم قط فكشف رأس الحجام فإذا هو أصلع، فقال: أمن كرم صلع هذا؟
وقالت امرأة لزوجها وكان أصلع لست أغبط إلا شعرك حيث فارقك فاستراح منك.
قال شاعر:
خفافان مثل القذّتين وهامةيزل الذباب النقف عنها فيصرع
وقال:
إذا أبصرتهم صلعا وثطافقبّح ذاك من صلع ومن هام
التأسف لذلك: قال بعضهم:
جزعت للشيب لما حلّ أوّلهفجاءني حادث أنساني الجزعا
هبّ المشيب يداوي الخطر شائعهفكيف لي بدواء يذهب الصّلعا
قال أبو النجم:
قد ترك الدهر صفاتي صفصفافصار رأسي جبهة إلى القفا
كأنما تلقّى به ضعفي عفا
الإعتذار عنه: قال بشر:
رأتني كأفحوص القطاة ذؤابتيوما مسّها من منعم يستشيبها
قال ابن الرومي:
يعيّرني لبس العمامة سادراويزعم لبسيها بعيب مكتّم
فقولا له هبني كما أنا صلعةألست حصين الخلف ماضي المقدّم
وأنّى تعيب الصلع والأير منهموأنت بحبّ الأير عين المتيّم
نوادر للصلع: قيل لأصلع: إن الصلعة من نتن الدماغ. فقال: لو كان ذلك كذا لم يكن على حرامك طاقة شعر. وجلس أصلع بين يدي حجّام فحلق نصف رأسه وتماسكا في الأجرة، فقال الأصلع: حلق نصف رأسي فله نصف الأجرة فقال الحجّام حلقت له إبطين أربع أذرع كأنهما تنوران يشوى فيهما السالخ لنتنهما فحكم له بالأجرة تماما وقال أصلع لرجل رأى عليه جربا كثيرا أراك لابسا جوشنا بلا بيضة.
ومما جاء في الأسماء والكنى والألقاب
الحثّ على تسمية الأبناء بأحسن الأسماء: قال النبي ﷺ: إياكم وهذه الأسماء القبيحة، فما من مولود يولد إلا ويحضره ملك وشيطان، فيقول الملك سمّوه بكذا اسما حسنا، ويقول الشيطان سمّوه بكذا اسما قبيحا.
وقال: كنية الرجل أحد شواهد عقله واسمه أحد شواهد عقل أبيه. وقيل: أشيعوا الكنى فإنها منبّهة. وقال ﷺ: من آتاه الله وجها حسنا وإسما حسنا وجعله في غير موضع شائن فهو من صفوة خلقه.
الميل إلى الأسماء الحسنة والتفاؤل بها: قال عمر بن الخطاب ﵁: أحبّكم إلينا أحسنكم أسماء، فإذا رأيناكم فأجملكم منظرا. فإذا اختبرناكم فأحسنكم مخبرا.
وخرج الرشيد يوما فرأى سعيد بن سلم فقال: من قال سعيد أسعدك الله؟ قال: ابن من قال ابن سلم سلمك الله قال: أبو من؟ قال: أبو عمر، وعمرك الله فقال بارك الله عليك وأكرمه.
المسمّى باسم حسن معناه موجود فيه: قال:
وقلّما أبصرت عيناك من رجلألا ومعناه في اسم منه أو لقب
قال ابن الرومي:
أنت أبو الفضل وأنت ابنهفالفضل لا يعدوك في كلّ حال
وسأل رجل صبيا صبيحا ما اسمك؟ فقال: وصف وجهي، فقال: ما أراك تسمّى إلا حسنا فقال: كذلك. وفي ذلك لأبي نواس:
إن اسم حسنى لوجهها صفهوما أرى ذا لغيرها اجتمعا
فهي إذا سمّيت فقد وصفتقد يجمع الاسم معينين معا
ونظر المأمون إلى غلام فقال له: ما اسمك؟ قال: لا أدري؟ فقال: لم أر مثل هذا.
وأنشد:
تسميت لا أدري لأنّك لا تدريبما فعل الحبّ المبرّح في صدري
من استحمق في اسمه: قال ابن أبي عتيق لرجل: ما اسمك؟ قال: وثّاب، قال وكلبك؟ قال: عمرو. فقال:
فلو كان من التوفيققد أعطى أسبابا
لسمّى نفسه عمراوسمي الكلب وثّابا
وقال رجل لآخر: ما اسمك؟ قال: وردان قال وفرسك، فقال: عمران. وذهب رجل إلى باب، فقيل عبد من الأرض جميعا قبضته والسموات مطويات بيمينه، فقال: إن نصف المصحف بالباب وسئل رجل عن كنيته، فقال: أبو الحسن وأبو الغمر. فقيل: ألم تكف واحدة؟ فقال: لا إن ضاعت واحدة بقيت الأخرى.
المتأوّل قبيح اسمه على تأويل حسن: كان بنو أنف الناقة يستنكفون من هذا الاسم حتى قال فيهم الشاعر:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهمومن يسوّي بأنف النّاقة الذّنبا
فصاروا يتبجّحون به.
واستقبح قوم اسم العجلان فقال بعضهم: وما سمّي العجلان إلا لقوله:
خذ الوطب واحلب أيّها العبد واعجل
مدح الكنية واللقب وذمّهما: قيل: الكنية للإبانة واللقب للتبجيل فلا يكون لله تعالى كنية لأنه بان بصفاته. واللقب على أوجه: لقب على سبيل الهزؤ، وذلك منهى عنه وربّما يخصّ الرجل على التعيين، وربّما يعمّ الجنس كقولهم للأحدب: أبو الغصن، وللقصير أبو الرماح والثاني على سبيل التخفيف يستغنى به عن الاسم والنسب وهو كثير كأبي فلان والثالث للتعظيم كلقب الخلفاء والأمراء، والرابع لفعل يختص به كهاشم لهشمه الثريد، وعدوان لعدوه على أخيه وقتله إياه، ودارم لدرمانه تحت المال.
المتسمّي باسم لا يليق به: قال بكر بن النطاح:
وأعجب منك اليوم تسليم أمرهعليك على طنز وأنك قابله
وقال عبدان:
هل رأيتم أو سمعتمبكياء أصفهان
وقال الصاحب:
الغضاري قال ادعى كياءلست أرضي بالشيخ والأستاذ
هل رأيتم يا سادتي أو سمعتمبكياء من أهل نصر أباذ
الحث على تعرف أسماء الأصدقاء
وقد تلتقي الأسماء في النّاس والكنىكثيرا ولكن لا تلاقي الخلائق
وقال:
وكم من سميّ ليس مثل سميهوإن كان يدعى باسمه فيجيب
وقال:
لشتان ما بين اليزيدين في النّدىيزيد سليم والأغرّ بن حاتم
وفي فصل لأبي الفضل بن العميد إلى محمد بن يحيى: وما أحسبنا نشترك إلا في الاسم وشتان بين محمد، ومحمد فلو كنا السماكّين لكنت الرامح وكنت الأعزل أو النسرين لكنت الطائر وأنا الواقع، أو السعدين لكنت سعد السعود وكنت سعد الذابح.
الحثّ على تسمية الغير بأحسن الأسماء: قال الله تعالى: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
، وقال ابن الخزاعي:
ولست بذي نيرب في الكرام ومنّاع خير وسبابها
ولكن أطاوع ساداتهاولا أتعلّم ألقابها
وقيل ثلاثة تثبت لك الود عند أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسّع له في الملجس وتناديه بأحب الأسماء إليه.
وقال الطائي:
لا يضمر الغدر للصديق ولايخطو اسم ذي ودّه إلى لقبه
وقال:
أكنّيه حين أناديه لأكرمهولا ألقّبه والسوءة اللقب
وجرى بين أبي بكر بن فريعة القاضي وبين بعض القواد كلام في مجلس أبي الحسين بن بويه وكان أبو بكر يقول مرّة: يا إبراهيم، ومرة يا أبا إسحاق، غضب القائد من ذلك وقال: لم لا تقول كياء؟ فقال إنما نكياءك إذا أنصفتنا، فإذا ظلمتنا سحقناك وبرهمناك.
الاعتذار لمن سمّي بغير اسمه المشهور به: صاح أعرابي بعبد الله بن جعفر فقال: يا أبا الفضل. فقال: ليس هذا كنيتي، فقال:
إن لم يكن كنيتك فإنه وصفك.
وكان يحيى بن أكثم يناظر رجلا في إبطال القياس وكان الرجل يكنيه بأبي زكريا.
فقال له: يحيى إنّها ليست بكنيتي فقال إن كل يحيى يكنى بأبي زكريا. فقال: يحيى العجب أنك تكنيني بالقياس، وتناظرني في إبطاله. ودخل رجل على أمير يدعى إسحاق فقال له: يا أبا يعقوب، فقال: أخطأت أنا أبو الحسين، فقال إنما أخطأ الأمير لأنّ كل إسحاق يكنى أبا يعقوب.
المشاهير بأسماء لا يعرف بها غيرهم: إذا قيل أمير المؤمنين مطلقا فهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وابن عبّاس عبد الله، وابن عمر عبد الله. وكان لهما أولاد غيرهما. والحسن بالحسن البصري، والنابغة نابغة بني ذبيان. والأعشى أعشى بني قيس.
من سمّي من الكبار بأسماء وكنّى: النبي ﷺ سمي محمدا ومحمودا وأحمد ولهذا باب طويل:
من غضب على غيره لموافقة اسمه من لا يحبّه: من الشيعة قوم يبغضون ويقاتلون من كنّي بأبي بكر أو سمّي بعمر. وكانت قرية يقال لها يزداد وأهلها في الشيعة، مرّ بهم رجل فسألوه عن اسمه فقال: عمران فضربوه ضرب التلف، وقالوا في اسمه عمر وحرفان من اسم عثمان ألا يستحق القتل؟
المسمّى بفعل منه جدا أو هزلا: سمّي إبراهيم حنيفا لأنه حنف عن عبادة الأوثان، ومريم البتول لتبتلها أي انقطاعها إلى الله تعالى، وخطب وال باليمامة فقال: إن الله تعالى لا يقرّ على المعاصي فقد أهلك أمة في ناقة لا تساوي مائتي درهم فسمي مقوم الناقة.
وقال الخليل: كان قوم يلقبون كلّ من مر بهم فأتاهم رجل، فقال: إني أريد أن أتصل بكم بشرط أن تلقبوني أدعوني رأسا برأس فلقبوه رأسا برأس. والشعراء منهم كثيّر كالمرقش لقوله:
رقّش في ظهر الأديم قلم
وجران العود لقوله:
خذا حذرا يا جارتي فإنّنيرأيت جران العود قد كان يصلح
والممزّق لقوله ولما أمزق.
أسماء ملوك كلّ صقع وفرسانها: قد تقدم أسماء ملوك الأصقاع في السيادة فأما الفرسان فيقال المرازبة في فارس البطارقة في الروم البكاكرة في السند والهند والمقاول في اليمن والكبش في ترار وتبع في العرب.
من سماه أبوه باسم نفسه من الكبار: عبد الله بن عبد الله بن أبي بكر الصديق، الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، مسلم بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب، عبد الله بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عبد الله بن عبد الله بن عمر سعيد بن سعيد بن العاص عتاب بن عتاب بن أسيد.
المسمّى باسم أمّه وخاله: فمما عيّر به قول دعبل يهجو:
سألته عن أبيهفقال دينار خالي
فقلت دينار من هوفقال والي الجبال
قال أبو محمد اليزيدي:
قلت وأدغمت أبا خاملاأنا ابن أخت الحسن الحاجب
ونحو ذلك ما حكى أن أبا العيناء سأل ابن أخت أبي الوزير حاجة فلم يقضها له فقال: إنما ألوم نفسي في تأميلك وأنت مضاف إلى مضاف.
ولأبي سعيد الرستمي:
كفى حزنا فاسمع علي بن رستملسبطك أن يدعى بسيط جنيد
وليس بحمد الله فيه مزلّةولكن دعوا سعدا بلفظ سعيد
المنسوب إلى من يجالسه حتى صار كالعلم له: قال خالد الواسطي الطحان: ما كنت طحانا ولكن كنت أجلس إلى طحّان فسميت به. وكذلك خالد الحذاء تزوّج امرأة من الحذائين فنسب إليهم، وواصل الغزال إنما كان يجلس إلى غزال، وإسماعيل المكي كان يتّجر إلى مكّة، وهو من أهل البصرة وسمّي البتّي لبت كان يعمله.
أنواع مختلفة: دق إنسان على بشّار فقال: من أنت؟ قال: أنا، فقال: انصرف يا أنا، قال أبو على النطاح كان المهدي يحب ابنه إبراهيم فقالت له شكلة أتراه يلي الخلافة؟ فقال: لا، ولا يليها من اسمه إبراهيم. إن إبراهيم الخليل أول من ألقى في النار وإبراهيم ابن النبي ﷺ لم يعش وبويع إبراهيم بن الوليد فلم يتم له الأمر، وأحكم إبراهيم الإمام أمر الملك فقتل وتمّ لغيره. وطلب الخلافة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن فما تمّت له على جلالته وكثرة جيشه، وقد بايع المتوكل لابنه إبراهيم المؤيّد فلم يتم له وقتل.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع