من «التشبيهات» لابن أبي عون (ت ٣٢٢هـ)
باب ٤٣ في الشعر
ومن حسن التشبيه في ذكر الشعر قول حبيب بن أوس الطائي
ووالله لا أنفكُّ أهدِي شوارداًإليك يحملنَ الثناءَ المنخلا
تخال بها برداً عليك محبراًوتحسبها عقداً عليك مفصلا
ألذَّ من السلوى وأطيبَ نفحةًمن المسكِ مفتوقاً وأيسرَ محملا
أخفَّ على روحٍ وأثقلَ قيمةًوأقصرَ في سمعِ الجليسِ وأطولا
ويزهى بها قومٌ ولم يمدحوا بهاإذا مثلَ الراوي بها أو تمثلا
وقال عديّ بن الرقاع
وقصيدةٍ قد بتُّ أجمعُ بينهاحتى أقومَ ميلها وسنادها
نظرَ المثقفِ في كعوبِ قناتهِحتى يقيم ثقافهُ منادَها
والشاعر يجوز له أن يقرظ شعره كما يجوز له تسمية أولاد الخلفاء والرؤساء وقال ابن الرومي في قصيدة له في أبي محمد عبيد الله بن سليمان بن وهب
هاكها والهاً إليكَ عروباتتثنَّى رشاقةً ودلالا
لم أقلْ هاكها لشيءٍ سوى العادةِ والشعرُ يركبُ الأهوالا
منطقٌ يطرحُ الكنى ويسمىمنْ يكنَّ ولا يبالي مبالا
جاهليٌّ كما علمتَ ولكنْلا تراهُ يعاملُ الجهالا
وفي ما ذكرنا مما يجوز لهم قول البحتري
تطوعُ القوافي فيكم فكأنمايسيلُ إليكم من عدوٍ قصيدها
فكم ليَ من محبوكةِ الوشي فيكمإذا أنشدتْ قامَ امرءٌ يستعيدها
وقال الطائي يمدح دينار بن عبد الله
وقد علمَ القرمُ المساميكَ أنهسيغرقُ في البحرِ الذي أنتَ خائضُ
كما علمَ المستشعرونَ بأنهمبطاءٌ عن الشعرِ الذي أنا قارضُ
كأني دينارٌ ينادي ألا امرءاًيبارزُ إذ ناديتُ من ذا يقارضُ
وقال آخر
وإنّي لمهدٍ من ثنائي قصيدةًترى لابنِ عمِ الصدقِ قيسِ بنِ مالكِ
أهزُّ بها في ندوةِ الحيِّ عطفهُكما هزَّ عطفى بالهجانِ الأوارِكِ
وقال الطائي
إنّ القوافي والمساعيَ لم تزلْمثل النظامِ إذا أصابَ فريدا
هي جوهرٌ نثرٌ فإنْ ألفتهُبالشعرِ كان قلائداً وعقودا
من أجلِ ذلك كانت العربُ الألىيدعونَ هذا سودداً محمودا
وتندُّ عندهمُ العلى إلا عُلًىجعلتْ لها مررُ القصيدِ قيودا
وقال علي بن الجهم
ولكنَّ إحسانَ الخليفةِ جعفرٍدعاني إلى ما قلتُ فيه من الشعرِ
فسارَ مسيرَ الشمسِ في كلِ بلدةٍوهبَّ هبوبَ الريحِ في البرِّ والبحرِ
وقال أشجع السلمي
ذهبتْ مكارمُ جعفرٍ وفعالهُفي الناسِ مثلَ مذاهبِ الشمسِ
وقال البحتري
وقد أتتكَ القوافي غبَّ فائدةٍكما تفتحُ غبَّ الوابلِ الزهرُ
ومنْ يكنْ فاخراً بالشعرِ يمدحُ فيأضعافهِ فبكَ الأشعارُ تفتخرُ
وقال أيضاً
وكنتُ إذا استبطأتُ ودكَ زرتهُبتفويفِ شعرٍ كالرداءِ المحبرِ
عتابٌ بأطرافِ القوافي كأنهُطعانٌ بأطرافِ القنى المتكسرِ
فأجلو به وجهَ الإخاء وأجتليحياءَ كصبغِ الأرجوان المعصفرِ
وقال ابن الرومي
فدونكها من شاعرٍ لك شاكرٍوإنْ حركَ الخيمُ الكرامَ وحرضا
ما ازدادَ فضلٌ فيك بالمدحِ شهرةًولكنهُ كالمسكِ صادفَ مخوضا
وقال البحتري
ألستَ الموالي فيك نظمَ قصائدٍهي الأنجمُ اقتادتْ مع الليلِ أنجما
ثناءُ كأنَّ الروضَ منه منوراًضحًى وكأنَّ الوشيَ فيه مسهما
وقال ابن الرومي في قصيدة يهجو فيها
خذْها إليكَ مشيحةً سيارةًفي الناسِ من بادٍ ومن متحضرِ
تغدو عليك بحاصبٍ وبتاربٍوعلى الرواةِ بلؤلؤٍ متخيرِ
وقال الأعشى
فإنْ تتعدني أتعدكَ بمثلهاوسوفَ أزيدُ الباقياتِ القوارصا
قوافي أمثالاً يوسعنَ جلدهُكما زدتَ في عرضِ القميصِ الدخارصا
وقال البحتري
إليكَ القوافي نازعاتٌ قواصداًيسيرُ ضاحي وشيها وينمنمُ
ومشرقةٌ في النظمِ غرٌ يزيدهابهاءً وحسناً أنَّها لك تنظمُ
ضوامنُ للحاجاتِ إما شوافعاًمشفعةً أو حاكماتٍ تحكمُ
وكائنْ غدتْ لي وهيَ شعرٌ مسيرٌوراحتْ عليَّ وهيَ مالٌ مسومُ
وقال الطائي في آخر قصيدة له
حذيتْ حذاءَ الحضرمية أرهفتْفأجابها التحضيرُ والتلسينُ
إنسيةٌ وحشيةٌ كثرتْ بهاحركاتُ أهلِ الأرضِ وهي سكونُ
أما المعاني فهي أبكارٌ إذانصتْ ولكنَّ القوافيِ عونُ
أحذاكها صنعُ الضميرِ يمدهُجفرٌ ذا نضبَ الكلامُ معينُ
ويسيءُ بالإحسانِ ظناً لا كمنيأتيكَ وهو بشعرهِ مفتونُ
وقال البحتري
وما عدلتْ عنكَ القصائدُ معدلاًولا تركتْ فضلاً لغيركَ يحسبُ
تنظمُ منها لؤلؤاً في سلوكهِومن عجبٍ تنظيمُ ما لا يثقبُ
وقال الخنساء المتقارب
وقافيةٍ مثلِ حدِّ السنانِ تبقى ويذهبُ من قالها
نطقتَ ابنَ عمروٍ فسهلتهاولم ينطقِ الناسُ أمثالها
وقال دعبل في هذا المعنى
سأقضي ببيتٍ يعلمُ الناسُ فضلهُويكثرُ من أهلِ الروايةِ حاملهْ
يموتُ رديُّ الشعرِ من قبلِ أهلهِوجيدهُ يبقَى وإنْ ماتَ قائلهْ
وقال ابن هرمة
إنّي امرؤٌ لا أصوغُ الحلىَ تعملهُكفايَ لكنْ لساني صانعُ الكلمِ
وقال ابن حازمٍ يصف أبياتاً له
فأبعثهنَّ أربعةً وخمساًبألفاظٍ مثقفةٍ عذابِ
فكنَّ إذا وسمتُ بهنَّ قوماًكأطواقِ الحمائمِ في الرقابِ
وقال ابن هرمة مثله
إني إذا ما امرءٌ خفتْ نعامتهُفي الجهلِ واستحصدتْ منه قوى الوذمِ
عقدتُ في ملتقى أوداجِ لبتهِطوقَ الحمامةِ لا يبلَى على القدمِ
وهجا رجلٌ من بني حرام الفرزدق فجاء به أهله إليه موثقاً فقال الفرزدق
فمنْ يكُ خائفاً لهناتِ شعريفقد أمنَ الهجاءَ بنو حرامِ
همُ قادوا سفيههمُ وخافواقصائدَ مثل أطواقِ الحمامِ
وقال ابن الرومي
حباني بما يعيا به كلُّ واهبٍوحبرتُ ما يعيا به كلُّ حائكِ
فأعدمهُ مدحَ الغثاثِ مدائحيوأعدمني رفدَ الألدِّ المسالكِ
وما لربيعٍ ممطرٍ من مجاودٍوما لبقيعٍ مزهرٍ من محاوكِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع