من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)
المنصف للسارق والمسروق منه (١٥)
فخبر عن الأيام بخبر مفيد وذكر أن ساعاته القصار شهور فشبه أيامه بالدهور والساعات القصار بالشهور فعدل بين أقسام الزمان طويلها وقصيرها فجعل الطول لأطولها والقصر لأقصرها فرجح كلامه وأستحق ما سبق إليه وقد أحسن ابن الرومي:
وأعوامٍ كأن العام يومٌوأيامٍ كأنَّ اليوم عامُ
هو وإن كان قد سرق من أبي تمام فقد جاء بالكثير الطويل في الموجز القليل وذلك قول أبي تمام:
أعوام وصلٍ كان ينسي طُولَهاذكرُ النَّوى فكأنها أيَّامُ
ثُمّ انبرتْ أيَّام هجرٍ أردفتْبجوىً أسىً فكأنّها أعوام
ثُمَّ انقضت تلك السِنُونَ وأهلُهافكأنّها وكأنَّهم أحلامُ
فجاء أبو تمام بمراده في تطويل لم يستكمله إلا في بيتين فمن جاء بمراده كاملاً في بيت فهو أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
ملكٌ يكون كيف شاء، كأنَّمايجري بفصلِ قضائِهِ المقدورُ
وقد ألم في صدر هذا البيت أبي تمام:
فلو صوّرتَ نفسك لم تَزِدْهاعلى ما فيك من كرمِ الطّباعِ
والنصف الثاني يشبه قول ابن الرومي:
لست تحتجُّ بالزّمان ولا المقدُورِ أنت الزمانُ والمقدُورُ
فقال أبو الطيب: كأنما يجري بفضل قضائه المقدور، وابن الرومي جعله الزمان والمقدور فرجح كلامه، وليس لأبي الطيب الفضيلة غير جمعه معنى البيتين في بيت واحد فنحن نجعل اختصاره بازاء الزيادة عليه ويدخل ذلك في قسم المساواة فيصير لا له ولا عليه إلاّ بالتقدم.
ويليها أبيات أولها:
لأي صُروف الدهرِ فيه نُعاتِبُوأيّ رزاياهُ بوترٍ نُطالِبُ
يقول فيها:
يزودُ الأَعادي في سماء عجاجةٍأسنتّهُ في جانبيها الكواكِبُ
أخذه من بشار:
كأن مثار النقع فوق رؤوسناوأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبُه
جعل بازاء الليل العجاج والأسنة بازاء السيوف ولم يزد على بشار في مبنى ولا معنى، وقال بشار لم أزل أحاول أن أجيء بتشبيهين في تشبيهين حتى قلت هذا البيت، ومثل ذلك قول العكوك:
كأن سمو النقع والبيض حولهسماوات ليل أسفرت عن كواكبِ
فبشار أوضحهم كلاماً والعكوك يساوي أبا الطيب فالأول أحق بما قال ومثل ذلك:
تَبني حوافراها سماءٌ فوقهاجعلت أسنّتّنا نُجوم سمائها
وقال المتنبي:
طلعن شموساً والغمود مشارقُلهُنّ وهامات الرجال مَغاربُ
أخذه من ابن المعتز:
متردّياً نصلاً إذالاقى المنيَّة لم يُراقبُ
فكأنه في الحرب شمسُ والرؤوس له مَغارِبُ
وهذه المعنى والزيادة فيه من ذكر المشارق والمغارب معلومة لأن ماله مشرق فله مغرب فلا زيادة له يستحق بها ما أخذ بل يدخل مع من أخذ منه في قسم التساوي وإذا دخل في المساواة فالفضل للسابق، وقال ابن الحاجب:
فله الدهر شروق في يديمنتضية وغروب في القللِ
وقال المتنبي:
مصائبُ شتّى جمّعت في مُصيبةٍولم يكفها حتى قَفَتْها مصائبُ
ما في هذا البيت معنى غير تواتر مصائبه وما أشبه صنعته بقول الحماني:
بكى التفاف الشعر عارِضهوبكى ابيضاض منابت الشِعْر
فكأنهنَّ مصائب وصلتأعجازُها بمصائب أخر
وهذا يدخل في قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
ويلي هذه قصيدة أولها:
هو البينُ تى ما تأنى الحرائقُويا قلب حتى أنت ممّنْ أفارِقُ
عجزه يشبه قول العباس بن الأحنف:
تفرّق قلبي من مُقيمٍ وظاعنٍفلّله درّي أيّ قلبٍ أتبعُ
ويقرب من قول القائل:
كأنّ أرواحنا لم ترتحل معناأو سِرْن في أول الحيّ الذي سارا
وقال المتنبي:
وقد صارت الأجفان قُرحى من البكاوصار بهاراً في الخُدود الشقائق
كان أبو الطيب يختار) قرحاً (منوناً على) قرحى (بغير تنوين، روي ذلك عنه. يقصد إلى أن القرح ولها مفردان والأجفان والشقائق مجموعان فكأنّه يؤثر تجديد صنعته ومعنى البيت موجود في قول ابن الجهم:
إن وجه الحُمى لوجهٍ صفيقحين يسطونه نهاراً جهارا
لم تَشِنْ وجهه المليح ولكنجعلت ورد وجنتيه بَهارا
فالمعنى المعنى وهو انتقال الحمرة إلى الصفرة وقد عاد أبو الطيب إلى المعتاد المألوف والمذهب المعروف بجعل خوف الفراق قد صير الحمرة صفرة وعدل عن مذهبه من الحياء يؤثر في الخد الأحمر صفرة فوافقنا فأما قول أبي تمام:
لها من لوعة البين التداميُعيد بنفسجاً ورد الخُدُودِ
فذكر أن التدامها يؤثر في خدّها زرقة فكان ورد خدها قد صار بنفسجاً.
وقال المتنبي:
على ذا مضى النّاسُ: اجتماعٌ وفرقَةُوميتٌ ومولودٌ، وقالٍ ووامِقُ
على ما يؤثره أبو الطيب من جودة الصنعة في النظام أو يقول على التمثيل اجتماع وفرقة وموت وولادة ومقلى ورمقة ليكون البيت إما أسماء كله وإما مصادر كله وكل ذلك جائز أن يقال ولكن رأينا نحفظه في قرحى وقرحاً فطالبناه بما طابت به نفسه وهذا يشبه قول الأعشى:
شبابٌ وشيبٌ وافتقارٌ وثروةٌفللهِ هذا الدهرُ كيف تَردَّدَا!
وقال الآخر:
وما الدهرُ والأيّام إِلا كما ترىرزيّةُ مالٍ أو فراقُ حبيبِ
فهذا يدخل في قسم المساواة ولكن تقسيم أبي الطيب أصح لأن الدهر كما قال ابن المعتز:
الدهرُ فيه مساءةٌ ومسرّةٌفجزاء دهرِكَ أن يذم ويحمدا
وقال المتنبي:
تغير حالي واللَّيالي بحالهاوشبتُ وما شابَ الزمانُ الغُرانقُ
هذا معكوس من قول أبي تمام:
من عهد إسكندرٍ أو قبل ذلك قدشابت نواصي اللَّيالي وهي لم تشبِ
وقال المتنبي:
وليلٌ دجوجيّ كأنا جَلَتْ لنامُحيّاكَ فيه فاهتدينا السّمالِقُ
لعل هذا أن يعتد من الخروج المليح إلى الهجاء أو المديح وأحسن منه عندي قول مسلم:
أجدّك هل تدرين أن رُبّ ليلةًكأنّ دُجاها من قُرونِكِ يُنْشَرُ
نصبتُ لها حتى تجلّتْ بغرّةٍكغرّةِ يحيى حين يُذكر جعفرُ
وكلا البيتين يفيد معنى فلا يتوهم أن أبا الطيب أوجز لفظاً لأن مسلماً شبه الليل تشبيهاً مليحاً في البيت الأول وجاء في البيت الثاني بتخليه عن غرة الممدوح عند ذكر أبيه وقال أبو الطيب كأنّما جلت السمالق لنا محيّاك فاهتدينا به فزاد مسلم في كلامه ما هو من تمامه فرجح بذلك وصار أحق بشعره ومعناه موجود في قول ابن مناذر:
لمّا رأينا هارونَ صار لنا اللّيلُ نهاراً بوجه هارُونا
وقال أبو المعتصم:
كم يجر في ليلةٍ أحدٌوابن إبراهيم كَوكبُهُ
وقال أيضاً:
ولم يقطع البيداء في الليلِ غضبهبأنضائها إلاّ وأنت شهابُها
وكلّهم بالغ في مدحه وحقق خبره وأبو الطيب قال: كان فصار كلامهم أبلغ من كلامه فرجحوا عليه فهم أحق بما سبقوا إليه.
وقال المتنبي:
فما زال لولا نُور وجهكِ جُنحهُولا جابها الرّكبانُ لولا الأيانقُ
وإذا كان نور وجهه يهتدى به والأيانق بها تقطع المسافة النائية فقد أخبرنا بخبر غير مفيد لأن المظلم لا يزول إلا بمنير هو وجهه والبعيد لا يقطع إلا بصبور من الإبل.
وقال المتنبي:
شدوا بابن إسحاقَ الحُسين فصافحتْذَفاريها كيرانُها والنمّارِقُ
من قول ابن الرومي:
لا يصرفُ الرّكبُ الطَّلائح نحوهُبل باسمِهِ يزجون كُلَّ طليح
ومثله قول إسحاق بن خلف:
إذا ما حُدين بمدحِ الأميرسبقن لحاظَ الحثيث العجِلِ
فإنما أراد أبو الطيب أن الإبل إذا حدين بمدحه ظهر منها من النشاط ما يزيل عنها كل تعب ونصب وذلك قصد ابن الرومي بقوله:) بل باسمه يزجون كلّ طليح (وكذلك قول إسحاق:
إِذا ما حُدِينَ بمدح الأميرسبقن لحاظ الحثيث العجل
وهذه معان متساوية وكذلك ألفاظها فالسابق أولى بها وينظر قوله إلى قول ابن الرومي أيضاً:
طاب لليعملات إذ يممتْهُوصلهنَّ البكورَ بالتأويبِ
لم يكن خفضُها أحبَّ إليهامن رسمٍ إليه بعد حبيبِ
وقال المتنبي:
فتى كالسحاب الجون يُخشى ويرتجىيُرجىَّ الحيا منها، وتُخشى الصواعقِ
فلو كان قال:
فتى كالسحاب الجُون يرجى وتبقىيُرجى الحيا منها، وتخشى الصَّواعِقُ
كان قد وفى سماحاً وبأساً بالصواعق والحيا إذا اجتمعا في العارض المتراكم ومثله لابن الرومي:
والناسُ طُرّاً بين مُرتقبٍسطواتِهِ، ومؤمّلٍ نفعهْ
كالعارضُ التهبتْ صواعقهوسقى البلاد فلم يدع بقعهْ
وقال الديك:
هو عارض زجل فمن شاء الحياأرضى، ومن شاء الصواعق أغضبا
ولأبي مسهر الرملي:
تُحيي الأنام به في الحدب إن قحطواجوداً ويُسقى به يوم الوغى الهام
كالمزن تجتمع الحالات فيه معاًماءً وناراً وأرهام وأصرام
ومباني هذه الأبيات ومعانيها متساويات فالسابق أولى بها.
وقال المتنبي:
ولكنها تمضي وهذا مخيِّمٌوتكذِبُ أحياناً وذا الدهرُ صادقُ
قال ابن الرومي:
فضلْتَ أخاك الغيْثَ بالعلم والحجىوحاصصتَهُ في الجود أيّ حصاص
على أنه يمضي وأنت مخيِّمٌسماؤك مِدراءٌ وروضك ناص
والمعنى المعنى وهو يدخل في قسم التساوي، وللبحتري:
جودٌ يبذّ الغيث أحفل ما جرىبِسجالهِ فيق السحاب الجُون
أنّى لك يكون له احتفالك في المدىووقوعه في الحين بعد الحين
والمعاني المعاني وألفاظ أبي الطيب مليحة فصيحة بازائها أنّه آخذ وغيره مأخوذ منه.
وقال المتنبي:
تخلّى من الدنيا لِينسى وما خلتمغاربها من ذكره والمشارق
هذا ينظر إلى قول البحتري:
وشُهرتُ في شرق البلاد وغربهافكأنَّني في كل نادٍ جالِسُ
وقال المتنبي:
يجنبُها من حتفه عنهُ غافلٌوَيصلَى بها مَنْ نفسُهُ منه طالِقُ
وقال ابن المعتز:
وزائرةٍ يحثها الشوق طارقَهْأتتك من الفردوس لا شكّ آبِقَهْ
إذا ما تثنّت قال للريح قدُّهاكذا حركي الأغصانَ إن كنت صادقةْ
وولت فولى العيش من بعد نصرهوقلت لنفسي أذهبي أنت طالِقَةْ
فهو ينظر إلى قول أبي الطيب.
وقال المتنبي:
كأنَّك في الإِعطاءِ للمال مُبْغِضٌوفي كلّ حربٍ للمنيَّة عاشقُ
وقد ورد ما يقرب من هذا البيت بيتان أحدهما لأبي تمام وهو:
يستعذبون مناياهم كأنهُمُلا ييأسُونَ من الدُّنيا إذا قُتِلوا
والآخر للبحتري وهو:
تسرّعَ حتى قال من حضر الوغىلقاءُ أعادٍ أم لقاءُ حبائبِ؟
وبقيت لأبي الطيب من ذكر بعض المال مع عشق المينة زيادة مليحة هو بها أحق بما أخذ عنه.
وقال المتنبي:
خف الله واسترذا الجمال ببرقُعٍفإِن لحت ذابت في الخدور العواتقُ
ذكر هذا أبو العباس النامي في غث كلامه ولست أعده غثاً لأن الجمال يمدح به الملوك وحيض العواتق شهرة لما رأين من جماله فالمعنى صحيح واللفظ فصيح فلِمْ صار غثاً؟ وقال المتنبي:
سيحبى بك السّمّارُ ما لاح كوكبٌوتحدو بك السُفَّار ما ذرّ شارِقُ
فأما معنى الكلام فموجود في قول ابن الرومي:
لقد سار شعري شرق أرضٍ وغربهاوغنَّى به الحضر المقيمون والسَّفْرُ
فبازاء السماء الحضر وبازاء السّفار السفر ولابن الرومي:
خذوها شروداً في البلادِ مقيمةًسميرا لذي سمرٍ، وزادَ رِفاق
فهو مساوٍ لِما قبله والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
فما ترزقُ الأقدارُ من أنت حارمٌولا تحرِمُ الأقدار من أنت رازقُ
هذا على صنعة قول أبي تمام:
فما تتركُ الأيّام من أنتَ آخِذُولا تأخذ الأيَّامُ من أنت تاركُ
وقال المتنبي:
ولا تفتقُ الأيّام ما أنت راتقٌولا ترتُقُ الأيّام ما أنت فاتقُ
قال عبد الله بن محمد بن أبي عيينة:
كنا ملوكاً وكان أوّلناللحلمِ والبأس والندى خُلِقُوا
لا يرتق الراتقُونَ ما فتقوايوماً ولا يفتقون ما رتقُوا
وهذا أخذ لا تغير فيه في لفظ ولا معنى، ولو أدخلناه في اللفظ المدعا هو ومعناه معاً ما أبعدنا ويشبه قول صالح:
فنداك يرتق كل أمرٍ حادثٍونداك يفتق كل أمرٍ بريقُ
وقال المتنبي:
هي الغرض الأقصى، ورؤيتك المنىومنزلك الدنيا، وأنت الخلائِقُ
قال الوائلي:
فليس الناس إِلاّ الحضر فرداًوليس الأرض إلا بَرْقعيدا
وكلام أبي الطيب أجزل وأجمع الأوصاف فهو يرجح بذلك.
يتلوها أبيات أولها:
أتنكرُ يا بن إسحاق إِخائيوتحسِبُ ماء غير من إنائي
يقول فيها:
وهبني قلتُ هذا الصُّبح ليلُأيعمى العالمُونَ عن الضّياءِ؟
ينظر إلى قول ابن الرومي:
أسقط المدح فيك إذا لم يبن منك خفياً، وهل بصبحٍ خفاء؟
وقال المتنبي:
تطيعُ الحاسدينَ وأنت مَرْءٌجعلتُ فداءهُ وهُمُ فدائي
قال الحصني:
فدتك نفسي وتفديني أعاديكابلْ كان من فوق ظهر الأرضِ تَفْديكا
قال الوائلي:
فداك أبو عمرو على أن ودّهلو أنّ الورى طُرّاً فدا أبي عمرو
وقال المتنبي:
وهاجى نَفْسَهُ من لم يُميّزْكلامي من كلامهم الهُرَاءِ
وقد نسب إلى ابن أبي زرعة بيت أنكره عليه ابن عبد كاف فقال:
ونحلت بيتاً قاله غيري مقراً غير جاحدِ
هلاّ عرفت مكان بيتٍزيد في الأبياتِ واحد
فمذاهب الشعر لا تخفى عن الفطن وابن أبي زرعة أحسن أدباً من أبي الطيب لأنه سأل أن يعرف مكان بيت زيد في الأبيات وقول أبي الطيب:
وهاجى نَفْسهُ من لم يُميزكلامي من كلامهم الهُراء
استخفاف بالمخاطب.
ويليها قصيدة أولها:
ملامُ النَّوى في ظلمها غاية الظّلمِلعلَّ بها مثل الذي بي من السّقمِ
ولو لم تغر لم تزوعني لقاءكمولو لم تردكم لم تكن فيكم خصمِي
هذا من قول المسلمي الحصيني:
غار الزمان عليها فاستبدّهاكأنّما هو مشغوفٌ بها كلفُ
هذا الشعر يساوي مبناه ومعناه وقد استولى على معنى البيتين في بيته وهو السابق فهو أولى بما قال، وقد قال محمد بن أبي الحرث في مثله:
ونافسني فيه صرفُ الزمانِكأنَّ الزمانَ له عاشِقُ
وقد قصد هذا المعنى وملح عبد الصمد بن المعذل فقال:
مالي على صومك في رشفةٍفاك وإن أضماك كمن لؤمِ
فاز على عاشقه صومهإني أرى الصومِ من القومِ
وقال المتنبي:
أمنعمةٌ بالعودة الظَّبية التيبغير وليّ كان نائلها الوسمي
الأرض إذا أمطرت بالولي وهو بعد الوسمي قال ذو الرمة لبلاب بن أبي بردة:
لنى وليةً تمرع جناني فإِنَّنيلما نلتُ من وسمّي نُعماك شاكِرُ
فأراد أبو الطيب أنها وصلته ولم تعاود وقال ابن الرومي:
يعيد ما أبدت يداه من العزفجواداً لا يعرفُ الساما
يتبعُ وسميّه الولي وقدأغنى حديث البلاد أن وسما
فذكر ابن الرومي أن الممدوح يجود ويعاود ولو اكتفى بأول جود كان كافياً وهذا معكوس في قول أبي الطيب لأنها عنده تجود ولا تعاود وهذا يجود ويعاود فهو ضد تلك وعرف أن جودة الأول كافٍ من المعاودة وطلب أبو الطيب منها المعاودة ولم يشرط أن الأول من الوصل كان كافياً فكلام ابن الرومي أرجح وهو أحق بما قال.
وقال المتنبي:
ترشفت فاها سحرة فكأنّنيترشّفت حرّ الوجد من بارد الظّلم
فالمستعمل في الأكثر أن يكون برد فم المعشوق يطفئ حر وجد العاشق فأما أن يزيد في حر الوجد فما يعمل الهجر والمتع أكثر من هذا والذي يحسن أن يستعمل في هذا قول أشجع:
وسقاك من حر الهوىبردُ المفلجةِ العَذاب
وهذا من المعكوس الذي لفظه أعذب من لفظ أبي الطيب وأرجح في المعنى وأشجع به أولى.
وقال المتنبي:
ما دار في خلد الأيام لي فرحٌأبا عُبادة حتى دُرت في خُلْدِي
هذا من قول أبي تمام:
رأيتُ الليالي قد تنكّرَ عهدُهافلما تراءى لي رَجَعْنَ إلى العَهْدِ
أصله من قول ابن هرمة:
ولي خليل ما مسني عدممُذ وقعت عينه على عَدمي
وربما ظن ضعيف النقد إذا تجردت الألفاظ المسروقة من ألفاظ السارق لها أنها غير مسروقة منها وليس كما ظن هذا توليد كلام من كلام لفظهما مفترق ومعناهما متفق والأبيات متساوية في حسن المبنى والمعنى فالسابق أولى بها ومن ذلك قول البحتري:
أقسمتُ لا تلقين جدّاً صاعداًفي مطلبٍ حتى ينحن بصاعد
فالمعنى محتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه وفي بيت البحتري مطابقة يرجح بها.
وقال المتنبي:
ملكٌ إذا امتلأتْ مالاً خزائنُهُأذاقها طعم ثكلِ الأم للولَد
هذا من قول أبي نواس:
إلى فتى أمّْ ماله أبداًتَسْعى بجيبٍ في الناس مشقوقُ
إلا أن بيت أبي نواس أمدح من بيته بقوله:) أبداً (لأن ذلك يدل على تفريقه المال في كل حين بغير زمان محدود وأبو الطيب قال:) إذا امتلأت مالاً خزائنه (فجدد وخبر أنّها لا تفرق إلا عند امتلائها، فقد صار لتفريقه زمان دون زمان ولعله لا يسخى بالتفرقة إلا إذا كثر ماله، فإذا ضاق منع منه ولكن كلام أبي الطيب أجزل فصار لنقله الرذل إلى الجزل أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
ماضي الجنان يُريه الحزمُ قبل غدٍبقلبه ما ترى عيناهُ بعد غَدِ
الوجه أن يقول: يريد الحزم في يومه ما ترى عيناه غداً، كما قال هو:
ذكي تظنّيه طليعةُ عينِهِيرى قلبه في يومه ما ترى غدا
وهذا الخبر يوهم أنه لا يعرف ما يكون غداً بل يعرف ما يكون بعده فقد استقصى فطنته وهو يشبه ما أنشده ابن قتيبة:
بصير بأعقاب الأمورِ برأيهكأن له في اليوم عيناً على غدِ
ومثله: الألمعيّ الذي يظنُّ لك الظنَّ كأن قد رأى وقد سمعا وهذه أبيات متساوية فالسابق أولى بشعره.
وقال المتنبي:
أيُّ الأكف تُباري الغيثَ ما أتّفقاحتى إِذا افترقا عادت ولم يَعُدِ
ينظر هذا إلى قول أبي دلف:
الله أجرى من الأرزاق أكثرهاعلى يديكِ بعلم يا أبا دُلَفِ
ما خطَّ لا كاتباه في صحيفتهكما تُخطط لا في سائرِ الصُّحفِ
بارى الرياحَ فأعطى وهي جاريةٌحتى إذا وقفت أعطى ولم يقفِ
فهذا البيت الأخير كلام واضح ومعنى لائح وهو على التأمل أصبح مسبوكاً وذلك أنه قال:) حتى إذا وقفت (ولا بد للريح من الوقوف وذكر أن الممدوح يجري معها فإذا وقفت جرى وأبو الطيب حصر على الغيث العادة بعد افتراقها ولا فرق بين الغيث والريح فيه فضل من التشبيه والريح في كل زمان فالمعطي في كل زمان أسمح من المعطي في زمن مخصوص فلفظ العكوك أرجح فهو أولى بقوله.
وقال المتنبي:
قومٌ إذا أمطرت موتاً سيوفُهُمُحسبتها سُحباً جادت على بلدِ
وهو من قول ابن الرومي:
بنو مصعب فينا سماء رفيعةلها دُرَرٌ ليست بذا الدهر يعدمُ
سماء أظلّت كلّ شيءٍ وأعملتسحائب شتى صوبها المال والدمُ
لم يذكر أبو الطيب غير أن سيوفهم تقطر دماً وبيت ابن الرومي جعلها سحباً تمطر بالمرجو والمخوف فجمع بين السماحة والبأس وأطلق القول بلا حسبان وأبو الطيب يحسب أنها سحب فلفظ ابن الرومي أمدح وأرجح فهو أولى بما قال.
وبد ذلك قصيدة أولها:
جَلَلاً كما بي فَلْيَكُ التَّبريحأغذاءُ ذا الرَّشأِ الأغنّ الشِّيحُ
هذا بيت فيه عيوب منها حذف النون من) يكن (لأنها قوية بالحركة اللازمة
لالتقاء الساكنين وعيب آخر أنه حذفها للإدغام وهذا غير معروف لأنه قال في بني الحارث بلحارث ولم يقل في بني النجار بلنجار وهاهو قد قال: فليك التبريح فحذف مع الإدغام ولم يكن علمه بالعربية طائلاً، دليل ذلك ما أخبرك به عن شيخنا أبي الحسين المهلبي ﵀ فإنه ذكره لي قال: كان شاعراً فقلت له ولم يكن عالماً قال: لا ولا سيما بالعربية ثم حكى منه عند اجتماعه معه عنه الرود بازدي أشياء منها أنه قال: قلت لأبي الطيب كيف تكسر مختاراً في الجمع فقال: هذا لا يكسر فقلت له: وأمثلتها كلها تكسر فلم أمتنع هذا فيه، فقال: لم تكسره العرب قال: قلت:) فلهن أم مختار وأم حنين السلامة (هذا من التكسير وتلك من الأكل فسكت عن ذلك، وقد قال شيخنا ﵀: رأيت أبا الطيب ينكر أن يذكر المؤنث وإن نسبت
بمؤنث فأنشدته قول الأعشى:
وتشرقُ بالقولِ الذي قد أذعتهُكما شرقتْ صدر القناة من الدم
فقال هذا من إنشادات سيبويه مستهزئاً فقلت: ومن إنشادات أهل الكوفة فقال: ما هذا في كتبهم فقلت: هذا البيت مشهور وهو في كتاب المذكر والمؤنث ليعقوب أبي السكيت قال: ما هو فيه فأحضرنا الكتاب بخط بعض العلماء المعروفين وسمينا له كاتبه فلما رأى البيت قال: ما هذا بخط جيد خطي أحسن منه فقلت: هذا غير ما تكمنا فيه ما خاطبناك في جودة الخطوط، قال شيخنا: وامتحنته في أشياء فوجدته فيها مقصراً.
قال أبو محمد: وأنا أعرف رجلاً يزيد محبة أبي الطيب على محبة أمه وأبيه وقد ذكره فقال: أما اللغة فكان فيها إماماً لم تضرب العرب بعصى إلا وعنده منها خبر وأمّا الشعر فإنّه لسان الزمان لا ينطق أو يستأذنه وأما النحو فهو فيه على مذهبه في النحو نحوي فرأيته قد بالغ في الصفتين وجعله مدحاً على شريطة يريد تفسيراً فسألته عن المعنى في قوله قال: ما كان يعتقده في النحو إلا معرفة الإعراب التي يصل بها إلى الصواب بغير تعليل له وهذا هرب من السؤالات ويسلم من إقامة الدلالات وفيما أوردناه مقنع ثم نرجع إلى موضع التأليف وفي البيت عيب ثالث وهو تباعد نصفه عن نصفه حتى لا جوار بينهما فضلاً
عن المناسبة ولا تعلق لهما بشيء غير المقاربة وقد ذكرنا فيما مضى من كتابنا هذا ما جرى بين الشاعرين اللذين قال أحدهما للآخر: أنا أشعر قال: وكيف ذاك: لأني أقول البيت وأخاه وأنت تقول البيت وابن عمه بيتا أبو الطيب يذكر تباريحه وأشجانه إذا عدل عن السؤال إلى غناء الرشأ فإن كان غنّى له بعد سلوة حبيبه فشبهه بالظبي فسأل: هل هو يأكل الشيح ليزول عنه الشك إنه غزال على الحقيقة فهذا سؤال أبله ومتباله واستدعاء إعلام بما هو عالم والمتقدم من شكوى تباريحه لا يليق بالسؤال عن غذاء الظبي وإن كانت التباريح من أجله وإنما كان يحسن أن يقال في هذا: إن التباريح التي شكوتها من صد ظبي ليس غذاه الشيح ليفرق بين حبيبه والظبي ويدل على بشر مثل الظبي في نفسه فأمّا السؤال عن غذاء الظبي لا غير فلا وجه له لأن الفرق بين الإنسان والظبي لا يخيل بالقرون والإطلاق والقوائم الأربع فإن قال لنا محتج له أما سمعت قول العرجي:
بالله يا ظبياتِ القاع، قلن لنا:ليلاي منكنَّ، أم ليلى من البشرِ
قلنا له هذا أولاً بيت لا لحن فيه وهو متناسب كله وإلى معناه ذهب أبو الطيب غير أن حسناً دل على مراده فشبه الظباء بها في الأجياد وضمور الأحشاء وخفة الأجسام وما يقع التشبيه منها فأما غلط الناس في تشبيه العيون بعيون الظباء فواضح عين الظبي سوداء كلها وإنما يقع التشبيه في العين بعين البقرة الوحشية لأنها تجمع البياض والسواد وإجماعهما الحور وهذا من حسن العرجي على مذهب أبي بكر بن دريد أنشدنيه أبي ﵀ قال أنشدنا لنفسه:
أعنِ الشمس عشاءًكشفتْ تلك السُّجوفُ
أم على لبتي غزالٍعلقتْ تلك الشُّنوفُ
فهو في لفظ استفهام يدل به على خبر من قرب التشبيه وما أقتصر أبو الطيب إلا على الشيح فإن ذلك الظبي الذي يشبه حبيبه القيصوم أو البربر أو الكبات وغير ذلك من مراعي الظباء أتراه يزول عن التشبيه بحبيبه لاختلاف مراعيه التي يغتذي بها الظباء فإن كان ذلك كذلك فحسنه وشبهه في الشيح لا غير قال أبو محمد: وأرى تباله حسين العرجي أرطب معنى وأعذب لفظاً فهو بما سبق إليه أولى ممن أخذ عنه.
وقال المتنبي:
ما باله لاحظتُهُ فتضرّجَتْوجناته وفؤادي المجروحُ
ينظر إلى قول ابن الرومي:
يغدو فتكثر باللحاظ جِراحنافي وجنتيه، وفي القلوبِ جراحه
وأخذا هذا من قول ابن أبي فنن ابن الرومي:
أدميتُ باللحظاتِ وجنتهفأقتص ناظره من القلبِ
وما تجاوز البيتان ومعناهما الاقتصاص من الجروح ومعنى أبي الطيب أملح لأنه سأل كيف تتضرج وجناته وفؤادي دونه المجروح فأشار إلى حمرة نجده ورقة وهذا لم يذكر جرحاً وصل إلى جبينه إنما تعجب كيف جرح هو وتضرج خد الحبيب بما وقع بالمحبوب وهذا لفظ يشبه لفظ بعض المحدثين:
أراهُ فيدمّي خدّه وهو جارحيبعينيه، والمجروحُ أولى بأن يَدْمى
فقد ساواه في المبنى والمعنى والسابق أولى بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
ورمى وما رمتا يداه فصابنيسهمٌ يعذّبُ والسهامُ تُريحُ
بنى الفعل في تقدمه على مذهبه في التسامح وقد ورد ذلك في أشعار العرب، قال الشاعر:
ولكن دنا في أبيه وأمه يخبرأنْ يعصرن السليط أقاربهْ
وهذا البيت ينظر إلى قول المجنون:
فإِن يك عروة العذريّ أضحىأحاديثاً لقوم بعد قوم
فعروة مات موتاً مستريحاًوهاأنذا أموت كل يوم
فاختار الموت على العذاب وقد كشف العباس بن الأحنف معناه في هذا البيت بقوله:
وإلا اقتلوني أسترح من عذابكمعذابكم عندي أشد من القتلِ
وأتى أبو الطيب بمعنى أغرب به بأن جعل اللحظ سهماً وأن سهمه لم يقتله ولم يرحه بل تركه معذباً بألمه فصار كلامه بإغرابه أملح وأرجح فأستحقه وهو يقرب من كلام ابن الرومي في كلامه أنشدنيه أبي ﵀ قال: أنشدنا ابن الوشاء قال: أنشدنا ابن الرومي:
نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمهاثمّ أثنت عنه فكاد يهيمُ
ويلاه إنْ نظرت وإن هي أعرضتوقعُ السهامِ ونزعهن أليمُ
وقال المتنبي:
قربُ المزارِ ولا مزار وإِنمايغدو الجنانُ فنلتقي ويرُوحُ
الجنان: القلب، فيقول: نلتقي بالقلوب لا بالأجسام وهذا من قول ذي الرمة:
إِني وإن لم ترني كأنَّنيأراك بالغيب وإن لم ترني
وقد كان ابن المعتز عمل أبياتاً في ثعلب يشبه هذا فقال:
ما وَجْدُ صادٍ في الحبال مُوثقٍبماء مُزنٍ بارد مصفَّقِ
في صخرةٍ أن تر شمساً تبرُقفهو عليها كالزُّجاج الأزرقِ
ألا كوجدي بك لكن أتقييا فاتحاً لكل علمٍ مغلقِ
وصيرفياً عالماً بالمنطقِإن قال هذا بهرجٌ لم ينفقِ
إنّا على البُعاد والتفرقِلتلتقي بالذكر إن لم نلتقِ
قال له أبو العباس كأنك أخذت من قول القائل:
إني وإنْ لم ترني كأنّنيأراكَ بالغيبِ وإنْ لم ترني
وقول ابن المعتز:) لنلتقي (أبلغ من قول ذي الرمة:) كأنني (وقد نقل أبو الطيب العذب من القوافي إلى المستكره الجافي فهما أحق بما قالاه.
وقال المتنبي:
لما تقطعت الحمول تقطّعتْنفسي أسىً وكأنّهُنَّ طُلوحُ
هذا من قول طرفة:
في سلفٍ أرعن مُتعنجرٍيقدم أولى ظُعن كالطلح
وبيت طرفة قليل الماء ناقص الرواء وبيت أبي الطيب أرجح لفظاً منه وأجزل فقد استحقه بالجزالة.
وقال المتنبي:
وجلا الوداع من الحبيب محاسناًحُسنُ العزاء، وقد جُلين قَبيحُ
هذا من قول القائل:
الصبرُ يحسن في المواطنِ كلّهاإلاّ عليك فإِنَّه مذمومُ
وقال الديك:
لو أطقت العزاء ما قلَّ صَبْريوقبيحٌ في الحبِ حسن العَزاءِ
وكل هذه المعاني تدخل في باب المساواة فالسابق أولى بها.
وقال المتنبي:
يجدُ الحمامُ ولو كوجْدي لانْبرىشجرُ الأراكِ مع الحمامِ يَنْوحُ
قال كثير عزّة:
لو أن الحمام الورق تعلم عُزلتيووجدي عن ليلي إذاً لبكتْ ليا
خصّ أبو الطيب شجر الأراك كأن الحمام لا يقف إلا عليه دون سائر الشجر ولو قال:
يجدُ الحمام في الأراكِ ولو كوجدي لانبرى شجر الأراكِ معه
ينوحُ
كان قد رد آخر الكلام على أوله والمعنى موجود في شعر كثير وبكاء الجيران معه أمكن من بكاء الشجر وكثير أحق بقوله.
وقال المتنبي:
وأَمَقَّ لو خَدَتِ الشمّال براكبٍفي عرضِهِ لأناخ وهي طليحُ
الأمق: الطريق، والطليح: المعيي وهو من قول أبي نؤاس:
وتتوفةٍ تمشي الرّياحُ بهاحسْرى، ويشرب ماؤها نُطفَا
فحسير في معنى طليح وذكر أن الرياح بها تعني وزاد معنى آخر بعدم الماء حتى يقسم بين سالكيها نطفاً وأبو الطيب ذكر أن راكباً لو خدت به الشمال في عرض هذا الطريق لأناخ طليحاً يعني الراكب وأبو نؤاس جعل الريح هي المعيبة فكان هذا القول أبلغ ولأبي نؤاس قد يعدمها أبو الطيب من عدم الماء فهو أحق بما نال وقد ألمّ مسلم بمعنى أبي نؤاس في قوله:
تمشي الرياح به حسرى مولّهةًحيرى تلوذُ بأطراف الجلاميد
ونقل هذا المعنى أبو تمام إلى ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه فقال:
لو تبارى جوده الريح يوماًنزعت وهي طليح حسيرُ
وقال أبو الشيص:
لا تقضي الرياح من شأوهاإِلا وهن الطلايح الأنضاءُ
وهذا من قسم المساواة.
وقال المتنبي:
نازعته قلص الركاب، وركبهاخوف الهلاك حداهُمُ التسبيحُ
معنى نازعتهم: أخذت منه بقطعي إياه وأخذ من الركاب بقطعها إياه مثل ذلك من التعب وقصر الحدا للضرورة وهذا للشاعر جائز.
قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: إذا قصرت الممدود فقد حذفت منه زيادة ومن شأن العرب الحذف والتخفيف وإذا مدّ المقصور فقد زيد في الكلام ما ليس منه فلا يجوز مده لذلك، وقد روى الكوفيون مدّ المقصور وليس ذلك بمختار عندنا لما عرفتك) وحداؤهم التسبيح (معنى قد جاء البصير بنظرة في فلاة فقال:
معترفٌ فيها الدليل أنهقد ضلَ عن قصد السبيل أضل
فالقومُ من محتسب لنفسهيلاحظُ الموت وداع منتهلُ
وقال دعبل:
إِذا أقحم الرُّكبان فيها تبتّلوافمستغفرٍ من ذنبهِ ومُسَبِّحُ
فقد اختصر أبو الطيب هذا الحديث الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
لولا الأميرُ مساود بن مُحمدٍّما جشّمت خطراً وردَّ نصيحُ
فقال:) ما جشمّت خطراً (متعلق بما تقدم وقوله:) ورد نصيح (من غير إعلام بما يصح فيه ضيق عطن وطلب للقافية وحشو ليس كحشو امرئ القيس حيث يقول:
كأن عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع الذي لم يُثَقَّب
فأفاد مع طلب القافية لفظاً ومعنى صحيحاً.
وقال المتنبي:
ومتى ونتْ وأبو المظفّرِ أمُّهافأتاح لي ولها الحِمامَ مُتيحُ
دعا على نفسه وعلى ما فيه: متى ونت عن قصد الممدوح وإنَّما دعا على نفسه لأن وناها يدل على تنته لأنه يقدر على حبها بالزجر والسوط فقد صار له في وناها شركة يستحق بها الشركة في الدعاء وهذا أحسن من قول الشماخ:
إِذا بَلَّغتني وحملت رَحْليعرابة فأشرقي بدم الوتين
ومثله قول ذي الرّمة:
إذا ابن أبي موسى بلال بلغتهفقام بفأسٍ بين وصليك جازرُ
فهذا من أقبح الدعاء من بلغ المسرات وواصل إلى الطلبات
وأقبح هذا المذهب ما رأى أبو نؤاس خلافه فقال:
وإذا المطيّ بنا بلغن محمداًفظهورهنَّ على الرَّجال حرامُ
قربننا من خير من وطئ الحصىفلها علينا حرمة وذمامُ
وإذا كان هذا جزاءها على تبليغها المراد كان جزاؤها على الونا الدعاء عليها بالإهلاك فمذهب أبي نؤاس كمذهب أبي الطيب على عكس المعنى فهو أحق بما قالاه ممن أساء الجزاء وأقبح الثناء.
وقال المتنبي:
شِمنا وما حجبَ السماءُ بروقَهُوحرّاً يجودُ وما مرته الرّيحُ
وهذا من قول أبي علي البصير:
تندى أنامله إذا يبس الثرىويسبح وابله وإن لم نمره
فجمع بين الندى واليبس وبين أن يجري ولم نمره الرياح سحّا والسحاب بضد هذه الحال فجود التقسيم والمعنيان متساويان في جودتهما فالأول أحق بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
مرجُوُّ منفعةٍ مخوفُ مضرةمغبوقُ كأسٍ محامدٍ مصبوحُ
أحسن من هذا قول ابن الرومي:
لاقى الرجال غبوقَ المجد فاغتبقوامنه، ولاقى صبوح المجد فاصطبحا
ليس في بيت أبي الطيب دلالة على أن سبق إلى المجد فصاروا منه في غبوق وصار هو في صبوح لتقدمه إيّاهم إنما ذكر أنّه مصبوح بالمحامد مغبوق وقد تمكن ذلك في يوم من زمانه دون غيره والذي يشبه قول أبي الطيب قول ابن الرومي أيضاً:
آل نوبختٍ: ليس يعدمُ راجيكم صبوحاً من رفدكم وغبوقا
على أن بيت ابن الرومي في قوله:) ليس يعدم (مقيداً لمدحه تقييداً ليس في بيت أبي الطيب مثله وابن الرومي في البيتين أرجح لفظاً وأولى بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
حنقُ على بدر اللَّجين وما أتتْبإساءةٍ وعن المسيء صَفُوحُ
لو قال: بدر النضار كان أبلغ في وصف الممدوح.
وقال المتنبي:
لو فرق الكرم المفرق مالهفي النَّاس لم يك في الزمان شحيحُ
قال البحتري في معناه:
لك من ذي الرّئاستين خلالُمعطيات في المجد حظاًّ جسيما
جملُ فيك لو قسمن على النَّاس لما أصبح اللئيم لئيما
وهذا يدخل في باب المساواة، فأمّا قول ابن الرومي:
لو كان مثلك آخركمما كان في الدنيا بخيلُ
فمقصر عنهما لأنه قد يستغنى بنداه من أن يكون بخيلاً فيبقى عليه ما صار إليه وقول أسلم أصل هذا المعنى وهو:
لو فرقت يوماً سماحة كفهفي العالمين لما رأيتَ بخيلا
وكلامه أعذب وقوله أوضح وأطيب فهو أولى بقوله ممن تأخر عنه.
وقال المتنبي:
ألغت مسامعُهُ الملامَ وغادرتسمةً على أنف اللِّئام تلوحُ
فصدر هذا البيت من قول أبي نؤاس:
فأعذرْ أخاك، فإِنه رجلٌمرنتْ مسامعُهُ على العَذْلِ
وعجزه أشار إليه المتلمس في قوله:
ولو غيرُ أخوالي أرادوا نقيصتيجعلتُ لهم فوق العرانين ميسما
ومن قول بعض الضبيين:
مياسم للئام منضجاتتلوح على الأنوف بغير نارِ
لو أمكنه أن يقول: تغادر فيرجع الكلام إلى الممدوح كان أحسن من رجوعه إلى المسامع كما قال المتلمس:
علت لهم فوق العرانين ميسما
لأن المياسم تجعل باليد لا بالمسامع ولا يشرح كم ألفت مسامعه الملام وغادرت
سمته على أنوف اللئام ولكن قد اختصر في بيت واحد ما جاء في بيتين فجاء بالطويل في الموجز القليل فغفر ذنب الأخذ من غيره واستحق ما قال.
وقال المتنبي:
هذا الَّذي خَلَتِ القُرونُ وذكرُهُوحديثُهُ في كُتْبها مشرُوحُ
هذا يحسن أن يمدح به نبي أو إمام وإن بشرت به الكتب قبل مبعث هذا أو ظهور هذا كقول مروان بن أبي حفصة:
ولدتم خير مهديّ وأكرمهفهدينا القائم الموصوف في الكُتبِ
فأما مدح أمير من الأمراء فكان الجيد أن يقول: تخلو القرون فيكون المعنى أنه قد سنّ أو شيئاً تخلو القرون معها وحديثه في كتبها مشروح لحسنها وقد أخذ هذا من مروان وقصر فالأول أولى بشعره ويكون مراده لو كان قال كما قلت لك مراده القائل حيث يقول:
لم يبق شيء من الدنيا يَسْر بِهِإلاّ الدفاترُ فيها الشعرُ والسمرُ
مات الذين لهم فضلٌ ومكرمةٌوفي الدفاتر من أخبارهمْ أثرُ
وقال المتنبي:
يغشى الطعان فلا يردُّ قناتَهُمكسورةً ومن الكُماةِ صحيحُ
هذا يشبه قول الفرزدق:
بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهمولم تكثر القتلى بها حين سُلَّت
وقد قال البحتري:
ألْوى إذا طعن المدجِّج صكّهُليديه، أو نثر القناة كُعُوبا
فأبو الطيب يذكر أنه لا يردها مكسورة ومن الكماة صحيح والبحتري يقول إن كسر القرن وإلاّ كسر القناة ونثرها كعوباً ليدل على قوته وقول أبي الطيب أبلغ وأرجح وممدوحه أشجع وأمدح فهو أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
وعلى التراب من الدماء مجاسدٌوعلى السَّماء من العجاج مُسُوحُ
صدره من قول أبي تمام:
أخو الحرب يكسوها النجيع كأنّماثبات الثرى مزروده في محاسدِ
وعجزه مما أنشد فيه أبي ﵀ قال أنشدني أبو بكر الصولي لنفسه في أبيات:
وفارق الشمس نور كان يألفُهاكأن آفاقها سدت بأمساحِ
وقد جمع أبو الطيب الكثير الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
يخفي العداوة وهي غير خفيَّةٍنظر العدوّ بما أسرَّ يبوحُ
هذا كقول القائل:
تبين لك العينان ما القلبُ كاتِمٌوما جنَّ بالبغضاء والنَّظر الشَّزر
قال ابن المعتز:
أَلاَ رب من ينأى عليّ بودهويزعمُ أني ظالم وهو أظلمُ
ويا ربّ من يخفي العداوة صدرهُوتظهر عيناهُ الذي كان يكتمُ
وهذه معانٍ متساوية، وقد كتب سليمان بن وهب في فصل من كلامه: نبو الطرف عنوان الشر.
وقال المتنبي:
وخشيتُ منك على البلادِ وأهلهاما كان أنذرَ قوم نوحٍ نوحُ
هذا يساوي قول ابن الرومي:
يجود حتى يقول المفرطون لهقد كاد أن يختلف الطوفان طوفان
وقال ابن الرومي:
أريحيّ تخاف بائقةُ الطون من بطن كفه أن تبوقا
وكل هذا يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
عجزٌ بِحُرٍّ فاقةٌ ووراءَهُرزُق الإِله وبابك المفتُوحُ
وهو من قول أبي تمام:
بها ليلٌ لو عاينت فيض أكفهمتيقنت أن الرزقَ في الأرضِ واسعُ
وهما متقاربان في معناهما ومبناهما.
وقال المتنبي:
وذكيّ رائحة الرياض كلامهاتبغي الثناء على الحيا فتفوحُ
قال ابن الرومي:
سأثني بنعماك التي لو حجرتهالأثنت بها منها شواهدُ لا تخفى
هب الروض لا يثني على الغيث نشرهُأمنظره يخفي مآثره الحسنى؟
فجعل هذا رائحة الروض تقوم مقام الثناء عليه وجعل هذا منظره يقوم مقام الثناء عليه وكل متقارب والأول أحق بما قال والتساوي يشملهما.
وقال المتنبي:
جهدُ المقلّ فكيف بابن كريمةٍتوليه خيراً واللسانُ فصيحُ
معنى هذا الشكر جهد المقل فكيف ظنك بأبن كريمة يوليه خيراً، وهو شاعر فصيح وهي غثة أحسن منها قول القائل:
وأغتنم قله الهدية منّيإن جهد المقل غير قليل
وبعدها أبيات أولها: كان يجب أن يقول إلى مسؤول حاجة أو ليس كل مسؤول كريماً ولا كل مسؤول لئيماً فيتنفس ودلت إليه رأيه ما رآه لنفسه في الجود من مذيق ومجض وإذا قال إلى كريم فسد لأن لفظ إطلاق الكرم يوجب أن لا يكون جوده مخصاً والمعنى الصحيح قول أبي نواس:
وإذا وصلت بعاقلٍ أملاًكانت نتيجةُ قوله فعلا
لما شرط العقل أوجب أن تكون نتيجة القول الفعل، أرى أن الكرم هاهنا لو استقامت أولى من العاقل.
وقال:
لا الحلم جاد به ولا بمثالهلولا ادّكارُ وداعه وزيالِهِ
قال أبو تمام:
نم مما زارك الخيال ولكنَّك بالفكر ربّ طيف الخيالِ
ومثله لابن الأحنف:
خيالك إذا زورك نصب عينيإلى وقت انتباهي ما يزولُ
وليس تزورُ من صله ولكنحبيب النفس عنك هو الوصولُ
وقال المتنبي:
إِنَّ المعيد لنا المنامُ خيالهكانت إعادته خيالُ خيالِهِ
معناه إنا رأينا في النوم شيئاً قد رأيناه قبله فصار ما رأيناه ثانياً خيال خياله يصف بعده عليه وبعد طيفه.
قال من قصيدة:
لنا ولأهلِهِ أبداً قلوبٌتلاقي في جُسومٍ ما تلاقي
يشبه قول ابن المعتز:
إِنَّا على البعاد والتفرقلنلتقي بالذّكر إن لم نلتقِ
وقال المتنبي:
وبين الفرع والقدمين نورٌيقود بلا أزَّمتها النياقا
قال الحصني:
ولو أنّ ركباً يمّموكَ لقادهُمْنسيمك حتى يستدلَّ به الرّكبُ
وقال المتنبي:
وخصرٌ تثبت الأبصار فيهكأنَّ عليه من حدقٍ نِطَاقا
يشبه قول القائل:
نظرن إليّ بالأحداق حتى كأنّي في قميصٍ من عُيونِ
وقال ابن الرومي:
وجهٌ إذا ما بدت للناسِ سنتهكانت عيون الورى مِنْ حوله سُبَّحا
وقال بشار:
ومكلّلاتٍ بالعُيُونِ طرقننا ورجعن مُلْسا
وقال المتنبي:
تبيتُ رماحُهُ فوق الهواديوقد ضرب العجاجُ لها رِوَاقا
يشبه قول ابن الرومي:
وأعمالي إليك بها المطاياوقد ضرب العجاج بها رُواقا
ما سدلت علة لمورود أكثر من تغلب بن داود، سدلت ولزمت وموروده.
وقال من قصيدة:
ومن سرَّ أهل الأرض ثم بكى أسىًبكى بعيونٍ سرّها وقلوبِ
قال ابن الجهم:
يا بني طاهر حللتم من الناسِ محلّ الأرواحِ والأجسام
فلإِذا خصكم من الدهر رزءعمَّ معروفكم جميع الأيامِ
وقال المتنبي:
فديناك من ربعٍ وإن زدتنا كرباًفإِنّك كنت الشرق للشمس والغربا
يشبه قول ابن المعتز:
ترى حيث ما حلّتْ من البيتِ مشرقاًوما لم يكن فيه من البيت مَغْربا
وقال أيضاً:
ليت الغمام الذي عندي صواعقهيزيلهن إلى من عنده الديمْ
وقال ابن الرومي:
أعتدك مربك إن يسعى ببارقهِتسمى أقوام بِنائله
وقال أيضاً:
وعندي منقص الصواعق منكماًوعند ذوي الكفر الحيا والثرى الجعد
وقال أبو الطيب:
إذا ترحلت عن قومٍ وقد قدرواأن لا تفارقهم فالراحلون همُ
قال أبو تمام:
وما الفقرُ بالبيد القواء بل التينبت بي وفيها ساكنوها هي القفر
هذا ما وجد من النسخة.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهفالناس أعداء له وخصوم
من الكتاب ولله الحمد، وكان الفراغ من نساخته يوم السبت لست ليالٍ بقين من شهر ذي الحجة من سنة سبع وثمانين وخمسمائة بخط مالكه مسعود بن عباس بن علي بن أبي عمرو، والحمد لله على نعمائه وصلواته على سيد أنبيائه محمد وعلى آله الطاهرين وسلامه.
النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع